14
حلم أو سكر
استويت جالسًا وتأملت مليٍّا بما مرَّ عليَّ من الحوادث، وكدت أقنع نفسي بأني لم أرَ إلَّا
حلمًا. ولكني عندما تمددت ثانية وشعرت ما بجسدي من الضعف وبفمي من العطش،
أيقنت بحقيقة ما حسبتهُ وهمًا أو حلمًا، فوثبت مذعورًا وصرخت صرخة اليائس، وقد
عاودتني المخاوف، ثم عدت فجلست معتمدًا رأسي بين يديَّ.
وعند ذلك سمعت صوت مربيتي تقول: آه يا عزيزي جلبرت. ثم تبع كلامها صوت
رجل بنغمة لطيفة قائلًا: لا تجزعي، فسيدك يشفى قريبًا، دعني أجس نبضك يا مستر
فوكهان.
فقلت: من هذا؟
قال: أنا الطبيب جورج صديقك.
– اصدقني القول، هل كنتُ مريضًا؟ وإذا كان كذلك فكم من الزمن صرفت في
مرضي؟
– عدة سويعات فلا تجزع، إنما أنت مفتقرٌ إلى الراحة، فاصمت غير مأمور والزم
السكينة. فصرخت: الماء، الماء، أدركوني بالماء، فإني أكاد أموت ظمأً.
وبعد أن ارتويت قليلًا شعرت بقليل من الراحة، ثم سمعت الطبيب يخاطب مربيتي
بقوله: أعدِّي لهُ قليلًا من الشاي، وإذا طلب طعامًا فلبِّيه، أو عرض لهُ ألم فلا تتأخري
عن إعلامي. قال ذلك وخرج، فشيعته بريسلا إلى الباب.
وفي تلك الساعة عادت إليَّ الأفكار وصرت أردِّد في ذاكرتي حوادث الليل الغابر،
وحينئذٍ دخلت خادمتي الأمينة وكأني سمعتها تشرق بدمعها، فسألتها: كم هي الساعة
الآن؟ فأجابت بصوت حزين: قريبًا يصير الظهر يا سيدي.
– الظهر! ماذا ألمَّ بي؟!
فبكت بصوت منخفض ولم تجبني. فكرَّرت السؤال عليها، إلى أن قالت بصوت
متقطع: يا سيدي جلبرت … ماذا اعتراك؟ … وكيف … أقدمت على هذه … الفعلة …
الشنعاء؟ … آه لو تعلم ما حلَّ بي حينما أتيت الغرفة صباحًا ووجدت الفراش فارغًا
و…
– وهل وجدتِ الفراش فارغًا؟ إذن أنا في يقظة ولست في حلم، فاجلسي يا بريسلا
وأخبريني بالتدقيق ماذا جرى بعد ذلك؟
– سيدي، لي الحق أن أعاملك كولدي، وطالما سمعتني أكرِّر كلمات والدتك الأخيرة
وهي على فراش الموت، فقد أوصتني أن أعتني بك، وقد أقسمت لها بذلك، وها أني