(2)

6 0 00

(2)

على دكة خشبية عالية بعض الشيء عن تلك التي كنا ننام عليها في السطوح وضعوه ويداه على صدره، ووقف قبالته رجل انقبضَتْ لمرآه نفسي. كان طويلاً.. طويلاً.. يشد على وسطه حزامًا أزرق باهت اللون وينتعل حذاءً باليًا ذا إصبع من ذلك النوع الذي اندثر هذه الأيام، وكان يغرف بيده من الإناء ماءً دافئًا كان يصبه على الجسد المطروح أمامه، وهو يقرأ ويتمتم بكلام لا أفهمه، وخلف الباب أمي وأخواتها ونساء كثيرات لا أعرفهن يبكين ويصرخن، حتى إن إحداهن أغمي عليها من كثرة البكاء.. والرجل واقف في مكانه لا يعبأ بهن، وبين الفينة والفينة كان يقطع عمله ليشمر عن ساعديه ويصيح: "وحِّدوه.. وحِّدوا الله يا عالم"، فيزداد الصراخ ويتعالى النحيب، حتى الأطفال المعلقون على صدور أمهاتهم بدأوا يصيحون، واغرورقت عينانيَ في تلك اللحظة بالدموع، لا بد أن الأمر مهم إلى هذا الحد، ووددت لو أستطيع أن أفعل شيئًا، ولكني لم أعرف ماذا يكون ذلك الشيء؟ وظلت أغالب البكاء مدة، ثم انفجرْتُ في صياحٍ عالٍ لم أعهده في نفسي، ثم اندفعت خلال الممر الطويل –الدهليز- الذي كان يُغسل فيه إلى الشارع حيث تحرّشَ بي صبيّ أكبر مني سبق أن تشاجرْتُ معه مرارًا.. واشتبكنا بالأيدي، فأخذ يضربني على رأسي وصدري بقبضة يده، وركبته، وحتى برأسه، فلا أجد ما أفعل سوى الاستمرار في البكاء إلى أن خرج جمع المشيعين ووقفوا في صفٍ طويل، ثم حمل النعش خارجًا، حمله أربعة ثم وضعوه على الأرض أمام المنزل، وقرأوا عليه الفاتحة ، وصاح أحدهم بصوت عالٍ جدًا: "من أهل الخير إن شاء الله" وعلا النحيب مرة أخرى نحيب أمي وجاراتها، وتحرك الموكب، ووقفتُ أنا في مكاني لا أعرف ما الذي ينبغي عليّ أن أفعله؟ هل ألحق بالرجال أم أعود إلى المنزل؟ ومرّت لحظات والموكب يبتعد شيئًا فشيئًا، والنحيب يتضاءل، وفجأة قررتُ الجري وراء النعش.

كنت حافي القدمين، عاري الرأس، وظللت أعدو حتى أدركتُ الموكب الذي أخذ يتضخم كلما تقدّم به السير، كان الباعة وغير الباعة، وجمع المصلين الزاحفة إلى المسجد لتحلق بصلاة العصر، كان كل أولئك يشارك في حمل الميت، حُمِلَ عمّي للصلاة عليه، وصادف حين دخولنا المسجد دخول موكب آخر من باب آخر، وعندما أقيمت الصلاة، كانت على الأموات الحاضرين لا على ميت واحد.

كانت تلك أول صلاة على موتى بالنسبة إليّ ولم تكن آخرها، فقد أصبحت لي صلة كبيرة في مقبل أيامي بالموتى والجنائز وذلك حين كبرت قليلاً، وأصبحت في طور المراهقة، حين نذرتُ أن أحمل كل ميت يُصَلّى عليه وأنا بالمسجد حتى أوصله إلى مثواه، وخاصة أولئك الذين لا يتبعهم جمع غفير من الصحب والأقارب.

وانتقل الجثمان من يد إلى أخرى خارج المسجد بسرعة كبيرة، فلقد شارك كل من خرج من باب المسجد سائرًا في اتجاه المقابر في حمله، في حين سار خلفه عدد من الناس، ووضع بعضهم على رأسه جبته- كانت تلك سمة توضح أهل الميت- ومع أنني ربما كنت أقرب إنسان له، إلا أن أحدًا لم يعبأ بي، كما أنني لم أعرف من أقربائه أحدًا سوى شيخ كنت أسمع عمي يناديه بكلمة يا "خال".

وحول الرمس الذي وُوري فيه، تدافَعَ الناس ليشاركوا في تنكيسه وفعلت كل ما في وسعي حتى لا يفوتني رؤية شيء، ولقد جلست أخيرًا وبعد أن دافعت من حولي على حافة القبر أشاهد المنظر الذي عاش في نفسي منذ ذلك اليوم، وكان آخر ما لمحته في ظلمة القبر تلك اللحية البيضاء منثورة على صدره بعد أن كُشف عن وجهه،وقيل أن تطبق الصخور الكبيرة عليها، ويبدأ الجميع يحثون التراب عليه.

لم أنم تلك الليلة في يسر كما اعتدت دائمًا، ولم يكن ذلك لأنني حزنت على عمي – فالحق لم أحزن عليه، ولا أظن أن أحدًا حزن عليه بما فيهم والدتي -ولكن تلك التجربة الجديدة منذ الصباح حين سُجي وأغمضت عيناه إلى أن لمحته لآخر مرة، وعصاته هذه، والحذاءان يقفان أمامي قرب الفراش الذي كنت أنام عليه، كل ذلك غاص في أعماقي وظل راقدًا هناك بدون أن أشعر آنذاك أنه سيعيش معي لسنوات وسنوات.

لقد رأيتُ الموت في أبسط صورة وأوضحها، وظل ذلك اليوم يحفر في نفسي وأنا لا أدري.

وعدت إلى المدرسة بعد أن انتهت أيام العزاء الثلاثة لأجد أن الجو قد تغير حولي، فلم يضربني المعلم لعدة أيام، بل إنه ضرب أحد لداتي حين شكوتُه إليه ظلمًا، حتى أن زملائي أخذوا يحيطونني كل صباح وهم يسألون عن الجنازة، والميت، والغسّال، والقبور، وأنا أروي لهم القصص التي كان يمدني بها خيالي الطفل، وحكايات جدتي عن الكلب الأسود الذي ظل ينبح ثلاث ليال متتالية قبل وفاة عمي، وأضيف إليها الجديد كلما أعدتها، وهم لا يملون سماعها أكثر من مرة.

وبعد أيام، وكما يبلى أي شيء بليت حكاية عمي، وفقدت من حولي ذلك الاهتمام الذي أحطت به فترة من الزمن.

***