(2)

6 0 00

(2)

المـكافــــأة

بعد شهر التحقت بالقوات المسلحة في الدائرة الفنية . كان ذلك بعد أن أمضيت سنة كاملة بعد إنهائي الثانوية العامة عاطلاً في قرية الضباب ، وذلك بسبب إلغاء قانون الخدمة الإجبارية إثر قرار وزارة الدفاع الصادر في عين العام الذي تخرجت فيه من المدرسة ، ومن سوء الطالع أنني قررت الانتساب إلى كلية التجارة والاقتصاد في جامعة صنعاء . قرار غير حكيم، إذ كانت كراهيتي للأرقام والحسابات تفوق الوصف ، ولم أعد استطع التوفيق بين عملي في الدائرة الفنية . وبين المحاضرات اللامنتظمة في زمن واحد. في تلك الفترة بالضبط انفتح كتاب معاناتي ، وفي كل يوم تنضم إليه سطور أليمة من النحس والهزائم النفسية .

طاردتني الشجون والهموم في كل مكان ، حتى مديري في الشعبة الهندسية للدائرة الفنية تنكر لقصيدتي التي ترنمت فيها بأوصافه ، إذ قال لي يومها بصوت قاسٍ :

- هل لك برأي يفيدك فنياً وإدارياً في المستقبل ؟؟

فقلت له متسائلاً :

- ما هو هذا الرأي النافع يا سيدي ؟؟

- دورات صباحية في المكرويف والتشفير وأجهزة الراكال .

- والجامعة يا ...

قاطعني قائلاً بصوت مزعج :

- الجامعة ... الجامعة ... لا تجدون لكم أعذاراً أخرى تبررون فيها هروبكم من العمل غير الجامعة ، إنهم يتخرجون إلى الشوارع ، وهاهم المحاسبون القانونيون فوق الحافلات يجمعون النقود من الركاب .

عند ذلك اختنقت أفكاري في حوصلتي اليائسة والتي كانت ستنطلق بها عقيرتي للدفاع عن الجامعيين ، واستنتجت خلاصة الأمر، لا أمل في إنصات المدير لي وتفهمه للموقف ، لذا فقد لذت بالصمت ، وانصرفت من مكتبه متجهم الوجه ، وجاءت حصيلة الفصل الدراسي الأول بعد أسبوع لتمحو بعض الاستياء الذي أشعر به، وقد وجدت ثلة معقولة من الدارسين في الدائرة الفنية والعسكرية ، وكنا نمثل بؤرة خلاف مستمرة مع القيادة بفعل ارتدائنا أحياناً للزي المدني أثناء العمل الرسمي، وغالباً ما يكون ذلك عند خروجنا خفية من البوابة ، أو لدى عودتنا من الجامعة إلى الدائرة، وبعض الأيام نرد على أعقابنا ولا نتمكن من الخروج إلى المحاضرات، حيث تكون الأوامر الصارمة قد سبقتنا إلى حراس البوابة المتعنتين ، وضابط الأمن المتوحش عسكرياً ، وتقضي هذه الأوامر منع أية رتبة عسكرية من الخروج من البوابة أثناء الدوام الرسمي ماعدا مدير الدائرة ونائبه فقط .

وفي يوم استدعاني مدير إدارة التوجيه المعنوي في الدائرة الفنية إلى مكتبه المليء بصور مناضلي وأحرار الثورة وكذلك صور رائعة لطوابير الجيش ، والتي التقطت في أعيادنا الوطنية أثناء العروض العسكرية الكبيرة . أما الصورة ذات البرواز الذهبي فهي لرئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة ، وقد غطت واجهة الحائط الذي يقبع أمامه مكتب المقدم جميل عبد المحسن مدير إدارة التوجيه المعنوي في دائرتنا الفنية .

وما إن رآني المقدم جميل حتى قال ببشاشة واضحة :

- عندي معلومات بأنك من المبدعين في الشعر .

عند ذلك قلت له بألفاظ تسكنها الحيرة والحيطة:

- أنا فقط من الهواة ولم أحترف فن الشعر بعد .

- في الأسبوع القادم ، سيقام حفل كبير في قاعة المؤتمرات بالدائرة بمناسبة تولي القائد الأعلى دفة الحكم وسوف يحضره عدد من القادة .

- ما هو المطلوب مني بالضبط يا أفندم ؟

- قصيدة شعرية حماسية تشيد فيها بالمنجزات و الوحدة ، وتشين بالعهد الإمامي البائد، والظلم والاستبداد الذي لاقاه أبناء الوطن في تلك الحقبة السوداء وهكذا .. عند ذلك قلت له بصراحتي المعهودة :

- المنجزات والوحدة تفصح عن نفسها ، ويمكنني الإشادة بشعبنا العظيم الذي وضعها وبناها لبنة لبنة حتى اكتملت ، وأما الزمن الأسود فقد ذهب بأصحابه ومزاياه وعيوبه إلى غير رجعة ولا شأن لنا به .

وعندما أنهيت عباراتي أحسست بفداحة خطأي ، وذلك حين رأيت الانزعاج على ملامحه والشرر الذي يقدح من عينيه، قبل أن يقول متسائلاً:

- ماذا تقصد يا سيف ؟؟

- أنا أرى يا سيدي أن العودة إلى الماضي هزيمة ، والانهزام هو أن نرى إلى الوراء ونحن ماضون إلى الأمام ، وكأننا هاربون من الحقيقة .

- الماضي هو مرآة الحاضر التي تعكس صوره الجميلة في عين الواقع المعاش ، ومن ليس له ماض ليس له حاضر .

- إننا نسرف في ذكر الماضي يا أفندم جميل.

- هذا هو عملنا في التوجيه المعنوي يا سيف ، وعليك كجندي الانضباط التام وتنفيذ الأوامر دون مناقشة .

- أنا قلت لك أنني لا ....

قاطعني صارخاً في وجهي بانفعال :

- لك مهلة ثلاثة أيام فقط لتكون القصيدة حاضرة في مكتبي .

كتبت القصيدة وعرضتها عليه في الموعد المحدد ، فأعجب بها وقام بطباعتها طباعة جيدة وأعادها إليَّ في صباح يوم الحفل .. ولكن تراني دوماً حين أُكره على فعل شيء أياً كان، أكون خجولاً جداً، ولعل عاطفتي كذلك تكون مضغوطة في بحر من الدماء ، حتى إذا تحسست أو تعرضت لأدنى إحراج يغتلي هذا البحر ، ويفيض إلى وجنتي إلى أن أنضح كل ما يخزنه جسدي من ماء إلى الخارج ، فتتجلى عاطفتي للعيان وتبقى في وجهي كالأرجوان أو النرجس الأحمر . يومها كنت جالساً في قاعة المؤتمرات مع جموع القادة والضباط والجنود وعقلي ليس له هماً سوى كيف سأواجه القاعة بقصيدتي التي أعددتها بعناء بالغ. كان الميري الذي ارتديه أنيقاً للغاية ، والشعار الأخضر للدائرة الفنية ملتصقاً على صفحة كتفي الأيسر . الهندام العسكري الكامل صار ضرورياً في الأيام العادية ، فكيف في مثل هذه المناسبة البالغة الأهمية. خفق قلبي خفقة شديدة حين قال مقدم برنامج الحفل بصوت رنان:

" أما الآن مع القصيدة والتي سيلقيها العريف سيف شمسان " .

هرولت من آخر القاعة متجهاً إلى المنصة الموشاة بالمزهريات الصناعية والفل الطبيعي . كنت أحس أنني أعبر فوق شفق خيالي شفاف ، رغم ذلك حييت ضيوف القاعة بثبات المستميت، وشرعت أقرأ الأبيات واحداً تلو الآخر ، وكان مدير التوجيه يتململ فوق كرسيه كأنه قاعدٌ فوق أشواك، ولكنه هدأ بعد أول بيت قرأته ، وما شجعني أكثر هو تجاوب الأيدي بالتصفيق ، وحين أكملت قراءة القصيدة ناداني القائد حتى مثلت أمامه كالوتد ، فقال مبتسماً :

- قصيدة رائعة يا ولدي . رائعة .

- هذا من ذوقك يا سيدي .

عند ذلك أمسك قلمه ، وكتب على ورقة خالية قائلاً بصوت جاهر:

- شهر إجازة وعشرة آلاف ريال من مالية الدائرة مكافأتك .

- أشكرك يا أفندم ، وهذا أكثر مما أستحق .

تناولت الورقة بابتهاج ظاهر ، ورأيت مدير الدائرة الفنية يهز رأسه حين سمع رئيس هيئة الأركان العامة يعلن جائزتي ، ويوقع على الورقة أمام القادة . رغم ذلك استبد بي مدير الشئون المالية ، وقام بخصم ثلاثة أقساط يومية من المبلغ بحجة تعجيله. كان بوسعي أن أقذفه تحت نيران غضب القائد ، وذلك بواسطة قصاصة صغيرة من الورق ، لكنني لم أفعل . أما الإجازة فقد كانت كافية لأنْ أمضغ مواد النصف الأخير من العام ، وقد صرفت المبلغ في فترة الاختبارات ، وكانت النتيجة مبشرة للغاية ، حيث نجحت نجاحاً باهراً في الفصل الدراسي الثاني . عامان كاملان تكومت فيهما عشرات الرسائل في صندوقي الخشبي وكلها من قرية الضباب ، بعضها تحمل عتاب أبي في طيات سطورها الركيكة وأخرى بخط عبد الكريم شقيقي وتحمل نفس الموال ، وأما رباب فقد شرحت في رسائلها المكسرة الحروف شجن أمي ومناشدتها لي بالعودة سريعاً.

***

يا للروعة الحقيقية !! هاأنذا أُعرّف نفسي لكاتب الفرزة ليضم اسمي إلى جدول المسافرين إلى مدينة دمت ، ثم أحتل مكاني في المقعد الخلفي لسيارة البيجو ، وأما الحقيبتان الخاصتان بي فقد تكفل السائق بشدهما بالحبال على سطح السيارة الحديدي. حرك السائق شاربه الذي يشبه جناح الصقر الصحراوي ، وهمهم لمستلم الفرزة معاتباً بقوله :

- إنهما ثقيلتان ، وكان يجب أن نضاعف عليه الأجرة .

وتناهي إليّ صوت مستلم الفرزة وهو يرد عليه بقوله :

- أيها الجشع ، لقد أعطاك أكثر مما تستحق . ألا ترى كم هو مرح ؟؟

- ربما غاب طويلاً عن أهله وهذه هي نشوة العودة .

كنت أدخر إجازاتي البسيطة لأيام الاختبارات ، وقد أتاحت لي إجازة القائد السخية فرصة سانحة للعودة ، ولم يمانع مدير القوى البشرية في منحي إجازتي المستحقة من الدائرة الفنية بالرغم من تقارب الإجازتين .. لذا فقد بدت المناظر المترنحة على جانبي الطريق نوعاً ما غير مألوفة لدي . بجواري أشعل شاب سيجارة ، ومن خلال قداحته الأنيقة ، وعلبة السجائر الأمريكية الصنع (ماربورو) حدست عليه أمارات النعمة ورغد العيش ، وهمست لنفسي قائلاً : " لعله موظف في شركة هنت الأمريكية أو إحدى الوكالات السياحية ".

عند ذلك أشار إلى علبة السجائر وقال ببساطة :

- هاهي أمامك إن كنت ترغب في التدخين .

- شكراً لك ، فأنا لم أعتد على هذا النوع من السجائر .

- أنا أعجب كيف تستهوي رئات العامة سجائرنا الوطنية .

حينها قلت له متسائلاً باستغراب:

- ولِمَ لا تستهويهم ؟؟

- الفرق واضح والجودة هي الغاية التي يسعى إليها عالمنا الحديث.

- هناك مثل شعبي يقول : " على حجم فراشك مُدَّ أقدامك " .

- كيف ؟ لم أفهم ! .

- أسباب خاصة تغل نزوات الناس وتدفعهم إلى تجاهل الجودة .

- مثل ماذا ؟؟

- التفاوت في المعيشة لذا فهم يبحثون عن الإشباع فقط .

- عندك حق في ذلك .

قال عبارته الأخيرة ، ورمى عقب السيجارة إلى أرضية السيارة وداسها بقدمه ، وواصل حديثه قائلاً :

- أتقاضى من شركة كونديان نكسن الكندية ألف دولار شهرياً، إلا أن المبلغ قليل في نظري رغم فارق الصرف الكبير .

أثناء ذلك عكست المرآة العلوية وجه السائق المتورم ونظراته النارية ، فتلافيت الأمر قبل أن ينهال على الشاب بالإهانات أو الشتائم ، وقمت بالتقاط عقب السيجارة من الأرض، ورميته من النافذة . لاحظ الشاب أخيراً سبب إقدامي على ذلك وقال وقد بلغ به الحياء مبلغه :

- اعذرني يا صديقي على همجيتي غير المتوقعة .

بعد ذلك انبرى الشاب يعرفني بنفسه من خلال حديثه عن عائلته، والطقوس التي تكتنفها أجواء حياته . كان صوته مشحوناً بنغمات هازئة وناقمة من الغربة ، والنأي وغياب عائل المنزل. كانت رسالته المنثورة من أعماقه شبه مفهومة عند حديثه ، فقلت لذاتي :

- الآباء يغيبون بشكل عام ، وقد تسد الأمهات ثغرة الغياب أو يفتحنها أكثر ، وكانت أمي تعاقبني أحياناً وتحنو عليَّ أحياناً أخرى .

وفي الساعة الثانية عشرة والنصف ، انتحى بنا السائق عند ردهة مطعم فاخر في منطقة رصابة ، ولم يعر الراكبين اللذين يناشدانه بمواصلة السفرية أي اهتمام. كانت مأدبة حافلة بأشهى أنواع المأكولات، دجاجتان محمرتان ولحم مندي وضأن ولحم صغار، فضلاً عن أطباق الأرز والمكرونة والبروست والفواكه وبعض العصائر المعلبة وغير المعلبة، كل هذا والشاب ما زال يتصفح قائمة الطلبات. كان إلحاحه عليَّ شديداً، وقد لبيت رغبته في الانضمام إليه ، ولكني استعظمت إسرافه وقلقت من العاقبة . انفرجت شفتاي بابتسامة ماكرة ، وقلت له مخفياً قلقي:

- أحياناً يعتقد الجائع أن بوسعه التهام الطباخ لكنه بعد هنيهة من الوقت يرى بعض الأطباق على المأدبة لم تخدش بعد.

ضحك الشاب بدلال ، وكف عن ملاحقة عناوين المأكولات بعينيه الصغيرتين وتوهمت أنه حدس فحوى كلامي وماهية شعوري ، وذلك حين قال متفكهاً:

- اخرج ما في الجيب يأتيك ما في الغيب ، والحمد لله لأن النقود وافرة " . لا أذكر البتة أني أكلت بعد أن غسلنا أيدينا بالماء الساخن ، وذلك لأن المأكولات على التربيزة الطويلة عند قيامنا كانت معظمها سليمة، وما أذكره تماماً هو أني لمحت فارقاً بين الأمس واليوم على قسمات وجهي ، وأنا أتطلع إلى المرآة العريضة المرتسمة على جدار المغسل فوق صنابير المياه ، وتلكم الحفرتين الصغيرتين لا أثر لهما على عارضيّ. ربما كان الذهول هو الذي أعمى آماق بصري وأوهمها بعكس الحقيقة. قرب باب المطعم المعزز بعقد نصف دائري مبني بالياجور الأحمر، كان صاحب المطعم الممتلئ الجسد، البشش الملامح على مصطبة عالية عند المدخل، وبدا يجاهد عينيه بصعوبة محاولاً منعهما عن التطفل والتحرق إلى محفظة النقود المتربعة بكف صديقي. هممت بإدخال يدي إلى جيب قميصي ، ولكنه أوقفها بمسكة صادقة قائلاً بصرامة عفوية :

- أرجوك لا تحرك ساكناً. أنا سأدفع.

ثم ألتفت إلى الرجل قائلاً بجدية:

- كم حساب هذه الوجبة؟

- أربعة آلاف ريال فقط.

كنا الوحيدين اللذين تفتقدهما السيارة ، فحنت بشدة عند قدومنا إليها. بعد ذلك عرج بنا السائق إلى الطريق الإسفلتية ، وأخذ يتصيد أغصان القات بحذر ويحشوها في فمه ، وما إن انتفخت وجنته اليسرى بفتات الأوراق الخضراء حتى ثقلت قدمه على دواسة البترول، وسارت السيارة بسرعة فائقة ، ولم يعط صرخة أحد الركاب أي اعتبار حين قال بفزع :

- أيها المجنون المتهور ، خفِّض السرعة فأنا أشعر بالغثيان.

ورد عليه السائق قائلاً بلا وعي:

- لا تشاهد الأعمدة والأشجار المتحركة على جانبي الطريق.

أوصدت الريح أذنيه ، ورمت بشاله المتربع على رأسه إلى حضن أحد الركاب في المقعد الأوسط ، لذا لم يصغ إلى صراخنا المتعالي من حين إلى آخر عند أي خطر وشيك الحدوث، ولولا "لوكات" أشداقه المنفوخة لظننا أنه مات منذ دقائق فوق عجلة القيادة ، بعد ذلك دبت روح المبادرة عند صديق الرحلة ، وحزَّ بعباراته القوية أوتار شرودي ، إذ قال بلكنة خجلة:

- كم سأفتقدك يا صديقي ، فلم يبق سوى بعض الكيلومترات إلى الوصول.. هزتني كلماته المؤثرة فبادلته بأخرى مشابهة قائلاً:-

- الهاتف سوف يكسر جمود المسافات، ولا بد من تجديد اللقاء مرة أخرى.

- ما رأيك أن تكون ضيفاً عزيزاً عليَّ هذا اليوم في " وادي بنا "؟

- أشكرك على هذه الدعوة اللطيفة، وأعدك بزيارة بلادك الجميلة في وقت آخر..

أثناء ذلك تبادلنا الهواتف، وكان رقم الهاتف الذي أعطيته إياه يخص الدائرة الفنية، وكتبت اسمي بجواره ، أما الشاب فقد أعطاني رقم هاتفه اللاسلكي المحمول.

وصلنا بعد ثلث ساعة إلى المحطة الأخيرة في مدينة دمت ، وهناك نزلنا وصافحته بحرارة مودعاً ثم افترقنا قرب الجولة المتشتتة الطرق ، ورأيته يتجه صوب موقف سيارات "وادي بنا" قبل أن اتجه بدوري إلى الجناح الخاص في سوق المدينة ، والذي تزدحم فيه سيارات وأهالي ريف الضباب بكثرة.

" أشرف التويتي" ، هكذا عرفني بنفسه في مطعم رصابة السياحي، موظف بشركة أجنبية محترمة ، عائلته ذات مركز مالي جيد وعراقة قديمة ، وأبوه واثنان من أعمامه مغتربون في إحدى الدول الأوروبية ، لم يرهم منذ أعوام ، وأذكر أيضاً أنه قال لي والدموع تتسرب من عينيه إلى صفحتي وجهه:

" إذا رأيتهم أحياناً عرض براويز الحائط ، فهذا ما بوسعي أن أقوم به عندما أشتاق إليهم..

يا لروعة الهدايا !! هكذا تقول أمي بنغمة فرحة ، وفي ساعة حساسة من تاريخ وصولي إلى البيت، وتقلب القماشات الملونة بشتى الألوان الزاهية، ووجه كيلوباترا يتنفس الصعداء بصمت فوق أنسجتها الحريرية القشيبة. لم يكن حظ رباب الصغيرة أقل من حظ أمي في نوعية القماش، فما أروع ضحكتها الطفلة! وهي تقايس قماشتها على جسدها المتأرجح بنحافته. لقد كبرت خلال العامين السابقين، وأضحت في سن الحادية عشرة من عمرها ، وأما عبدالكريم فقد استلم هديته نقداً ، وشكرني على ذلك بعد أن استقبلني بحفاوة. لقد صار طويلاً، كامل البنية، بارز الشنب ، وبدت لحيته تزحف بحذر على مساحة لا يستهان بها من وجهه المفرط الوسامة. إنها سنته الدراسية الأخيرة في مدرسة ريف الضباب الشهيرة. لذا لم أجهل سبب الإرهاق الذي يكسو وجهه الشاحب ، فهو يجهد نفسه كثيراً كعادته في مراجعة دروسه ، بل إنه يصبو إلى درجة مرتفعة للغاية في هذا العام تمكنه من تحقيق حلمه الوحيد بالسفر إلى الخارج لدراسة الطب البشري أو الصيدلة. لم يبق لاختبارات الفصل الثالث من الثانوية العامة غير أسبوع ، لذا فقد تسلل عبدالكريم إلى غرفته وأوصدها على نفسه ، ولم يمكث معي غير دقائق وجيزة. وصلت إلى المنزل في وقت كانت فيه الشمس على وشك المغيب ، وكأنها تطيرت مني ، وأرادت النفور من وجهي ملطخة وجنتيها بحمرة الشفق ، لم تكن تلك اللحظة البائسة تشجع على الخروج من المنزل لكي أحظى بلقاء أصدقائي الأعزاء ، لذا فقد فضلت الاستئناس بأحاديث أمي ، وتساؤلاتها المختلفة عن أيامي الخالية.. وبالفعل فضفضت في المساء لهم ما في جعبتي من أخبار. في اليوم التالي ، وقفت على باب بيتنا حائراً. أية طريق أسلكها إلى أحشاء قريتنا المتأبطة لأشجار "البحر زاف" الباسقة من كل جانب !! جلست في بستاننا الصغير أتأمل إلى جهاته الأربع ، وأفكر بما سوف أقوم به في إشراقة ذلك الصباح الفاتن. عمَّا قليل سأجتاح طرقات القرية الضبابية بطيفي المتهيب من رونق الظهيرة ، أصدقائي نزار وناصر وبشار رأوني من بُعد ، فهبوا لمعانقتي كالنسائم الفجرية المعانقة شرفات دار الشيخ "حامد شوعي" الفارعة القامة ، ثمة هاجس يموسقني بلحظات من عمري لا توصف ولا تقدر بثمن، مقارنة بسويعات مريرة بل بشهور مضت عليَّ بمكان ما ، أجد نفسي الآن مثخناً بذائقة شهية تحت ظلال شجرة الكاذي المطلة على مشارف بستاننا الصغير ، تلك الفتاة تلمحني بشوق جلي وهي تمر على الطريق المنسابة إلى حانوت الحاج محمد ، وتلك أيضاً رمقتني بخفر وهي تحتضن أعواد البرسيم لبقرتها الحلوبة ، وعندما مرت ورأتني فجأة شدت الأعواد إلى صدرها بقوة ، ورنت إليَّ بوله شديد حتى تعثرت بحجر بارز على الطريق ، وكادت أن تسقط على الأرض. حين ذلك قررت الفتاة التوبة عن ملاحقتي بنظراتها الزائغة ، وسارت في سرعة المهرة العربية الأصيلة في طريقها إلى حي "الضبوة" ، ودخلت منزل "العاقل راشد". وسرعان ما أدركت في تلك البرهة أنها إحدى بناته الثلاث ندية أو بهية أو هدية ،ولأن تلك الفتاة كانت ناهداً كاملة القوام ، فقد اعتقدت أنها الأولى أو الثانية ، وأما هدية القلوب فلم تخطر لي على بال آنذاك ، ولكن ما لقلبي يكاد أن ينفلت من مكانه ويجري خلفها !! وأهمس لنفسي بلا شعور قائلاً :

من هذه الفتاة يا ترى ؟؟ وما علاقتها بقلبي المتسارع النبض ؟ هناك ثغرة جياشة بمخيلتي أحس بها تتآكل مع أفكاري ، ولكن لا أعلم ما هي هذه الفجوة المضطربة !! إنها على حافة عقلي الممرغ بغبار النأي المتزامن مع برهات عشتها وضوضاء المدينة في موقع عسكري ناشف الضمير. هبّْ يا رفيقي المواكب لحياتي أنني منحتك قلبي في ساعة جريئة لتبحث في أدراجه وتعبث بمحتوياته ، فما عساك أن تجد في قلب محموم كقلبي؟؟.. أهي صبية ؟ أم شهادة جامعية ؟؟ إنها بلا شك الأولى ولكن ما اسمها؟ ما لونها؟ وما عمرها ؟؟؟ لقد فشلت يا صديقي في الإجابة كما فشلت أنا في ذلك ، أليس كذلك ؟؟ لا يهم . فما زالت الحقيقة تتوكأ بالمجهول . والطريق تزحف بها عبر أنابيب الأيام صوب عيد الأضحى المبارك.

الكل مسرور للغاية بوجودي وانضمامي إلى أول مأدبة غداء في المنزل ، لقد اجتهدت أمي فيها كثيراً لتسمع كعادتها من فمي كلمات الإطراء والثناء التي هجرت أذنيها طويلاً ، ورغم ذلك كنت ضجراً قليلاً لعدم رؤية أبي معنا ، إذ كان يعمل في مدينة دمت على زخرفة بعض المباني. شرعت أمي تقرب أطباق الطعام ، وقالت بلهجة بالغة السعادة:

- لقد عمدت إلى الديك البلدي ، وذبحته من أجلك يا حبيبي.

حينها قلت مداعباً:

- حرام يا أمي ، لقد ذبحتِ مؤذن الفجر.

- أيها الكسول ، لا تعتبر ذلك عذراً لكي تترك الفريضة ، وسأوقظك قبل النداء بساعتين..

ضحكت من كلماتها الوعيدية ، وخطر برأسي سؤال جاد ، فعمدت إلى القول باهتمام:

- على فكرة ،منْ مِن الأصدقاء سأل عنِّي أثناء غيابي ؟؟

لطمت أمي عارضها لطمةً خفيفة ،وعضت شفتها السفلى بأسنان فكها العلوي ،وذلك حين انفجرت رباب الصغيرة قائلة بكل طفولية:

- لقد سألتني عنك هدية القلوب منذ مدة ، وطلبت أن لا أكلم أحداً أنها سألت عنك .

انتابتني موجة جارفة من الضحك ، وشعرت بحرارة الدماء تسري في وجهي وقلت لها لائماً:

- هاأنت ذا تكشفين السر يا رباب رغم أنك ذكية.

- أوه لقد نسيت و...

قاطعتها أمي بنبراتها المستنكرة حين قالت:

- أواه ، بنت العاقل مرة واحدة يا سيف!! كيف سلبت عقلها يا شقي؟

لم أقبل استنكار أمي للأمر ، فقلت بسذاجة:

- ِلمَ تقولين ذلك؟؟.. أليست أنثى لها عينان وقلب ودموع؟؟

- إنها طاووسة يا سيف ، وما من أحد قد رآها تحادث شاباً ، أو حتى ترمقه بنظرة على الأقل.

- الحب أعمى يا أمي ، لكنه يدوس الأنوف الفولاذية تحت قدميه.

- لعلها تُسفِّه عقلك وتتلاعب بك يا ولدي.

- ليكن ذلك فأنا لا ألقي لها بالاً ، ولا يعنيني أن تكون صادقة أو مخادعة.

- ليحميك الرب منها ويحرسك من عيون الفتيات.

بعد العصر انفردت برباب ، وعاتبتها عتاباً رقيقاً على ما نطقت به من كلام عن أمر هدية القلوب أثناء تناول الطعام ، ثم أسهبتُ في الحديث عن مواضيع شتى تتعلق بقرية الضباب، وطلبت منها تزويدي بما طرأ على واقع القرية من أحداث جديرة بالاهتمام. مضت دقائق من الحديث الشيق الذي تسوقه رباب إلى معلوماتي بمهارة، إلى أن أخذت نفساً طويلاً ، ونظرت إلى الزخرف اللولبي المغروز فوق النافذة القريبة ، وقلت:

" أحداث هائلة!! ابن الشيخ حامد يسرق جنبية عمه الغالية ! والعاقل يرفض طلب بدر ابن أخيه عندما جاء مع أبيه لخطبة هدية القلوب " . كان بمقدوري أن أنفخ حبي لهدية القلوب نفخة واحدة ليطير إلى الأبد ، إذ كان في ذلك الحين أرق من خيط العنكبوت في قلبي.. لم تطاوعني نفسي على نسيان أمر بنت العاقل ، ولم أدر ما هو القدر الذي جعلني أسأل رباب بسؤالي البارد قائلاً:

- متى سألت هدية القلوب عني يا رباب؟؟

- منذ عشرة أيام فقط.

- ماذا قالت لك بالتحديد ؟؟

- لم أصدِّقها عندما بشَّرت بمجيئك ، وطلبت مني " البشارة* (http://elmaqah.net/admin/index.php?action=maqal.add#_ftn1) " ممازحة.

- كيف عرفت الطاووسة ذلك؟؟

- قالت لي إنها رأتك في المنام قادماً من الجبل تحمل حقيبة جلدية.

- إنها صادقة يا رباب في أحلام المنام ، فكيف لا تكون صادقة في اليقظة.

قلت عبارتي الأخيرة وصعدت فوراً إلى سطح المنزل ، وهناك يممت وجهي إلى البيت المقدس ، والى الشفق الصغير الأحمر الذي يختبئ جزء منه وراء منزل العاقل كالطفل الخجول ، وفردت ذراعيَّ كأني أود أن أطوق بهما خاصرة السماء.. شخصت ببصري إلى المدى السحيق ، والريح تلعب في أطراف ثيابي كالمخمورة ، خُيّلَ إليَّ في تلك الوهلة الجسورة أني راكب منطاداً عملاقاً يعبر بي إلى حياة غير حياتي وفضاء آخر ، وأناس ملائكيين في كواكب أخرى سيارة ، كادت أعماقي أن تبكيني وهي تصرخ بصوت صاعق قائلة:

" أحبك يا بنت العاقل وأحب صدقك الفريد في قرية الضباب ". ولما جن المساء ، وخلدت إلى النوم رأيت هدية القلوب في منامي على سطح منزل أبيها ، فاردة ذراعيها بنفس الطريقة التي فردت بها ذراعيّ آخر نهار ذلك اليوم ، لكنها صامتة تدور حول نفسها مستندة على قدم واحدة . سألت عنها شخصاً ما فأجابني غراب هزيل كان على أحد أركان منزل جارنا القريب بقوله: مجنونة.. مجنونة .. طار الغراب المشئوم وهو يردد هذه الكلمة بفزع.. فقذفته بحجر صغير سار في الهواء حتى وقع في حاجب بنت العاقل ، فأرداها على الأرض مخضبة بدمها ، عندها مشيت مسرعاً إلى مكان الجناية ، فوجدت جماعة من الناس حول جثة مسجاة ببردة خضراء. اقتربت منها وكشفت السجاء ، فإذا هي أمي التي ابتسمت في تلك اللحظة قائلة لي: أأنت من قذف الحجر يا سيف؟؟.

فأفقت من نومي مفزوعاً ، ثم قرأت ما تيسر من آيات القرآن ، وهمست لنفسي قائلاً : استر يا رب ، استر يا رب .