(3)
غراب النحس
عدت إلى نفسي سالكاً أدراجها المتشعبة ، فوجدت أن خواءها قد امتلأ في أعماقي وجلاً وغراماً في آن واحد ، وجه جديد سد مسامات روحي بوسامته وبراءته وصدقه. أوشك الأسبوع الأول لي أن يودع القرية ، فاتحاً بوابتها على مصراعيها للعائدين من المدن لصقل أرواحهم ببسمات الأضحى بين أهاليهم في يوم ما قبل العيد. عاد المتسوقون من سوق الخميس ومعهم كسوة العيد وأغراضه الأخرى ، وفي نفس اليوم عاد أبي ومعه ضيف عزيز.. إنه الكبش الأسترالي المدلل" . كان رغم ضخامته يثغو بطريقة تثير الشفقة. أدركت من التفاتاته إلى ما حوله ونظرات عينيه الواسعتين ، أن الغرابة تمنطقت بحواسه وأفكاره المحبوسة في حدقاته. كنت أظن أنه لا يعلم بسر مجيئه إلى منزلنا في هذه الفترة الراهنة، فقلت لنفسي وأنا أتأمل إلى امتداد جسده البدين: " لولا أن الله أمر بذبحك لأطلقت سراحك فوراً ". وحانت منه التفاتة إلى وجهي المشفق، وصوب إليَّ نظرة حادة كأنه يقول بعناد:
" أنا سعيد " برغم ذلك لأني لن أحاسب ولن أعاقب والمدية هي ديني المقدس. توقعت أنه يقول ذلك بإيمان نادر فساورني شعور مخجل ، مما جعلني أهيل على جنسي الراقي أصنافاً من التحقير ، وقلت في سري:
" إذا صح تقديري فيما حدث فإن هذا الكبش يفهم ما يجهله بني البشر " . بعدها دفعته برفق إلى ملجئه الصغير المقام في فناء المنزل ، وقذفت له كوماً مغرياً من الحشائش ليملأ بطنه المخمصة. جذب صباح عيد الأضحى الأصدقاء والأعداء من الجنسين إلى حانوت الحاج محمد. لمحت هدية القلوب مع شقيقتها الصغيرة في أحد الأزقة القريبة منه. كنت قد أوعزت إلى رباب أن تمنحها هديتي الزهيدة. لكن هذه الهدية المتواضعة تصلح لمثل هذه المناسبة ، إنها مجرد أوقية من الزبيب والجوز واللوز والبندق وحبيبات العتر المقلية وكذلك قطعتي شوكولاته، لقد كانت هذه التشكيلة المتنوعة كحبنا الوليد، ولم أشأ أن أجعلها أكبر من حجمه. أغضبت رباباً بفعل تكراري للتوجيهات والخطوات التي تتبعها في هذه المهمة الموكلة إليها، فسارعت إلى القول محذرة:
- إذا لم تكف عن ثرثرتك الفارغة فلن أذهب إليها بالهدية.
عندها قلت لها متغطرساً:
- لماذا يا رباب ؟ ألم أعطك مكافأة دسمة ؟؟
- خذها إن شئت يا سيف ولن أتحسر عليها.
- لا تنفعلي يا رباب ، وما أريده هو السرية التامة فقط.
- لست غبية كما تظن.
- بس... أرجو أن ...
قاطعت قائلة بتهكم:
- " لا تعطها أمام الفتيات " أهذا ما تريد قوله؟؟
- بالضبط..
- سأفعل بكل تأكيد ، وما أتمناه الآن هو أن توقف هذه النغمة المملة.
- الهدية بسيطة للغاية ، وأعتقد أن ورقة نقدية خضراء ستفي بالغرض.
- هاتها وأنت صامت وإلا..
هززت رأسي وسارعت بمنحها النقود موقفاً بذلك تتمَّة حديثها.
وقد نجحت الشقية في جذب هدية القلوب إلى مكان آمن حسب الخطة تماماً. أوجست الأخيرة في نفسها خيفة ، وتنازعتها الشكوك ، وهمست بصوت خافض: ماذا هناك يا رباب؟ ما الأمر؟.. وبطفولة محضة تقول لها رباب: هذا الكيس من سيف وقد طلب مني أن أُسلمه إليك.. أطلقت بنت العاقل آهة ارتياح وقالت بترح: أوه أخفتيني يا رباب ، وأضافت قائلة باهتمام: ماذا في الكيس؟؟
تهز رأسها وتقلب راحتيها ببلاهة مفتعلة ، وتجيب عليها قائلة:
لا أعلم ولكنه قال إن ما فيه مُهم للغاية. عند ذلك تناولته بتهيب وقلق ، وألقت نظرة سريعة إلى محتوياته ، وتنفست الصعداء ، وعيناها تترصدان نقطة ما في إحدى زوايا السماء وكأنها تفكر بما تقوله لرباب ، أو تشف إيحاءات النجوم الغائبة ، لعل فيها ما تسد به رمق تلك اللحظة الحرجة ، وتقول بصوت بارد:
- النقود مرفوضة ، لأني لم أعرض قلبي في حراج القرية حتى يزايد فيه. .
ثم استطردت مضيفة بعبارات حادة:
- أما ما عداها فمقبول لأجلك يا رباب وسأعتبر الهدية منك.
بعد أن أتمت رباب حديثها عما جرى بينها وبين هدية القلوب في ذلك اليوم، أخذت أردد في سري بسخط : " لأجلك يا رباب وسأعتبر الهدية منك".. تقولها بكل وقاحة !! وأضيف بحزن: "لو لم تقبلها ألبتة ، لكان ذلك أجدى من هذه النتيجة المبهمة".. عند ذلك امتعضت امتعاضاً حاداً ، وعادني شعور سخي بالإهانة والضعف.. خلوت مع نفسي ورحت أبث لها نجواي الباكية ، القاسية . لم ترأف بقلبي وليد الحب قليل الخبرة ، سلوك شاذ لبني الحياة.. عجباً !! لِمَ لا يبادل المرء من يحبه بالحب ؟؟ لِمَ لا يروض الإنسان عقله على عدم الإقدام على أي شيء قبل تحديد احتمالات النتائج ؟؟ يا لغبائي الشديد . أما سمعت أمي تتحدث عن الطاووسة العنيدة (هدية القلوب) ؟ وتُسمّي ريشها ريشة ريشة. المتكبرة ، اللامبالية، المغرورة.. الخ.. لكنها قالت أيضاً ليحميك الرب منها ، ولعل هذه النتيجة المجحفة هي الحماية الربانية. انتفض جسدي فجأة وثارت في نفسي كوامن النقمة ، وشطحت العزة في أنفي ، وصار فمي يهذي ويلغط بألفاظ غاضبة. وبصوت محتد أقول:
" هدية القلوب ، من تظنين نفسك؟؟ فإذا كنت عنيدة فأنا أعند منك ، وإن كنت طاووسة مزهوة بأنوثتك المغرية، فأنا جلمود صخري في صحاريك القاحلة بعد أن كنت طفلاً غراً مخضلاً بالوداعة ومضمَّخاً بالفطرة البيضاء " . ضحكت ضحكة باطنية حزينة كما لو تذكرت مشهداً من مسرحية مدرسة المشاغبين ، وتابعت القول لنفسي بيقين: " أنا محمي من فوق سبع سماوات والحامي لي هو رب أمي الناصر للمظلوم.. آه.آه . لن أراك يا هدية القلوب في يوم يعانق فيه جبل عرفات هيبة الله، في ساعة تتنزل فيها الملائكة لتقبل كل بشر في قلبه ذرة حب. نذرت لله أن أحبس نفسي بين الحيطان ، وأعادي الشمس ، وأذود أشعتها عن جسدي ، وأقيم يوماً واحداً محموماً تحت الظل " .
انتبهت أمي إلى وجودي في غرفتي قبل الظهيرة ، فدعتني إلى الإقبال إليها ، وسرعان ما لبيت طلبها ، وخرجت من الغرفة لأرى ما تريده مني في تلك اللحظة من صبيحة العيد ، طلبت مني الذهاب لزيارة أقاربنا في القرية كما جرت العادة في كل عيد ، لكني اعتذرت بلطف ، وعللت لها سبب ذلك بذرائع واهية ، إذ لم أجد ما أقنعها به. رغم ذلك أصررت على موقفي الرافض للخروج ، وأصرَّت أمي بشدة على خروجي لزيارة الأقارب ، احتدم الجدل على ذلك وقالت لي أمي موبخة :
- لِمَ لا تزور عمتك أيها الأبله وتمنحها العيدية كما كنت تفعل كل عيد؟؟
أجبت عليها قائلاً برجاء:
- اتركوني وشأني.. فليست لي رغبة في الخروج إلى أي مكان.
- سنكون برميلاً لشتائم أهل القرية وتقولاتهم في هذا العيد.
- لن يفيدنا كلام الناس ولن يضرنا ، ولا أبالي من كلامهم.
- ستخرج سواء راضياً أو مكرهاً .
- ولن أعود إليكم.
تغير لون وجهها عند ذلك وقالت بصوت مرتعش:
- قُلْ يا سيف ، ما يمنعك من الخروج؟ هل تخفي عني شيئاً؟؟
- لا.. لا ، وكل ما في الأمر هو الحماية الإلهية .
- ماذا؟
- لقد نذرت لله نذراً ولا بد أن..
قاطعتني قائلة بكآبة:
- مازلت مصراً على إخفاء الحقيقة يا ولدي؟
وصمتت قليلاً ثم عادت لتقول بمرارة:
- ألا تطيعني يا سيف في يوم لا تُعصى فيه أم؟؟
نكست رأسي بأسف محض وقلت بحياء:
- لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق يا أمي ، وفي الغد أرسليني إلى أي مكان تشائين ولن أخالف لك أمراً.
أجهشت أمي حين ذلك بالبكاء ، وبدا ومض الأمومة في عينيها مستسلماً لصلف إرادتي ، وعباراتها الممتزجة بحرقة النشيج المُّر، أخذت أيضاً تركض كالزوبعة المجنونة في دمائي الملتهبة بنار العهد المبرم..
- ليسامحك الرب ولو أني غاضبة عليك..
ثم أعقبت بصوت متقطع وهي تنتحب:
- إذا كنت مريضاً فليشفيك وإن كنت مسحوراً فليجعل روحي لك تعويذة..
لم أحتمل رؤية دموعها المنهمرة وخاطرها المكسور ، شعرت بملوحة دمعها تندلق على عالمي الحزين كالسموم السوداوية اللون، صاعقة حقيقية سودَّت بأدخنتها القاتمة بسمات الأضحى التي رسبت في شفتيَّ الكئيبتين ، عما قليل سأبكي وسأتحطم ، وتتشظى أجزائي وتتساقط مساماتها على كل شبر مقتول في قيعان الملكوت المترامي الأطراف. سحبت نفسي إلى غرفتي واستلقيت على سريري. وأحسست بحريق هائل ينشب في جسدي المعيى ، فأطفأته بقدر فياض من الدموع ، وتحولت بعد ذلك إلى جذوة متفحمة شاحبة اللون. وحيداً أوشح آلام عيني توشيحة بتراء . "لا فائدة فقد نفرت عني ملائكة الحسنات، ومخزون الصفح ولى إلى غير رجعة وراء الغيوم الغاضبة والآفاق القاطبة جبينها". استدرجت أخيلتي المجهضة إلى بحار من الهمسات الملونة بالتوبة: "يا ويلي ، لقد أهدرت حيائي بهدوء ، وحفرت لجسدي الشيطاني حفرة عميقة في الجحيم، ثم استدرك هامساً لنفسي: غفرانك يا رب، لقد جئتك بفضاء سحيق من الخطايا فهب لي فضائين مغفرة" .
وأردد في سرى قائلاً: "هدية القلوب هي سبب عنائي في الدنيا ، وربما بفعلها أجد لي مكاناً شاغراً في نار جهنم قرب شارون وفرعون وهامان وأبى لهب وغيرهم من جبابرة الأرض". زفرات مارقة بسرعة من فمي تتبعها أبخرة أفكاري لتتكثف معها على سقف غرفتي البارد. أضمرت في نفسي شيئاً ألجأني إليه شعوري بالذنب ، فتساءلت قائلا بصوت ساخط:
" هل ألعن هدية القلوب لعناتٍ كلعنات الله للشيطان" . بيد أن بصيصاً من حبها منعني عن ذلك وربما تجاهلته أحزاني لصغر حجمه ، ولو علمت بوجوده في قلبي لأطفأته فوراً ، عللت عجزي عن محوه بجملة قلتها بإيمان جياش:
"لعن المسلم حرام،" وأضفت متعمداً: حتى لو كان مغروراً.. بعد ذلك شعرت ببنان دافئة تلعب بخصلات رأسي القليلة ، فسرت في جمجمتي مسحة حانية انتشرت كأضواء الألعاب النارية في أوصالي، انكببت على قدميها لأقبلهما ، لكنها رفعتني بيديها قبل أن أشفى غليل شفتي ، وبقبلة واحدة على وجهي حُشِرت أنفاسي في قنينة فارغة تود الانفجار في جزء ما على نعليها . لا أنكر أني في تلك اللحظة كنت أرى الجنة تحت قدميها الصغيرتين بعد أن رأيت النار جهاراً في وجه بنت العاقل هدية القلوب ، عندها تسألني أمي قائلة :
- لقد كنت قاسية عليك .. أليس كذلك ؟؟
أردت أن أجيب عليها ، لكن كلماتي احتبست في حلقي ، فاسترقت منها عبارة سهلة لأقول بصعوبة :
- دعيني أجثو على قدميك أولا .
ألقت بتوسلي جانبا لتقل برقة :
- أما علمت يا سيف أن تيار المرأة يسري عكس تيار الرجل غالبا؟
- ما المقصود من هذا يا أمي ؟؟
- انسها يا سيف ، فإنها إذا كانت تحبك سوف تلاحقك كظلك .
عند ذلك هتفت بقساوة قائلا :
- نعم سوف أسحق قلبها الأسود و ..
ثم أمسكت عن الكلام ، وتمتمت قائلا بخجل :
- من تلك التي تتحدثين عنها يا أمي ؟؟
- تعلم من أقصد . إنها الطاووسة يا ولدي .
عندها رددت بانكسار المعترف :
- هدية القلوب لقيت حتفها في قلبي .
- الحر تكفيه الإشارة كما يقولون .
- نعم .. لم يترك لنا الأجداد مثلا نقوله يا أمي العزيزة ..
- أكمل نذرك يا سيف ، فقد بعثت عبد الكريم لزيارة عمتك بدلاً عنك .
***
في اليوم التالي خرجت ، ورأيت ذلك الغراب الهزيل ينعق من ركن بيت جارنا ، فعجبت من هذه المصادفة وقلت بسخرية : "لقد صالحت أمي يا غراب النحس ولن أرميك ثانية بالحجر."في تلك الأثناء كانت الأضاحي التي لم تذبح في اليوم السابق تتجه إلى المسالخ ، وهي مساحة مظللة بعدد من الأشجار الكبيرة خصصها الأهالي لذبح أضاحيهم وتعليقها على الفروع القوية للأشجار ، ومن ثم تدحس وتقطع وينقل بعضها إلى المنازل ، والبعض الآخر يذهب إلى المحتاجين والفقراء من أهالي القرية.. سرت بكبشنا إلى مسلخ القرية ورأيته يودع كبش صديقي وينطحه برفق وكأنه يحثه على الصبر والشجاعة.. جاء أبي بعد ذلك من المنزل وفي يده سكين حاد ، وقام بذبح الكبش ثم قمنا بتعليقه على أحد الفروع الكبيرة ، وباشر بتفسيخ جلده شيئاً فشيئاً حتى عرَّاه تماماً. كان أبي أثناء ذلك يزمجر بغضب ، وهو يحدثني ويسدي إليَّ تعليماته الخاصة بأعمال المسلخ .. لم أشك مطلقاً في أن لديه خبر أكيد عن الخلاف الذي حدث في المنزل ظهيرة اليوم السابق، في تلك اللحظة وجهت أصابع الاتهام إلى أخي عبد الكريم الذي ضعفت منزلته بعدما صرت أغدق على ميزانية المنزل من حين إلى آخر بجزء من راتبي الشهري. بعد ساعتين من العمل المستمر كنا قد أنجزنا المهمة وقمنا بجمع أجزاء اللحم ، وعبأناه في أوعية معدنية نظيفة وتأهبنا لحمله إلى ثلاجة المطبخ.. كانت هدية القلوب تنتظر شيئاً ما قرب منزل صاحب المسلخ وعند عودتي رأيتها ترمقني بنظرة طويلة المدى ، وتمر ثلاثون ثانية لا يرتد طرفها إلى شيء آخر غير وجهي الواجم.. خوف، استرحام، واستفهام. ثلاثة أسطر مقروءة على صفحات عينيها السوداوين. السطر الأول خوف ثائر من شيء ما لم أقدر على حدس شفراته ونوباته الحرَّى .. ربما كانت ذاتها مسلوبة الحرية ، ووحيدة التجربة وغير متمرسة على الخوض الوجداني المحظور، أبوها متشدد دينياً ، وله حلقات واسعة في مساجد ريف الضباب ، وقد تتلمذت في حلقته الدينية فترة لا يستهان بها قبل أن ألتحق بالسلك العسكري. وأذكر تماماً إنه كان يحدثنا عن الحجاب الإسلامي ، وحرمة اختلاء الرجل بالمرأة أو الحديث معها. كانت غيرته على بناته لا حدود لها ومعارضته شديدة لخروجهن اللامبرر من المنزل ، لذا فقد حرمت شقيقتا هدية القلوب الكبيرتان من إكمال تعليمهن المدرسي ، ومن حسن حظ هدية القلوب أن أباها اعتدل أخيراً، واقتدى ببقية الأهالي الذين ضموا أبناءهم وبناتهم إلى المدرسة وصاروا يتنافسون على ذلك . كما شفع لها عند أبيها ذكاؤها المفرط ، وتفوقها على أقرانها في المدرسة . والسطر الثاني يشبه وقفة المحتاج على باب رجل ثري، ولكنه بخيل يرى الدينار كأبيه وأمه .. أما السطر الثالث فهو إمعان شره يلتهم وجهي الجامد التهاماً.. غرابة وتعجب واستنطاق وأشياء أخرى لا تحمل معنى غير الشك ، وبلا جدوى ترتد تلك السهام المرمية إلى قوس الرامي ، كما لو كان وجهي حينها صخرة حمراوية صماء قدت من جبل بركاني..
وفي الساعة الرابعة والنصف من أصيل نفس اليوم كانت هدية القلوب تبحث عن رباب، وما إن وجدتها بين صديقاتها اللواتي كن يلعبن لعبة (الوقل) ، حتى جذبتها إلى خارج المربعات المحفورة على التراب ، لتقول لها بكدر كأنها تشكو إلى صديقة حميمة لها:
- سيف يا رباب ! لم أره البارحة مطلقاً ، واليوم رأيته غضباناً!!.
- وما شأني أنا بذلك ؟
أدارت هدية القلوب عينيها كالأفعى ، وقالت بحنق:
- لعلك قلت له عني ما أغضبه .
- لم أقل له غير الحقيقة.
عند ذلك فقدت السيطرة على أعصابها ، وصرخت بصوت تلاشى تدريجياً إلى أن عاد إلى طبيعته الأولى خافضاً قائلة:
- عن أية حقيقة تتكلمين؟؟.. أوه آسفة يا رباب لقد فقدت شعوري..
ثم تنفست نفساً عميقاً وأردفت موضحة بقولها:
- كانت هديته لذيذة وبداية حسنة ، ولم أفرح بشيء في عيد الأضحى بقدر فرحتي بهدية سيف المتواضعة.
ردت رباب وهي تحاول التملص من يد بنت العاقل:
- لا أعلم شيئاً.. اتركيني فقد حان ميعاد لعبتي الآن.
- انتظري يا رباب أريد أن.. قاطعتها بنزق قائلة:
- عودي إليَّ بعد قليل أو في صباح الغد .
قالت هدية القلوب بحنق وهي تهم بالانصراف:
- كانت الفرصة سانحة اليوم ، وربما عاد أبي من المحافظة في المساء ، ولن أتمكن من المجيء إليك .
في البداية احتقن وجهي بالدماء ، وأنفتقت براعم أوجاعي من جديد ، وثارت ثائرتي وأضحت أعصابي مهتاجة ، وأنا أصغي إلى رباب ، وهي تتحدث عن الحوار الذي دار مع هدية القلوب. لكن سرعان ما اعترتني موجات شديدة من الضحك ، وتمايلت حتى كدت أن أسقط على الأرض مُغمى عليَّ.. وذلك عندما بلغ الحديث نهايته ، وبينما كان يساورني هاجس عدم التصديق بما قالته رباب ، كنت أتفحص ملامحها بعينين حذرتين ، فأراها جادة وعفوية وليس فيها ما يدعو للشك. كان الفرح والانتصار يحزان أعماقي من الداخل ، بيد أني بترت ابتهاجي ، واستعرت من الجدار القريب صلابته ، وكسوت بها جنبات وجهي ، وباعدت همساتي عن بعضها قائلاً بلهجة شرانية :
- الطاووسة الآن حمامة ، نعم لقد أضحت حمامة وديعة ، وليس هذا فحسب بل إنها صارت حمامة أليفة جداً بلا جناحين.
والتفتُّ إلى رباب وقلت لها بعصبية:
- إياك أن تحدثي بنت العاقل عني ثانية.. هل فهمتِ ؟؟
- لا تغضب يا سيف ، سوف أزجرها للتو حين تأتي في الغد .
- لا يا رباب فهي صديقتك ، وما أعنيه هو أن لا تبدئيها بالحديث عني..
بالرغم عني قلت عبارتي الأخيرة لرباب ، ورغم الغيظ المكنون في خلجات روحي ، إلا أني حين أعود إلى نفسي أحياناً أرى أنها لم تقترف ذنباً يستحق القطيعة. كل ما في الأمر أن الأقدار جعلتني أنظر إليها كفتاة مشئومة ، لأجلها عصيت أمي حينما أردت أن أهجرها. كان يمكن أن نتصالح بعد أيام عديدة ، وبالتالي ينتهي الخصام بأسرع ما يمكن ، لولا غراب النحس والنذر الذي قطعته في عيد الأضحى. ما كان ألذ عذابها وتذللها وحزنها في تلك الفترة الشديدة الوطأة على قلبي ، لكنني استنتجت أشياءً عديدة ، وأهم ما حظيت بمعرفته هو حبها اللامحدود لي ، لقد برهنت لي ذلك بعذابها ومجيئها إلى رباب ، ولكنها لم تدرك أن سبب جفائي وامتعاضي ، هو أني أهواها بشدة ، وإن علمت ذلك لا يلبث الشك أن يبث رياحه المسمومة في أفكارها المشوشة، ما أصعب ذلك على قلب فتاة مراهقة !!.
هذا يا صديقي لا يدل على أني فظ أو غليظ القلب ، وأعتقد أني أتمادى في غيي وعنادي ، لأن أتعابها وأوجاعها بعيدة عني ، ولا أشعر بها إلا من خلال ألفاظ رباب ، ولو رأيتها تبكي على مقربة مني ، أو تتجاهلني تماماً ، لسقط قلبي أرضاً ، وتمرغ بأسي الوهمي بين دموعي ، ولضاعت هيبتي أمام أصغر مخلوقات الله. كانت هدية القلوب وأحزانها بعيدة عني ، لذا تراني متصلباً متصحراً أدارى حبي بغضبي ، ولا أنكر يا صديقي المواكب لحياتي ، أنها ما زالت خابية تحت رماد روحي كالجمرة الملتهبة، ولو تسري عليها نسمة هواء نائمة في إحدى الليالي لانكشفت مرة أخرى .
* * *
لم تسنح الفرصة لهدية القلوب بالمجيء إلى رباب في صباح اليوم التالي ، إذ وصل والدها "راشد صالح " الملقب بالعاقل إلى القرية في المساء. كان العاقل قد زار شقيقته في المحافظة، وعاد بها إلى القرية لترى زوجته وأبناءه ، وتنعم في ضيافته عدة أيام. كانت ثمة صداقة متينة تربط أمي بشقيقة العاقل
( سلوى ) منذ مدة طويلة مضت ، قبل أن تتزوج الأخيرة وتسكن مع زوجها في المدينة.. لذلك فقد ذهبت أمي لرؤيتها في اليوم الثالث ، واصطحبت معها رباباً إلى منزل العاقل. لم تكن أمي الوحيدة التي تزور صديقتها سلوى ، بل إن نخبة كبيرة من النساء كن قد سبقنها إلى هناك ، لقد اعتدن على المقيل والمؤانسة عند قدوم أية ضيفة أو زائرة إلى القرية ، أو عند أية مناسبة اجتماعية أخرى خاصة بهن. قوبلت أمي بحفاوة زائدة من زوجة العاقل وشقيقته سلوى ، أما هدية القلوب فقد قامت بخدمة أمي على أكمل وجه أثناء المقيل ، ونثرت في وجهها أبش البسمات وأعذب الترحيبات، وأُجلست أمي في رأس المجلس ، وحفَّت بها الوسائد من كل جانب ، وبعض النساء يرمقنها بحسد وغيرة . سُرَّت أمي كثيراً من هدية القلوب وعادت من مجلس المقيل آخر النهار ، وهي تحمل نفحات طيبة من روائح بنت العاقل.
كانت الفرصة مواتية جداً لـ هدية القلوب أن تتحدث إلى رباب بصوت خافت:
- لعله غاضب بسبب عدم قبولي للنقود.
- لا.. لا ، لقد ابتسم حين أخبرته بموقفك الرافض.
-ما هو السبب إذن يا رباب ؟ أتوسل إليك تذكري ما جرى يومذاك.
عند ذلك شردت رباب قليلاً كأنها تتذكر ثم قالت لهدية :
- هاه وجدتها ، لقد اكفهر وجهه عندما علم أنكِ اعتبرتِ الهدية مني ، وقبلتيها من أجلي .
- أوه ، ما أغباه !! إنه كالطفل المدلل الذي يريد كل شيء .
- كيف ذاك يا هدية؟
- ما زلت صغيرة يا رباب ، وحينما تكبرين سوف تقدرين موقفي.
- لست صغيرة ، وما بعثني إليك سيف بالهدية ، إلا لأني حاذقة.
ضحكت هدية القلوب وقالت لها مؤكدة:
- أنت ذكية يا رباب وسيف غبي.
-ماذا تخفيان عني أنت وسيف ؟ وما هو موقفك الذي تتحدثين عنه؟
- هل أنت مصرة على ذلك؟؟
- كل الإصرار .
- اعلمي يا رباب أن الله ضرب بنات حواء بعود الحياء ، لذا تكون الفتاة مستقبلة دائماً.
- لماذا تقولين ذلك يا هدية القلوب؟؟
-سيف يريد أن أكون لقمة سائغة في فمه من أول وهلة ، وهذا مستحيل.
- إنه يحبك ، وقد أغضب أمي من أجلك ، ورفض زيارة عمتي نعيمة.
- وهل تعلم أمك بذلك؟؟
- عندما حبس نفسه يوم العيد ، سمعناه يهتف باسمك في غرفته.
أثناء ذلك تأوهت بنت العاقل بارتياح لكنها قالت بوله:
- سيف لا يعرف الحُبْ.
- اصدقيني القول يا هدية القلوب هل تكنين له الحُب؟
سؤال محرج لم تتوقعه بنت العاقل ، لكنها تركت شفتيها تتلعثمان بعبارتها المرتعدة قائلة:
- لا أدري يا رباب ، لا أدري.
وفي مساء ذلك اليوم ، جاءت عمتي نعيمة وابنتها غادة إلى منزلنا لمسامرتنا ، وبعد أن عاتبتني على عدم مجيئي لزيارتها صباح العيد ، انخرطت في الحديث مع أمي حول قضايا شتى ، تطرقتا بعد دقائق إلى الحديث عن جلسة المقيل التي أقيمت في بيت العاقل. كان أبي يعب دخان سيجارته بصمت قرب النافذة المفتوحة ، ونادراً ما يبادلهن الحديث ، أما أنا فكنت أتسلى بتقليب صفحات مجلة الصدى ، وأبحث عما تحويه من مقطوعات شعرية. ظهر الاهتمام على وجهي ، ورفعت بصري عن قصيدة للشاعر محمود درويش ، وذلك حين قالت عمتي نعيمة لأمي ممازحة:
- لقد حظيت بمنزلة عظيمة في بيت العاقل، لم تحظ بها سلطانه زوجة الشيخ حامد.
ابتسمت أمي ، وصوبت إلى وجهي نظرة عميقة ، قبل أن ترد عليها قائلة بفخر:
- " أم سيف " مرفوعة الرأس في كل مكان.
- كانت هدية القلوب تحوم حولك كما تحوم النحلة حول الزهرة!!
عند ذلك عرفت سرَّ نظرة أمي إليَّ وبسمتها الحذرة وهي تحدث عمتي ، على حين قالت لعمتي بصوت جاد:
- إنها مؤدبة وخلوقة ، وكالقمر في منتصف شهر شعبان.
- غادة و هدية القلوب متشابهتان في الملامح ، ومتقاربتان في السن .
- الله يحفظها من العين .
- أتقصدين غادة أم هدية القلوب؟
كانت أمي تقصد هدية القلوب بالدعاء ، لكنها أجابت عليها بحياء:
- كلتيهما معاً .
قلت لنفسي ، وأنا ألقي نظرة فاحصة إلى وجه غادة ، قبل أن أتهيأ لمفارقة السُمَّار: "الحمار في عين أمه غزال " ، ولا مجال للمقارنة بين غادة وهدية القلوب ، لأن الفارق كبير بينهما. انسللت إلى غرفتي ، وفضلت أن أستلقي على سريري في ظلمة المكان، لذلك لم أضغط زر الإضاءة الكهربائي ، واستغرقت في التفكير ، وجأرت أعماقي بضحكات مجنونة ، وتعجبت من طرافة الأمر. قلت في نشوة عجيبة ، وكأني أخاطب بنت العاقل:
- أيتها الماكرة ، لقد سحرت أمي على حين غرة مني ، وكسبتيها في صفك ، في وقتٍ كنت أحاول فيه نسيانك ، لأنك السبب في عصياني لها ، وها هي الآن تشفع لك عندي بإطرائها عليك.
توالت الأيام تباعاً ، وأوشكت إجازتي على النفاد. كان يوم الأحد 15 سبتمبر هو آخر أيام إجازتي الرسمية ، رغم ذلك قررت السفر في اليوم الذي يليه ، وذلك لتشاؤمي اللامحدود منه.. أشارت الساعة إلى الواحدة بعد منتصف الليل ، وأنا والسهر في عناق ، وكأن بيني وبين النوم حائط سري شفاف له نوافذ متفاوتة الأحجام ، فأطل برأسي من النافذة الأولى لأرى هدية القلوب في نافذة أخرى مقابلة لي تماماً ، لأول مرة أبث لها شغفي ، وما ألاقيه من معاناة واحتراق ، فتبتسم بفرح ، لكنها توصد النافذة دون أن تنبس بحرف واحد ، وأطل من النافذة الأخرى فأرى أمي تقول وقد صعب عليها حالي المتأزم:
" لا تحبس نفسك في سجن قلبك يا سيف . اتركها، اهجرها ، وانسها ، فإن كانت تحبك فسوف تخرجك حتماً من معتقلك" . بعدها أطل من النافذة الثالثة ، فأجد أمي مرة أخرى عليها ، وفي يدها حمامة بيضاء موشاة بالسلام ، وتقول لي مشيرةً إلى الحمامة: " إنها مؤدبة وخلوقة وكالقمر المنيرة . " لا شك أن أمي تريد بذلك أن أصالح هدية القلوب ، بالرغم إنها لم تصرح تصريحاً مباشراً بالأمر. حِرت كثيراً في تلك النافذة ، ولم أدر ما أفعله حيال هذه المعضلة الشائكة ، وبينما أنا أهمس لذاتي قائلاً: هل أصالحها أم لا؟؟ إذا بمناد يناديني من النافذة الرابعة ، فاتجهت مسرعاً إليها ، فوجدت النوم يدعوني إليه بلهفة شديدة ، فأوصدت كل نوافذ ذاكرتي ، ولبيت دعوته طائعاً، واستسلمت له بسهولة. في الصباح الباكر ، حزمت أمتعتي ، وودعت أبي وأمي ورباب و عبدالكريم ، وسافرت مخلفاً ورائي هوة كبيرة في قلب الطاووسة هدية القلوب.