-1-

7 0 00

-1-

يا إلهي،

من كان يدري أن ما حدث كان سيحدث، وأن رنّة الحزن ستمتدّ وتستطيل مثل وهج النهار.

من كان يدري أن البنت جورية، زينة الحي، الطويلة الملأى ذات الغمازة العميقة الضاحكة.. ستدير ظهرها لعبودة الذي منّى العمر كله أن يأخذها بين ذراعيه في ضمّة حانية لهوف، ثم.. فليأت الطوفان.

أبداً، ما من أحد، من أبناء الحي، كان يشكّ بأن جورية الرهيفة قد تعبت كثيراً مع أمها العجوز التي تورّمت ساقاها، فعجزت عن الحركة، وعادت مثل طفل صغير، تنظرُ بعينيها فقط، وتهمهم وتناغي من دون كلام.

لقد أقعدها المرض، فباتت تقضي شؤونها كلها في فرشتها الملونة التي شرعت بين حين وآخر، تطلق روائح لا تحبها جورية، تلك الروائح التي لا تشمها أمها أبداً، لكأنها صارت جزءاً منها أو جزءاً من المكان.

(كانت جورية، وفي غبشة الصباح، تفتح النافذة الوحيدة، وتنظف جسد أمها بعناية شديدة، تمسحه بالماء الدافىء والصابون، وتدلك ساقيها بزيت الزيتون الصافي، ثم تكنس أطراف الفراش، وتسحب الأوساخ، وترش هواء الغرفة بالكالونيا. وحين يغدو كل شيء في تمامه، تغادر الغرفة، ونظرُ أمها عالق عليها يطردها بالرضا والامتنان. تغسل يديها ثم تهيء طعام الإفطار لها ولأمها وسط حديث وحيد، وتمتمات حزينة، وضحكات صغيرة مرتبكة، ورجاءات طويلة بأن يمنّ الله عليها بالشفاء لتملأ بيتها بالحركة والأحاديث، والضحكات الصاخبة، لكن الرجاءات ظلّت رجاءات، والأماني يبست على الأماني).