حسن حميد
حمّى الكلام
قصص
من منشورات اتحاد الكتاب العرب
1998
تصميم الغلاف للفنان : أبو جاسم (جليدان الجاسم)
الإهداء
إلى
أم حسن دائماً
حسن
بديعة
* إلى صديقي الرائع ياسين بلال
أبداً،
لم أرها من قبل ذابلة كلّ هذا الذبول.
حزينة، تدفع الخُطا، والابتسام دفعاً.
تدنو كأنها تؤوب، مطفأة، واهنة، يقودها إليَّ الممر الطويل الضيق المعتم، وأنا واقف خلف قضبان شباكي الصغير، في زنزانتي التي ألفتها وألفتني منذ سنين.
[كنت قد جئت إلى هنا بالضرب، والركل، والسُّباب، جئت زحفاً بعدما ورّموا جسدي وأنهكوه، وما كانت نجاتي.. إلا حين صرت خلف هذا الباب الحديدي الصدىء.
تواريت عنهم، وتواروا عني، وظللت وحيداً أتلهى بجروحي، وأفتش عن الأسباب التي حملتني إلى هنا.
في البداية لم أعثر على أي سبب؛ لكن مجريات التحقيق بيّنت أنهم حسبوني على جماعة عبدوش، وأنا بريء.. لا علاقة لي به. كان الرجل قد أعدّ قائمة بأسماء من هم في حكم الولاء له، وكان اسمي مع الأسماء. لكنني لم أرَ عبدوش إلا بالصور، ولم أعرف عن نياته شيئاً؛ كلُّ ما عرفته أنه أُخذ فجأة مع كثيرين، وكنت من بينهم. وقد أدركت تهمتي هذه بعد أسئلة عديدة، وبعد حفلات شرسة من الضرب المُدمي المُهين.
دائماً.. كانوا يسألون ببشاعة، وتندر، وقرف: عبدوش.. يا كلب؟ قولة واحدة راحت ترنّ في أذني كجرس الموت الأخير].
إنها تدنو مثل نهر دفوق، فتبتهج روحي وتصفق لهذا القبول الحميم. تقترب ببطء شديد كأنني أشدُّها إليّ بأنفاسي المتعبة. وحين تصل.. تواقفني مواجهة، لا يفصلها عني سوى صاج الحديد، أرمي لها كفيَّ من الشباك كأني أرمي لها نفسي؛ فتشابك أصابعها بأصابعي وتتنهد. أُمسّد على شعرها، وألمس وجهها بيباس أصابعي. أضغط على خديها، وقد انحنت على كفيَّ كصفصافةٍ.. ما أجملها!! أُوجعها، فلا تتألم. أفرش بصري على وجهها الشاحب المضاء بصُفرةٍ كابية، فأرى عينيها تترامشان بجفول، وشفتيها تتراجفان بارتباكهما الحيران. أهتف لها ببحة الصوت:
* "آخ.. تأخرت"!!
[كانت قد مضت سنوات كثيرة ولم ألمسها. كنت أراها من خلف الأسيجة كالضباب، وكانت تراني كالشبح، نتوحّد بالصوت للحظة أو للحظات.. ثم يأخذوني وتمضي].
ولا تجيب. تُفلت دمعها، فيتلامع وجهها ويشفُّ كالطيف. تبدو أجمل ألف مرة من شبّاك خشبي ناحل يحمل عشاً وفراخاً، وآنيةَ فخارٍ فيها حبقٌ كثير. تبدو ملجومة بصمتها ودمعها الحنون.
أهزّها، فتتساقط همهماتها خرساء بلا رنين. بصري يجول في وجهها حائراً مثل نحل طريد، يفتش فيه عن ملاذ صغير، أنسى نفسي قربها، وكفُّها حشو كفي، فأسمعها تقول:
* "لم أحب سواك"!
وتغصُّ، (أعرف ذلك) فأغصُّ، تبدو كمن يفتح جرحاً جديداً، ثم تضيف:
* "طلقني أرجوك.."!!
انتبه إليها للحظة، ثم تدور بي الأرض، فأهوي خلف بابي، كأنما أصابني طلق. أهجسُ.. تعرف أنها هي الدنيا الباقية؛ هي القليل الكثير، وتقول عند أول مواجهة:
* "طلقني " !! فما الذي حدث؟! ومن سيبقى لي سواها؟!
[كنتُ وحيداً، وكانت وحيدة.. غريبين في المدينة الكبيرة. التقينا في العمل مصادفة. عرفت أنها مقطوعة من شجرة، وعرفتْ أني وحيد تماماً في مدينة موحشة باردة. واتفقنا على الزواج. ورحنا مثل طيرين نؤثث غرفتنا الصغيرة التي استأجرناها في بيت العجوز أم شامان.. هنا مفرش الوليد، وهنا مكان الضيف، وهناك قرب شبّاكنا الوحيد سنشرب قهوة الصباح، وهنا بجوار العتبة سنزرع النعناع وعيدان القصب، (تمجد اسم الله كم أحبتِ النعناع)!! وحين تزوجنا، لم يأت الوليد، لم نعرف صخب الطفولة الرائع، ولا بهجتها النادرة، ولم نقطع الأمل. كنت أصبّرها وأنكسر لها، وكانت تساعدني على الأيام الحرون. لكن، وعندما اقتادوني فجأة إلى هنا.. قُطع كلُّ شيء؛ ولم يبق لي سواها، والآن تأتي، بعد كل هذا الغياب الطويل، لتقول لي:
* "طلقني"!! ]
وتعيدني إليها مرة أخرى، حين تناديني برهيف الصوت:
* "راجي"!!
أتقاوى على نفسي، فأقف خلف شبّاكي الصغير، أوازيها، أتساوى وإياها، نصيرُ مخلوقين راعشين دامعين، يهمهمان جاهدين فيخونهما الكلام، والحارس السمين قربنا ناشط في مراقبتنا، يحصي علينا أنفاسنا. أنظر إليها. أغيب في وجهها الألوف الذي أعرفه منذ ألف عام، وتغيب هي في حزنها العميم. ثم تقول:
* "اسمعني يا راجي!
ماعاد بيني وبين وقوعي الأخير
سوف كفٍ واحدة"!
وترامقني بعينيها البليلتين، لكأنها تودعني، أو لكأنها تؤبّنني، وتشرق بدمعها، وتضطرب؛ ودون أن أعرف أو أسمع شيئاً آخر، أو أن أقول أية كلمة، تدير لي ظهرها، وتمضي، فأحسُّ كأنها أمي تضيع في العتمة المديدة، أناديها ملتاعاً:
* "كفٌّ واحدة.. فقط"؟!
فلا تجيب. تمضي كرعشة الحلم، مرتبكة، مبللة بأحزانها، فلا تلتفتُ أو تستدير. وأهوي في مرقدي خلف باب الحديد طيّ حيرتي وقلقي راجياً الله أن أنام، أو أن أغيب عن الوعي كي لا أحترق أكثر بمشهد الإياب الأخير، وتطردني الأفكار وأطردها في الحيرة الوارفة. أشعر كأن الأشياء؛ كلّ الأشياء تنأى وتؤوب. ولم أدرِ إن كنت قد نمت أو أن الغيبوبة أخذتني، أو أنني سهوت؛ ما أدريه حقاً أنني وجدت قربي مغلفاً مليئاً بالأوراق!! من جاء به، وكيف وصل إليَّ؟! لا أدري. أحار به للحظات فقط، أقلّبه بين يديَّ، ثم أفتحه باللهفة الراجفة. أشمُّ رائحة بديعة. أعرف أوراقها. أراها بين السطور راكضة كاليمام. يا إلهي، إنه خطُّها (منذ متى لم أره؟!)، وهي ذي (حبيبي، نعناعي الجميل).. كلماتُها. أدفن بصري فيها، وأقرأ:
* "تعال لكي نبكي مرة أخرى.. معاً!
بعدما بكينا كثيراً.. أنت في وحدتك، وأنا في وحدتي، أنت الذي معي في كلّ شيء كأنفاسي، أنت الأقرب إلى قلبي من أصابع يدي. ثق، مهما حاولت، لن أستطيع إخراجك من روحي، فقد عشتك طيفاً كلّ تلك السنين الماضية، ولم تغب. لم أقوّ على الكلام من قبل.. كنت صامتة، محتاجة إلى كل هذا الوقت للوصول إليك.
أعترف بأنني بتُّ بعدك مثل الدائخة الشرود، لا شهية لي ولا روح، وباتت الحياة خراباً بلا رونق بلا بريق. وراودني الخاطر مراتٍ أن أطوي صفحة الأحزان، وأبدأ من جديد، ولم أستطع!! طيّرت كل كلام صديقاتي بأن أنساك؛ وكيف لي؟!.. فصورك الموزّعة في كل أنحاء غرفتنا الصغيرة، وثيابك، أحذيتك، وفرشاة أسنانك، صوتك الذي يرنُّ، أنفاسك التي تشيع، كنزتك الصوفية التي لم تكتمل (لم أعرف أين سأضع خطي اللون الكحلي)، كتبك.. كلُّها كانت حواجز جميلة تفصلني عن الآخرين وتبعدني. كانت رهافتك الآسرة سياجي وأنا أضرب هنا وهناك بحثاً عنك!!
لكن ما حدث رويداً رويداً مع مأمور سجنك خلال السنوات الماضية، ما كان بإرادتي أبداً!! فقد زلزلني ما حدث، وتعذبت كثيراً.. من أجلك! صدقني، على الرغم من كل وسامته الرَّاعبة، لم يلفت انتباهي، كان في نظري سجّاناً ليس إلا، واحداً من كثيرين عرفتهم من أجل الوصول إليك!!
للوهلة الأولى فوجئت بوجوده في حقل الأحزان الذي يضمّك، كان أخّاذاً بأناقته، ولطافته، وجماله؛ بل كان ناعماً كالخيال. أحسستُ بأنه رجل في المكان الغلط. وكدت أشهق من كل هذا الجمال الرجولي الحاضر في كائن واحد.
في البداية ماطلني كثيراً قبل أن يعترف لي بأنك موجود عنده. حوّم حولي كثيراً محاولاً الاحتكاك بي مثل دبور جائع طائش. وأدركت بحسي الأنثوي أنني رقتُ له من المرة الأولى. كانت نظراته العطشى قد أخترقتني بصمت، لذلك جئت إليه في المرات التالية وأنا في هيئات مزرية للغاية، لكن العجيب أن استلطافه لي كان يزيد كأنني أخفقت في التورية. سايرته مرة ودخنت سيجارة تحت إلحاحه المحيّر المربك (وأنت تعرف كم أكره التدخين) وشربت القهوة عنده مرات في الجلسة الواحدة (وأنت تعرفني لا أشربها إلا مرة واحدة في الصباح، اعذرني، إني أفصّل.. كي تفهمني تماماً)!!.
وأعطاني العديد من الصحف والمجلات؛ وفي إحدى المرات وجدت فيها رزمة من النقود الكثيرة، فأعدتها إليه، وارتبك، شعرت بتذمره الواضح، كأن المصيدة أخطأتني، لكنه شكرني (كاذباً بالطبع) على أمانتي. وأذكر أنه مدّ يده مرة نحو شعري ورفعه عن جبيني، فهاجت الروح، وذعر هو !! كنتَ معي، وقلبي يهتف اسمك "راجي ...راجي"!! لكن وحالما عدت إلى البيت، كان أوّل عمل قمت به أن قصصت شعري، فبدوت مثل صبي ذاهب إلى خدمة العلم. ومرة، حكّ إبهامه بظهر يدي، فكويتها. (ها أنت ترى إنني أعترف)، وفي مرة أخرى، تجرأ أكثر ولامس بإصبعه خدي وهو يثني على جمالي، فأحدثت فيه تلك الندبة السوداء. وواعدني مرة على اللقاء في أحد المطاعم الصغيرة التي لم أعرفها من قبل لأنه سيزفُّ لي خبراً مهمّاً عنك، فوافقته دونما تردد. كنت عطشى لسماع أي خبر عنك!! فذهبتُ إلى العنوان. وأنا أحسّ بأن كلّ الناس يعرفون موعدي هذا معه، كنتُ أظنُّ نفسي بأنني تلك العنزة البيضاء التي راحت تشقُّ عتمة جبل جلعاد!! (كان المطعم صغيراً، فخماً، وحميماً أيضاً). أكلت وشربت معه بكل الشهية التي فقدتها طوال السنوات البعيدة الماضية، بعدما قال لي بأنك موجود عنده (خمس سنوات مرت كأنها الزمن كله.. مرّت، وأنا أسأله عنك، فيقول لي إنني أبحثُ لك عنه. ويؤكد الآخرون بأنك عنده. كانوا صادقين، وكان كاذباً بالضبط)! وأخبرني بأنه لا يستطيع أن يتصرف إلا حسب ما تمليه عليه الأوامر. وعلى الرغم من كلَّ هذا فرحتُ فرحاً لا يصدق لأنك حيّ. أنت لم تمت. يا إلهي (أي خبر هذا؟!) ثمة شيء ما، لا أستطيع وصفه، بدأ ينمو في داخلي. أنت حيّ!! أحسُّ الآن أن الحياة تعود إليَّ مرة أخرى تركته، وهرعت نحو آخر طرف المطعم الصغير، إلى مقربة من الفتاة والشاب اللذين كانا يعزفان الموسيقى الجميلة الهادئة، وشرعت أرقص. لم تكن الموسيقى مناسبة، لكنني رقصت. ولكم حزنتُ لأنه هو من كان يصفق لي. كنتُ بحاجة لمن يرقص معي، فأخذت الشاب العازف.. ورقصت معه بجنون؛ وظلت صديقته تعزف لنا.. ولم أنتهِ من الرقص إلا عندما وقعت على الأرض. تقيأتُ كلّ ما شربتُ وأكلت، وغبتُ عن الوعي. ولم أعد إلى نفسي، إلا وأنا في بيته (ربما في أحد بيوته)!! كيف جئت؟ ومتى؟ ولماذا؟! لا أدري!!
المهمّ، أنني وجدت نفسي عارية أو أكاد، ليس عليّ سوى ثوب رقيق شفيف لا يستر شيئاً، وبقربي فتاة تلبس مريولها الأبيض. عرفت منها أنها ممرضة أحضرها للعناية بي في غيابه. وسألتني بسذاجة لماذا أنا عصبية لا أهدأ إلا بالحقن المنوّمة. وأنها تخاف عليّ، إذا ما أمضيت أسبوعاً آخر تحت تأثير المنوّم، أن أصاب بالاختلاطات المختلفة، وصرخت بها:
* "لي أسبوع هنا.."؟
فتمتمت بخوف واستغراب:
*"نعم مدام"!!
مدام!! تصوّر، يا راجي، أنا مدام. كم كانت تضحكنا هذه الكلمة، لأن فيها أنفاس الآخرين. وضبطت أعصابي، ورجوتها أن تنصرف، فأنا بخير، لست بحاجة إلى أيّ شيء، ولتأتِ في الغد. فوافقتني، هزّت رأسها، ومضتْ فعلاً. وبعدها. (حبيبي هل أرهقتك؟! ارمِ الأوراق جانباً، وأكملْ بعد حين. سامحني).
وحين هممت بالخروج، تفقدت جسدي، وصرخت.. كنت منهوبة!! أجل.. (لن أخبىء عنك شيئاً)، ولم يرتسم أمامي في تلك اللحظة سوى طيفك؟ كنت تنظر إليّ بأسى، وكنتُ ممرورة، وأخذني البكاء. أصبت بحالة من الذعر (أنا التي نذرت جسدي لك .. أنهبُ في غفلة من حواسي. يا إلهي كيف حدث هذا؟! وكيف لي أن أحدثك، أو أن أنظر في عينيك؟! لابدّ أنك سمعت صوت طائر الوقواق يملأ أجواء زنزانتك لحظتئذٍ. وودت الانتحار في المكان حالاً. أن أطوي حياتي، لكنني لم أفعل، إذلابد من مصارحتك يا راجي). وخرجت من ذلك البيت، دون ألتفت ورائي لأعرف أين كنت. فما عدتُ أهتمُّ بشيء سواك!! أخذت سيارة، ومضيت إلى غرفتنا الصغيرة، وهناك، غبت عن العمل والناس لاحساسي بأن العالم كله يعرف ما حدث!! ومرت الأيام بقسوتها البالغة!!
ولم يسأل عني لا في البيت ولا في العمل. (بالمناسبة، كذّبتُ على الأستاذ بهجت مديرنا، تعرفه، قلت له كنت مريضة، فهزّ رأسه وقلّب كفيه في الهواء ولم يقل شيئاً) وذهبت إليه. مرة أخرى تردد حرّاسه كثيراً بالسماح لي؛ لكن وبعد إلحاحي، وحالة الصخب والذعر التي أثرتها، وافقوا، فدخلت إليه. استقبلني كعادته بكل اللباقة، واللطف. كان مبتسماً فرحاً وكنت حزينة. لم أقل له شيئاً عن الذي حدث في بيته، لم أعاتبه، عفواً، لم أسبه، ولم أضربه بحذائي. سألته عنك. فقال: إنك بخير. ورجوته أن أراك. فقال: لكل شيء أوانه.. اصبري. وصبرت أربع سنوات أخرى، ولم أركَ خلالها إلا مرة واحدة من خلف الأسيجة الكثيرة.
بدوتَ لي شبحاً باهتاً كالحلم، لكن الطمأنينة شاعت في روحي حين حدثتك. لعلك تذكر لم أقل لك سوى (راجي)، ولم تقل لي سوى (بديعة)، وأبعدوني عنك وأبعدوك عني، ومع الأيام، وبعد انقطاع طويل رأيتك مرات عديدة، من بعيد أيضاً، ومن خلف الأسيجة لعلك لا تدري بأنني كنت أفقد شيئاً من روحي كلما فقدتَ أنت سياجاً من الأسيجة التي تفصلك عني. كنت أدفعُ الثمن بالانتظار الطويل المذل، والأسئلة المرّة، والرجاءات اللجوجة، صدقني كان كلُّ هذا من أجلك، للحظة التي ستأتي وأضمّك فيها إلى قلبي. كان همّي أن أراك حيّاً، أن أمسح وجهك براحة يدي بكل الرهافة التي تعرفها، وبعدئذ فليأتِ الطوفان. كدت أنسى الحياة والناس من أجلك. ذهبت في نشوة رؤيتك إلى أبعد الحدود. رؤية تأتي بعد ألف سنة من الغياب، ما أروعها!كنت أواجهك من بعيد، وأشتاق إليك وأنا طي صمتي. كنت تقول لي بأنك بريء. (وأنا أعرف هذا. صدقني، أعرف هذا، أنت أنظف من العين يا راجي؛ أتسمع..أنظف من العين!!) وأنهم لم يجدوا شيئاً يُدينك؛ لكنك متخوف من عثورهم على بعض الأوراق والملفات. وسألتني كم مرة فتشوا غرفتنا، وقلت لك ألف مرة. نقّبوا في كل مكان، ولم يجدوا شيئاً. وقلت لي: بديعة انتبهي، توجد كمية قليلة من الأوراق والكتابات- من أيام مراهقتي الطويلة، وأحلامي الكثيرة- في إحدى زوايا المطبخ مخبّأة تحت بقعة الجبصين، غطّيها بالدهان. ومازحتني بأن كمية من صحفات المجلات والجرائد القديمة التي كانت ممنوعة آنذاك.. مخبأة في الحمام فوق قطعة الخشب (البلاكية) التي تسقفه، إن احتجت إليها.. إمسحي بها أي شيء، ولم تدر يا راجي أنك كنت تبني بأقوالك هذه أسيجة جديدة بيني وبينك لكي تبقى في حقل الأحزان هذا!! طبعاً أنت لا تدري كيف. فبعدما حدثتني أن إشاعة قوية منتشرة عن قرب خروجك مع آخرين، رجوتني أن أسأل مأمور السجن عنها، فسألته!. فأكّد لي بأنك ستخرج فعلاً، وسألني أن نلتقي فرفضت مقابلته خارج حقله هذا، ورفضت استقباله في غرفتنا بعدما كان يتندر بالمكان وسكانه. قلت له: لن تلمسني إلا بعد أن تخرج روحي! ما حيرني أنني بدوت له كأنني المرأة الوحيدة التي تعنيه في العالم. (مات.. لكي يختلي بي). تودّد كثيراً، وترجّى، ولم أقبل. كنتَ معي، بعدما أيقنت بأن بهجة الحياة على مبعدة خطوة واحدة.
لكن المفاجأة كانت اثنتين. واحدة منه، والثانية مني، جئت إليه من أجل رؤيتك بعدما تأخّر موعد خروجك وطال. قلت له: رائحة راجي تكاد تخنقني. دعني أره أرجوك. ورفض.. انحنيت على حذائه وقبّلته. أفزعني منظر لمعان لعابي على مقدمة حذائه، وغصصت. قبّلته مرة ثانية.. لكي يسمح لي برؤيتك، ورفض أيضاً. عاودني كابوس السنوات الماضية التي لم أرك فيها. تمنيت أن أراك ولو مرة واحدة فقط. صارت غايات الدنيا كلّها غاية واحدة؛ أن أراك بقامتك العالية وأنت تذرع الشارع أيباً من العمل أو ذاهباً إليه. المهم أن أراك حيّاً! وإذا ما فقدتُ هذا الأمل سأضع رأسي على مخدتي وأنهي حياتي. طالبته كثيراً، ورجوته.. فرفض. قال لي: لديه شريط تسجيل قصير، وفيلم جميل.. قصير أيضاً. أسمعك الشريط ثم تشاهدين الفيلم، وبعدها تتصرفين (كنت أعتقد بأنه أعد لي مفاجأة، كأن أسمعك وأنت تجيب عن الأسئلة، أو وأنت تبكي وتصرخ، أو وأنت تتوسل وترجو، أو أن أراك في حالات ضعفك، وأنت تعالج جروحك وتبكي، أو وأنت توسّخ على ثيابك في حالات الألم العنيف! بل قلت ربما أعدّ لي مفاجأة سارة أن أراك، وأنت في وحدتك تأكل وتشرب، أو وأنت تقرأ الصحف والكتب أو تغسل ثيابك، أو وأنت تغني أو تشاهد التلفزيون، لكن المفاجأة كانت غير ذلك تماماً)!! لقد سمعتُ نفسي وأنا أرجوه أن يكثر لي من جرعة السعادة وبصوت ناعم، كأنني في غرفة النوم. وصرخت به. فأوقف شريط التسجيل، ثم أمرني أن أرى.. فشاهدت نفسي أيضاً، في بيته، وفوق سريره.. عارية لا ثوب يسترني ولا غلالة.. وجننت. هاجت الروح يا راجي. أحسست بأنني أفقدك؛ أفقد كلَّ شيء، أفقد حبي لك الذي عمّرناه معاً طوال الأيام الماضية. فوقفت. قلتُ له سآتي إليك غداً، بعد أن أكون قد فكرت جيداً. (بالمناسبة، لم أقل لك.. جاءتني أم شامان مرات عديدة وهي تبكي، بعد ما رأته يأتي إليَّ؛ إلى غرفتنا الصغيرة.. يقرع الباب طويلاً وينتظر، ثم يقرعه كثيراً وينتظر فلا أفتح له. وحين سألتني عنه، أخبرتها، فما كان لي ولها سوى أن نتقاسم البكاء لوقت ثم تواسيني.. ونفترق)!!
وجئت إليه في اليوم الثاني، ومعي المفاجأة. جئت بكل الأوراق والملفات، وصفحات الجرائد والمجلات التي خبّأتَها أنت، وسلمتُها إليه. جئت بكل ما يمكن أن يُدينك، وبما يبقيك في السجن.. كي لا تخرج يا راجي. فترى أوتسمع ما فعله مأمور سجنك الوسيم بي في غفلة مني ، كي لا تراني، وقد فضحني خجلي منك. كي يظل حبنا خالداً. كي لا ينهار!! وثق بأنني لن أمنحه شيئاً ولو أمّروه على الهواء. سأظل لك وحدك. أتفهم!!. وحدك!!.
ملحوظة:
كنتُ قبل قليل أودعك يا راجي، أعرفك ذكياً.. أما لاحظت؟!
بديعة
العتمة
أعترف بأنها عذّبتني كثيراً، وأنها تركتني لأحزاني البعيدة.. ومضت!!
كانت قد جاءت إليّ في ظهيرة يوم أحد لأعطيها بعض الكتب، وتمشي، غير أنها جلست وأطالت جلوسها. كانت صامتة تنظرُ إليّ بتأمل واضح، وتستمع إلى حديثي بانشداه عجيب. تهزُّ رأسها، فيتراجف قلبي، وذؤاباتها تحوّم فوق جبينها كأنها رفُّ عصافير، وتبتسم لأرى حدود شفتيها الرقيقتين، وبياض أسنانها المتشابكة، ما أجملها!!.
[كنت أسمع بها، ولا أعرفها، لكن خيط لهفتي لها امتدّ منذ ذلك المساء العتيق، حين التقيتها في معرض للرسم. رامقتها، وهي تقف قبالتي مباشرة، ونظرت إليَّ، لكأنما كنا على استعداد مشترك لتلبية نداء روح واحدة مقسومة نصفين. كانت نظرتها عميقة وبعيدة مثل غابة لا تخوم لها، ولأنني عجول في كلّ شيء، واريتُ نظري عنها بعدما أشعرتُها بأنها بعثرتني، واقتربت. كان لابدّ لها من الاقتراب، فقد تلاقى بصرنا وهي تدلف من الباب واقفة على خطوتها الأولى. كنت مفتتح رؤيتها في ذلك المساء الذي غصّ بالكثيرين]
حاولتُ، وقبل أن آتي إلى المعرض أن أمنع نفسي عن الحضور، لأنني لا أحبُّ معارض الرسم في ساعات افتتاحها؛ تلك الساعات التي تكون مرهقة ومربكة وبعيدة عن الفن؛ لكن صديقي الوهيبي، صاحب المعرض، ألحَّ عليَّ، قال: أودّ أن أراك قربي، فأنا أحسُّ بأن الثياب الجديدة والأمكنة الجميلة لا تخفي ارتباك السنين الماضية. تعال أرجوك!! فوافقته، وجئت. أحسست بأن تلامع عينيه، وهو يراني داخلاً، أمرٌ يخصني وحدي. كان يريدني أن أراه وقد أحاطت به الوجوه الجميلة، والزهور، والروائح الرائعة، ودنيا الألوان. وما أن سلمتُ عليه حتى بادرني قائلاً:
* "أترى.. من كان يتوقع بأننا
سنصير شيئاً مهمّاً"!!
[كنت أعرفه بالتفصيل، وكان يعرفني تماماً. كنا طفلين في العاشرة نجوب شوارع دمشق في حالة من التشرد الجديرة بالبكاء الضاج. كنا نبحث عن قطع النحاس والألمنيوم وبقايا العظام وكسر الزجاج.. من أجل بيعها بفرنكات قليلة.
أذكر بأننا تعاركنا ذات صباح على عدة عبوات صغيرة من الألوان. كانت يدي أول من أمسكها. حسبتها عبوات (بويا) من النوع القصير، وقد عملت من قبل ماسحاً للأحذية، وعرفها هو، قال:
* "إنها ألوان للرسم. اتركها لي"!
كانت أصابعي متشبثة بها جيداً، لكن قولته الراجية المدفوعة بنظرته المنكسرة، جعلتني أعطيها له عن طيب خاطر. كنتُ أعرف بأنه يرسم جيداً، فقد كان يرسم لي ولغالبية طلاب صفنا. وكان الأستاذ حمودة يمتدحه كثيراً. يقول عنه شاطر، إذا لم تأخذه الفدائية سيصير رساماً كبيراً وهكذا كان فعلاً.
[ يا الله، مات الأستاذ حمودة، ولم ير الوهيبي في مثل هذا المشهد الباذخ!].
المهم، بعد تلك النظرة الطويلة، اقتربت سوزان! يا إلهي، طولها زينة، مثل حورة كلُّ شيء فيها مضموم إلى الأعلى. اقتربت، فتابعتها بنظراتي السائلة. جعلت من بصري سياجاً يحفُّ بها لتتقدم نحوي بالضبط. اقتربتْ، وواقفتني مواجهة. كنت أعرفها من مقالاتها في الجريدة. كانت مجنونة بالحقائق، والعمل الميداني، وكانت تعرفني من صوري المنشورة هنا وهناك، ومن الأحاديث التي تثار عن كتاباتي. وقبالتي، على خطوتها الأخيرة وقفت. مدّت يدها نحوي، فأخذت كفها في كفي، وهززتها بلطف شديد، ورامشت هي بأهدابها، لكأنها أمطرت في قلبي. ونسيتْ كفها في كفي، كفها الناعمة كمفرش العشب. وهمهمتْ، وهمهمتُ. ولم أفهم من كلامها سوى قولها، سأزورك قريباً. فرحّبتُ بها. لابدّ أن وجهي الفضّاح كشفني، فأدركت اندفاعي نحوها!! وأفلتتْ كفها، ومضت نحو الوهيبي مهنئة، وحين تركته لتتنقل أمام اللوحات، بدت لي هادئة حالمة مثل طيور الحمام!
وعدت إلى البيت فرحاً. كنت ممتلئاً بها، فقد رافقني طيفها طوال ذلك المساء. ظلَّ معي أياماً عديدة. صرتُ أراه قبالتي، وإلى جواري، وفي مرآتي. كان معي في كل شيء. أحسست بأنها أغلقت عليَّ نهاراتي، بل إنها، راحت تعذبني في الليل أيضاً، فهاتفتها مرات عديدة، ولم أجدها. أخبرت زملاءها في الجريدة ورجوتهم أن تتصل بي لأمر هام جداً، ودون نتيجة. حاولت أن أنساها، وأن أقنع نفسي بأن ما حدث ليس سوى لحظات عابرة، وأن حديثها كان للمجاملة وحسب. لكنني ما استطعت. كانت معي، داخل روحي؛ امرأة تأتي بعد ألف عام من الغياب، فتوقظني على وحدتي المرعبة، والسنوات التي تكرُّ بلا حساب، ومضيت إليها. سألت عنها في الجريدة، فقالوا لي: هي تكتب للجريدة، وليست موظفة فيها، ترسل مقالاتها وتحقيقاتها بالبريد فتنشر، وهم لا يعرفونها أصلاً، وحرت بأمري. وندمت، لأنني لم آخذ رقم هاتفها، أو عنوان سكنها، وما كان لي سوى أن أنتظرها، لعلها تأتي!!
وجاءتني فعلاً في ظهيرة يوم أحد لتأخذ بعض كتبي، قالت لي إنها مقصرة في قراءة كتبي بعدما تكاثر الحديث عني مدحاً وقدحاً. تمنيت، وهي لا تزال واقفة أمامي، لو كان بمقدوري أن آخذها إلى صدري في مرجحة لا تنتهي. أتت غفلة، دون أن تخبرني، بعدما يئست من حضورها، وقد حسبتها خيالاً ليس إلا!!
[لو أخبرتني، لتقيفت لها بأحسن ما لديَّ من ثياب، ولنقعت كفي في الماء الساخن، ودلكتهما بالكريم بحثاً عن طراوة مضاعفة، ولرفعت زغب خديَّ، وشربت برميلاً من القهوة لأبني لها صحواً خاصاً بها. لا أدري لماذا علقت حياتي عليها، وأنا النفور الملول]!
حين جلستْ، حاولتُ أن ألغي كل شيء، رنين الهاتف، ومقابلة المراجعين، وتسجيل المواعيد. لكنها رفضت. قالت لي:
* "أريد أن أراك وأنت تعمل..
أرجوك" !!
فعلاً، كانت محقة، فالهواتف المتقطعة، ودخول المراجعين وتسجيل الملاحظات، كل هذا منح اللقاء لطفاً وحلاوة. كنت فرحاً بها، أتأملها، وكانت تكتشفني على مهل بكل حواسها وصارحتني بأن هذا اللقاء تأخر خمس سنوات فقط، فقد عزمت أن تتعرف إليَّ منذ قرأت مقالة مكتوبة عني، كان صاحبها يشتمني. آنذاك انزعجت جداً لأنها أحستْ بأنني مظلوم؛ وفتحت حقيبتها، وأخرجت جريدة قديمة، ونثرتها أمامي، فرأيتُ المقالة تلك، وتعليقاتها المكتوبة بالحبر الأخضر؛ كانت تدافع عني بكلماتها الصريحة الحادة دون أن تعرفني؛ فأحسست بأنها تضع اللمسة الأخيرة على امتلاكي؛ ودونما وعي مني، وصفحة الجريدة بين يديَّ ويديها، ونظري ونظرها متوحدان فوق السطور والحروف.. أخذت كفيّ بين كفيها وضمّتهما إلى صدرها، وضغطت عليهما، فتلامعت عيناها لكأنهما تدمعان، وسرت في وجنتيها حمرة شفيفة كحمرة الرمان. وشعرت بها تدنو مني أكثر، لربما زاغ بصري، فأنفاسها الحارقة تتلاهث قرب أنفي تماماً. وهمهمتْ وهي تنهض:
* "نلتقي في المساء"!!
ومشت، وهي تترك وراءها نثاراً من الضوء المُذاب، دون أن تلتفت أو تستدير! وعدتُ إلى عملي مدهوشاً، فقد أوقدتني المخلوقة، ومضت!!
[والتقيتها مساءً. كانت مثل طائر يهفو إلى عشه، وكنت كالطائش الحيران. حسبتها ستأخذني إلى مكان ما، أو أن تترك لي الخيار، لكنها لم تقترح شيئاً، فقط، حاذتني مخاصرة، وراحت تقصُّ عليَّ أخبارها المحزنة، فواسيتها. عرفت بأنها وحيدة مثلي تماماً، وأن الأحلام بعدت، والرغائب ولت، ولم يبق لها سوى نافذة صغيرة على قدها، ترى الدنيا الكبيرة منها، وتغصّ.
مشينا في شوارع عديدة، واسعة وضيقة، والحديث يلفّنا، كنا كلما تعبنا، مررنا بحديقة، واسترحنا فيها. كان القمر كبيراً وقريباً جداً، جعل السماء صحناً واسعاً من الفضة المشتهاة. وامتد الليل، ونحن نمضي من شارع إلى شارع، ومن مكان إلى آخر. وأشرقت الشمس دون أن نعبأ بها، ثم غابت. وعاد القمر فآنسنا قليلاً ثم غاب. كانت تحكي لي وأحكي لها، دون أن نرى أحداً من الناس في الشوارع، والحدائق، والأمكنة الأخرى، شعرت بأنني غني بها عن كل شيء. لا أريد أحداً غيرها، ولا أشتهي شيئاً بوجودها ، لكأنني عشت هذا العمر الطويل منتظراً قدومها. وصارحتني بأنها ومذ رأتني تتعذب، لكأنها كانت تبني عشاً لي في صدرها. وما أن انتهى حتى التقينا. وأن غيابها الطويل لم يكن سوى امتحان لها. أشعرتني بأنني أعرفها منذ أمد بعيد، لذلك اقترحتُ عليها أن نمضي إلى البيت، بيتي أو بيتها، لا فرق، فرفضت بشدة، ومشينا مرة أخرى. مررنا بطيور، وأزهار، وحيوانات، ومحطات لقطارات مهجورة. وحين هدّنا الجولان، جلسنا على الرصيف البارد. وما أن شرعنا بالحديث، حتى أحسسنا بأن الرصيف راح يتحرك تحتنا، وقبل أن نفعل شيئاً، سَحَبنا الرصيفُ كبساط متحرك شديد الانزلاق نحو منخفض فسيح. فتشبث أحدنا بالآخر وانشدَّ إليه، لكن السرعة الشديدة طوّحتنا. فمضت سوزان في اتجاه، وأنا في اتجاه آخر؛ كان المنخفض كهفاً واسعاً، بارداً ومعتماً جداً. ناديتها بملء الصوت، فما استجابت إليَّ. ناديت مرات ومرات ودون جدوى. وطفقت أبحث عنها في كل الأرجاء، فصادفتني دروب، وأشواك، ومنحدرات، وجرذان، ولم أجدها. لابدّ أنها كانت تناديني أيضاً فلا أسمعها، وتبحث عني فلا تجدني، وظللتُ ألوَب وأبحث عنها، ولم أعثر عليها!!
فجأة رأيت، وسط العتمة المديدة، فانوساً يدنو مني. وقبل أن يقترب أكثر. جفَّ حلقي، ولفتني الحيرة، وضجَّ قلبي، وثبتت عيناي، كان وقع خطا حامله يتعالى في صخب وضجيج كالخيل في ساعة الغضب. واقترب أكثر. صار بمحاذاتي تماماً. فرأيته معلقاً بيد رجل ضخم، بطنه كبيرة، على رأسه قبعة من القش ، وعلى صدره ألوان زاهية، حذاؤه ثخين ومدبب، وحزامه الجلدي رفيع جداً ينتهي بحبات خرز لامعة. وإلى جواره سوزان، ذابلة الوجه، شاحبة. ترامقني من خلف كتفه بأسى!! ولم يتوقفا. تقاويت على نفسي وصرخت بالرجل، وناديت سوزان فلم يحفلا بي. تقدمت من الرجل وتشبثت به لكنه عبرني وكأنني أتشبث بالهواء. ناديت وصرخت، وبكيت.. ودونما رجاء أو أمل. ركضت وراءهما فخانتني رجْلاي، ولم ألحق بهما. ولا أدري من أين خرج إليَّ نمل كثيف لايُعد، وراح يحيط بي.. لكأنني استنفره عليَّ كلما ناديت سوزان، أو صرخت بالرجل. وواصلت ركضي وراءهما، والنمل يطردني، وقد تسلق جسدي، وراح يمتصني، فأصابني بحالة من الخدر اللذيذ، ورويداً رويداً خارت قواي، وغاب صوتي، وانطفأت رؤيتي، فوقعتُ على وجهي فوق صخرة كبيرة مسننة حادة. فسال دمي، وشهقت جروحي، وعلى الرغم من ذلك، ظللتُ أفرُّ من النمل، وأزحف باتجاه الرجل الضخم وسوزان الباكية في عتمة لا أول لها ولا آخر]!!.
آخر.. الأصدقاء
في الشارع المزدحم ذي الممرات المعتمة، والمبلل بمطر البارحة، تتصاعد رائحة البهارات الزاكمة للأنوف، وتلفُّ الضجةُ والنداءاتُ الصخّابة كلَّ شيء، وامرأة طويلة جميلة تمشي ببطء شديد كي لا يتسخ حذاؤها، وكي لا تبلل نقاط المطر الموحلة أذيال ثوبها المتراقصة؛ تمشي وقد سيّجتها النظرات اللائبة غير عابئة بأحد، والإشارات الضوئية توزع ألوانها ببرود على السيارات الواقفة حيناً وعلى تلك العابرة التي علا هديرها حيناً آخر.
في ذلك الشارع الضَّاج ذي الطوابق العديدة، والبيوت العتيقة المتآخية، وقرب الشرفات الوسيعة المسيّجة بعرائش الياسمين، هناك.. وفي الغرفة الخشبية الصغيرة التي تعلو السطح الأخير من البناء العالي، والمطلة على الدنيا، وعلى الشارع المرتبك، ثمة ألبسة باهتة الألوان لرجل عجوز ناحل، معلقة على المسامير، هامدة لا حركة فيها ولا روح، وكأس ماء فارغة، وزهرات يابسات في إناء بللوري شفيف لا خضرة لها ولا ألوان، وبساط كتاني متسخ قليلاً يمتدُّ تحت الفراش الإسفنجي الذي ينام فيه الرجل العجوز الأشيب، الملتفّ بلحافه النظيف المطرّز، وقد بدا وجهه الشمعي الناعم ساكناً لا يوحي بشيء، وقربه تراخت وريقات بيضاء، وأقلام ملوّنة مغلقة، وفوق رأسه تماماً، ارتفعت أيقونة واسعة، ذات ألوان حزينة دامعة، وبجواره.. عدة صحون، وكتب، وجرائد، وحذاء رمادي اللون، ومشط نسائي كبير، وشريطة حريرية رفيعة، وساعة ذات أرقام كبيرة لا حياة فيها ولا رنين، وعلى صفحة الحائط المتآكل قليلاً، والمبقع بالخطوط والرسوم الطفلية المتداخلة، قفص لطائر صغير نزق، راح يزقزق بضجيجٍ عالٍ دون أن ينتبه إليه أحد، أو يحسُّ به أحد؛ طائر أصفر اللون، يتقافز داخل قفصه بعصبية بادية، وقد تنافش ريشه وتناثر؛ يضرب قضبان القفص الرفيعة بقسوة بالغة؛ طائر صغير مدمّى يزقزق بصبر عجيب متواصل للرجل العجوز المنطفىء الذي لم يتحرك منذ ثلاثة أيام، لعله ينتبه.. فينهض!!.
مشهد
كان الوقت قبيل الغروب بقليل؛ حين كنتُ معهم في حافلة الركوب المنفلتة كالريح حيناً، والحرون كبغل شموس حيناً آخر. لا أدري بالضبط ما الذي لفت انتباهي إلى مشهدهم العفوي تماماً.
كانت المرأة الملتفّة بثوبها البنفسجي تلاعب طفلها الصغير على صدرها، والطفل لاهٍ، ناشط بالحركة والمناغاة كطير حمام. وقبالتها جلس الشاب الملتحي ذو القيافة اللافتة للانتباه غير عابىء بها في أول الأمر، فنظرته الهادئة تسرح خارج زجاج النافذة.
كنت على الرغم من تعبي وقد هدّني النهار، أراقبُ ما حولي، أتطلع هنا وهناك، فأرى شرود الناس، واحمرار مقلهم، وشحوب وجوههم، وإنتظارهم الملول لما سيأتي، والحافلة تنهب الدرب ولا تعير ما يحدث أي اهتمام.
ولم أدر كيف لفت المشهد انتباهي، فقد لاحظت أن المرأة الجميلة واسعة العينين تُنقل نظرها ما بين طفلها والشاب الملتحي الذي راح ينظر إليها لمحاً وبخجل واضح تماماً، لكن نظراتهما لا تلتقي حيث تعود المرأة الجميلة المتوردة الوجه إلى طفلها لتلاعبه، كما يعود الشاب الملتحي ذو الشفتين الرقيقتين إلى كتبه التي يشدّها إلى صدره.
ولم تنقطع النظرات المتبادلة بينهما، فقد بدأ الشاب الملتحي ذو الساعة الذهبية يرسل النظرات الدافئة إلى المرأة الجميلة ذات الشامة الشقراء الباسمة أيضاً، وطفلها يضحك، ويهمهم، ويرفُّ بذراعيه كعصفور أصابه البلل. وشردتُ عنهما قليلاً، رأيتُ الأشجار واقفة بخشوع، والحافلات والسيارات الصغيرة في تسابق محموم كأن الدنيا ستذوب مع مغيب الشمس. ولم تكن سوى البيوت، والدروب، والأشجار منتظرة في ثبات حنون.. هجعةَ الليل القادمة.
وعدت إليهما، فرأيت المرأة الجميلة التي بان جيدها الطويل اللامع، وهي تحاول انتزاع كف طفلها الطرية من يد الشاب الملتحي الذي راح يبتسم لهما، والطفل يرعش، ويحمحم مثل مهرة جفول يروم الوصول إلى حضن الشاب. هنا بالضبط التقت النظرات اللجوجة الحائرة، والابتسامات الممدودة، كما تلامست الأيدي أيضاً، حيث أخذ الشاب الملتحي ذو الشعر الطويل الطفل إليه، ويدا المرأة الجميلة الرخصتان عالقتان به.
تلامست الأيدي، فعلت الوجهين حُمرة خفيفة أشبه بحمرة التوت الشامي. والتمعت الأعين، فرأى أحدهما الآخر بهدوء حنون، لكن وفي اللحظة الأخيرة ارتبكت المرأة الجميلة، وقد بدت ساقاها البيضاوان من طرف ثوبها المشقوق، فحزمت أمرها وأعادت طفلها إليها، وأطفأت ابتسامتها، تماماً كمن يغلق نافذة بحياء شديد.
وعاد الشاب الملتحي البادي الصدر، إلى الوراء قليلاً، ساحباً يده إلى كتبه، وقد انقصفت ابتسامة مثل عود حبق يابس، في هذه اللحظة، توقفت الحافلة ليصعد إليها راكب جديد، ثم انطلقت، ليستعاد المشهد ثانية ما بين المرأة الجميلة ذات الأساور الكثيرة، والشاب الملتحي الذي أخذته الحيرة ولحظات الشرود!!
لقد أحسستُ بأن المرأة الجميلة اقتنعت بأنها لفتت انتباه الشاب الملتحي بزينتها وابتساماتها الصغيرة، ونظراتها الوادعة، وأن الشاب أيقن أيضاً بأنه راق لها بحضوره ولطافته البادية، وغمرني شعور بأنهما، ومن أول كلمة يطلقها أحدهما، سيتفقان، ويبدآان حديثاً طويلاً ينتهي بهما إلى معرفة مطلقة!!.
فعلاً، ها هي المرأة الجميلة ذات الأهداب الطويلة، تضع طفلها في حضنها، وتخرج ورقة صغيرة وقلماً، وتشرع في كتابة كلمات قليلة، وتطويها في كفها دون أن تنظر إلى الشاب الملتحي الذي راح يراقبها بلهفة راجفة، لعلها كتبت له عنوانها، أو رقم هاتفها.. ربما!!.
وحالما انتهت من ضبط طفلها وثيابها، طلبت من السائق أن يتلطف ويوقف الحافلة لكي تنزل، فاستجاب إليها بسرعة عجيبة لكأنه كان يترقب منها طلباً كهذا، وانشغل يرامقها بنظراته الثاقبة. نهضت، فبدت قامتها الطويلة الملأى، ثم هبطت دون أن تعبأ بالشاب الملتحي الذي اصفرَّ لونه واعتكر، ودون أن ترمي له نظرة واحدة.
فقط.. تركت الورقة الصغيرة المطوية تنزلق فوق مقعدها كأي شيء مهمل لا يعنيها أبداً، ومضت، وأبصارنا معلقة عليها. وقبل أن تغلق الحافلة بابها، التقطت أصابع الشاب الورقة باضطراب واضح. فتحها، وقرأ. كنت على مقربة منه؛ إلى جواره تماماً، قرأ، وقرأت:
* "آسفة، كنت أنظر إليك، وأنا أفكر
بولدي، متى سيكبر ويذهب إلى الجامعة مثلك،
ومتى ستنبت لحيته؟!، فلا تذهب بأفكارك بعيداً.
ترى، هل منحتك لحظات من السعادة العابرة، أرجو ذلك..!!"
فغصَّ الشاب الملتحي، وعضَّ على شفته السفلى بانفعال حتى أدماها، ثم دعك الورقة الصغيرة بقسوة شديدة ورماها من النافذة، وقد بدا لي مخلوقاً آخر غير الذي كان.. قبل لحظات فقط!!.
السيدتان
أبداً،
لم تكن المصادفة هي التي جمعتنا في ذلك المساء الرَّحيب. كنّا نعرف أننا سنلتقي، وأننا سنقضي الوقت في أحاديث، وسمر، وحوارات، ورغبات قد تصير واقعاً.
كنّا أربعة رجال وامرأتين. دعينا لحضور ندوة اقتصاديات البحر الأبيض المتوسط، أعمارنا مختلفة، وقاماتنا متفاوتة، ولغتنا واحدة. وكان جمال المرأتين مختلفاً جداً؛ واحدة قصيرة سمينة، وجهها أكلته التجاعيد، وأطرافها قصيرة ملأى، وشعرها لا طول له ولا بريق، وصدرها واسع كميدان للسباق. وأخرى، كنّا أمام جمالها لا حول لنا ولا قوة، تقول كما لو أنها عود خيزران طولاً وجمالاً، مصقولة وناعمة مثل حبة الكستناء، تحار إلى ماذا تنظر فيها؛ قطعة من المرمر الساحر، جمال على جمال من قدمها إلى هامتها. إن تكلمت صمتت حيطان البهو الفسيح الذي يضمّنا، وإن ضحكت رعشت صدورنا بطيف سحرها الأخّاذ. كانت تقطف انتباهنا واحداً واحداً كما تقطف الفلاحات حبَّ التوت البري.
تحدثنا كثيراً، وضحكنا كثيراً، وتهكمنا من أمور كثيرة أيضاً، من حوادث، وأشخاص، وعناوين وتواريخ باهتة. كنّا نحن الرجال نستعرض خفة دمنا أمام السيدتين، عفواً، أمام السيدة الجميلة فقط، إذ اعتبرنا أن السيدة السمينة واحدة ما نحن الرجال. كل واحد منا تحدّث عن هوايته، وعنايته الشديدة بالموسيقى، والألوان، والورود والنباتات، وعلوقِ روحه بالبحر ومساءاته الألوفة. تحدثنا عن أبراجنا، ورؤيتنا للحب، والنساء، وألقينا بعض الأشعار الناعمة التي حفظناها والتي تتحدث عن رقة الحسان، وحلاوة الريق، ولطافة التَّلفّت، وطراوة الأذرع، واتساع الأحداق، وجمال بياضها على سوادها. كنا، في أول الليل، على سباق مربك لتخاطف انتباه السيدة الجميلة، فقد قطع أكثر من واحد منا الحديثَ على الآخر، وأبدى أصحاب الأيدي الناعمة جمال أصابعهم الطويلة، فنشطوا في المناولة والأخذ. ومسَّد أصحاب الشوارب شواربهم مرات عديدة؛ بدونا كأننا نذوب رقة ولطفاً في حضرة السيدتين. عدد منا حاول تطييب خاطر السيدة السمينة ببعض الاهتمام والحديث؛ فأحست بأنوثتها الغاربة.
ومع امتداد الليل، أكلنا وشربنا كثيراً، والموسيقى في بهو الفندق الصغير الأنيق تلفّنا، فقمنا إلى الرقص. رقصنا كراهيةً مع السيدة السمينة التي فرحت بنا كثيراً، وقد أصبح الحديث معها همساً ووشوشة، وكأن أيام شبابها عادت إليها كلها مجموعة في هذا المساء. كما فرحت السيدة الجميلة أيضاً، فتاهت بجمالها، وتدللت كثيراً، وكان الجريء منا من استطاع ملامسة طرف جيدها أو وجهها؛ أو من استطاع بدّربة وحذق أن يجعل خصلاً من شعرها الناعم الطويل تداعب وجهه. بعضنا كان يعود من الرقص معها محموماً، متوهجاً كالجمر، حاراً ومتعباً كأنه اكتفى من الدنيا بهذا الزاد المسائي الجميل.
كنّا لا ندري ما يقوله الواحد منا للسيدة الجميلة، كما لا ندري ما الذي يضمره وقد كرَّ الليل نحو الصباح. فجأة، انطفأت السهرة، توارت الضحكات، ووجمنا كأننا في جنازة.. حين وقفت السيدة الجميلة بطولها العالي، ووجهها الذي ارتوى من خمرة أرواحنا، وأعلنت الرحيل بكل حنوها ورهافتها مخافة أن تنام على الطاولة.
وقفتْ، فوقفنا بوجوهنا الحزينة لكأنما الدنيا تغادرنا. أخذت أكفنا بكفّها الطرية كفّاً كفّاً، وتمتمت راجية أن ننام نومة الأحلام السعيدة. واستدارت، فضجّت قلوبنا واصطفقت، وانقصفت بداخلها أغصان، وتدحرجت أجمات شوك، وتهاوت صخور عديدة، ولفّنا الأسى. أحسسنا أن كلّ شيء انتهى، المرح، والودّ، والإلفة والبهجة، والمساء الذي كان عامراً قبل قليل.
في بداية غياب السيدة الجميلة، حرنا ماذا نقول، وعن أي شيء نتكلم، حتى أن واحداً منا كان يقصّ علينا مشاهد من قسوة زوجته لم يتممها وكأنه نسي الموضوع. بدا كلُّ شيء بلا معنى، فقد استيقظنا تماماً؛ عدنا من الحلم الذي كان، فانتبهنا إلى أن الموسيقى ضاجة أكثر مما يجب، فنادينا النادل وطلبنا منه أن يخفض صوتها. ورأينا أن المائدة فقيرة، فالصحون فارغة، ومناديل الورق مدعوكة ومرمية بانكسار هنا وهناك، وبقع الزيت منتشرة فوق غطاء الطاولة، وأوراق الخضار ذابلة، وصحون السكائر ممتلئة بالأعقاب والرماد. ورويداً رويداً صار الحديث همهمات وهزَّ رؤوسٍ وحسب، وراحت مظاهر الضجر والملل تلفّنا. ولم ندر ما الذي نفعله، وقد بدونا مثل طيور عزّ عليها المنام، لهذا كان كل واحد منا يذهب في غياب قصير إلى داخل الفندق، وبعيداً عن البهو، يتوارى للحظات، ثم يعود. كان وقت غياب الواحد منا مماثلاً لغياب الآخر. ولاحظنا معاً أن الذاهب منا إلى غيابه القصير يمضي متوهجاً نشطاً، ثم يعود ذاوياً، خرباً، متعكر الوجه، عاثر الخطا.. وهكذا.... أخذنا الغياب الدوري واحداً بعد الآخر، لكننا عدنا واجتمعنا مرة أخرى حول السيدة السمينة التي بدت لهوفة للحديث معنا، والتي نشطت في حركاتها، وتوزيع ابتساماتها علينا. ومع تقدم الوقت أخذنا ننتبه إليها وكأننا نراها لأول مرة. رحنا، في بداية الأمر، نتحدث إليها مكرهين، ثم اختلقنا الأحاديث الجميلة ونثرناها أمامها بحرارة بادية. ورأينا رأي العين، كيف مال الواحد منا نحو الآخر.. ليهمس بأذنه مباشرة معنى واحداً تكرر في قولات عدة، بأنها أنثى لا تخلو من الحسن والجمال.
وشرعنا نثني على جمالها الذي نسيناه في غمرة أحاديثنا الصاخبة، وأشعارنا الناعمة، وضحكنا المتواصل، منا من رأى جمالها في شعرها القصير المرتب بعناية فائقة، وآخرون قالوا إن صدرها من أروع الجمال الذي رأوه في حياتهم، وأن صفاء وجهها لوحة ناطقة.. وهكذا، ظللنا نمتدح جمالها وقتاً طويلاً دون أن يغادر أي منا مقعده. لقد وجدناها جميلة جداً، ولكم أسعدها هذا الشعور، فقد بدأت تتفتح أمامنا مثل زهرة بعدما رحلت تلك السيدة الجميلة.. وغابت.
وحين انفضت سهرتنا، ودّعنا السيدة السمينة التي استدارت ملوحةً لنا بأطراف أصابعها، وتركتنا للحظات قرب الطاولة مستيقظين تماماً، بعدما أحسسنا بلذع كفّ السيدة الجميلة التي رحلت قبل ساعات إلى نومها. ولم ندر كيف عدنا، مرة أخرى، إلى الجلوس حول الطاولة بعدما راح كلُّ منا يقول للآخر بأنه، وحين راقصها- يعني السيدة الجميلة- واعدها على اللقاء في غرفتها، وقد قالت له بأنها ستغادر السهرة مبكرة لأجله، وأنها ستترك له الباب مفتوحاً؛ لكنه وحين ذهب إليها، دفع بابها فوجده مغلقاً بإحكام. قرعه بهدوء مرات ومرات فما استجابت إليه، ثم قرعه بشدة ودون جدوى، وقبل أن ييأس مضى وخابرها بالهاتف ولكنها لم ترد. حاول مرات عدّة ولم يحظ بشيء، فعاد قبل أن ينكشف أمره كمن يعود من غزوة خائبة!!.
وبهتنا جميعاً. لفّتنا حالة من الوجوم للحظات، ثم ما لبثنا أن ضحكنا ملء رؤوسنا؛ فقد كان قول واحدنا هذا قولنا جميعاً، فما حدث له.. حدث لنا أيضاً، وكان لابدَّ لنا من أن نتصارح .. حتى ننام!!.
لَوَبَان
لم أكن أعرفه من قبل ليصارحني بكل هذا الحديث؛ لكن الرجل الأشيب مهموم، وجسده الناحل لا يقوى على المضي في الدروب التي يجول فيها طوال وقت النهار.
عرفته مصادفة في حديقة القنطورة، في ذلك المساء الشتوي المندّى. كانت الحديقة وحيدة تماماً، لا أحد فيها سوى الرجل القصير الأشيب، الذي قبع فوق أحد مقاعدها الخشبية الباردة، لكأنه ينتظر أحداً ما. كنت قد جئت إلى الحديقة قبيل الغروب بقليل بعد أن واعدت فريال صديقتي على اللقاء؛ فريال التي عرفتها منذ سنوات بعيدة، والتي لم أمنحها شيئاً سوى محبتي، وبعض الهدايا الصغيرة المضحكة.
كان المساء جميلاً هادئاً، وكانت أشجار الحديقة، وأعشابها، وأسيجتها الشوكية مغسولة بالمطر النثيث الناعم. وحده الرجل الأشيب انتبه لدخولي، فابتسم من على بعد، ولوّح لي بيده منادياً كي أقترب؛ كأنه على موعد معي، أو لكأنه ينتظر قدومي. ولم أدر لماذا طاوعت قدميَّ ومضيت نحوه بكل بساطة(أحياناً تلفني حالة من العناد العجيب أشبه بعناد الحمير القبرصية)، وهشَّ الرجل، وتقدم نحوي على عجل، وهو يبتسم، وقبل عشرة أمتار من وصوله إليَّ مدَّ كفّه لمصافحتي؛ فمددت يدي إليه كأنني منوّم (لاشك أن منظرنا كان مضحكاً تماماً). وحالما التقينا أخذ كفّي بكفّه الصغيرة، وهزّها بلطف. بدا لي رجلاً يُسلّم بحرارة نادرة، ودعاني إلى مجالسته فوق المعقد الخشبي القريب منا. أحسست للوهلة الأولى بأنه رجل نسي أن يكمل نموه.. فجسده صغير، ضامر، وعيناه خرزيتان، وأصابعه صغيرة وقصيرة كأصابع الأطفال؛ وجهه أجرد لاخطوط فيه ولا ندوب، وبادرني قائلاً: وهو يتلفّت هنا وهناك:
* "كدت أختنق، ما من أحد حولي.
لا أدري أين يتوارى الناس"!!.
همهمت، ومن باب المسايرة:
* "في بيوتهم يا عم"!!
ولم أقل أكثر من هذا، فانفرط الرجل مثل حبة رمان في بكاء صاخب، وراح يتنهد، ويتمتم دون أن أفهم كلمة. ورحت أواسيه، وأصبّره، وهو يدفن رأسه في صدري تماماً. راعني المشهد، وأخافني، وساورتني الظنون، فالدنيا مقبلة على الغروب، والمساء بارد، والمطر يُهمي بلطف شديد، وحالة الهدوء الشاسع تلفُّ كلَّ شيء، وما من أحد فعلاً، لكأن الناس غادروا المدينة، أو لكأن السيارات انقطعت عن المرور في الشارع العريض الموازي للحديقة تماماً. ولم يهدأ الرجل إلا بعد مرور وقت من الزمن، أحسبه كان طويلاً وعصبياً. فقد خفت أن تأتي فريال وتراني على هذا المشهد المأساوي فلا أقوى على إقناعها بأنني لا أعرف الرجل إلا منذ لحظات فقط؛ وأن المصادفة هي وحدها التي جمعتنا هنا. المهم أن الرجل هدأ، فهدأتُ. رفع رأسه ونظر إليَّ. كان وجهه طفلياً تماماً، فقد احمرَّ وتلامع كحبة خوخ. وودَّ أن يقول لي شيئاً، فلم يستطع، لذلك.. ارتمى في صدري ثانية وراح يبكي. ولم أتكلم. شعرت أنه بحاجة إلى البكاء، فليبكِ. وانشغلت عنه. كنت أمدّ بصري نحو مدخل الحديقة مترقباً قدوم فريال؛ والحديقة من حولي مستسلمة للمطر الحنون، والهدوء المطلق العميم، وبكاء الرجل الأجش. ورأيتُ في الركن البعيد من الحديقة عدة طيور فزعة تحوّم وقد بللها المطر، وهي تنتقي لها مأوى في ثقوب البناء الحجري الخرب. كان المطر ساحراً، وطرياً، له لمعة مضيئة مثل الكلام الحنون.
وأخيراً، هدأ الرجل. أستل من جيب سرواله الأسود العريض منديلاً أبيض، وراح يمسح دموعه وندى أنفه، وجلس قبالتي، فبادرته قبل أن يعود إلى البكاء:
* "مابك يا رجل.. تكلم"!!
ولم يجب كان يلملم نفسه، ويضبط أنفاسه فقط. وحين نظر إليّ، قال:
* "لي ثلاثة أيام لم أنم،
اسمعني، أرجوك، لعلي أنام"!!
نظرتُ إليه بدهشة، كأنني أراه للمرة الأولى، فقد كان رجلاً يبكي بكل أعضائه. خفق له قلبي وضجّ. أحسست بالأسى والحزن. وودّت لو آخذه إلى صدري في ضمّة لا ضفاف لها.
فثيابه النظيفة جداً لا تدل على أنه متسول أو متشرد، ونظرته النافذة لا ذل فيها ولا مسكنة. وما كان أمامي سوى أن أهزَّ له رأسي، فقال:
* "أنت لا تعرف بهيجة الحسون؛
بهيجة أجمل بنت في الضيعة. بنت مثل حبة اللوز، طويلة وناعمة. بهيجة هي السبب في كل ما حدث.
كنت قد انتهيت من خدمتي العسكرية. قلت لعمك أبو كنت قد انتهيت من خدمتي العسكرية. قلت لعمك أبو فوزي، والدي الله يرحمه، قلبي عند بهجية يا أبي وأهلها وافقوا. خذ.. هذا كل ما معي من أجلها. المهم موافقتك. فوافق دونما إبطاء. كنت أخدم عند ابن حلال. الدنيا في نظره لا تساوي الفرنك المصدي. كان يساعدني.
يقول لي: دبر حالك يا فوزي. اشتغل، وعبِّ كيسك. ومحسوبك فوزي ابن تعب، روحي معلقة بالتعب. شرّقت في المدينة وغرّبت. جمعت الكثير. صار عندي مال يحسب بالآلاف. وضعته عند معلمتي. كانت هي أيضاً بنت حلال. كنت خدوماً لها. صحيح أنها كانت تحبّ واحداً غير معلمي؛ لكن ما خصني؛ فمعاملتها لي ممتازة. كانت تعطيني مكاتيب وهدايا لحبيبها، فأوصلها دون أن أقول حرفاً. كنت دائماً أحسب نفسي في مهمة سرية؛ وقد عاهدت ربي ألا أنقل كلمة تغضب معلمي أو معلمتي. كنت أرى بعيني وأغصُّ؛ فمعلمي ما كان خالي الطرف أيضاً. كانت تتردد عليه بنت مثل فلقة التفاح. كنت آراه وهو يعطيها الكثير.كنت أقول، افتح عينيك يافوزي على قدك ، واترك الناس في حالهم. وهذا ما كان فعلاً، المهم، بعد أن وافق الوالد، أخذت بهيجة. وصار لي ولها عرس لم تحلم به الضيعة من قبل. كان لبهيجة فم يأكل ولا يحكي. بنت بلا طلبات بلا شروط. فقد قالت لي: خذني إلى المدينة، يا فوزي، فوافقتها دون مواربة. حاولتُ في البداية أن أحببها بالضيعة فحكيت لها عن بشاعة المدينة، لكنها لم تقتنع، قالت لي أنت على قدِّ حالك يا فوزي، وابن المختار عينه عليَّ؛ إذا ما بقينا في الضيعة سيأخذني غصباً عنك وعني. المدينة كبيرة وواسعة، وإذا ما طلبني ابن المختار لن تعثر عليَّ. خذني قبل أن أخسرك وتخسرني. وفكرت بالأمر كثيراً، فعلاً ابن المختار جمال، وطول، ومال، وقدرة. قلت: امش يا ولد، يا فوزي، خذ بهيجة ومعلمك في المدينة يدبر حالك. وذهبنا. كان مشهد وداع أمي مؤلماً. بكت المخلوقة كأنها تودّع الدنيا. وأوجعتني بقولها (يا ريت ما تزوجت)، ورأيت دموعها تسحّ!!
وصلنا إلى المدينة، وأخذنا غرفة صغيرة وعشت مع بهيجة أياماً حلوة. اشتغلتُ من أجل سعادتها، عرّفتُها بأمكنة كثيرة، وجعلتها ترى ما كانت تحلم به، ففرحت كثيراً لكأن المدينة هي سعادة الدنيا كلّها؛ وما مضت سنة حتى رزقنا بدلال، بنت حلوة مثل ليرة الفضة. صارت سلوتنا ولعبتنا في الليل والنهار. بهيجة طار عقلها بها، فشعرتُ بأن الحياة راقت لها وزهت؛ لكن بهيجة أخذت تتغير. صارت تنفر مني وتبتعد. تدقق في كلِّ شيء. تسأل أسئلة كاوية؛ ما كنتُ أسمعها من قبل. تسألني لماذا أتمطق كثيراً حين آكل، ولماذا لا أمشط شعري، وأقص أظفاري، وكيف لا أفرشي أسناني بعد كل طعام ، ولا أحلق ذقني يومياً، وراحت تحرمني من أكل البصل والثوم والمكدوس.. وأشياء كثيرة أيضاً. صارت نكدة وصعبة. تعبس في النهار، وتهجر في الليل. صرتُ أطلبها وأتودّد إليها بالرجاء، فلا تستجيب لي، لكأنها ليست بهيجة التي كانت تحسبني مخلوقاً هبط عليها من السماء. ومضتْ في دلالها وصدودها، ومضيتُ في صبري عليها وانكساري لها. فقد هجرت أهلي من أجلها. لكن ظنوني اتسعت بعدما وجدت، في أثناء غيابها، صورة لشاب حلو تحت مخدتها، ففار دمي، وهاجت روحي. وحرت بأمري، ورحت أفكر. كل شيء.. إلا هذا يا بهيجة!! ووصلت إلى نتيجة بأن بهيجة لا تحبُّ آخر وأنا موجود. كنتُ واثقاً منها ومطمئناً إليها على الرغم من قسوتها معي. أقنعت نفسي بأن الصورة لمطرب أو فنان. وعلى مهل نسيت الأمر فعلاً. لكن بهيجة صارت تلبس وتتحلى أكثر من قبل، وتخرج كثيراً دون علمي وتتأخر، فأقول لنفسي: حقها. قعدة البيت تخنق. كنت أبعد نفسي عن الشك بها، لكن بهيجة غابت فجأة ولم تعد. طق عقلي، ولم أصدق. انتظرت عودتها وقتاً طويلاً، لكن دون جدوى. صرت وحيداً مع دلال الصغيرة، فمضيت أسأل عنها كل معارفي ومعارفها، وما من نتيجة. ظلت بهيجة موغلة في الغياب. وظلت البنت دلال تبكي فأبكي معها؛ تبكي طويلاً دون أن تقبل مني أي طعام أو شراب، وحين يهدّها البكاء تنام. مرت أيام عديدة وأنا أنتظر بهيجة، لكنها لم تعد. شعرت بأن بهيجة هي الدنيا، فغيابها غيابٌ للدنيا. صرت مثل المجنون بعدما حيّرتني البنت الصغيرة التي تطلب أمَّها؛ وأمُّها بعيدة نفور كطير الشوك أو البلان وراحت البنت تذبل وتضعف بين يديَّ. قلت يا فوزي خذها لأم عباس، جارتنا، لعل وعسى، لكن أمَّ عباس رفضتها بلطف ولين؛ معها حق؛ عندها ثمانية أولاد، وحالتها من ويل إلى ويل. وشاورت معلمي ومعلمتي، ولم أجد عندهما نتيجة؛ بل وجدت ما صفعني، لقد أخبرتني معلمتي بأن بهيجة لن تعود أبداً فقد أخبرتها بأنها رحلت مع آخر . لذلك ضيّق اليأس علي الفرص ، فأخذتُ البنت إلى ملجأ الأيتام. ضربت الجرس، ودخلت. قلتُ لهم، أرجوكم، هذه البنت لي، اسمها دلال، أمها ماتت، ربّوها قبل أن تموت هي أيضاً، فأخذوها ومضيتُ، عفواً قبّلتُ البنت، ومضيت!!
عدتُ إلى غرفتي مثل الطير الجريح. غرقت في البكاء واللطم ساعات ثم نمت؛ وما إن استيقظت حتى جمعت كلَّ أثر لبهيجة وحرقته، ثم جمعتُ ثياب البنت دلال، ووضعتها في كيس، وأخذتها إلى الملجأ. أعطيتُ الكيس للحارس، وخرجت. خفت أن تبرد البنت في الليل. وعدت. ضاقت الدنيا عليَّ؛ صارت خطّاً مستقيماً ما بين الملجأ والمقهى. كنت وكلما فكرت بحالي لا أجد نفسي إلا في المقهى بين الناس. ضجيج المقهى، وصياح الناس، وأصوات المنادين على البضائع.كلُّها تبدد وحدتي وأفكاري، فأواري همومي للحظات.
ولم أطق الحياة. كل الشوارع والدروب، والأمكنة التي أجول فيها.. تذكّرني ببهيجة، وبهيجة سادرة في الغياب. وكل الأطفال يذكرونني بدلال. تمنيت لو أنني أنتهي، فأرتاح من كل هذا العذاب. فكرتُ بأن أذهب إلى أمي، وأسألها عن حلّ. خفتُ شماتتها بي، فقولتها (يا ريت ما تزوجت) تخزّ صدري كالمسمار، وقررتُ السفر بعيداً. أردتُ أن أبتعد عن الهواء الذي أشمُّ فيه رائحة بهيجة، وعن البيوت التي تسمعني بكاء دلال. وحزمت أمري فعلاً. ودّعت البنت دلال، وتركت لها قرشين عندى مديرة الملجأ، ومضيت إلى بيت معلمتي، وضعتُ كل أثاث غرفتي تحت الدرج، وسيّجت عليه بسلك معدني كما أشارت عليَّ. ولم أدر كم مرة ضبطت نفسي وأنا أمام مرآة الخزانة التي كانت بهيجة تمشط شعرها قبالتها.. أُلمّسُ عليها كأنني أُلمَسُ على روحي. ومضيتُ. تعثرتُ كثيراً في سفري. ونفرت من أشغال كثير. ومرت السنوات بطيئة حارقة، والشوق يلذعني. شعرت بأنني أذوب رويداً رويداً، حتى صرتُ مخلوقاً آخر تماماً بعدما زادت أحزاني وتكاثرت عليَّ. حاولت وكلما لاح طيف بهيجة لي أن أعطبها بخمس ست سيكارات، ولم أفلح، ظلّ طيفها رفيقاً لي كأنفاسي. ومع ذلك جمعت من المال الكثير. كنت أرسل قسماً منه إلى الملجأ من أجل دلال. كما أرسل إليها صوري لتظل على معرفة بي. حتى إذا ما رأتني ترتمي في صدري منادية أبي.. أبي. كتبت لها الكثير، وصبّرتها على الحياة، وقلت لها إنني قادم لكي أسعدها، وأعوضها عن سنوات الحرمان بكل ما تحب وتشتهي. لكنني تأخرت عنها كثيراً. كنت، وكلما هممتُ بالعودة، تحدث لي مشكلة تحول دون عودتي. وهكذا مرت السنوات، وكبرت دلال. وحين عدت، جلبت لها المال الوفير، والهدايا الكثيرة، حتى مديرة الملجأ، ومعلمتي لم أنسهما من الهدايا. كنت أُمني النفس أن يكرمني الله بعودة بهيجة لتعود الحياة وتجمعنا مرة ثانية، سأنسى كلَّ ما فعلته، سأقنع نفسي بأنها لم تغب لحظة واحدة، لكن ما حدث كان مؤلماً حقاً!! فما أن وصلت حتى ذهبتُ إلى الملجأ. ضربت الجرس، ودخلت. سألت عن دلال فقالوا لي: خرجت منذ حوالي سنة، ولم تعد!! كانوا حزانى فعلاً، ولم أسمع منهم غير هذا، لأنني غبت عن الوعي ساعة أو أكثر، يوماً أو أكثر، الله أعلم. وعرفت فيما بعد أن إدارة الملجأ بحثت عنها طويلاً، ولكن دون جدوى. وهكذا صار مصير البنت كمصير أمها، وكأنه كان ينقصني أن أفقد دلال أيضاً. وهمتُ على وجهي. فقد فقدت آخر ما تبقى.. وأخذت صورها الجماعية مع رفيقاتها، ورحت أبحث عنها في شوارع المدينة وحاراتها.
ولم ألتق بها وبتُّ أسمع بأذني الناس وهم يقولون عني: مجنون! ولم أحفل بهذا، فقد كان أملي كبيراً بأنني سأعثر على دلال، فهي لاشك ستعرفني من أول مواجهة، وأنني سأعرفها أيضاً. سأشمُّ رائحتها من بعيد فقد أحتاج إلى أن ألتقيها في شارع واحد، أو حارة واحدة حتى أعرفها، ولكن دون نتيجة، انبرت قدماي، ونحل جسدي، وانحنت قامتي، وشحَّ نظري. صرتُ شبحاً أو أكاد، ولم تعد لا بهيجة ولا دلال. ولم أيأس. ذهبت إلى أمانة السجل المدني. وبحثتُ عن اسمها، فلعلها تزوجت وذكرت عنوانها. بحثت طويلاً وبمساعدة أولاد الحلال، ومن دون فائدة، كنت وكلما رأيت اسم دلال يلهف قلبي ويتراجف ثم يغصّ. وسألت عنها في المخافر، والمشافي، وسجن النساء، وما من شيء. طوّفت في الكراجات، وعيادات الأطباء، ومكاتب المحامين، مررت بالمعامل الصغيرة والكبيرة، ولم أجدها. صغرت الدنيا في عيني فحزنت، وكبرت عليها فضاعتْ. عدت إلى الملجأ وسألت المديرة إن كانت البنت قد انتقلت إلى ملجأ آخر فنفت.. لأن المعلومات مشتركة ما بين الملاجىء، وأنها شخصياً، سألت رفيقاتها عنها، ولم تصل إلى نتيجة، فقد كانت علاقات دلال بهن غامضة بعدما كبرت ونهد صدرها فجأة وقبل الأوان!! ولم يبق لي سوى صور دلال، وصورة من صور بهيجة.. هاهي".
.. ونثرها أمامي، وصمت منطفئاً فوق المقعد الخشبي الطويل كقنفذ. هززته فما عبأ بي. خفتُ أن يكون قد أسلم الروح، فهمد.. لذلك هززته مرة ثانية، ولم يستجب لي. فحرت بأمري، وجلت بنظري فيما حولي، ففوجئت بصديقتي فريال تجلس إلى جواري متواريةً في العتمة الفضية التي لفّت الحديقة. لابدّ أنها قد دخلت ولم أشعر بها، فراحت تستمع إلى حديث الرجل الحزين، ناديتها بصوتٍ عالٍ، وقد رأيتها باكية ترتعش وتتنهد متأثرة بما قال فنظرت إليَّ. لحظتئذٍ، انتبه الرجل. رفع رأسه، ونظر إلينا. ودونما توقع ابتسم ابتسامة صغيرة، فلمع وجهه وأضاء. نهض، فنهضنا.. وخطا وهو يدفن صور ابنته وزوجته في صدره، ثم أمرنا بحزم وقسوة أن نذهب، فالدنيا برد بلا أمان. فاستجبنا له ببطءٍ شديدٍ، وحين ابتعد، استدرنا بعدما رمينا له نظرة وتلويحة يدين، ومضينا تحت مطر رهيف خدر، راح يشتدُّ بوقع غريب!!.
فَقْد
لم تكن تتوقع أن الرجل العجوز سيثار، وأنها ستعيده إلى الوراء كثيراً، وستسبب له أحزاناً جديدة.
كانت، وفي الصباح، تراه داخل حديقته المجاورة للدرب المترب الناحل الذي يقودها إلى الجامعة؛ تراه منصرفاً باستغراق شديد إلى عمله، والريح تلعب بشعره وثيابه كأنها تهدهده. يحفر الأرض ويسويها بلطف كطفل يحفر في كفه، ويقطف الأوراق المصفرة كمن يقطف حبات التين الذائبة. ومن حوله، تحيط جداول الماء الصغيرة بالأشجار والخضرة الوارفة. تنظر إليه بفرح، فتحسبه قطعة من فضة الصباح الآسرة. والرجل لا يعبأ بالمارين لكثرتهم. كانت سعادته أن ينفق وقت الصباح في حديقة منزله وقد ارتدى ثياب العمل، يعزق، ويفلح، ويقلّم، ويرش. وكانت هي فرجة، جمالها يولّد الشهقات. إن مشت.. سحبت وراءها الأبصار، والأشجار، والبيوت، والأرصفة، أنثى صافية ولامعة كصفحة البللور؛ حلاوتها تفيض عليها فتسيل، طويلة وملأى كالقلم..
ولم تدر كيف ضبطها وهي تنظرُ إليه بدهشتها الكاملة، فارتبكت، وبدّدت بصرها، ثم رمت له تحية الصباح، ومشت. فابتسم لها، وردَّ بحرارة بادية. مضت وهو ينظر إليها بإمعان، وقد راحت أصابعه تلتهم وجهه وتعبث فيه. وعيناه تتوامضان بحنان خفور!!.
وأحسَّ الرجل العجوز، وقد اعتاد تحيتها في الصباح، بأن البنت الجامعية تعنيه فعلاً، وأن الصباح عنده لا يكتمل إلا برؤيتها وسماع صوتها.. وأحسّت هي بأنها تلمس طراوة الصباح بيديها كلما حيّته.
وحين كرّت الصباحات أكثر، مضى الرجل العجوز الغائر العينين في ظنونه إلى البعيد البعيد، فقد أيقن، وهو يرى نفسه أمام المرآة، بأنه لا يزال فتياً، وأن همته همة الشباب، وأن ثمة أياماً جميلة لم تعش بعد، وأحلاماً لم يصل إليها أيضاً..
ولم تدر هي لماذا صارت تقرن محبتها للنهار ورضاها عنه برؤيتها للرجل العجوز الذي كان ينتظرها كل صباح في حديقته مثل خفير نشط. فقد باتت تقلقه، وتثير أسئلته، فراح يفكر بها كلما عنّت على باله. وأحسَّ بعدما ألفها، بأن المطلوب منه، وهو الرجل، أن يخطو خطوة أبعد من التحية وردّها، فقرر أن يفاجئها في الصباح القادم. وقبل أن ينام، استحمَّ، وحلق ذقنه، وأعدَّ ثيابه الجديدة في الخزانة ورتّبها، ولمّع حذاءه مرات عديدة، ودهن شاربيه ويديه وشعر رأسه بزيت الزيتون الصافي.
وقبل أن يطلع النهار، تأنّق، وضبط هندامه أمام المرآة، وسوّى شاربيه بهدوء وعناية، ثم وضع كرسيين من القش حول الطاولة الصغيرة تحت شجرة الخوخ المزهرة. وغلى ركوة قهوة كبيرة، وأخرج صينية النحاس التي لم يستعملها منذ زمن بعيد، وفنجانين من القيشاني الأبيض مرسوم عليها روميو وجولييت وكأس ماء مذهبة الحواف، وجاء بكل هذا إلى الطاولة الصغيرة، ومع شعاعات الشمس الأولى خرج إلى الدرب، فتنفس بعمق، ورأى البيوت من حوله تستيقظ ببطء ورخاوة، والدروب تلتقط ناسها رويداً رويداً. كان ينتظرها، فتآخرت، وقد ارتفعت الشمس، وتناقصت مساحات الظل. رأى العصافير تحوّم فوق أشجار الحديقة، وبعضها الآخر يحط فوق الطاولة الصغيرة. فابتسم لها.. وراح يمشي على الدرب قلقاً، كأنه يستعجل مجيئها، وجاءت. تمشي كعادتها على مهل كأنها تخاف أن تخرّب نسيج الضوء بذراعيها. وابتسم لمرأها. وراح يراقبها وهي تقترب. أول الأمر، وقبل أن تصل إليه لم تعرفه، فانعطفت بالتفاتتها نحو الحديقة كما اعتادت كل صباح لتسلِّم عليه، لكنها لم تجده. رأت الطاولة الصغيرة والكرسي، وصينية القهوة، وتابعت خطواتها دون أن تحفل بها، ثم التفتت نحو الحديقة مرة أخرى ولم تره أيضاً فامتعضت. كانت ببصرها تبحث عنه بين الأشجار، وقرب السواقي. ولم تجده. كادت أن تعبر الرجل العجوز الذي همهم وتحرك في مكانه، وفرك بيديه.. لافتاً انتباهها، ولم تعرفه، لكنها وحين نظرت إليه وقد كاد يسدُّ عليها الدرب.. عرفته. رأته مبتسماً، وقد عجز عن الكلام، يشير بيده نحو الطاولة وصينية القهوة!!.
لحظتئذٍ، شملته بنظرة فاحصة، فرأت قيافته المربكة وغصّت؛ أحستْ بأن شيئاً ما انكسر بداخلها، وأنها لا تعرف الرجل، ولا تكنُّ له أية مودة، وأن حديقته لا حياة فيها ولا جمال، وأنه لا علاقة له بالصباح، فأسرعت خطوها كالمطرودة، ومضت دون أن تنظر إليه، أو أن تقول له كلمة واحدة. أحستْ بأنها ممرورة وقد فقدته.. دفعة واحدة!!.
غرفة على رف المساء
*إلى العزيزة الغالية
سميرة العايش