-2-
منذ سنين بعيدة، جاءت جورية إلى الحي مع أمها، طفلة في الثامنة من عمرها، وردة أو تكاد. سكنت مع أمها غرفة صغيرة فوق السطوح مثل طيور الحمام، وبأجر زهيد.. كانت الأم تدفعه لـ"أبو راجي" صاحب البيت في نهاية كل شهر، بعدما عاشت وجورية، في أحياء وبيوت عديدة، على طيف من القلق والمخاوف من زوجها الذي طاردهما طويلاً.
كانت الأم تنتقي البيوت الظليلة المتوارية، وترحل من مكان إلى آخر. وكانت كلما ازدادت طمأنينتها مع الناس، تمحو المكان. لكنها، ومع الأيام، امتدّت نحو أهالي الحي فعاشرتهم حتى صارت منهم، وتربّت جورية مع الصبيان والبنات، فكوّنت لها معهم عداوات وصداقات.؟
وما من أحد، في الحي، عرف سر الأم وابنتها سوى عبودة الذي لهف قلبه لـ جورية، فسعى إليها مرات ومرات، عبودة الذي سهر ليالي البرد الطويلة قرب نافذتها، وهي ممعنة في الصدود والعذاب. وحين عرفته رقّت له، وقد أسرها بلطفه، وطول صبره، فالتقيا.. شكت له مُرَّ أيامها، وأحزانها الولود، وشكا لها قسوتها، وجمرة الغياب. وحين تذوقها جنَّ بها، وطارت هي بحلاوة ريقه، وعذوبة حديثه، فضمته إليها ضمةً أغلقت عليه باب محبتها حتى لقد صارت دنياه وسعادته الضافية.
(كانا، وحالما يباغتُ أحدهما الآخر في النهار، يسترقان النظر، فيبتسمان، وتنادي الروح روحها، وتواعدها عند حلول المساء، وعندئذٍ، يهفو عبودة إليها حذراً، هامس الخُطا، مورّداً كالأرجوان.
فتلقاه هي ريانة دائخة كأنها في منام، ويهبطان فوق السطوح، قرب البراميل في مفرش طيِّ الدفء والهمهمات التي تجمّر الكلام.
كان عبودة، وحين يسبقها دائماً إلى مكانهما تحت السماء الفسيحة المنجّمة، ينصت عميقاً ليسمع وقع قديمها كمن ينصت لعزف كمنجات ضاقت عليها أوتارها بالحنين.
وقربه، ترمي أحزانها البعيدة، فيحسُّ عبودة وكأنها، وهي في هدأتها وطمأنينتها، مطاردةٌ من شيء ما، مذعورةٌ من وحش يكاد يلامسها، أو ينقضُ عليها، وهي نفور متأهبة لتنتفض هلوعةً بين لحظة وأخرى، فيهامسها، ويهزها كي لا تنفرد، ولو للحظة واحدة، بمخاوفها الدائمة. ويخبرها بأنه ما عاد يطيق صبراً، بعدما صار خوفها خوفه، فهو سيفاتح أمها في المساء القادم، بأنه يريدها.. ولو بالإشارة أو الهمهمة!!.
فتدور الدنيا بـ جورية وتغدو خفيفةً، شفيفة كالطيف، فتنشدُّ إليه بحنو لم يعرفه من قبل، ويقترب منها، فينطفىء الكلام، ولا يمضيان إلا بليلين بالندى قبل أن يفضحهما النهار).
وفي الصباح،
وكأن ما كان لم يكن، يتقابلان. تحكي له، ويحكي لها.. ثم تأخذهما الدروب إلى أن يحين وقت المساء.
(هذا الصباح، كانت جورية على عجل، فواقفته للحظات، ثم استدارت. رأى وجهها معتكراً، كأن النوم جافاها، أو لكأن أمها تودّ أن تبكر بالغياب فيدنو منها، ويسألها، وقد حثّت خطاها فتقول:
* "إنه منام"!!
وتلوّح له بيدها، وتمضي نافرة كأنها في طراد، فيناديها عبودة مذكّراً:
* "في المساء"
فتهز رأسها، وترمي له ابتسامتها البيضاء الوسيعة كي لا يظل حائراً وقت النهار. يرامقها، وقد ابتعدت، فيحسُّ بمخاوفها، وساعة المفاجأة التي لطالما حدثته طويلاً عنها، يتذكر الآن أنها قالت له بأن سرها أبوها، الذي صورته أمها لها رجلاً مرعباً كالغول، وهي التي لم تره منذ أمد بعيد، يوم كانت طفلة في الثالثة .
لكنها تشعر، وفي كل لحظة بأنه على مبعدة ذراع منها، وأنه سيأخذها متى يشاء وحين يشاء ويترك أمها لمصيرها وحيدة للقدر. فيحسها الآن وهي تتلاهث لكأن يداً ما تطبق على روحها، فيهدهدها، ويطمئنها بأن أباها لن يعرفها الآن بعدما نمت وزهت مثل حبق الدار، وأنه لن يلتقي أمها، وقد صارت قعيدة الفراش، فلتهدأ روحها ولتطمئن.. فهو قربها كالزمان.
غير أنها تظلُّ تردد جملتها المحزنة:
- "أنت لا تعرف أبي، يا عبودة، فهو سيد الأمكنة والسؤال".
وتغصُّ، فيستوضحها، لكنها لا تجيب.
تبدو له، وهي قربه، أنها في دنيا أخرى موحشة نائية. خائفة من المفاجأة التي ستجعل أمها وحيدة غريبة ترفو أحزانها بخيط دموعها، والتي ستجعله هو.. ندبةَ الأحلام).