11
الغادة الإنجليزية
كيف يمكن ذلك والمفتاح قد ولج في القفل بسهولة فالبيت إذن بيتي، ولكن لا علم لي
بوجود هذا السُّلَّم فيه.
وهكذا تضاربتني الأفكار حتى ظننت نفسي في حلم، فوضعت يدي على وجهي ثم
قرصت طرف أذني حتى كدت أصرخ من شدة الألم، فتأكدت حينئذٍ أني مستيقظ، ثم
تذكرت أنهُ يوجد في حائط غرفتي الخارجي حجرٌ ناتئٌ كنت ألمسهُ بيدي كلما دخلت،
فانطلقت إلى حيث ظننت الطريق الموصلة إليه ولكني لم أحظَ بالعلامة المذكورة، بل عثرت
يدي بحلقة باب فاتضح لي حينئذٍ غلطي، وتيقنت ما كنت مرتابًا منه.
فحوَّلت وجهي نحو الباب قصد الرجوع من حيث أتيت، ولكني رأيت نفسيغير قادر
على السير في الطريق المستقيم بدون دليل؛ لأنه من المحتمل أن المفتاح يناسب سائر أبواب
ذلك الشارع، وعليه فأطرق جميع المنازل في جوف الليل، فلا يعدُّ أمرًا عجيبًا إن خالني
الناس لصٍّا وأوسعونيضربًا وشتمًا قبل أن يفهموا حقيقة حالي. فقلت في نفسي: ماضرَّ
لو دنوت من باب الغرفة وقرعتهُ بلطف، ثم أعرض حالتي على من سيقابلني وأفهمهُ
سبب مجيئي، والمفتاح أعظم شاهد على صحة مقالي، وهذا الفكر قد أعاد إليَّ الطمأنينة.
فرفعت يدي لأقرع الباب؛ إذ وقع في أذني صوت أناس يتكلمون، وسمعت عقيبهُ
لحنًا شجيٍّا وتبعهُ غناءُ امرأة بصوت رخيم جدٍّا يأخذ بمجامع القلوب، ثم انقطع الصوت
فجأة، وناب عنهُ صيحة شديدة وصوت وقوع جسم على الأرضوتبعه أنينضعيف، وعلى
أثر ذلك حدثت غوغاء وكثر اللغظ والضجيج، فصَحَّ عندي حدوث جريمة داخل القاعة
التي لا فاصل بيني وبينها إلَّا ذاك الباب الخشبي، فخفق قلبي وجرى الدم بسرعة في
عروقي، وشعرت أن الأرضمادت تحت رجليَّ، وأخذ العرق البارد ينسكب من جبيني، ولم
أعد أفكر بحالتي ولا بالخطر المحدِق بي، بل كان اهتمامي معرفة ما هو جارٍ بالداخل.
فدفعت الباب بيدي ودخلت كأني أريد إغاثة منْ لا بد أن يكون مظلومًا، بيدَ أني لم
أجهل كوني أعمى وغير قادر أن آتي بنفع، ولكن قوة غريبة دفعتني إلى صحن القاعة،
فما خطوت خطوتين حتى عثرت بجسمٍ ملقًى على الأرض، فهويت فوقه، وأصابت يدي
منه مادة لزجة فاترة، وعند ذلك طوقتني الأيدي من كل صوب وضغط بعضها على عنقي
حتى كادت تبلغ روحي التراقي، فأيقنت أن لا نجاة لي منهم، وأقبلت على نفسي باللوم
والتقريع لمخاطرتي وإقدامي على ما أجهله بدون أن أنظر في العواقب، فوقعت في هاوية
لا أرجو منها مناصًا ولا آمل خلاصًا، أنا الذي منذ قليل كنت أستدعي الموت ولا يجيب،
وجدت في تلك الساعة أن حياتي المنكودة المظلمة ثمينة بل هي أثمنشيء عندي، فصرخت
بصوت أرجفه الخوف وقواه الأمل بالحياة: ارحموني ارحموني أنا أعمى.
12