(4)

4 0 00

(4)

أوراق القات المأكولة

في أول شهر أكتوبر ، قمت بإضافة اسمي إلى كشوفات طلاب الفصل الثالث في قسم المحاسبة بالجامعة ، بعد ذلك بأسبوع قمت بشراء مراجع وكتب النصفين الأول والثاني لذلك العام الجامعي الجديد ، كنت مهتماً للغاية بكل ما يتعلق بالفصل الثالث ، نظراً لما أسمعه من الطلاب عن حساسيته وصعوبته وتطرف دكاترته ، وكثيراً ما كان أحد أصدقائي في الفصل الرابع يقول لي عنه:

- الفصل الثالث محاسبة هو أعتى وأصعب فصول كلية التجارة.

فأجيب عليه قائلاً بتوتر:

- ذلك جلي للغاية ، ونسبة الطلاب الذين يتجاوزونه قليلة جداً .

كانت سعادتي لا حدود لها عندما بلغتني الأخبار عن نجاح عبد الكريم أخي ، وحصوله على درجة منقطعة النظير في مديرية الضباب ، عند ذلك همست في سري قائلاً:

" لقد أثمرت جهوده أخيراً ، وبعد عام بإذن الله سوف نقوم بإدراج ملفه في إدارة البعثات الخارجية " .

كان نجاح شقيقي الباهر في الثانوية العامة حافزاً قوياً لي على المثابرة ، فكنت أقطع الليالي بالسهر وقراءة الدروس الجامعية، ولا أنام إلا آخر الليل. بالرغم من ذلك كنت أنهض مبكراً كل يوم لأزاول عملي في الدائرة الفنية. كانت لي في الدائرة الفنية غرفة مستقلة ، وطالما حام حولها الضباط ، ولكني ظللت متشبثاً بها لما تمتاز به من هدوء ، لقد سمح لي بها رئيس شعبة الهندسة في الفترة الأخيرة ، وذلك مقابل تقديمي له بعض الخدمات من جهات مدنية أعرفها جيداً.اقتربت اختبارات النصف الأول من الفصل الثالث ، كان مجهودي في القراءة المستمرة يزداد ساعة تلو الأخرى ، في تلك الفترة انضم إلى غرفتي اثنان من أعز أصدقائي في الدائرة الفنية " محمد محرم " وبندر الأمير " ، الأول طالب في كلية الهندسة ، والثاني معي في قسم المحاسبة وفي نفس الفصل ، كنا من حين إلى آخر من وقت القراءة نبحث عن طريقة تمكننا من حضور الاختبارات دون عراقيل أو أقساط غياب ، كان بعض الضباط يختلقون لنا المخالفات اختلاقاً ، ويحاولون عبثاً إبعادنا عن تلك الغرفة بشتى الطرق.. لكن بلا جدوى.. قبل اسبوع من الاختبارات وبالتحديد يوم الأربعاء المعروف بطابور القائد، عادة ما يحضر مدير الدائرة الفنية إلى منصة العروض الصغيرة ، ويلقي علينا كلمته الخاصة ، ثم يتمتع بمشاهدة صفوفنا المتساوية، وهي تمر أمامه سرية سرية، وقائد كل مجموعة يصرخ على مجموعته قرب المنصة قائلاً بصوت طويل : " إلى اليمين انظر " .

حين ذلك نشد خطانا ونتقارب من بعضنا ، وسواعدنا ملاصقة لأجسادنا تماماً ، وننظر إلى اليمين نظرة رجل واحد . شخص ما في ذلك اليوم قام بنثر وتشتيت أوراق القات المأكولة قرب باب غرفتي بعد خروجنا منها. كان الخبيث يعلم أن مدير الدائرة الفنية يمر على جميع المرافق في صباح يوم الأربعاء ، ليرى الأقسام النظيفة وغير النظيفة للشعب المختلفة ، لذلك فقد وضعها متعمداً على ما يبدو ، لنقع في شرك مخالفة الأوامر العسكرية.

كنا جميعاً واقفين في حالة ثبات ، على حين قال القائد بغضب :

- الساكن في الغرفة المحاذية للورشة الهندسية يخرج من الصفوف.

عند ذلك خرجنا الثلاثة ونحن ممتقعو الوجوه ، وأنا أكثرهم خوفاً ودهشة ، ولا أعلم سبباً لذلك الأمر الغاضب ، بيد أننا وقفنا خارج الصفوف ثابتين كالأوثان ، وبدت هيئتنا أمام منصة العروض مشوهة تماماً ، حينها رمقنا القائد بنظرة قاسية قبل أن يشير إلينا بيده مخاطباً الصفوف قائلاً:

-هؤلاء خالفوا أوامر القائد الأعلى ، وقاموا بمضغ القات في دائرتنا العسكرية ، ونثروا أوراقه خارج الغرفة..

لم أصبر على تلك التهمة وقلت بأعلى صوتي نافياً:

-لسنا الفاعلين يا سيادة القائد ، ومن فعل ذلك يريد إبعادنا عن الغرفة؟

- اصمت أيها المذنب. من أذن لك بالكلام؟؟

لزمت الصمت ، في الوقت الذي قال القائد لرئيس عمليات الدائرة الفنية متسائلاً:

- أليس هذا الجندي هو ذاته من ألقى القصيدة الرنانة في الحفل الماضي؟

عند ذلك أجابه رئيس العمليات قائلاً:

- هو عينه يا سيدي ، فماذا تأمر بهذا الشأن؟

- اصرف لثلاثتهم طابور جزاء لهذا اليوم فقط ، وحرر لهم مذكرات نقل إلى المنطقة الشرقية أو الجنوبية أو الوسطى.

اقترب رئيس العمليات منا ، فارتعدت فرائصنا من صورته المنكرة ، وأردت أن استجديه عله يؤجل نقلنا إلى أن نفرغ من الاختبارات وقلت له متوسلاً:

- انظرنا إلى بعد اختبارات الجامعة ثم..

قاطعني قائلاً بحده:

- احمد ربك ، لقد كان القائد رحيماً ومتهاوناً معكم للغاية.

كان الجزاء قاسياً جداً ، وقد وهبنا رئيس العمليات فريسة لأقسى وأشرس ضابط للجزاءات الجسيمة ، فكنا نقفز حسب الأمر قفزة الأرنب حتى تكل أقدامنا وسواعدنا ، ونسقط على الأرض من شدة الإعياء . وزحفنا على بطوننا فوق الأشواك الصغيرة حتى اختلست أكواعنا، وأدميت معاصمنا المعراة. ما كان أبغض مزارع الأشواك إلى نفسي عندما رأيته يضحك علينا بطريقة تثير الاشمئزاز ، ذلك المجرم كان يتعهد هذه المزرعة الشوكية، ويوليها عنايته الكبرى ويرويها بالماء كل يوم ، بينما المزرعة المخصصة لشتلات الورود والأزهار في حديقة الدائرة ، فقد أهملها بشدة مما دفع المدير إلى أن يقصيه أخيراً عن رعايتها. أعتقد إن هذا المزارع اللعين رأى أن رعايته اللامتناهية للشوك لم تذهب هباءً ، وقد آتت أُكُلَهَا وظهرت ثمارها على أجسادنا ، لذا فهو يضحك وكأننا المحصول البكر لمزرعته المقرفة ، أثناء ذلك أصبحت أجسادنا مخدرة ، ولم نعد نشعر بالألم أو التعب البتة ، لكن هذا التخدير كان يزول سريعاً ليعقبه شعور موجع كثيراً ، فكنا نضحك عندما نفقد شعورنا بالألم ونبكي عند عودة هذا الشعور إلينا.. حين ذلك انبرى صديقي محمد محرم قائلاً:

- اصبرا ، فهذا أهون من السجن لمدة ستة أشهر في زنازن الشرطة العسكرية .

رددت عليه قائلاً بعصبية:

- لكننا لسنا من ذاق أغصان القات اللعينة ، آه.آه لو علمت من الجاني.

- الطامة الكبرى ، هي عدم سماح القيادة بالمهلة التي طلبناها من رئيس العمليات والإصرار على تصديرنا إلى المناطق.

ضحكت بسخرية قائلاً:

- ما أكرم الله وما أعظم حلمه ، حيث أمهل إبليس حين عصاه.

- انظر إلى الضابط كيف يمتص عقب سيجارته ، وكأنه يشاهد فيلماً مثيراً في سينما بلقيس. وقال صديقي عبارته مشيراً بيده ، ثم بتر حديثه حين قال بندر الأمير صديقنا الثالث ، وهو يمسك رأسه بيده:

- أشعر بالدوخة والقيء.. يا إلهي !! الظلام يزحف ولا أستطيع الرؤية.

حينها توقفنا عن الزحف فوق الأشواك ، وأسندنا صديقنا إلى صدرينا ، وصرخ الضابط علينا بقوله:

- لماذا توقفتم عن الزحف؟؟.. هيا استمروا و..

قاطعته وقد استشطت غضباًَ قائلاً:

- لم يعاقب هتلر جنوده بهذه الطريقة الفظة ، ولسوف أرسل مظلمتي بالفاكس السري إلى رئيس الأركان..

قال الضابط وقد أقلقته كذبتي البيضاء:

- هل صديقكم مريض؟ أوه ، إنه تعبان ، وعليكم حمله إلى العيادة، "وكما كنتم من الجزاء"* (http://elmaqah.net/admin/index.php?action=maqal.add#_ftn2).

في اليوم التالي ، جهزنا أنفسنا للرحيل من الدائرة الفنية إلى مكان غير معروف ، ما أروع الصدف التي تنفذ من ثقب ضيق في الأيام العسيرة ، لتأتي بالفرج من دون أي حسبان ، فقد رأيت سيارة رئيس الأركان قرب مبنى قيادة الدائرة ، عند ذلك انتظرته حتى خرج ، وتقدمت إليه بجرأة ، وألقيت عليه التحية العسكرية بسرعة مذهلة وحركة موزونة ، في البداية حاول مرافقوه إبعادي عن طريقه ، بيد أنه أوقفهم عن ذلك بقوله:

- اتركوه يعبر عن شعوره.

ثم التفت إليَّ ، وأضاف ممعناً النظر في وجهي:

- لست غريباً عني يا ولدي. ماذا تريد؟؟

علمت أنه ما زال يذكر صورتي منذ أن قرأت بحضوره القصيدة، وشجعني ذلك على أن أعرفه باسمي، وأُلمِّح له عن المكافأة، والجميل الذي أسداه إليّ في ذلك الحفل ، وأشكره عليه معترفاً بحكمته القيادية. بعدها شمَّرت عن ساعديَّ، وأريته القروح المدماة ، وشرحت له الحيلة والفخ الذي وقعنا فيه، والأمر الذي صدر بنقلنا إلى المناطق النائية ، والاختبارات القريبة الفاتحة أبوابها لنا ، وقلت بعد أن أكملت شرحي بصوت مأساوي مصطنع:

- مُرني بما تشاء يا سيدي القائد ، فأنا الجندي الطائع لك والواثق من إنصافك.

ثم تسمرت مكاني ، ورغم أني نجحت في لفت اهتمامه إلى أمري إلا أنه قال ببرود:

- نفذ الأمر يا سيف ، وسوف أقوم بسحبك إلى الوزارة بعد عام.

- وأصدقائي المنقولين معي واختبارات الجامعة ؟

حينها عبس في وجهي ، وقال بغضب وهو يصعد السيارة:

- احضر اختباراتك ، واذهب إلى المنطقة الوسطى ، وعُدْ إليَّ بعد عام ، ولا تجعلني أغير رأيي بمطالبك الزائدة.

- أشكرك يا سيدي ، وأنا طوع أمرك.

صرخ صديقي محمد محرم بعد أن أعلمتهما بما جرى مع القائد، وقال بصوت محتد:

- لقد حدثته عن نفسك يا سيف ، ونسيت صداقتنا الطويلة.

- ويلك يا صديقي!! هل وصل بك الغضب إلى التشكيك في صداقتي؟؟

- الأمر واضح ، وليس مجرد شك أو ظن ، وأنت تعلم ذلك جيداً.

حينها علّق بندر الأمير على كلامه موافقاً على ذلك وقال بتأكيد:

-هذا صحيح يا سيف ، ولو ذهبنا معك إليه لأعطانا فرصة للاختبار ، ولكننا للأسف وثقنا فيك وهذه غلطتنا الكبيرة .

انفجرت صائحاً محاولا إقناعهما بالبقاء في الغرفة إلى أنْ نلقى حلاً لهما وقلت بتوتر:

- لماذا لا تصدقاني؟ لقد انزعج بشدة بسبب إلحاحي عليه بالحديث عنكما.

- نحن شاكران لك ، فقد عملت ما بوسعك عمله.

- محمد .. بندر انتظرا ولا بد أن..

- وداعاً يا سيف ، علينا الفرار من الخدمة بالجيش من أجل الدراسة.

- محمد .. بندر إلى أين..؟؟

خرجا فوراً من الغرفة ، وتركاني حزيناً مكتئباً طيلة ذلك اليوم.. رغم تلك الموانع التي وقفت بطريقي تلك الفترة ، فقد حضرت الاختبارات بحماس شديد.. كان ذلك بعد أن بلغ مدير الدائرة الفنية خبر تظلمي لرئيس الأركان ، وسماحه لي بحضور الاختبارات بشرط تنفيذ الأمر ، وانتقالي إلى المنطقة الوسطى ، وكان ذلك مقنعاً لمدير الدائرة الفنية ، لذا لم يتعرض لي بأي أذى رغم بقائي فترة الاختبارات في غرفة الورشة الهندسية . جاء اليوم الموعود للسفر ، فغادرت صنعاء مدمى الفؤاد ، ويومئذ سقطت جمرة حمراء من عين الشمس على بطن الصحراء ، في ذلك الشهر المتوسد على صدر الصيف .مأرب تلك المملكة القديمة ، بدت تتوجع في نفس اليوم الذي وصلت فيه إليها بعد إنهائي لاختبارات النصف الأول من العام الجامعي الثالث ، كانت تشهق بفعل صفعات الرياح الساخنة التي ضرجت عارضيها بسحابة غبراء من الزوابع الترابية ، زحفت الرمال على سيقان العرش السابق ، وفار دماغ معبد الشمس ، وسالت الأدعية الحزينة لآلهة سبأ على أعمدته العارية. فتكورت مساماتها الصلبة ، وزادت قساوتها كلما رشقتها الريح بحرارتها الشديدة ، رقدت الأفاعي في المدينة القديمة ، رغم ذلك فعيونها مفتوحة تترقب العابرين على الطريق المعبدة بالأحجار الملساء ، مزارع البرتقال أرجعت الكثبان الزاحفة على الوادي إلى أدراجها يائسة من ملء جانبي السد القديم ، نياق كثيرة تمرح بين أشجار لا تثمر ، وتبيت في العراء بلا راع أو رقيب. تبدو الخيام كأوتاد غرزت في متن البيداء المغبرة ، بينما تظهر سيارات حديثة الموديل قربها عمق ملاجئ مبنية بعيدان يابسة نزعت من بين الأحراش المنتشرة بكثرة ، غير أن الغبار قد علاها ، وحولها إلى قطع بارزة تشبه تجاعيد وجه الصحراء ، دكاكين كثيرة ملتصقة مع بعضها لمئات من البنادق والأسلحة الأخرى الخفيفة والثقيلة، أما الناس فهم مدججون بأشرطة طويلة من الرصاص ، وكذلك أنواع القنابل ، كانت أسلحتهم على أكتافهم مما جعلني أشعر أنني في جبهة قتال ، أو وسط بؤرة توتر مستديمة. في المنطقة الوسطى المتمثلة في مأرب و الجوف وشبوة ، تمكنت من الإقامة في فرع الدائرة الفنية الرئيسي بمأرب ، كانت الطبيعة المحيطة بي حارة ، ومستوطنة رحبة لأصناف من الحشرات العجيبة التي غص بها المكان . البعوض ، الصراصير ، الذباب وكائنات صغيرة أخرى لا أعرف لها تسمية ولم أشاهدها من قبل ، لذا فالجو لم يكن مرحباً لمراجعة الدروس بالقدر المطلوب الذي عقدت النية على نهله . في الشهر الأول تبعثرت البثور في أجزاء من جسدي وتقشرت الطبقة العليا من جلدي ، وخاصة في الأماكن المستورة كثيراً من بدني ، بيد أن المراهم وبعض المضادات الحيوية التي أرشدني إليها الطبيب خففت من انتشار البثور وأزالتها بالتدريج ، انسجمت في الشهر الثاني مع طقوس المعيشة وتأقلمت نوعاً ما معها ، وشحذت همتي على استغلال أوقات الفراغ في الإلمام وتحصيل الدروس الجامعية بالقراءة الفياضة ، مع هذا لم أزل أشعر بالقصور والنقص وقلة الأداء . أحياناً كانت الهموم تنقض على كل كيان متوقد في صدري لتغله بأشجانها الحرَّى ، أمَّا اليأس فكان يرغمني أن ألقي بكتابي جانباً، وأفسح له جناحاً خاصاً في باحة روحي الضامرة .. في خارج المدينة ، وجدت استراحتي الجديدة في قبيلة الجدعان . تعرفت عن طريق صديق الفرع مأمون البدوي على بعض شبّان البدو ، فكنت أزور خيامهم من وقت إلى آخر ، وأشرب حليب النياق ، وأتسلق جذوع النخيل وأتصيد ما طاب من حبيبات التمر الطرية أو البلح ، إنهم كرماء حقاً وطيبون مع من عاشرهم ، و تعفف عن مغازلة نسائهم المحجبات بالبراقع السوداوية اللون والمميزة الطابع ، استمالتني " رغدة " أخت نصار أجمل فتيات خيام الوادي .. بيد أني حبذت أن لا أريق ماء وجهي أمام أخيها أوفى أصدقائي هناك ، لذا جردت قلبي من الميول إلى نظراتها الهائمة .لم أنس التواصل مع أصدقائي الدارسين في صنعاء ، فكنت على صلة مستمرة معهم عبر الهاتف . في الشهر الرابع علمت منهم أن الاختبارات الخاصة بالنصف الثاني للعام قد نزلت جداولها قبل أيام عديدة . كم كنت أهامس نفسي في تلك الفترة وذلك عندما يداهمني شعور كبير بالإحباط . كان ذلك في أول شهر للاختبارات التي لا تفصل بيني وبينها عدا أيام قلائل .. الأحد المشئوم الذي رفض فيه قائد فرع الدائرة الفنية طلب إجازتي ، لقد جاء مساءه السقيم بالوساوس الهوجاء ، نفسي تحدثني وقد هرول من الليل معظمه، والباقي منه ما زال يزحف قرب الفجر ويوشك أن يدركه ، تجادلني نفسي و أنا صامت لا أملك الجواب ، تقول عني وقد نفذت حيلتها: " ماذا أملك أن أفعل ؟؟ لا شيء فأنا مكره على نبذ أي شيء آخر عدا لقمة عيشي ، الحياة مضنية هنا ، وما جاء بي مدير الدائرة الفنية إلى هذه البقعة الموغلة في الصحراء، إلا لكي أضيع مثلي مثل الدارسين القدامى الذين لقت دراستهم حتفها على يد هذا القائد المغوار ". وأضحك وأنا مسترسل في أفكاري هامساً لروحي : " لست الوحيد الذي تتقوض أحلامه بين عشية وضحى، وتغرز الدنيا أظفارها في طموح طفولته ، وإن كنت غير راضٍ عن كليتي الحالية ، لا يعني هذا أن أرضخ لنوايا القائد الشريرة على حرماني من نيل مؤهل جامعي على الأقل ، لماذا اختارنا نحن بالذات ؟؟ ولماذا تحين هذه الفترة لينقلني مع أصدقائي إلى المناطق التي تفتقر إلى المدارس ، فكيف بالجامعات التعليمية !! ها هي الامتحانات قاب قوسين أو أدنى من آخر هذا الفصل الجامعي العصيب ، فإما أن أفر من هذا الموقع العسكري مضحياً بسنوات خدمتي الأربع في الجيش ، وراتبي الزهيد الذي أتقاضاه من الدائرة الفنية ، وإما أن أضع على قلبي حجراً ، وأتناسى المشوار الذي قطعته لأصل إلى السنة الثالثة في قسم المحاسبة ، وأنفض كل عناء أو مجهود من ذاكرتي المتعبة . وضعت الأمرين على كفتي رأسي ، فرجحت كفة الأمر الأول على الثاني ، فقررت من ساعتي الفرار من الموقع قائلاً لنفسي:

" لن أغيب عن الفرع أكثر من فترة الاختبار وسوف أضحي بالراتب ".

في الصباح تحركت بنا السيارة من فرزة مجمع مأرب ، ما إن رددت ظهري على ktq ;g ukhx H, lنحعةجالمقعد الأمامي للسيارة حتى غمرني النعاس، وأطبق النوم جفنيَّ دون أية مقاومة تذكر . لم أشعر بنفسي ، إلا حين لكزني الراكب القابع جواري بكوعه قائلاً :

- هيا يا أخ ، لقد وصلنا إلى فرزة صنعاء .

بالحال انتبهت وقلت معتذراً :

- آسف يا صاحب ، فأنا لم أنم ليلة البارحة مطلقاً .

عند ذلك تثاءب السائق بتكاسل قائلاً بفضاضة :

- ليأخذ كل منكم حقيبته من على سطح السيارة ، ومّدوا إلىَّ بالحبل .

أغضبتني لهجته الآمرة ، وانتفض عرق الشر فوق أنفي ، وقلت وأنا ممسك برأس جنبيتي:

- أيها الوقح ، هل تحسبنا أغبياء حتى ننفذ أمرك ونقوم بعملك ؟؟

ثم ألتفتُّ إلى الركاب وقلت لهم مهدداً :

- إن تحرك أحدكم لا يلومن إلا نفسه ، حتى يقوم السائق بتسليمنا الحقائب .

بُهت الركاب ، وتسمروا في أماكنهم ، على حين قام السائق على حيله ، واستوى على سطح السيارة ، وأخذ يفك الحبال المشدودة على الشنط وهو يصيح متذمراً بقوله :

- الله يجازيك شر الجزاء يا وجه النكد ّّ.

- أنَّى يستجاب لك أيها الكسلان المتبجح !!.

حينئذ تدخل أحد الركاب لفض ذلك النزاع قائلاً :

- كُفَّـا عن تصرفات العيال ، وامضيا إلى حال سبيلكما بسلام.

أذعنت إلى كلام الرجل وحملت حقيبتي ، واتجهت تواً إلى الحلاق . كان شعر رأسي قد طال ، وكثفت لحيتي ، وصارت صورتي شنيعة .ما إن دلفت على الحلاق حتى حزرت على وجهه البشوش أمارات الفكاهة إذ قال حين رآني داخلاً عليه :

- أهلاً بك أيها البدوي في مدينة سام .

كنت مشغولاً عن ترحيباته بمطالعة المرآة الكبيرة المتربعة على جدار المكان ، مما جعلني لا آبه إلى أي شيء آخر غير صورتي النكراء ، وقلت عند ذلك في سري :

" لا ألوم الحلاق عندما ظنني بدوياً " .

ولما فرغ من تزيين رأس زبونه القابع على الكرسي ، ودعه بقوله : نعيماً يا أستاذ .

رد عليه الزبون جوابها بعد أن دس في كفه قطعة حمراء من النقود ، وقذف في وجهه بسمة باردة كالثلج قبل أن ينصرف .. عندها احتللت مكاني على الكرسي قائلاً بإرهاق شديد :

- الرأس واللحية يا معلم .

رد عليّ وقد بدأ يرش رأسي بالماء لترطيبه قائلاً :

- خصلاتك متماسكة مع بعضها بسبب عدم التمشيط المستمر .

- الصحراء لا تعرف مشطاً أو مرآة ، والله يعين المقص على تقصيف شعري .

ضحك الحلاق الشاب قائلاً بلطف :

- من أي القبائل أنت ؟

- من ربع مراد ، قبيلة الشيخ "ربيش بن كعلان".

- لا أراك ملازماً لبندقيتك كما جرت بكم العادة !!

لم أرغب بالاستمرار في تظليله عن الحقيقة فقلت مبتسماً :

- بصراحة لست بدوياً كما تعتقد ، وأنا أعمل في مأرب منذ أربعة أشهر فقط .

- لهجتك بدوية بحتة فضلاً عن طريقة ارتدائك لملابسك .

- لقد اختلطت معهم ودخلت خيامهم ، ولدي أصدقاء حميمون منهم.

- إنهم قتلة مأجورون وقطاع طرق .

- لقد كنت مثلك أظنهم وحوشاً ، لكني وجدت عروبتنا الضائعة بما فيها من حمية وكرم ووفاء ونجدة في خيامهم البسيطة ..

- وماذا عن اختطاف السياح والسيارات ؟؟

- القانون يخرق في كل مكان يا صديقي ، ولا يجوز أن نعيب مجتمعاً بأسره بمجرد قيام شلة ضئيلة من السفهاء بأعمال الاختطاف والإرهاب .

بعد مدة وجيزة من الوقت هدأت حدة النقاش وبدا لي أنه بدأ يقتنع بتحفظ طفيف على بعض النقاط الثانوية من الحديث .فراح يهز رأسه بإيقان في نهاية المطاف ..

حدجت صورتي الجديدة بنظرات مجنونة ، لقد فتلت المرآة النظيفة فتوة وجهي فتلاً ، وأوقدت بريق عمري وروح شبابي ، أثناء ذلك بتر الحلاق بكلماته المطرية شريان الإعجاب والتحديق المتصل بين عينيّ والمرآة ، حيث قال بتأكيد :

- لقد بانت وسامتك الآن وصغر سنك .

كنت أود أن أرد عليه بنكتة مناسبة للموقف ، وتتعلق بزبون وحلاق ، لكنه سبقني ليقول مازحاً :

- هل أحلق شنبك يا قرين البدو ؟؟

أجبته بلغة بدوية خالصة قائلا ً باستنكار مفتعل :

- عيب يا مزيِّن ، القبائل ما تحلقش أشنابها .

ضحك من كلامي ، ومد يده بفرح إلى الورقة النقدية التي مددت بها إليه , وانبرى يقول بهدوء :

- أتمنى أن تكون زبوناً دائما ً عندي ، ولو لم يكن بحوزتك نقوداً.

- بكل تأكيد سأكون زبونك وأشكرك على كلامك المهذب .