الغادة الإنجليزية
تعريب
لبيبة ماضيهاشم
الغادة الإنجليزية
رقم إيداع ٢١٩٢٨ / ٢٠١٤
تدمك: ٩٧٨ ٩٧٧ ٧١٩ ٥٦٩ ٠
مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
جميع الحقوق محفوظة للناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
المشهرة برقم ٨٨٦٢ بتاريخ ٢٦ / ٨ / ٢٠١٢
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
٥٤ عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ١١٤٧١ ، القاهرة
جمهورية مصرالعربية
تليفون: ٢٠٢ ٢٢٧٠٦٣٥٢ + فاكس: ٢٠٢ ٣٥٣٦٥٨٥٣ +
البريد الإلكتروني: [email protected]
الموقع الإلكتروني: http://www.hindawi.org
تصميم الغلاف: خالد المليجي.
جميع الحقوق الخاصة بصورة وتصميم الغلاف محفوظة لمؤسسة هنداوي
للتعليم والثقافة. جميع الحقوق الأخرى ذات الصلة بهذا العمل خاضعة للملكية
العامة.
Cover Artwork and Design Copyright © 2014 Hindawi
Foundation for Education and Culture.
All other rights related to this work are in the public domain.
المحتويات
١- ظلام وخطر
١- ظلام وخطر
9
٢- حلم أو سكر
٢- حلم أو سكر
13
٣- أجمل المناظر
٣- أجمل المناظر
19
٤- ليست أهلًا للمحبة والزواج
٤- ليست أهلًا للمحبة والزواج
23
٥- بحسب الناموس لا المحبة
٥- بحسب الناموس لا المحبة
33
٦- أجوبة غير مقنعة
٦- أجوبة غير مقنعة
37
٧- ادعاءٌ نسبيٌّ
٧- ادعاءٌ نسبيٌّ
43
٨- التذكار
٨- التذكار
49
٩- كذبة فظيعة
٩- كذبة فظيعة
55
١٠ - في البحث عن الحقيقة
١٠ - في البحث عن الحقيقة
59
١١ - جهنم على الأرض
١١ - جهنم على الأرض
65
١٢ - من هو؟
١٢ - من هو؟
69
١٣ - الإقرار
١٣ - الإقرار
73
١٤ - هل تتذكرني؟
١٤ - هل تتذكرني؟
79
١٥ - الخاتمة
١٥ - الخاتمة
83
سيداتي
اسمحنَ لي أن أتقدَّم إليكنَّ بغادتي هذه الإنكليزية، موشَّحة بحُلة عربية ترفل
بها بينكنَّ غير مبالية باحتقار وامتهان. ليس لأنها تدَّعي العصمة؛ فإن الكمال
للواحد المنَّان، بل طمعًا منها بحلمكنَّ، وهذا ممَّا لا يختلف فيه اثنان. كيف لا
وحاكمها الجنس اللطيف السامي المقام، أَفتخشى عذلًا بعد ذلك أو ملامًا، فإن
ترمقنها بعين الانتقاد أكُنْ لكنَّ شاكرة، وإن تعذرنَ قصوري فإني به عالمة.
لبيبة ماضي
الفصل الأول
ظلام وخطر
قال بطل الرواية: إني حرصت على تدوين تاريخ حياتي لاشتمالهِ على غرائب الاتِّفاق التي
تقودني أحيانًا إلى الريب بصحتها حال كونها حقيقة، وها أنا أسرد على القارئِ أهمَّ ما
صادفتُ في حياتي من العجائب وما لقيت من الغرائب، من دون زيادة ولا نقصان متكلًا
على خالق الأكوان، فأقول:
إني رجل روماني الأصل، كاثوليكي المذهب، مقيم في إنكلترا، وقد توفي والدي وأنا
صغير السن، ثم لحقت به والدتي رحمهماللهبعد أن بلغتُ من العمر ثلاثًا وعشرين سنة،
أي قبل بداءَة حوادث قصتي بسنتين. وقد خلَّفا لي مالًا وافرًا لا يقل دخلهُ عن خمسة آلاف
ليرة سنويٍّا. وكنت قوي البنية شديد العزم مطلق الإرادة والتصرُّف بما ورثته من والديَّ،
ومع ذلك فإنِّي كنت أتعسالبشرمحرومًا من ملذَّات هذا العالم، لا أتمتع بمناظر الطبيعة
ولا أتعزَّى برؤية الأكوان ومشاهدة المخلوقات البشرية. وكثيرًا ما كنت أغبط بل أحسد من
هم دوني منزلة، حتى بلغ بي الأمر أني تمنيت الاستعطاءَ والتسوُّل ممَّن تقوى عيناي
على مشاهدتهم؛ لأني كنت فاقدًا حاسة البصرمحرومًا — وا أسفاه — من لذة النظر!
فلا ريب أن من يطَّلع على هذه العبارة الأخيرة تتأَثر شعائره، ويرثي لحالتي ويشعر
بما يستولي عليَّ من الكدر، عندما أتقلب على فراش الأحزان متفكرًا بحالتي التعيسة التي
ستنتهي بي على هذا المنوال لا رفيق لي سوى الظلام، ولا ما أتمناه سوى الموت الزؤام.
ففي إحدى ليالي شهر آب الحارَّة بينما كنت جالسًا في غرفتي إذا بالباب يُقرع،
وسمعت صوت الخادم معلنًا بقدوم الطبيب — وهو الذي آلى على نفسه بمعالجة عينيَّ،
وكان صديقًا لوالدي المرحوم — فانتعش قلبي بقدومه وترحَّبت به، وبعد أن جلسنا
سألني عن كيفية استعمالي الدواءَ، فأجبته أني مثابر على الخطة التي أرشدني إليها.
الغادة الإنجليزية
وبعد ذلك شعرت أنه نهضمن مكانه وأدنى من وجهي مصباحًا، وسألني إغماضإحدى
عينيَّ ففعلتُ، فقال لي: ماذا ترى بالثانية؟
– نورًا طفيفًا وشيئًا خفيفًا.
– أغمضها وانظر بالأخرى.
فأطعت.
– ماذا ترى؟
– ضوءًا قد تشعَّب منه ثلاثة أنوار.
– الحمد لله فقد توطَّد مني الأمل، وتحقق عندي نجاح العمل.
– أفلا يوجد خطر؟
– إن الخطر ما زال مترصدًا فرصالإهمال، وما دمت محافظًا على الاعتناء فالشفاءُ
قريب بإذن لله.
فشكرت اهتمامهُ بي، ثم ودَّعني وانصرف.
ولبثت بعد ذهاب الطبيب برهةً صامتًا متفكرًا بما ستصير إليه حالتي، فكنت أرى
أحيانًا من خلال الظلام المخيف المحدِق بي نجمًا يتلألأُ فيبتهج قلبيسرورًا، إذ تتمثل لي
الدنيا بزخرفها فتطيب لي الحياة، ثم تحجبه الغيوم المتكاثفة فلا أعود من ثَمَّ أرى سوى
الظلمة التي تعيد إليَّ الأحزان وتوجه فكري إلى حقيقة الحال التي أنا فيها، فأشعر إذ ذاك
بأن الدَّمَ يجري في عروقي تارةً حارٍّا وأخرى باردًا، وتظمأ نُفسي لتجرع كأس الردى،
فناديت لله والدموع سائلة على وجنتيَّ متضرِّعًا إليه أن ينظر إلى حالتي ويعيد إليَّ ما
فقدتُ، ثم نهضت متثاقلًا وانطرحت علىسريري ملتمسًا الرقاد متمنيًا من صميم الفؤاد
أن يكون رقادًا أبديٍّا.
وبعد أنصرفت مدة ساعتين متقلبًا على مثل القتاد لا يقلق سكينة الغرفة إلَّا هبوب
النسيم الحار مارٍّا على وجهي من إحدى النوافذ، تشوَّقتُ للخروج من غرفتي كالعادة
مصحوبًا بأحد الخدم، ولكني لم أشأْ إيقاظَهم هذه المرة، فألقيت عليَّ لباسي، وقصدت
باحة الدار ومنها إلى الرواق الخارجي حتى انتهيت إلى الباب، وفي أثناءِ ذلك لم أسمع إلَّا
صوت أنفاس النائمين، فوصلت إلى الطريق مسرورًا لأني لم أعثُر بما يزعجني، وأقفلت
الباب وحفظت مفتاحه بيدي اليسرى وباليمنى عصًا أسترشد بها. وسرت متمهلًا متأنيًا
حذرًا أن أتيه عن الطريق، ولما أتيت على ستين خطوة تقريبًا عطفت في طريق آخر كان
طوله نحوًا من ثمانين خطوة، ثم عرجت على شارع طويل أفضى بي إلى زاوية هناك،