(4)
تواصل والدتي سرد الحكاية: " التقينا أبي حاملا قفصه، أنا وآيدا وميرلا، في الممر الصغير الذي يفضي إلى الزقاق في آخر الساحة الأمامية للمنزل. لم يلتفت نحونا، فقد أصبح أبي يتحاشى النظر إلى آيدا منذ استحالت ديكا، يشيح نظره إلى أي اتجاه بعيدا عنها ما إن تظهر أمامه، وكأنها رمداء ، تحررت آيدا من عبوديتها ووضعت حدا لاستبداد أبي. ليتني أستطيع التخلص من عبوديتي أنا الأخرى، لكنني لست آيدا. اصطحبتني في ذلك الصباح إلى متجر للبقالة في آخر الزقاق. كان صاحب المتجر يعرفنا جيدا، فلطالما أقرضنا مبالغ صغيرة من المال حينما كانت والداتي على قيد الحياة. أخبرته آيدا بالحكاية كاملة. وبأنني بحاجة إلى مبلغ من المال لأتمكن من العمل خادمة في الخارج. تعاطف الرجل ، كعادته معنا، ولكنه اعتذر لعدم مقدرنه على توفير المبلغ. وقبل أن نقفل عائدين قال:" يمكنني أن أضمنكم عند البومباي ، فهم يثقون بي، ولي سنوات طويلة في التعامل معهم".
التعامل مع البومباي يعني أن تفتح بابا لا يُغلق من الديون، وأن تقبل صاغرا بأن تدفع لأناس يعملون على استثمار حاجتك لصالحهم، وأن تشاهد بعينيك كيف تنمو أموالك وتتكاثر.. لتدخل جيوب غيرك !
تواصل والدتي :" رتَّب لنا صاحب المتجر لقاء مع أحد البومباي.
كنا نعرفهم، فقد سبق لنا التعامل معهم قبل سنوات، عندما اشترينا منهم، بالأقساط موقد طبخ وتلفازا ومراوح سقف و أخرى أرضية. وقد قضينا وقتا طويلا حتى تم تسديد كافة المبالغ المستحقة. وعلى جشعهم إلا ان كل تلك الأشياء التي اشتريناها سابقا كانت تكلفتها أبسط من تلك التي اشترطوها للموافقة على إقراضي للسفر. ما كان لصاحب المتجر أن يشرح لهم ظروفي، فقد بالغوا كثيرا بمضاعفة فوائد المبلغ مستغلين بذلك حاجتي الماسة للمال".
تهز والدتي رأسها بأسف ، ثم تواصل:
لم يكن أمامنا سوى القبول بما يخرجنا من مأزقنا الحالي، وإن كانت النتيجة هي القبول بمأزق مؤجل.
في مكتب العمالة المنزلية وسط مانيلا، في اليوم التالي، كنت أقف في طابور طويل يبدأ عند باب المكتب الصغير، ويمتد على الرصيف بمحاذاة الشارع وينتهي في نقطة بعيدة.
بعد ساعات تمكنت من مقابلة الموظف، دفعت نصف المبلغ وبدأت في عمل الإجراءات. وفي الموعد التالي دفعت المتبقي من المبلغ المستحق بعد أن تمت الموافقة على الطلب . أخبرني الموظف بأنني سأعمل في الكويت ، وكانت تلك المرة الأولى التي أسمع بها عن هذا البلد. وهكذا هيئت نفسي للسفر وأنا سعيدة ، رغم إدراكي بأنني سأسدد نصف ما أجنيه من العمل في الخارج إلى جماعة البومباي وسأدفع بالنصف الآخر إلى أسرتي. قبلت بالأمر عن طيب خاطر طالما إنهم سيتقاسمون أموالي ويتركون لي حرية التصرف بجسدي أهبه لمن أشاء.