(5)

5 0 00

(5)

جاءت والدتي للعمل هنا تجهل كل شيء عن ثقافة هذا المكان. الناس هنا لا يشبهون الناس هناك ، الوجوه والملامح واللغة، حتى النظرات لها معان أخرى تجهلها. والطبيعة هنا لا تشبه الطبيعة هناك في شيء إلا شروق الشمس في النهار، وطلوع القمر في الليل حتى الشمس تقول والدتي: شككت في بادئ الأمر أنها الشمس ذاتها التي أعرف!

عملت والدتي في بيت كبير، تسكنه أرملة في منتصف الخمسينات مع ولدها البكر وبناتها الثلاث. هذه الأرملة أصبحت جدتي في ما بعد. كانت جدتي غنيمة أو السيدة الكبيرة كما تناديها والدتي، حازمة، عصبية المزاج في غالب الأحيان، ورغم جدّيتها وقوة شخصيتها فإنها كانت متطيّرة، تؤمن بما تراه في نومها من أحلام إيمانا مطلقا، وترى في كل حلم رسالة لا يمكن إهمالها مهما كان حلمها تافها أو غير مفهوم، وقد كانت تقضي معظم الوقت في البحث عن تفسير لما رأته في منامها، وعادة ما تلجأ إلى مفسري الأحلام إذا ما عجزت عن تفسير حلمها ذاتيا، وعلى اختلاف التفسيرات التي تحصل عليها من مفسّري الأحلام تصل إلى حد التناقض أحيانا، فإنها كانت تؤمن بكل ما يقوله أولئك المفسرون وتترقب حدوث ما يحيل رؤاها في المنام واقعا. وإلى جانب إيمانها بذلك كانت تنظر إلى أي شيء يحدث مهما بدا بسيطا ، على أنه إشارة لا يجب الاستهانة بها. تقول والدتي في حين كنت وإياها وخالتي آيدا في غرفة الجلوس الصغيرة في منزلنا هناك: لست أدري كيف تعيش هذه المرأة وهي ترصد كل حدث وصدفة تمر بها. قلت لها ذات يوم حين كانت مدعوة مع بناتها إلى حفل زفاف، وبعد أن عدن

إلى المنزل خلال نصف ساعة من خروجهن:

انتهى الحفل سريعا.. سيّدتي !

مضت السيّدة الكبيرة في طريقها إلى الدور العلوي من دون أن تلتفتّ إليّ، تلقفت هند، البنت الصغرى، سؤالي لتجيب:

تعطّلت السيّارة في منتصف الطريق.

تذكرت السيّارات المصفوفة أمام المنزل. سألتها:

وماذا عن السيارات الأخرى؟

أجابت وهي تمسح الأحمر من فوق شفتيها بمنديل:

أمي ترى أنه لو لم تتعطل السيارة في منتصف الطريق لحُصِدت أرواحنا.. في آخره!

كيف؟!

سألتها والدهشة ملء وجهي. أجابت وهي تنحني تنزع حذاءها :

أمي رأت أن حادثا مأساويا كان بانتظارنا!

كان بيتا ضخما ذلك الذي عملت فيه أمي ، مقارنة مع البيوت هناك، بل إن البيت الواحد هنا يتّسع لعشرة بيوت أو أكثر من تلك البيوت التي جاءت منها والدتي. وصلت أمي إلى الكويت في وقت حرج. وقد تشاءمت جدتي كثيرا من قدومها، وقد بدا ذلك على وجهها كلما ظهرت والدتي أمامها. يبرر والدي ذلك بقوله: وصلتِ إلى بيتنا ، يا جوزافين ، في الوقت الذي تعرَّ فيه الموكب الأميري لتفجير كاد أن يؤدي بحياة أمير البلاد لولا عناية الله .. وأمي ترى بقدومك طالع نحس!

كان والدي يكبرها بأربعة أعوام . أساءت جدتي معاملتها، وعمّاتي بالمثل، باستثناء الصغرى متقلبة المزاج. أبي وحده كان حنونا ليّنا معها على الدوام، ولطالما اختلف مع جدتي وعمّاتي في شأن معاملتهن

لجوزافين .. أمي .. الخادمة.

ما كدت أبلغ العاشرة من عمري حتى بدأت والدتي تخبرني بتلك الحكايات التي مضت قبل مولدي ، كانت تمهد لي درب الرحيل . قرأت لي بعضا من رسائل والدي إليها ، عندما كنت هناك في صالون بيتنا الصغير إلى جانبها وأخبرتني بكل تفاصيل علاقتها بأبي قبل أن أعود إلى حيث وعدها. كانت تحرص بين الحين والحين أن تذكّرني بانتمائي مكان آخر أفضل. وعندما بدأت النطق في سنواتي الأولى، كانت تلقني كلمات عربية: " السلام عليكم.. واحد اثنان ثلاثة .. مع السلامة.. أنا.. أنت.. حبيبي.. شاي قهوة" وعندما كبرت كانت حريصة كل الحرص على أن تحببني بأبي، ذلك الذي لم أره.

أجلس أمام والدتي في بيتنا هناك، منصتا إليها وهي تحكي لي عن والدي ، في حين تتأفف خالتي آيدا، كعادتها، من تلك الأحاديث. تقول أمي: أحببته، ولا أزال ولست أدري كيف ولماذا. ألأنه كان لطيفا معي في حين كان الجميع يسئ معاملتي؟ أم لأنه كان الوحيد في منزل السيّدة الكبيرة، الذي يتحدث إليّ في أمور غير إعطاء الأوامر؟ ألأنه كان وسيما؟ أو لأنه كان شابا كاتبا مثقفا يحلم بكتابة روايته الأولى وأنا التي أدمنت قراءة الروايات؟

كانت تبتسم وهي تحدثني، يا للغرابة، في حين كانت الدموع توشك أن تسقط من عينيها، وكأن الحكاية قد حدثت لتوها!

" كان سعيدا بي ، كما يقول ، لأنني مثله أحب القراءة. أخبرني عن روايته التي كلما شرع في التحضير لكتابتها عارضه ما يأخذه منها، ليزّج به في معمعة الأحداث السياسية في المنطقة وقتئذ. كان يكتب مقالا أسبوعيا في إحدى الصحف، وقلما يُنشر ذلك المقال بسبب الرقابة المفروضة على الصحف في بلادهم آنذاك . كان من الكتاب القلائل المعارضين لسياسة بلاده في دعم أحد الطرفين المتنازعين في حرب

الخليج الأولى. تصوّر مدى جنون والدك! كان يتحدث إلى الخادمة في الأدب والفن وشؤون بلاده السياسية، في حين لا أحد هناك يتحدث مع الخادمات بغير لغة الأوامر: هاتي .. اغسلي .. اكنسي .. امسحي .. جهزي .. أحضري!

ورغم تأفف خالتي آيدا وتململها في جلستها. تواصل والدتي: " كنت أغسل وأكنس وأمسح طوال اليوم ، لأتفرغ في نهايته لأحاديث الليل، بعد نوم سيدات المنزل، مع أبيك في غرفة المكتب. كنت أن أجاريه في أحاديثه السياسية، وأن أشدّ اهتمامه، وأستعرض معلوماتي الفقيرة في السياسة. أخبرته ذات يوم بحجم سعادتي لفوز كورازون آكينو في الانتخابات الرئاسية، لتصبح أول امرأة تصل إلى سدّة الحكم في الفلبين، ولتعيد بذلك الحياة الديموقراطية من جديد بعد أن قادت المعارضة التي أسقطت الديكتاتور فرديناند ماركوس .

أبدى والدك اهتماما غير عادي لحديثي، " أوصلتم المرأة إلى سدّة الحكم إذن !" قال ، ثم أجبته بزهو: " منذ خمسة شهور ، في الخامس والعشرين من فبراير الماضي". انفجر والدك ضاحكا، ثم تمالك نفسه كي لا يوقظ والدته وأخواته من نومهن، قال: " كنا في اليوم ذاته نحتفل بالعيد الوطني الخامس والعشرين لبلادي ! " أطرق، ثم قال، كمن يحدث نفسه، وهو يضرب بأطراف أصابعه على سطح المكتب: من فينا سيد الآخر؟!. لم أفهم ما كان يرمي إليه. حدثني عن حقوق المرأة المسلوبة على حد قوله فالمرأة في بلاد أبيك ليس لها حق المشاركة في الحياة السياسية . بدا عليه حزن شديد، ثم ورّطني بالحديث عن حياتهم البرلمانية المعطّلة آنذاك. ورغم عدم اكتراثي بما كان يقول ، كنت أتابع بحرص شديد صوته وانفعالاته .

قاطعتها:

ولماذا كان يحدثك بتلك الأمور.. ماما؟

أجابت متشككة على الفور:

لأن محيطه.. يرفض أفكاره ؟ .. ربما!

تصف والدي قائلة:

" كان رجلا مثاليا كما كنت أرى، وأجزم أن الجميع كان يراه كذلك، وكانت والدته تعامله معاملة خاصة، فهو كما تقول رجل البيت الوحيد. كان هادئا، قلما يعلو صوته. يقضي معظم وقته بين القراءة والكتابة في غرفة المكتب. كانت هذه اهتماماته إلى جانب صيد السمك والسفر بصحبة غسان ووليد، وحدهما، من أصدقاء والدك، كانا يزورانه إما في غرفة المكتب لمناقشة كتاب ما أو الحديث في الأدب والفن والسياسة أو في الديوانية الصغيرة في ملحق المنزل إذا ما حضر غسان حاملا معه آلة العود.. كان فنانا.. شاعرا.. مرهف الحس.. رغم أنه كان عسكريا في الجيش.

كانت بلاد شرق آسيا، تايلاند تحديدا، في أوج شهرتها في ذلك الزمن بالنسبة للشباب في الكويت. حدثني والدك كثيرا عن سفره إلى هناك بصحبة صديقيه. نظر إلى عينّي مباشرة أثناء حديثه عن تايلاند ذات يوم. قال: تشبهين الفتيات التايلانديات!، أحقا كنت أشبههن أم انه كان يلمح إلى شيء ما.. لم أكن متأكدة.

كئيب كان منزل السيّدة الكبيرة إذا ما سافر معهما. أحصي الأيام في انتظار عودتهم ليعيدوا إلى البيت أو الديوانية ، ذلك الصخب الذي كانوا يثيرونه إذا ما اجتمعوا .

تتوقف والدتي عن الحديث فجأة، تنظر إلى الأرض: كنت أشاهدهم من نافذة المطبخ، تتعالى ضحكاتهم في حوش المنزل في حين يقومون بتحضير أدوات الصيد قبل ذهابهم إلى البحر.

يغيبون لساعات، في حين كنت أنتظر عودة أبيك، لأصفَّ أسماكه في الفريزر وأغسل ثيابه من زفرها.

تلتفت والدتي إليّ:

أتمنى أن يكون لك أصدقاء مثل غسان ووليد إذا ما عدت إلى الكويت يا هوزيه.

أخبريني بالمزيد ماما .. ماذا عن جدّتي؟

كانت السيدة الكبيرة تخشى على والدك من اهتماماته، ولطالما كررت على مسامعه: " أخشى أن تغيَّب الكتب عقلك أو أن يُغيَّب البحر جسدك" . كثيرا ما كانت تدخل عليه في غرفة المكتب ترجوه أن يكف عن القراءة والكتابة ليلتفت لأمور أخرى تعود عليه بالنفع ، ولكنه كان يصر على أنه لا يصلح لشيء سوى الكتابة. كان إلى جانب عشقه لمكتبه عاشقا للبحر ينتشي براحة الأسماك كما تنتشي والدته، السيّدة الكبيرة بالعطور العربية ورائحة البخور.

تغمض والدتي عينيها، وتسحب الهواء إلى رئتيها في نفس عميق كأنها تشُمّ رائحة أحبتها.

"تخشى جدّتك على ولدها كثيرا فهو ليس ابنها الوحيد وحسب، بل إنه آخر الرجال في العائلة. اختفى الذكور من أسلافه مع سفنهم الشراعية في البحر منذ زمن طويل، وبعضهم في ظروف أخرى، أما البقية فقد حصرت ذريتهم في الإناث. تعزو السيدة الكبيرة هذا الأمر إلى سحرٍ صنعته امرأة حاسدة من عائلة وضيعة منذ زمن طويل يجلب اللعنة على العائلة ببقاء الإناث من دون الذكور. والدك لا يؤمن بمثل هذه الأشياء ولكن لدى جدّتك يقين بذلك. جدّك عيسى وشقيقه شاهين آخر من تبقى من الذكور في العائلة في تلك الأيام البعيدة، شاهين توفي في سن صغيرة قبل أن يتزوج ، أما عيسى فقد تزوج في سن متقدمة من جدّتك غنيمة لينجب والدك راشد، ليصبح بعد وفاة أبيه

الرجل الوحيد في العائلة.

صور خيالية تراءت أمامي أثناء حديثها.. أناس يموتون في البحر.. سُفن شراعية تصارع أمواجا عاتية.. امرأة تصنع السحر في غرفة مظلمة.. انقراض الذكور واحدا تلو الآخر تأثرًا بالسحر. أخذت عائلتي من خلال أحاديث أمي صورة أسطورية أدهشتني. تستطرد أمي حديثها عن أبي:

كان وجوده السبب الوحيد الذي منحني الصبر على منزل السيدة الكبيرة وسوء معاملتها لي. لم يكن باستطاعته تقديم شيء سوى كلمات التعاطف ليلا، حين ينام الجميع، ليدس يده في جيبه يستل منه أوراقا نقدية يقدمها لي.. دينارا. اثنين أو ثلاثة.. يرحل بعدها وأنا لا أشعر بقيمة النقود بيدي. قاطعتها خالتي آيدا:

كل الرجال أوغاد!

التفتنا إليها أنا وأمي. زادت:

مهما بدوا عكس ذلك.

ردت أمي بكلمتين:

_ إلا راشد!

تواصل حديثها لي:

حين لامست كفّه كتفي ذات مساء في المطبخ، هامسا في أذني: لا تغضبي من والدتي، فهي امرأة كبيرة لا تعني ما تقول، عصبية ولكنها طيبة، تمنيت ألا يبعد كفّه. نسيت كل الإهانات التي تكليها لي السيدة الكبيرة. تعمدت أن أغضبها بين الحين والآخر، بأن أسقط كأسا على بلاط المطبخ تاركة شظايا الزجاج متناثرة هنا وهناك حتى صباح اليوم التالي، أو أترك صنبور المياه يهدر طوال الليل أو أترك إحدى نوافذ البيت مفتوحة في يوم مغبر كي تتسلل حبات الغبار لتستقر فوق الأرض وقطع الأثاث. تقوم السيدة في الصباح تستشيط غضبا. يصحو كل من في البيت على صراخها تنادي بالاسم الذي اختارته لي

بدلا من جوزافين، صعب النطق، على حد تبريرها: جوزااا!. تشتم.. تصرخ.. تلعن. أما أنا فأقوم بكنس الزجاج من بلاط المطبخ، وأقضي نهارا كاملا في نفض الغبار وتنظيف المكان في انتظار أن يأتي الليل حاملا معه كفّ والدك الحانية لتمسح على كتفي .

تتناول منديلا تقربه من رموشها التي أثقلتها الدموع.. تتابع:

ذات يوم في غرفة المكتب كان يكتب مقاله الإسبوعي ، مسندا مرفقه الأيسر على ملف ضخم يحوي مشروع روايته الأولى. قلت له بعد أن وضعت فنجان القهوة أمامه: سيدي! أحب أن أراك تكتب..

ألا تستطيعين مناداتي بغير سيّدي؟

ما انفرجت شفتاي عن كلمة. لم أتخيل في يوم أن أناديه باسمه راشد هكذا كما تناديه أمه وأخواته.

-ثم ألا تحبين شيئا آخر غير رؤيتي وأنا أكتب؟

تجمدت في مكاني تساءلت مرتبكة:

شيء آخر؟

ترك قلمه على المكتب ، شبك أصابع كفيه مسندا ذقنه عليها. قال:

شيء .. أو .. شخص .. ربما ..

تأك لي بعد ذلك بأنني أحببته أو .. أوشكت، رغم أنني لم أشكل له شيئا أكثر من مستمعة يستعرض أمامها أفكاره وقناعاته من دون أن تبدي اعتراضا. ولأنني كنت على يقين بأنه لم ولن يقع في حبي، فقد اكتفيت بمحبتي له مقابل اهتمامه وعطفه.

كان والدك قبل مجيئي للعمل في منزلهم، قد خرج للتو من تجربة حب مريرة. كان على علاقة بفتاة منذ أيام دراسته في الجامعة. أراد الزواج بها ولكن لأسباب أجهلها، وقفت السيدة الكبيرة في وجه هذا الزواج، فالحب وحده لا يكفي لأن تقترن بفتاة أحلامك.

قبل أن تقع في الحب، كما فهمت من راشد، يجب أن تختار الفتاة التي سوف تقع في حبها. لا مكان للصدفة والظروف في ذلك. يبدو أن بعض الأسماء تجلب العار للبعض الآخر، هذا ما جعل السيدة الكبيرة ترفض فكرة هذا الزواج لمجرد معرفتها بالاسم الأخير للفتاة. بعدما حالت السيدة الكبيرة دون تحقيق رغبة أبيك تزوجت الفتاة، بعد فترة برجل آخر.

استمرت علاقتنا، أنا ووالدك على هذا النحو. اقتنص فرصة نوم السيدة الكبيرة في فترة الظهيرة أو الليل، وانشغال الفتيات في الجامعة أو مشاهدة التلفاز في الدور العلوي من المنزل، كي أعد القهوة أو الشاي لراشد .أقضي معه ما يسمح به الوقت في الاستماع إلى أحاديث لم تكن مهمّة بالنسبة إليّ بقدر الأهمية التي يشكلها وجودي بصحبته في مكتبه.