-3-
وفي المساء.
جاءها عبودة على موعدها، ممنياً النفس بلقياها، وقد غابت كل النهار، حاول مراراً أن يراها فوق السطوح، أو قرب بوابة الدار، لكنها لم تظهر. كان مستنفراً لا يهدأ على حال.
دفع بوابة السطح بهدوء، فصرّت بأنين حزين لم يعهده، فانقبض قلبه وانتفض. وخطا إلى الأمام. كان ما بينه وبين الغرفة الصغيرة المنزوية في آخر السطوح، ممر طويل ضيق. تقدم، فتناهى إليه ضجيج خافت رتيب يتعالى من الغرفة، لكأن جورية تعد له مفاجأة للقاء. بدا مضطرباً لا يحس بالظلمة التي ظلّلت الأشياء. تقوده قدماه نحو مكانهما المعهود. ولم يفطن لغياب هديل الحمام، وفزعه الحميم الذي اعتاده كل مساء. وفي مرقدهما هبط منتظراً قدوم جورية، ووقع قدميها فوق الخشب الحنون. انتظرها طويلاً ولم تأت. حتى لكأن طيور الحمام نامت مبكرة، وإلا فأين هديلها، وحيرتها اللجوج؟!! ابترد قليلاً وجورية لم تأت. انتظرها وقتاً آخر، ولم تأت. ظلت ممعنةً في الغياب. أخذته الحيرة، ولعبت به الظنون، وهاجمته المخاوف والهواجس، فنهض كالمقروص. ومضى حذراً نحو الغرفة كمن يمشي على أنفاسه. اقترب من الغرفة، بحث عن بابها وسط العتمة التي لا تفصح عن شيء، ولم يجده، دار حول الغرفة ولم يجد الباب أيضاً، أحسّ كأنه أضاع المكان. استدار ثانية، وجاء الغرفة من طرفها الآخر، فقابله الجدار، عاد فجاء إلى الغرفة من مدخلها الطويل الضيق، مقابلة لبابها لكنه لم يدفعه، أو يطرقه فقد صار في وسط الغرفة تماماً. هي ذي نافذتها مشرعة، تعبرها الريح الضاجة الرتيبة. لكن أين جورية وأين أمها الرقيدة، وأين الفراش؟! فما من أحد هنا. دار في المكان الصغير واستدار. حوّم طويلاً، لكن لا أحد. فالغرفة وحيدة بلا أنفاس. يكاد يهوي. يتقاوى قليلاً، فيستند إلى أحد الحيطان. يجول ببصره فيما حوله فلا يرى شيئاً ولا يسمع أنيناً أو لهاثاً. يحسُّ بأنه وحيد مع الريح العابرة. ويدور ثانية كمن يبحث عن الهواء. أبداً ما من أحد هنا، ما من شيء! ينحني على الأرض. يمسحها بيديه وبجسده، فيحسُّ ببرودتها بعدما اختفى بساط الخرق الملونة. يجفل عبودة، ويدرك أن المفاجأة وقعت، فالغرفة وحيدة تماماً. لكنه لا يصدق.
يشرع في المناداة، والهمهمة، ويمضي في البحث والدوران.
يتعالى زفيره، ويمتدُّ لهاثه، لكن دون جدوى، يوهم نفسه بأن جورية موجودة لكأنها عالقة به فيناديها، ويغمغم بالكلام، وما من أحد. وحين يهدّه التعب واللوبان يجلس خائراً، خائباً.. كأنها لحظات ما قبل البكاء. يخلع حذاءه ويمشي حافياً لعل قدميه تلامسان آثار الخطا التي مشتها جورية، ويلمس الحيطان بيديه، ويمر بأصابعه على الرفوف المذيلة بأوراق الجرائد المقصوصة يبحث عن صندوقها ليضمَّ عرائسها القماشية، وأمشاطها، وليقبّل مرآتها التي رأت وجهها طويلاً. ودَّ لو عثر على ثيابها المعلقة فوق المسامير لشمّها ثم لثمها.. ليمتلىء برائحتها. لكن لا شيء هنا. لا أحد سوى الحيطان.
يهبط الدرج إلى الأسفل، الأسفل، الأسفل. ينفلتُ في الأزقة والحارت. يمشي الدروب التي مشتها، لعله يصادفها آيبة إليه. يقضي الليل البارد العبوس باحثاً عنها في كل الأرجاء، وحين يطلع النهار يمضي مبكراً إلى البيوت التي عملت فيها ويسأل عنها. يواقف الناس ويسألهم، يناديها، كلما انفرد بنفسه، بملء الصوت لعلها تبدد كل هذا الجولان.
بدا، كمن ضيّع روحه، ناشطاً في البحث، والمطاردة، والسؤال، لكن دون جدوى، فعاد، وقد عاد المساء، وافاها على موعدها كأنه يجيء إليها للمرة الأولى. دفع البوابة، فصرّت بأنين كالبكاء، ومضى في الممر الطويل نحو غرفتها التي تصفر فيها الريح. بحث مرة أخرى، ونادى طويلاً. لكن ما من أحد. بدا المكان كالخراب. صعد الدرج الخشبي فشعر، لأول مرة، بأن صعوده لا يترك وراءه ذلك الرنين العذب.
صعد متراخياً لكأنه في جنازة. مضى.. فوق السطوح، نحو البراميل وأعشاش الحمام. وما من أحد. أحسّ بالبرودة تملأ قلبه. فنادى، وردّ الصدى جورية. ولا أحد، دار ولفَّ حتى خارت قواه، فارتمى، لكأنما الدنيا دارت به أو انعتمت عليه، وقد أيقن أن كل شيء انتهى، وأنه كان في حضرة السحر ليس إلا.رفع رأسه نحو السماء الفسيحة المُنجمة، فرأى من حوله طيور الوطاويط محوّمة في المكان، لها رهجة الفضة كلما استدار بها الجناح، فراح يراقبها، وهو يحسُّ، وقد هاجت الروح، بأنها.. طيور الحمام.
الملاك الحارس
مساءً،
أحسستُ بالأسى يملأ قلبي، وقد بتُّ وحيداً في الحديقة العامة، وهما لم يحضرا بعد!!
لا أحد حولي، لا عشاق يتهامسون، ولا أطفال يجرون أو يتصارخون، ولا عجزة مثلي يتأملون.
يخيفيني هذا الفراغ العجيب، فأطلق بصري في ما حولي فلا أرى سوى المقاعد المنزوية تحت الأشجار ، وقرب مراتب العشب، وفي البعيد، أرى الحارس العجوز الضامر يترامح هنا وهناك ، يغلق الأبواب ، يتفقد الأدوات والأسيجة ومصابيح الإنارة، ويخرج!!
كان المطر ، قد بدأ منذ لحظات ، يتساقط ناعماً رخواً، وكنت ألوذ بمعطفي الأسود الطويل تحت واقية التوتياء المصبوغة بإعلانات الأشربة الباردة، أتفرج على الناس الهاربين من المطر وعتمة المساء والريح اللافحة، والسيارات اللجوجة، والبيوت التي راحت تبدي جمالها بعدما أضاءت نوافذها وشرفاتها العديدة. أحسست بوطأة الصمت ، ووحشة المكان، وبوحدتي المديدة، فهممت أكثر من مرة أن أذهب وقد ازدادت البرودة وتضاعفت، إلا أن شوقي لرؤيتها وهما يتهاديان إلى موعدهما الاعتيادي، جعلني أتلبث في مكاني لكي أراهما فقط!!
كانت روحي، لحظة يطلان، تطمئن وتهدأ كأنني ملاكهما الحارس، وما أن يجلسا حتى أنهض مديراً لهما ظهري، متميناً لو أن أشجار الحديقة تتقارب وتتزاحم حولهما لتحجبهما عن نظرات الناس اللائبة. لا أدري ما الذي حببهما إليّ دون باقي الخلق الوافدين إلى الحديقة.
كما لا أدري لما رضيتُ عن لقاءاتهما دون أن أعرف محتواها؛ بل لا أدري لماذا كان النوم يجافيني في المساءات التي لا أراهما فيها؛ كلّ ما أدريه هو أنني ، وكلما رأيتهما ، تذكرت الماضي ، يوم كنتُ ألتقي ربيعة قرب بيتهم بعيداً عن العيون الراقبة؛ ربيعة جمال الدنيا الذي لا أنساه، وغصّتها التي لم أستطع محوها بعدما التهمها المرض فجأة فقطع خيطها مرة واحدة!!
طال الوقت وامتدّ ، ولم يأتيا!! لعنتُ العتمة والبرد الشديد؛ لكنني لم أفقد الأمل، ولم أغادر مكاني.
نشطتُ في مراقبة المداخل، وأرهفت سمعي، ولكن دون جدوى، فالحارس ولى بعدما سها عني قاصداً كعادته.
أخثر بصري فوق مقعدهما الخشبي القريب مني، والمتواري وراء مشتل الورد القريب من الشارع العام، والمطل على البحرة الواسعة ونافورتها التي تحيل الماء إلى خيوط من الفضة اللامعة.
لقد اعتدتُ على رؤيتهما في كلّ مساء وهما يتقدمان ببطء فوق خطا خجلى نحو مقعدهما المعهود، وقد عششت كفُّ الفتاة البيضاء الطويلة في كفّ رفيقها الطويل الأسمر، وقد مال رأسها نحو كتفه لائذاً في هجعة أرقُّ من الشوق وأحنّ ؛ يمشيان على مهل وهما يتبادلان الهمس، والنظرات ، والدفء الرغوب. لم اقترب منهما أبداً، ولم أر تفاصيل وجهيهما، ولم أسمع همهماتهما. كنتُ أكتفي دائماً بعذوبة هذا المشهد الرخي، وبرهافته الآسرة.
في مرات قليلة ، كنتُ أشعر بالحزن وأنا أرى الشاب يدخل الحديقة وحيداً يهفو إلى المقعد كالمطرود، يجالسه ويمسّد عليه بكفّه لكأنه يدفئ المكان والوقت ريثما تأتي هي، فلا يهدأ أو يستكين إلا عندما يراها قادمةً على عجل تهمي مثل عيدان القصب، ترمي للدرب خطاها ولهاثها ونظراتها الشرود؛ لحظتئذٍ يصير مشهد اللقيا أبعد من اللهفة وأبقى!!
أحسُّ بالليل يوغل في العتمة والهدأة الفائقة، وهما لا يأتيان. تأخّر الوقت كثيراً ، والبيوت أطفأت أنوارها، وهما لا يبدوان! أرفع قامتي رويداً رويداً، وأدفع خطاي نحو مقعدهما الوحيد البارد، فيلفّني المطر الحنون، ونظري يلوّب عليهما حائراً هنا وهناك في مفارق الحديقة، وخلف الأشجار فلا أرهما. أصل إلى المقعد. أدقق النظر فيه كأنني أراه للمرة الأولى. ألمّس عليه. أمسح نقاط المطر المتساقطة على أطرافه. أطرد بلله، وأجمع أوراق الأشجار الصفر المتناثرة حوله، أجعلها طبقاً فوق طبق مفرشاً طرياً لأقدامهما. أبدو كمن يؤثث المكان بأنفاسه وحيرته، وحين أطمئن أنسل مبتعداً كي لايضبطاني خلسة قرب عشهما فينفران كطيرين عزَّ عليهما الأمان، وقبل أن أحث الخطا خارجاً استدير نحو المقعد، أحدّق فيه وأطيل النظر، ثم أحدّق فيه وأطيل النظر ، فلا أمضي إلا وقد رأيتهما مثل غيمتين يهبطان عليه بعدما أعياهما التعب والجولان، إحداهما تدنو من الأخرى وتمسح عليها كيد ناحلة تقطر زيتاً تمرّ بخشوع على أيقونة ملأى بالألم العميم، وابتعد حابساً أنفاسي وطاوياً وقع خطاي، وقد خلفتهما ورائي تضيئهما أنوار السيارات حيناً ، وتخفيهما حيناً آخر في لحظة أرحب من المساء وأغنى!!
انتظار لمساء بعيد !!
1- الرسام
لقد انتظر هذه الفرصة منذ زمن بعيد، وها هي تدنو في هذا المساء، فهم قادمون ليروا لوحاته الجديدة في غرفته الصغيرة التي يسمّونها كوخ الألوان!!
بكَّر، مع الغروب تماماً، في إعدادها وترتيبها. انتقى اللوحات الهادئة الألوان، ودفعها إلى المقدمة، وجعل صدر الغرفة الواطئة المقشورة الدّهان للوحة (نساء الفجر) التي امتصّت من عمره سنوات حتى أتمّها، كانت عصيّة مثل سلوى!!
2- سلوى
كانت طويلة بيضاء ملأى، تحبُّ الموسيقى والشعر، والبيوت العتيقة، والناس. لها غمازة وشعر أسود طويل يحكيان أكثر من الكلام؛ سلوى عطشه الأبدي الذي حبَّبَ إليه الناس والمدينة.
* " قال: المدينة سكين راعفة"!
* " قالت: المدينة دفء وأصحاب"
* " قال: المدينة برودة، وسهر، وأولاد حرام"!!
* " قالت: المدينة حبيب، وعريشة ياسمين، وحفنة من زبيب أشقر".
* " قال: المدينة علقم"!!
* " قالت: الوقت سكّرها"
* " قال: الغرفة معتمة رطبة، تضيق عليَّ"!!
* " قالت: ليست أضيق من أحلامنا".
* " قال: العجوز حفيظة مؤجرتي، تترصد حركاتي"!!
* "قالت: تخاف عليك".
وصمتا، تاركين لكفيهما مواصلة الحوار"!!
3- العجوز حفيظة
حين رأته في المرة الأولى، أحسَّت أنها تعرفه منذ زمن بعيد، وما أن طلب منها أن تؤجره إحدى غرف قبوها، حتى وافقت ودونما سؤال. مشت أمامه وأومأت له أن يلحقها، وبعد خطوات قليلة دلّته على غرفته. فتحت الباب، فخرج هواء ثقيل دافىء، وأضاءت المصابيح، فنهض أمامهما سرير صغير مغطّى بشرشف أخضر اللون، وطاولة صغيرة عليها صحن سيكارة من البللور، وزهرية ورد فارغة، وفي الطرف البعيد بدت ثلاثة رفوف من صاج الحديد مغطّاة بطبقة من الجرائد القديمة، وجرة ماء محشوة في كيس من الخيش المقلّم باللون الأحمر، وكأس ماء نحاسية مدوّرة، وبعدئذٍ، قادته إلى المطبخ، وقالت:
* "هنا تطبخ، وتصنع قهوتك،
وفي الغرفة ترسم وتنام" !!
ولم يقل لها شيئاً، بل همهم لنفسه:
* " إنها فهيمة، عرفتني من الألوان التي صبغت أصابعي وأطراف قميصي"!!
واستدارت دون أن تقول له أية كلمة أخرى، وظلَّ هو يرامقها، وهي تخطو نحو غرفتها المجاورة، إلى أن غابت!!
4- الرسام
عرف الكثيرين في المدينة الواسعة، لكنه لم يحب سوى قلّةٍ منهم. كان وحيداً تماماً لولا وجود سلوى التي عوّضته عن كائنات عديدة؛ بها أطفأ أشواقه وحنينه لقريته البعيدة التي لا يتذكرها الآن إلا على شكل طيف يتوازع ما بين أمه وأبيه؛ طيفٍ يبتسم له حيناً ويعبس له أكثر الأحيان !!
5- سلوى
كانت وحيدةً مثله تماماً، تعيش مع أمها المطلقة منذ زمن بعيد. ليلاً، تنسجُ الأحلامَ التي تمحوها النهارات القاسية. تبكي بعيداً عنه كما يبكي هو بعيداً عنها؛ فلا يلتقيان إلا مسافة ضوء شمعة؛ لحظتئذٍٍ، تهبُّ سلوى واقفةً، تتمنى له أحلاماً وردية وتقبّله، ويتمنَّى لها نهاراً بكراً ويقبّلها، وحين تُفلتَ الكفُّ كفَّها.. يسقط القلبان في ضجيج يرجُّ المدينة!!
6- العجوز حفيظة
راقبته في أيامه الأولى، ثم في شهوره الأولى، ثم في سنواته التالية، فاعتادت عليه. كانت، وفي كلِّ مساء، تأخذ له صحناً من طعامها، تقول له:
* " أنت ابني، كلْ من يديَّ" !!
فيبتسم لها، ويبدأ بالأكل دونما انتظار أو أنه يشمُّ الطعام ويدور به كأنه طفل يهدهده أو يناغيه، فتفرح العجوز وتنتشي، وقد وارت ابتسامتها العريضة بكفّها اليبوس، بعدما أيقنت بأنه لن يُخيب أملها أبداً؛ فقد تآلفا على نحو غريب. أهداها لوحةً ضاجةً بالألوان حين أهدته أصيصاً من الحبق والنعناع. قالت له:
* " النافذة عارية من دون حبق أو نعناع"!!
وقال لها:
* هذه روحي، خذيها، علقيها على أحد الحيطان"!!
7- الرسام
دعاهم بحرقة بادية، ورجاهم أن يأتوا بعدما أنجز كلَّ شيء، دعاهم لكي يرى ما إذا كان إعجابهم بلوحاته سيقوده إلى إحدى صالات المدينة المتكاثرة كالفطر. رجاهم أن يقولوا ما يحسّون به، وأن ينتقدوه، وأن يكونوا قساة على لوحاته؛ فهو لا يريد مجاملةً أو كلمات ملأى بالحياء. قال لهم:
* " تعالوا كالمناجل.. أرجوكم"!!
وتواعدوا مساءً على اللقاء. ومع الغروب، أخفى نباتات الحبق والنعناع، وغطّى سريره بصفحات الجرائد، وأخرج الطاولة وزهرية الورد الملأى بالورود الجميلة، وكتل الشمع الخرافية التي سيلتها شموع الليالي الفائتة، ووارى صحون السكائر النحاسية والبللورية، ونقل جرة الماء إلى المطبخ، وأدار عناوين الكتب وألوانها إلى الحائط، ونزع رسائل أصدقائه الصغيرة الملوّنة منها وغير الملوّنة المعلَّقة على ظهر الباب، رتَّبها فوق بعضها بعضاً وطواها بين تضاعيف كتاب. أبعد أمشاط سلوى وشرائطها الملوّنة، وأقراطها الصغيرة جانباً، وسحب السجادة الصغيرة إلى خارج الغرفة، نفضها وأسندها إلى الجدار؛ أراد أن يُبقي المكان كلَّه للوحاته فقط، لا شيء يغالبها أو يأخذ منها؛ وانتظر، لكنهم لم يأتوا!! بل إن سلوى حبره اليومي لم تأت هي أيضاً!!
8- سلوى
لم تواعده على المجيء، كما لم تره ذلك اليوم؛ كانت مشغولةً بأمها التي أرهقتها كليتاها في الفترة الأخيرة. أخذتها إلى المشفى صباحاً من أجل الغسيل المعتاد؛ لكن الجهاز كان معطلاً! حاولت أن تبحث عن جهاز آخر في مكان آخر لكنها أخفقت؛ لهذا أخذت أمّها إلى طبيبها الذي وصف لها دواء مضاعفاً يساعدها ريثما يصلح الجهاز. كانت سلوى ذلك المساء حزينة مطفأة؛ وكانت أمها راضية لأن الله أكرمها وأنقذها من عذاب الجهاز الفظيع!!
9- العجوز حفيظة
ها هو الليل يتقدم، وهي تراقبه بحزن شديد؛ فقد شرع يعيد الأشياء التي أخرجها إلى أمكنتها المعتادة، وكأن ما فعله لم يكن إلا تبديداً للوقت ليس إلا. بدا لها الآن رجلاً لا تليق به سوى الشفقة الجارحة!!
10- الرسام
أحسَّ أن الغرفة باردة وموحشة من دون نباتات الحبق والنعناع، وجرة الماء، والكتب، والطاولة، والكراسي، وأمشاط سلوى وشرائطها وأقراطها، والشموع ذات الكتل الساحرة، فأعادها جميعاً إلى أمكنتها، فرش السجادة فبدت ألوانها الزاهية، وجمع الجرائد من فوق سريره، وأعاد للشباك نباتاته، وللباب رسائل الأصدقاء الملوّنة، ووزّع الكراسي حول الطاولة، وأوقد الشموع العديدة، وأبدى رفوف الكتب وعناوينها، وأعاد جرة الماء، ونقع خيشها ليبترد ماؤها أكثر، وأخرج صحنين من الخزف الأبيض، الأول ملأه بالفواكه، والثاني بالزبيب الأشقر، ثم جال بنظره في ما حوله، فشعَّ المكان وازدهى بألوانه الباذخة، لحظتئذٍ، تقدم من ثيابه المعلّقة واختار منها قميصاً وبنطالاً تحبًّهما سلوى ولبسهما، وضبط قيافته على مرآته الصغيرة، ثم جلس يدخن بانتظار أصدقائه الذين تأخروا كثيراً، ولام سلوى وعتب عليها بعدما التهمه طيفها وقد جافاه طويلاً؛ سلوى التي ما اعتادها تحرق مساءاته على هذا النحو من القسوة البالغة!!
11- سلوى
كانت في تلك اللحظات تكتب له قصيدة اعتذار، وترجوه لو أن وجهه يتوحّد ووجه أمها، أن يصير هو هي، فبهذا فقط لا تنشق روحها كلَّ مساء إلى نصفين، نصف له ونصف لها، وتصير هي كلَّ هذا الخواء!!
12- العجوز حفيظة
ظلّت تراقبه وهو ينتقي ويرتّب، كأنها ترى شريطاً مصوّراً يعاد أمامها للمرة الألف!!
13- الرسام
لم يدر كيف أحسَّ أن سلوى دلفت، ودلف وراءها الأصدقاء أيضاً، فابتهج لمرأهم جميعاً، وامتصَّ غيظه وعتبه بعدما حضروا أخيراً. ولم يكن أمامه وقد رآهم يحتشدون ويتدافعون أمام لوحاته إلا أن يقوم بدوره معرّفاً، وشارحاً، ومقارناً أيضاً. أبدى لهم تفاصيل الفن الدقيقة وأسراره العظيمة، وراح يرامقهم فرحاً، وهو يرى حالات الانخطاف والدهشة وهي تلفّ وجوههم، فتوّرد وجهه كما تورّد وجه سلوى، كأن خمرة مشتركة سرت فيهما. كان سعيداً بهم؛ ضاجاً بفرح طفولي لم يقو على مواراته أبداً!!
14- سلوى
ها هي تقرأ على مسامع أمها إحدى قصص ألف ليلة وليلة، تمشي مع الشطار، وتقابل الخلفاء، وتنشد الأشعار، وتمرّ بالأسواق، تنتقي الجواري والخيول والرجال؛ ثم فجأة، تشهق وقد شهقت أمُّها شهقتها الأخيرة؛ لحظتئذٍ، يضجُّ المكان وينعتم، وتتطاير الكلمات والأسطر، ويطوى الكتّاب!!
15- العجوز حفيظة
الآن، وبعد مرور كلّ هذا الوقت الطويل، ما عادت تطيق صبراً وهي تراه وحيداً يتقافز أمام لوحاته، يتلفت حواليه لكأنه يتحدث إلى آخرين أحاطوا به، فراح يشرح لهم عن الألوان ومعاني الموضوعات وتعبيراتها، وبصوت ضاجٍ عالٍ، تسمعه يتحدث عن طبقات اللون وخصوصيته، ومفارقاته السرية ما بين لوحة وأخرى وسط حمّى من النشاط المفرط الذي يبديه في آخر الليل!!
لقد اعتادت، ومنذ سنوات، أن تراه كلَّ مساء، وهو يرتّب لوحاته على حيطان غرفته، ويعدّ طقسه المسائي الطويل هذا؛ يظلُّ على اضطرابه وحيرته وهو يراقب الوقت، يجول ما بين اللوحات وباب غرفته المفتوح ، يقوم ويقعد منتظراً قدوم أناس تأخروا في المجيء، وتظلُّ هي، إلى آخر لحظة، تنتظر أي شيء جديد يغيّر رتابة المشهد أو يحرف الطقس عن نهايته المعتادة؛ ولكن دون جدوى. وحين تحسّ بأن الانتظار سيفتك به، وقد تقدّم الليل، تنفر إليه، تقرع بابه المفتوح منبهةً، فيلتفت إليها؛ يراها واقفةً في ثبات وهي ترميه بنظرات العتب الطويلة؛ فيرتبك في حضرتها، وينطوي على نفسه، يحسُّ أنها كشفته مرةً أخرى، وأنه خذلها في هذا المساء أيضاً لأن الآخرين الذين انتظرهم طويلاً لم يأتوا؛ يودّ لو كان بمقدوره أن يصارحها الآن بأن لا أصدقاء له، ولا حبيبة، وأنه يخفي هذا عنها إلى أن يحين موعد الاعتراف الأخير، ويسمعها، بدل أن تقرّعه أو تلومه، تهمس له كعادتها كلَّ مساء:
*" أريد أن أنام يا بني،
جئت لأقول لك تصبح على خير
لكي تنام أنت أيضاً" !!
ولا تمضي من أمامه، وقد نكَّس رأسه كراية ، إلا بعد أن تراه قد أغلق الباب والنافذة، وأطفأ المصابيح والشموع.. ونام!!
فتحية
على باب الملجأ،
اعتاد أن يقف ساعات طويلة في نهاية الأسبوع.
يراقب الفتيات الخارجات بوجوههن المصفرة المتعبة، وعيونهن الراقصة، وشعورهن المرتبة، وأطوالهن المتفاوتة.
يرامق الوجوه جميعاً ويدقق فيها واحداً واحداً؛ حتى أنه كاد يحفظها بكل تفاصيلها، فباتت مجموعة من الصور المتتالية ما أن يلمح أحدها حتى يعرفها جميعاً، فيتمنى لو أن هذا الوجه أو ذاك يصير وجهاً لفتحية!!
لقد عرف أنها أودعت هنا في هذا الملجأ بالذات منذ عشر سنوات فائتة ، وفي أثناء سفره!! وضعتها أمها التي طلقها في ساعة طيش وغضب ، وقد أرسلت إليه رسالة، أخبرته فيها أنها أحبت فتزوجت فسافرت مع زوجها الجديد إلى خارج البلد، وأنها أودعت ابنته التي كرهها الزوج الجديد في ملجأ "الطفولة السعيدة"، فطار عقله وجنَّ لأن زوجته المطلّقة غدرت به وبابنتها أيضاً بعدما رجته قبل سفره أن يترك لها البنت لتربيها أحسن تربية طوال السنوات التي يسمح لها الشرع بحضانتها؛ في أول الأمر رفض بشدة، قال للذين وسّطتهم زوجته:
* "زهرية ، امرأتي ، وأعرفها،
تكرهني كره العمى. إن تركت البنت فتحية لها
ستربيها ضدي ، وهيهات أن أقنع البنت بي
حين تعود إليّ بعد سنوات من القيل والقال،
والتعليم والتلقي!
لا شك أن فتحية ستكرهني لأنها لن تجد فيَّ إلا وحشاً أبعدها عن أمها"!!
لكن ضغط أولاد الحلال ، وتوسلات زهرية، وبكاء البنت المرّ.. كل ذلك جعله ، في نهاية الأمر، يوافقها ، فترك لها فتحية وسافر حين ضاق المكان عليه ؛ لكنها لم تحفظها!!
فجنَّ الرجل لأنه ما كان يتوقع أن يحدث مثل هذا لابنته؛ حيلته الباقية في هذه الدنيا، ولأنه لم يتمكن فوراً من ترك أعماله التي ارتبط بها في البلاد التي سافر إليها، فهو لم يعد إلى ابنته مبكراً ليخلّصها من أنظمة الملاجئ وقسوتها.
حاول كثيراً أن يترك كل شيء ويعود فأخفق !! انتظر إلى أن واتته الظروف فحزم حقائبه ورجع! ولم يتوقف إلا أمام باب ملجأ "الطفولة السعيدة" وقد بحث عنه طويلاً! حين قرأ العنوان، ابتهجت روحه، فعبَّ نفساً عميقاً لكأنه يخرج من نفق، وهبط الدرج إلى آخره، ووقف أمام الباب الحديد الأسود ليتأمل المكان، فأحسَّ بقسوته ووحشته أيضاً ، فلا نبات هنا ولا زهور ، ولا شبابيك ولا هواء ، ولا صخب ولا ضجيج، وهزّ رأسه بحزن وقرع الباب بشدة، وانتظر بارتباك واضح ، ثم قرعه على عجل وانتظر، فجاءه رجلٌ عجوز طويل ضامر. فتح الباب له، ودعاه إلى الدخول دون أن يسأله ماذا يريد ، وأغلق الباب وراءه بضجة عالية، ثم مضى في الممر الطويل الضيق، يقوده العجوز الضامر الرث الثياب إلى غرفة مفتوحة، شديدة الإضاءة.
وهناك قابل مديرة الملجأ. عرّفها إلى نفسه ، وسألها عن فتحية، فأنكرت معرفتها بها وهي تبتسم. أعاد السؤال بإلحاح وترجٍ فأنكرت أيضاً، وقد اعتكر وجهها وأظلم، وعندئذٍ أخرج رسالة زوجته الباهتة الحروف ورماها أمامها، وقال لها:
* " أرجوك ، البنت عندكم،
هذه رسالة أمها،
وأنا أبوها، جئت لآخذها.
تركت كل شيء.. من أجلها "!!
وهزّت المديرة رأسها نافيةً، وطال الحوار وامتدّ، ولكن من دون نتيجة؛ فلم يأخذ فتحية معه؛ بل لم يرها أيضاً.
كانت المديرة متعاونة معه إلى أبعد الحدود بعدما أحست بلوعته ولهفته الحارقة . أخذته إلى مسؤولة الذاتية، وبحثت معها في أضابير البنات جميعاً، فلم تجدا أية إضبارة باسم فتحية ، بل لم تجد أي تسجيل لها في الملجأ، فأحسَّ بأنه يختنق ؛ وأحسّت هي بهزيمته الحارقة!!
عاود هو البحث في التواريخ ، قارن بين تاريخ رسالة زوجته وتاريخ بدايات التسجيل في الملجأ ، فصعق لأن تاريخ الرسالة سابق على تأسيس الملجأ ، ولهذا لم تكن فتحية مسجلة على القيود. كاد يأكل نفسه من الغيظ وقد دارت به الأسئلة والظنون، وحار بأمره، بحث في المدينة عن ملجأ آخر يحمل اسم "الطفولة السعيدة" فلم يجد!! بحث عن فتحية في ملاجئ أخرى ، لكن من دون فائدة. انعتمت الدنيا في عينيه. ذهب إلى أهل زوجته وسألهم عن ابنته فتحية فأنكروا معرفة أي خبر عنها؛ بل أنكروا معرفتهم بمصير ابنتهم التي طردوها بعدما أحبت ساقطاً وتزوجته ، وسافرت معه إلى خارج البلاد.
ساعتئذٍ ، لعن الظروف التي ساقته إلى هذه النهاية المحزنة، المخيّبة، ولم يتجرأ على السفر إلى أهله مخافة أن يضعف أمام أمه فيبوح لها بما حدث!! لذلك ظلَّ طوال السنوات الماضية يبحث عن فتحية، ويسأل عنها هنا وهناك ، وفي كلِّ الأمكنة ، ولكنه لم يصل إلى نتيجة! ولقناعته بأنه سيلتقيها مهما تأخر الوقت ، فها هو، منذ عاد من سفره، يأتي في نهاية الأسابيع وبداياتها إلى ملجأ "الطفولة السعيدة".
يقف بمحاذاة الدرج ، ويراقب البنات في خروجهن ودخولهن لعله يحظى برؤية فتحية؛ فتحية التي هدّته بغيابها المرّ ، وتواريها الذي ضيّع حياته.
أما البنات فقد اعتدن على رؤيته كلما دخلن أو خرجن، فيتغامزن عليه ويتندرن منه تارة، ويتهكمن عليه تارة أخرى، فيؤذيه كلامهن بأنه متسول ، ومتطفل، ورجل بلا حياء، لم يشبع من الدنيا بعد، وأنه عجوز طقّ عقله ليس إلا. ولم تفكر أيّة واحدة منهن بأنه أب يبحث في وجوههن عن وجه ابنته فتحية، لعل الدم يحنّ فجأة فيقودها إليه، ليسمع هتافها المنتظر "أبي ، أبي" الذي سيرجُّ جسده الخرب ، وروحه الذائبة، لحظتئذٍ، وحين يضم ابنته إلى صدره، سيصير شجرة لوز مزهرة؛ تلك اللحظة عصية حرون فهي لا تدنو أو تبين!! وتظلُّ البنات في دخولهن وخروجهن لا يعبأن به، يرمين له ضحكات الأسى، والصخب الحزين، والتلميحات الواخزة، فلا ترى أي منهن تلك الصورة الصغيرة لابنته فتحية التي جعلها قلادة تلفُّ عنقه لفّاً لتدقّ صدره الضامر كل آن وحين!!
آخر الليل آخر اللوحة!!
ما كان يخطر ببالي أبداً أن يحدث ما حدث!!!
كان الأمر أشبه بأن يأتي إليك البحر بكل حورياته وأصدافه ، وعذوبته الرائعة، أو لكأن تعرّش بين يديك غابة من الخيزران الطري، أو أن تحطّ داخل غرف الروح أسراب من طيور السنونو النافرة.
قد جاءت!!
شقّت عتمة غرفتي مثل طيف من دخان الفضة الخفيف ودخلت ، تخطو حذرة كي لا تخرّب نسيج الهواء . أراها فزعة تجيل النظر في ما حولها ، ترى الأشياء، وتراني ملتفاً بلحافي الحائل اللون، تقترب مني، فأحسَّ بضجيج روحي يتعالى . أرتبك في مرقدي، وأودّ لو كان بمقدوري أن أهبَّ لتحيتها ؛ أو أن أحظى مواقفةً بهذا القبول النبيل. أراها تحاذيني. تطمئن إلى نومي . تقترب أكثر ، تنحني عليَّ كياسمينة، ما أجملها !! تنحني أكثر، يالانحناءتها الخجول . أحكم إغلاق عينيَّ كي لا تضبط يقظتي . أحسُّ بطراوة كفّها تفترش خدي ، تلمّس على شعر لحيتي ، فأشعر بحرارة وجهي تشويني . تسحب يدها برفق فوق أنفي وعينيَّ وجبهتي، تخلخل شعري الطويل بأصابعها أسمعها تتنهد بتوجع حميم وتشمّني، وأحسُّ بأنفاسها تتلاهث مضطربة محمومة قرب أنفي . تقبّلني فأشهق ، وتجفل هي مبعدة لفحة أنفاسها الحرّى. أختلس النظر إليها، أراها تلملم انحناءتها، وتسترد طولها، وتستدير .
تصير غرفتي كلُّها حفيف ثوبها اللجوج، ووقع خطاها الآيبة. وبيدها تغلق الباب عليَّ كما تغلق فلاحة حجريْ الرحى عل حبَّها المنقوع . استوي في مفرشي. أدعك وجهي براحة يدي ، وأهزّ رأسي وأنا لا أصدق ما حدث!! أهي التي تأتي إليَّ في مكاني الوضيع هذا ؟!
ياإلهي !! أما كان لها أن تخبرني لأتهيأ؟!
حيرة تأخذني وتدور بي، فأنهض إلى النافذة ، أطلق البصر إلى دربها المؤدي إلى بيتها العالي، فأراها تنقّل الخطا مثل طير الدرج فوق درج الرَّخام وقد شمرت ثوبها الطويل بأطراف أصابعها ، فبانت فضتها مثل بطون الحمام. تدفع الباب برفق وتدخل ، وبعدها ينعتم المكان، وتنطفئ الرؤية، فلا أحسُّ إلا بكفي تموج فوق وجهي لتبدد حمّى قبلتها الكاوية. وأعود إلى مفرشي ، أنطوي على نفسي محترقاً بالأسئلة الدائرة!!
**
كنت قد رأيتها ، للمرة الأولى، قرب طرف حديقتها الواسعة، وهي في شرفة بيتها العالي . كانت تطلُّ عليَّ، بعدما ركنتُ دراجتي جانباً، وأخرجت بريدها ، ثلاث رسائل وعدة صحف ومجلات. رأتني وأنا أهمُّ بوضعها في صندوق بريدها الخشبي في أول المدخل، فأومأت إليَّ أن أصعد إليها . ترددت للحظات فقط، ثم مضيت.
صعدت درجات سلّمها الرخامي العريض دون أن أفكر بها كثيراً.
قلت: ربما كافأتني بقطعة شوكولا أو ورقة نقدية، أو ربما سأعود من عندها بكلمة شكر باردة. في صعودي ، رأيت مظاهر النعمة موزّعة هنا وهناك ؛ رأيتُ النباتات المدهشة قرب حواف الدرج، واللوحات العريضة والمرايا المعلقة على الحيطان . رأيت الأبواب والنوافذ المغلقة، والسقوف العالية، ورأيتها هي تجالس طاولتها ذات الغطاء المخملي البرّاق. ولم تقف حين صرت في شرفتها ، ولم أسمع صوتها، بل سمعت موسيقاها الخافتة، ورأيتها تعيد إيماءاتها لي لكي أدنو، فتقدمت منها. كانت تسيّج وجهي بنظراتها النافذة . واقتربتُ، فبدا لي ثوبها النيلي الشفيف واسعاً كشراع ، وطويلاً كجذور دالية. كانت تدخن، وأمامها كتاب صغير سميك مشقوق على قلم رصاص ، وقربه كأس ماء كبيرة، وصينية عليها ركوة قهوة وفنجان واسع أبيض اللون، وخلفها لوحة رسم غير مكتملة مثبتة على حامل . ورأيت يدها معلّقة على إيماءتها ، ونظرها مشدوداً إليّ ، ولم أنتظر أكثر، فدفعت الرسائل والصحف والمجلات نحوها، فأخذتها بأطراف أصابعها ، وأسبلت عليها أجفانها، وراحت تقرأ عناوينها ببطء شديد، كأنها نسيتني. وظللت على وقوفي لا أدري ماذا أفعل ! كنت أملّي النظر من كلّ هذا الجمال المربك، امرأة كأنها صورة هاربة لتوها من إحدى لوحات حيطانها العالية؛ امرأة مثل ضحوة النهار وأبهى، ولم تقل شيئاً . لم تشكرني. رمت الرسائل فوق المجلات ونظرت إليَّ ثانية وابتسمت ، وهزّت رأسها، فابتسمت لها واستدرت هابطاً كالمطرود. لم أر الدرج الذي كان منذ لحظات فقط عجينة من الضباب، ولم أنتبه لزخارف النوافذ والأبواب ، ولا لجمال قناديل الإضاءة ، ولا لروعة النباتات وخضرتها اللامعة، واندفعت نحو دراجتي حالفاً الأيمان أن لا أصعد إليها في يوم من الأيام. ضبطت أحزمة الدراجة وعلوتها، وهممت بالرحيل لولا صوتها الذي شلَّ حركتي مرة ثانية؛ رفعت بصري إليها فلم أر سوى إيماءتها الساحرة التي أعادتني إليها قسراً، صعدت وفي رأسي تدور ورشة من الأسئلة. وهناك ، في شرفتها ، واقفتني فبدا طولها الريان ممتلئاً مثل حبة الكستناء، وسألتني، فدوّى رنين الكلام. أجبتها عن كل أسئلتها كالمنوّم دون أن أعرف لماذا. وبعد لحظات صمتٍ تهدّج صوتها، وراحت تبكي وتتنهد، وأسقط في يدي . لفّتني الحيرة ، وأخذني المشهد ، فلم أدر ماذا أفعل. لكن نحيبها الذي علا جعلني اقترب منها لأواسيها، فهمهمتُ وغمغمت، غير أنها ظلّت تبكي وتنتفض . بدت مصبوغة بألوانها مثل مرود في مكحلة، فتجرأت واقتربت منها حتى حففت بها، ففاجأتني أنها أمالت عنقها نحوي، فأخذتها إلى صدري، وأجلستني قربها، ورويداً رويداً راحت تمحو البكاء بحديثها المتقطع الحزين. حدّثتني، كأنها تعرفني منذ زمن بعيد، عن وحدتها القاتلة بعدما مات أخوها في البحر منذ سنين ، فورثت ما ورث ، وظلت تقول هذا لا، وذاك لا.. حتى بقيت هكذا لا زوج لها ولا حبيب؛ تبدد الوقت الطويل بالقراءة والرسم والسفر، تضيق الدنيا عليها حتى لتغدو بلا ناس، فتصير قهوتها بلا مذاق ، وصباحاتها بلا بهجة ، وتغرق في وحدتها الظالمة.
كانت ذاهبة في الحديث المرّ كأنها تودّ أن تقول كلَّ شيء دفعة واحدة ،وقد انهالت عليها المواجع والذكريات ، فأواري نظري عنها، وأتشاغل بالهمهمة والتلفت هنا وهناك . رأيت دمعها الركوض يزيد وجهها الناحل جمالاً. فأتجرأ وأمدّ يدي لأطفئ دموعها بأصابعي الراجفة، فتجفل كأنني كشفتها!! وبلحظة واحدة ينتهي كل شيء ، يشرق وجهها ويشفُّ، ، وترامقني وهي تبتسم، وتسألني مرة أخرى ، ترجوني أن أحدثها عني، أين أعيش، وكيف؟! فأرجوها أن تعذرني فقد تأخرتُ، وأن تنتبه إلى نفسها هي فقط بعدما أقلقتني ، لكنها تلحّ عليَّ ، فأحدثها بكلام برقي عن قريتي الفاخورة التي تركتها منذ سنتين بعد موت أمي وزواج أبي، ومجيء إلى المدينة لأدرس في الجامعة. وأخبرها ، تحت إلحاحها أيضاً، أنني في أيامي الأولى عملت في المطاعم والفنادق، وأعمال البلدية ليلاً ، لكنني تركتها جميعاً حين عملت في البريد كما ترى ، وأنني أسكن وحيداً في الطرف البعيد من المدينة؛ في غرفة كالجحر!!
كانت تصغي إليَّ بانتباه شديد ، وقد تورّد وجهها، وتلامعت عيناها، وفجأة سألتني ماذا أدرس؟! فقلت : التاريخ!! وهزّت رأسها وصمتت، لماذا ؟! لا أدري !! وكي أبدد الصمت شكوت لها قسوة المدينة، وقلة المال وأولاد الحلال، ولا أدري ماذا قلت أيضاً . كانت تستمع بشغف وأنا أحكي ، ودونما إمهال باغتتني:
* " أتعمل عندي"؟!
فلم أجب ، وقد فاجأتني ، وأنا لا أعرفها إلا منذ لحظات فقط!!
بدوت أمامها أشبه بمن أخطأه عيار ناري . وطال سكوتي ، وهي ترنو إليَّ، فأربكتني. وجمجمت من دون كلام، وتاهت نظراتي، فأنجدتني بقولها:
" فكر، وتعال"!!
**
ولم يطل الوقت!
قد استجبتُ لطلبها.
جئت إليها بعد عشرة أيام. أنهيتُ عملي في البريد، وأخذت راتبي وجئت. قالت لي:
* " تأخرت"!
قلت:
* " لكنني جئت"!!
فهزّت رأسها بالموافقة .
فأدركت أنها كانت تنتظر عودتي. أعطتني غرفة وسيعة في طرف حديقتها بعيداً عن عمارتها. نقلت إليها ثيابي وكتبي، ومنحتني راتباً أرضاني، وأعدّت لي قائمة بأعمالي.لم أكن أكثر من مدبر لشؤون البيت والحديقة. وعاملتني بحنان ولطف. فبدأت أشعر أن الحياة راقت لي بعد أن عذّبتني طويلاً ، وأن عكر المدينة ابتعد عني ونأى، وقد حزت على إعجاب السيدة. لقد ضبطتها مرات عديدة وهي تتأملني وتبتسم، وأنا بثيابي الرَّثة، وشعري الطويل ، ولحيتي الكثّة. كما ضبطتني هي وأنا أديم النظر إليها كالمشدوه. وبتُّ مع الأيام أرى كما لو أن خيطاً من الودّ يشدني إليها ويشدّها إليَّ. كانت تهمُّ، وفي مرات عديدة أن تحدّثني كلما سمعتني أثني على ثيابها وموسيقاها ورسومها المدهشة، لكنها- وفي اللحظة الأخيرة- تلجم نفسها بقسوة بادية وكأنها لم تسمع شيئاً!!.
حين أخلو لنفسي أتخيلها ، وقد جاءت إليَّ مفاتحة بأنها تريد الارتباط بي، أوأنها ما عادت تطيق صبراً ، وهي تراني أمامها مثل الفاكهة المحرّمة ، وأمضي في خيالاتي التي أبددها جميعاً حين أقارن نفسي بها، فهي فوق، وأنا تحت، وكي لا يؤرقني التفكير بها كثيراً أطوي طيفها بين ذراعي وأنام.
في النهار ، لا تبدي لي سوى نظراتها الحائمة، ولا تسمعني سوى بحة صوتها التي تجرحني، ومع كل صباح أطوي زمناً وأنشر آخر لعل ما يشغل البال يدنو مع اقتراب المساء. أتمنى لو أن القدر يسوقها إلى غرفتي مرة أخرى لأشمَّ أنفاسها ، وأرى خطوها يجول قرب مفرشي؛ وأحسُّ بحرارة كفها مرة ثانية؛ لحظتئذٍ، لن أغمض عينيّ، ولن أوقف ضجيج القلب، ولن أتناوم. سأقف وأصارحها بأنها أغلقت عليَّ حياتي، وإن ابتسمت راضية، سأضمّها إلى قلبي، وأطوي أحزان الليالي الماضية، لكنها لا تأتي!! ومع مضي الأيام ، رحت أشك بأنها جاءت إليَّ أصلاً، وأن ما حدث لم يكن سوى حلم ليس إلا. وبتُّ أعزو انصرافها عني لسوء مظهري، وإلا لماذا تدقق النظر إليَّ وأنا أعمل داخل بيتها، وفي الحديقة. كنت أراها وهي ترامقني وتبتسم. معها حق، فأنا على الدوام أشعث الشعر، مبلول الثياب ، لا رونق لي ولا زينة. لذلك نويت أن أغيّر من سلوكي فرُحتُ أقف أمام المرآة طويلاً بعدما اقتنعت بأنني بحاجة إلى قيافة تشدُّ انتباهها إليَّ. فاشتريت ثياباً جديدة وحذاء لا معاً، وصممت أن أقصَّ شعري الطويل، وأن أحلق لحيتي لتبدو وسامتي ، وأن أخرج من هذه الفوضى واللامبالاة في هندامي وقيافتي، ورحتُ أتحين الفرصة لمفاجأتها بعدما قرنتها بقولها إنها ستخبرني بأمر هام وخاص حالما تنتهي من لوحتها الجديدة.
تفرغت لغرفتي ساعات ورتّبتها، وهي تراني من شرفتها وتبتسم . شعرت كأن السعادة تدنو، وما عاد بيني وبينها سوى خط واحد أو خطين في لوحتها الأخيرة. ولم يبق عليَّ سوى أن أبدو أمامها بمظهري الجديد لكي استميل قلبها تماماً!!
كنتُ، وفي كلِّ مساء، أتوقع مجيئها ، فأقوم بإعادة ترتيب الغرفة وتنظيفها. أرشّها بماء الكالونيا، وأوقد الشموع فوق الطاولة الصغيرة، وأوزّع الكتب حسب حجومها، وأخفي ثيابي المعلقة تحت طرف ستارة الشباك، وأضع زهرتين من ورود الحديقة في كأس الماء الكبيرة. كنتُ أراها وسط الأضواء الخافتة في شرفتها وهي تراقبني وترسم، تدنو من اللوحة وتبتعد عنها مثل طيور البحر وقت المغيب. وأظل أراقبها، وتظلُّ هي تحاور لوحتها وتراقبني أيضاً . فلا أنام إلا وقد هدّني الانتظار الطويل!!
**
هذا المساء، انتهت من اللوحة ووقّعتها!!
جلستْ قبالتها تحدق فيها طويلاً. كنتُ قد واقفت اللوحة من قبل، مرات عديدة، وفي غفلة منها، فلا أتركها إلا وأنا على قناعة بأنها منتهية تماماً، هنا أشجار وناس، وبيوت متآخية، وهناك وجهان لامرأة ورجل، الامرأة جميلة جداً، والرجل طويل متعب، أشعث الشعر، وأحدهما يودّ لو يذوب في الآخر أو ينتهي فيه!!
إنني أراها، ها هي توزّع بصرها على اللوحة وعليَّ!!
وتمضي في صمتها وتدخينها المتواصل، وأنا أحدق فيها، أكاد لا أرى سواها؛ أصير عيناً واحدة راقبة لكل حركاتها ؛ أراها كأنها أومأت إليَّ بأن أصعد إليها، إيماءة ذكرتني بسحر إيماءتها الأولى.
أشكّ في ذلك للحظات فقط، لكنني أراها الآن تومي لي ثانية؛ بل إن صوتها يملأ سمعي منادياً لكي أصعد إليها. أجل إنها تنادي!!
رجفة تأخذني فتهزّني، وقد تاقت الروح إلى لحظة اللقاء. أنفر إلى ثيابي الجديدة، ألبسها ، وألبس حذائي اللامع، وأمشط شعري الذي قصصته في غفلة منها، وألحق لحيتي، وأغسل يديَّ ووجهي مرات عدة. أرى بياض خدّيَّ، فتبهج روحي بهذا المرأى الجميل. وقبل أن أخرج ، ألقي نظرة فاحصة على محتويات غرفتي، أطمئن إلى ترتيبها ورائحتها ، ثم أمضي إليها. من بعيد ، كان يبدو لي ظهرها الأجمل من اللوحة، وشعرها الطويل الأسود الذي يلفُّ عنقها. أصعد الدرج بخفة لم أعهدها فيَّ من قبل . كنت سعيداً بمفاجأتي التي أعددتها لها. لا بدّ أنها ستفرح كثيراً بهيئتي الجديدة، وستعترف لي بأننا نحن أولاد القرى حين نتقيف يعني نتقيف. أعبر إلى الشرفة ، فتتلقاني رائحتها. يا إلهي ما أطيبها. أراها لا تزال مستغرقة في صمتها ، مأخوذة بألوانها.
أصل إلى مقربة من الطاولة التي وزّعت عليها الفراشي والألوان، فلا تشعر بي. كان السكون مطبقاً حتى أنه بدا لي جزءاً من نسيج اللوحة. أتجرأ وأزحزح الطاولة قليلاً، فتنتبه ، تلتفت إليَّ ، تراني على عجل، ثم تستدير نحوي بكامل جسدها. تدهشها قيافتي بلا شك . تفتح عينيها على وسعهما كالمذعورة، فأبتسم لها، وأخطو نحوها وأنا ممتلئ بالثقة ، لكنني أراها تغطي وجهها بكفيها وتصرخ بي بوحشية كأنها رأت عفريتاً. يبدو أن مفاجأتي لها كبيرة حقّاً لذلك لم يكن أمامي إلا أن أقترب منها، وقد علا صراخها واتسع . لمست يديها بتهيّب لكي أرفعهما عن وجهها، فصرخت بي ثانيةً وانتفض جسدها وارتعش، فوقفت حائراً مذهولاً لا أدري ماذا أفعل !! وحين أرخت يديها رأيت الألوان تصبغ وجهها ، فبدت - رغم انفعالها وصخبها- أجمل وأحلى. وعاد صراخها الوحشي يتعالى بشدّة لكي أخرج، لكنني ظللت على تسمري بعدما لفّتني لحظات من البلاهة، وازداد صراخها، فبدت كما لو أنها امرأة أخرى لا أعرفها أبداً. فجأة ، نهضتْ واندفعت نحوي كذئب جريح، أخذتني من صدري وهزّتني بعنف، وراحت تسألني كطفلة ساذجة عن ثيابي القديمة، وشعر رأسي الطويل، ولحيتي الكثّة. كانت في حالة من الهستيريا الواضحة وهي تبحث عن شكلي القديم في شكلي الجديد، فقد تأكدت من ذلك لأنها كانت تردد مفجوعة:
* " يا مجنون، ماذا فعلت؟
ماذا فعلت"؟!
ولم أقل لها شيئاً، شعرت بأنها أهانتني، فخرجتُ يطردني غضبي، ووقع قدميَّ، وهيئتها الشرسة، وحين صرت تحت شرفتها تماماً راحت ترميني بفراشيها، وكتبها، وعلب ألوانها ، وكأس الماء، وحذائها، وأصابع الشمع الموقدة، وهي تهمهم بحزن شديد:
* " خرّبتَ اللوحة، خرّبت اللوحة"!!
ولم أدرك بالضبط ماذا قصدت تماماً، فمضيتُ، وقد علا نشيجُ بكائها وامتدَّ!!
حمّى الكلام !!
" إلى صديقي الروائي الجزائري جيلالي خلاّص الذي أوحى لي بهذه القصة".