(1)
( هديــة القلـوب )
لم أكن أفكر فيها أو أحسب أنها هي الفخ الشائك الذي سوف أقع فيه كرهاً دون أن أشعر بذلك.. الأعياد هي التي تجمع رعاع الناس و أكابرهم على مأدبة واحدة تُسمَّى القرية . كان ذلك العيد صارخاً متموجاً على غير العادة ، فالقرية أضحت كملاجئ النحل من حيث كثافة العائدين من المدينة لقضاء لحظات شاعرية في ريف الضباب . كنت سعيداً بتلك البدلة التي شريتها بثمن غير قليل من معرض للبدلات الجاهزة ، فظللت أتأملها على ضوء القنديل الأبيض وبصميمي نشوة شبابية عالية تعصرني عصراً. مر الليل بطيئاً كأنه أراد أن يعفن بظلامه أمنيتي المتريثة لانبلاج الصبح على أحر من الجمر .. أما النوم فقد آل على نفسه أن لا يطرق أسمالي المتسولة في عقر داره إلا في الهزيع الأخير من الليل .. كانت ثمة سعادة تغمرني لم أشعر بها من قبل في أي عيد سابق ، وأعجب من بعض المتشدقين حين يقولون : " لو كان رمضان شهر سعادة ما جاء بعده عيد الفطر " . دعابة هزيلة في نظري، وكأنهم يتمثلون بالأعياد الوطنية التي تأتي بعد المعاناة والكفاح المرير .. أفقت في غبش الفجر تلقائياً، وسرعان ما أزحت الشيطان عني بالمعوذتين وسورة الإخلاص ، ثم دثرت جسدي بملاءتي البيضاء ونهضت من فراشي ، وأنا أشجع نفسي على تجاوز نوبات البرد القاسية التي تعترك جسدي الذي أنهكه السهر في تلك الليلة الشاتية ، وأمنيها بتلك النزعة العيدية الحلوة التي ستطل عما قليل على مسرح قرية الضباب .. بعد ذلك أخذت حماماً ساخناً ، ونشفت جسدي بمنشفتي الزرقاء ، وبدأت أصفصف رأسي الذي قد شرع يتصحر من مقدمته . ونظرت بتشاؤم إلى تلك الصلعة الصغيرة التي اتخذت لها مكاناً متواضعاً في رأسي ، وقلت لنفسي وكأنني أخاطبها معنفاً إياها:
" ما كان ضرورياً أن تأتي مبكرةً أيتها الخبيثة " .
اعتقدت أني الوحيد في الأرض المعمورة الذي تأتيه جينات الصلع في عامه العشرين من العمر ، إلا أني كنت أواريها بأسلوبي الخاص وذلك بواسطة خصلاتي الأخرى ، وكم كنت أمقت الريح حين تهب من حين لآخر وأنا على مقربة من أصدقائي ، أو بطريق عام تمر به فتيات قريتي ذوات النظرات الفضولية ، ومن ثم تهددني بكشف صحراء رأسي ، ولا تلبث أن تفعل ذلك كلما أتيحت لها الفرصة في وضح النهار، وبالرغم أن الآخرين كانوا يرونها ( أي الصلعة) مميزة جداً ، ومناسبة على جسدي المتوسط الطول ورأسي الدائري الشكل ، بل إنها تزيد من وسامتي حسب قولهم ، ولا تؤدي إلى أي تشوه في شخصي مطلقاً ، إلا أني ما زلت أعتبرها ألد أعداء ريعان فتوتي ، وأسوأ ميراث ورثته عن أبي الأقرع الرأس .
لما أكملت ارتداء البدلة تسللت إلى الغرفة المجاورة لغرفتي، فوجدت أبي وأمي وإخواني على وشك تناول طعام الإفطار . عندها انضممت إليهم بعد أن حييتهم قائلاً بابتسام :
- صباح الخير أيها المتضورون جوعاً .
قال أبي بعد أن رد التحية بأحسن منها :
- إحذر مصاحبة السفهاء يا سيف واحترس من تصرفاتك جيداً في هذا العيد ..
- ماذا تقصد يا أبي ؟؟
- لقد أحدثت شغباً وسخرت من الخطيب يومذاك .
- من قال لك ذلك ؟؟ لقد كانت دعابة بعد الصلاة ..
وتتدخل أمي مقاطعة بقولها :
- الجميع هنا في القرية يشتكون منك ويقولون إنك مشاكس وفوضوي ..
- هراء ، ... أعني كلام الناس ، وأنا لا أحب التملق والنفاق.
حينها قال أبي محاولاً كسر حدة النقاش :
- الناس يبالغون في الشكوى يا سيف ، لكنهم لا يكذبون ، وعليك أن تسد أفواههم الشريرة بهدوئك وعقلانيتك .
ويتكلم أخي عبد الكريم أخيراً ويقول مزهواً بنفسه :
- أما أنا فعلم في رأسه نار وليس لي سوابق أو أعمال شغب .
فقلت له بنزق شديد ملمحاً إلى سيرته الصامتة :
أنت راية نائمة في رأسها خمول .
فهم عبد الكريم وباقي عائلتنا الصغيرة ما أعنيه ، فهو مكبوت في جوف المنزل ولا أثر له في الخارج بل إن نصف حياته ـ إن لم تكن أغلبها ـ يقضيها تحت الأسقف وبين الجدران البيضاء للمنزل . أنا أكبره بعامين فقط ولدينا غرفة واحدة ننام بها معاً ، لذا فالمعاملة الحسنة وكذلك الاحترام على أوجه فيما بيننا، إلا أنني كنت أبدي له حبي بأقوالي وأفعالي بلا مراء أو محاذرة ، أما هو فكان متحفظاً على حبه ومحاذراً عليه ولا ألمسه إلا بصعوبة من خلال تصرفاته الهادئة. كان غامضاً بعض الشيء ولا يلتقي بأصدقائه إلا في الفصل الدراسي أو في طريق العودة من المدرسة . بالرغم من ذلك كنت أراه مثلاً قيماً للطالب المجتهد والمثالي. لذلك كان أبي وأمي يثقان به إلى درجة كبيرة ، وتمكن من نيل حظ الأسد من حبهما، والأدهى من ذلك أن الميزانية الشهرية للمنزل صارت في صندوقه ، وله صلاحيات واسعة في التسوق متى يشاء أو إحداث أية ترميمات أو تغييرات في المنزل. كنت أحقد عليه أحياناً عندما أختلي بنفسي المفعمة بالنقص والمهانة ، ولكن عبد الكريم كان يتقي غضبي بتصرفاته الذكية وهدوئه المعهود ، إذ كان يتبرم دائماً من مسؤولية تصريف شؤون المنزل، ولا يفتأ أحياناً حتى يضاعف مصروفي اليومي الذي أتقاضاه بنفسي من تلك الميزانية الصغيرة ، لهذا لم أجد أية غلطة أو هفوة منه تجعلني أفقد صبري و أعاقبه بشدة ، وكل هذا أرغمني على أن أسكت على مضض ، ولا أفكر بتاتاً في إيذائه رغم تمييز أبي وأمي المفرط له وتبرمهم اللانهائي مني. أحياناً كان ينظر إليّ نظرات المستهتر أو بالأصح غير المهتم ، وذلك حين أقرأ بعض قصائدي الغزلية في أية ساعة من سويعات الانتشاء النفسي. لم أسمعه قط يتحدث عن صديقة أو حبيبة على حد سواء ، أو حتى عن أية أنثى عابرة . أنا عكسه تماماً فتراني مشغولاً بالجنس الآخر وأحاديث الغرام وبالوطن والتراث والشعر والفنون الأخرى ، وعندما نكون أمام التلفاز في المساء ، أكون جالساً القرفصاء وظهري مقوساً وعينايَّ جاحظتين باهتمام إلى مذيع الأخبار ، أما أخي عبد الكريم فيظل مسترخياً هادئاً يتأمل وعلى تقاسيم وجهه سر عميق ، فيمضغ الحقائق دون ما توتر أو قلق. وتطفو على شفتيه ابتسامة أنيقة حين تصيح أمي عليَّ قائلة بغضب: " استرخ يا غبي ، سوف تبقى أحدباً إذا جلست بهذه الطريقة الخاطئة " . وأذعن لكلام أمي قليلاً ولا ألبث أن أعود كما كنت ، وألعن و أوبخ أعداء الأمة كلما شاهدت ما يدعو إلى ذلك من مذابح إسرائيلية أو خنوع عربي .. كنا نمر في قرية الضباب بمرحلة عصيبة جداً، إذ كان ريف الضباب عامة منقسماً على نفسه ، أحزاب سياسية مختلفة ، طوائف دينية متشددة ، وفلاحون جهلة ليس لهم دراية بما يجب أن يقوموا به حيال هذه الألعاب السياسية المتعددة ... رشح صلاح ابن الشيخ كهلان نفسه لخوض الانتخابات النيابية ، وعلقت صوره الفوتوغرافية المجسمة في أرجاء ريف الضباب ، وهبَّ لمناصرته الصغير والكبير وذلك كون أبيه أكبر شيخ في المديرية . وفي قريتنا الكبيرة الواقعة في قلب هذا الريف علق الدكتور "محمد رفيق " صوره عرض الحيطان، لكن الأيدي مزقتها قبل أن ترتفع أبصار معظم الناس إليها . أما "سامح غازي " فقد رشح نفسه أيضاً في قرية الضباب ، وخاض الانتخابات المحلية معتمداً على أملاك أبيه ووجاهته ، فألتف حوله أغلب الأهالي، وهتفوا باسمه بمعنوية مرتفعة . ولولا احتواء شيخ قريتنا حامد شوعي للموقف لحدثت كارثة حقيقية في تلك الفترة الخطيرة ، إذ شحن مؤيدو المرشح المستقل "صالح ضبيع " بنادقهم وحاصروا قريتنا ، وجرى حوار من فوق سطوح المنازل ، وصاح الشيخ حامد بأعلى صوته قائلاً:
- يا جماعة الخير نحن في العشر الأواخر من رمضان ولا تجوز الفتنة.
رد عليه ضبيع :
- أنتم المتسببون لذلك عندما حرضتم الناس ضدِّي ، واستلمتم فيتامين فاء .
- أقسم لك بشرفي يا ولدي أني لم أحصل على مليم أحمر من الدولة .
- ما دليلك يا شيخ حامد ؟؟
-الدليل سوف أقدمه يوم العيد أمام الجموع .
-اتفقنا .
بعدها فكَّ " صالح ضبيع " الحصار على القرية فوراً ، وعادت الأمور إلى طبيعتها ، وسكن روع الأهالي في اليومين الأخيرين من شهر رمضان المبارك ، وختموا الصيام والتهجد والاعتكاف بأمان ، إلى أن أشرق صباح يوم عيد الفطر . ذهبت مع والدي إلى المصلى الكائن خارج القرية ، وأنا أحمل سجادته الحمراء كما جرت بي العادة كل عيد . ثم أخذنا مكاننا هناك في الصف الأول ، وصلينا صلاة العيد بخشوع ورهبة ، ولما فرغنا منها استوينا جالسين بإنصات . كان الخطيب الغزير اللحية ، والمتعمم بعمامة زرقاء صارخة اللون ، يثرثر بأمور لا تغني نفساً ولا تسمن عقلاً ولا تعظ أذناً . ومما قاله في خطبته :"أيها الناس الانتخابات على الأبواب ، والذمم محملة والفتن آتية لا محالة ، وسوف تحرق الأخضر واليابس " .استأت كثيراً من كلامه ، وشرد عقلي بعيداً عن أجواء الخطبة، وراودني هاجس ملح أن أشعل فتيل المشاغبات في المصلى في تلك اللحظة ، لكن حركة أبي جواري كانت كفيلة أن تعيد إليَّ ذهني الشارد في لمح البصر ، فتقمصت قربه التعقل والإنصات لما يقوله ذلك الثرثار . كنت مكتئباً نوعاً ما لإخفاء أبي للبندقية الآلية عن طريق يدي .. فقد اعتدت أن أحملها في كل مناسبة اجتماعية كغيري من الشباب ، ومن ثم أفاجئ القناصين في كل عيد أو عرس بإسقاط علبة السجائر ، أو ما يتراهنون عليه بالرمية الأولى من بندقيتي ، فيعودوا منكسرين لعدم استمتاعهم بفترة أطول من الرماية .
عند انتهاء الخطبة المملة هبَّ الناس يصافحون بعضهم البعض، ثم تكثفوا خارج المصلى حول العريسين الموشيين بالفل الأبيض، والمسلحين بسيفين أنيقين كما جرت بهما أعراف وتقاليد وأعراس ريف الضباب . كان البعض ينظرون إليَّ بفضول المنتظر للشيء المأمول وجوده ، وقبل أن ينطقوا بحرف واحد ، كانت يدي تتغلغل في جيب بنطلوني الأزرق لتخرج ورقة مكتوبة ، ويسارع أحدهم للقول ملوحاً بيده :
- اسمعوا الزامل .. هيه الزامل الزامل .. ...
ويتفوه أحدهم وهو الشاعر الفاشل قائلاً باعتراض :
- بدلاً عن الزامل نزف العريسين إلى القرية .
لكن آخر يرد عليه قائلاً بسخرية :
- يا مهلوس ، سوف نزمل ونزفهما في نفس الوقت كما هي العادة .
بعد ذلك أبدأ بقراءة الزامل وأتحاشى السقوط في مطب عدم ذكر الفرحة بالعيد والعرس معاً.. ابتسم العريسان فور انتهائي من قراءته وأعلنا عن رضاهما بإطراء الكلمات الشعبية، وما إن وصلنا إلى وسط القرية حتى بحَّت أصواتنا وتلاشت قوتها ، وكأن حناجرنا فقدت شحنتها الصوتية الملعلعة حينذاك ، وقرب منزلنا انسللت خلسة من فرقة الزمَّالة ، واتجهت حالاً لكي أصافح أمي وأهنئها بهذه المناسبة السعيدة ، وكدت أنسى ذلك حين بلغت غرفتي ، حيث كنت على عجلة من أمري ، وبالي مشغول بما يجري في ساحة القرية من رقصات شعبية ، ثم نزهات شبابية تمشط وادي قرية الضباب الفائق البهاء ، لكني انتبهت عندما سمعت صوت أمي في أحد دهاليز المنزل ، فسرت إليها مسرعاً وقبلت رأسها ويديها قائلاً :
- كل عام وأنت بخير ، و إنشاء الله تحجين وتزورين النبي .
فردت عليَّ بارتياح قائلة:
- وأنت بخير وعافية ، وأراك عريساً إنشاء الله يا سيف.
على باب حانوت الحاج محمد تجمع عشرات الزبائن أغلبهم من الأطفال والشباب ، وذلك لشراء حلوى العيد والمعلبات والبسكويتات المتنوعة وغير ذلك من أغراض العيد، فانتظرت حتى يفرغ البعض من المبايعة كي اشتري مشروب الفانتا ، لكن لا جدوى فالزحام مازال على أوجه في باب الحانوت الوحيد في القرية . حينها شغلت نفسي بمحادثة بعض الأصدقاء، ومصافحة من لم أصافحه منهم ، وفجأة لمحت فتاة تبدو في الربيع الخامس عشر قرب الحانوت ولمحتني كذلك ، لكنها ردت طرفها عني بسرعة حينما نظرت إليها ، لم استطع أن أترجم فحوى نظراتها المتلاحقة إلى وجهي ، قد تكون بلهاء لكن عقلي لم يكذب ، إذ نفى البلاهة عن عينيها المتقدتين بالذكاء ، والشبيهتين بعيني الظبية البرية الحذرة من هواة صيد الغزلان ، إنها ممسكة بقطعة نقدية من فئة المائة ريال ، ومنتظرة مثلى للزبائن حتى ينصرفوا . ذلك القناع المدلهم بالسواد ظللني عن معرفة الفتاة التي أنشدت حواسي إليها برضى وإكراه ، وبدون أدنى مقدمات اقتربت منها لأقول لها بلغة الإنسان الخدوم الباذل نفسه لمساعدة الآخرين :
- أي خدمة ؟ هل تسمحين لي بمساعدتك ؟؟
أجابت علي قائلة ببرود :
- من قال لك أني أود المساعدة و .... ؟؟
- إذن اقبلي فائق اعتذاري وقد كنت أظن أنك تريدين الـ....
صغرت عيناها وكأنها تضحك وراء ليلها الأسود ، ومدت إليّ بالنقود وقاطعتني قائلة :
- أريد قارورة كاكولا وبسكويت ماري .
تناولت النقود من يدها ، ومضغت الريق المتدفق في فمي ، وكأنني لا أصدق بما قالته وفضضت الزحام بمنكبي متجاهلاً تذمرات بعض الزبائن ، وبالحال ناولني البائع ما طلبت، ثم عدت إليها بالكيس الأسود و النقود وناولتها بتواضع ، فقالت بصرامة :
- لماذا أرجعت النقود يا سيف ؟؟
كم كانت سعادتي وأنا أسمعها تتلفظ باسمي ، فأجبت عليها متلعثماً بقولي :
- لا متنفس لاسترجاع باقي النقود من الحاج محمد فدفعت من عندي .
نزعت النقود من يدي والكيس وهي تقول بتكلف وأنفة :
- اعتبرها ديناً .. ديناً فحسب ..
هززت رأسي موافقاً ، فمضت بخطى سريعة تحصد أنظار الفتيان والفتيات بقوامها الرشيق، وقبل أن تختفي عن الأبصار سألت إحدى البنات الصغيرات عنها قائلاً :
- من تلك الفتاة صاحبة الكيس الأسود ؟؟
وبسذاجة طفولية أجابت بقولها :
- ألا تعرفها !! إنها هدية القلوب بنت العاقل راشد .
- إيه .. إيه عرفتها الآن .