( 1 )
امتلأ ت اذناه بصرير حاد ....
كان الظلام يملأ ( الخصّ ) القصبي ، فيما ذبالة ( الفانوس ) النفطي ، تتراقص بتراخ ٍ كليل ، وهي ، بالكاد تدفع بنورها الشحيح الى ما حولها من ظلام صقيعي جمد عيدان القصب والبواري .
كان الضوء الخابي للفانوس ، يصارع كتلة الظلام الهائلة في الركن الجنوبي من ( الخص ) .
امتد نظره الى الركن الشمالي منه ، حيث امتلأ بصوت ناشز ينبعث من مكان لم تتوضح معالمه بعد ، لكنه ، وهو يفرك عينه السليمة براحة كفه ، انهالت امامه صورة ذلك الجرم الاسود الممدد عند ذلك الركن 000 وكمن اكتشف الحقيقة ، ضحك في سره ، وردد مع نفسه قائلاً :
- انها ( الملحة ) 0
وبأشمئزاز ، ادار وجهه الى حيث الظلام والسكون الثلجي خارج ( الخص ) ، فبدا له اسود من فتحة الباب 00 مد رأسه مثل بوز كلب اجرب يحاول اكتشاف طريقه بعيداً عن عبث الاطفال قبل ان يخرج من مخبئه000 فلفحته سياط باردة ، احس بها وكأن موساَ حادة اخذت تشقق جلدة وجهه 000 فيما راحت عينه السليمة ، تتشرب كلياً لون الظلام 0
رفع رأسه الى قبة السماء ، فهاله ما رأى ، اذ راحت كتل من الغيوم الداكنة الثقيلة تنتشر في المكان الذي حملقت فيه قبل ساعات مئات العيون تبحث عن هلال عاشوراء في سماء الله الواسعة ، وكأنه طفل خبيث يلعب ( الختيلة ) 00 وعندما لاح لعينين من تلك العيون التي اضناها البحث ، انمحى تاركاً اصوات التهاليل والتكبير تملأ الفضاء 0
ارتد ( جاسم الاعور ) الى الوراء 00 اعاد اغلاق الباب جيداً ، ، كان شخير ( الملحة ) يملأ اذنية بطنين مزعج ، فيما ذبالة فانوسها تصارع سخام زجاجه ، فكان الليل والظلام ، و البرد والشخير 0
ردد مع نفسه ، كأنه يمدها بشجاعة افتقدتها ، ودفء يمنحها قوة وارادة :
- انها تنذر بالكثير 00 يالها من سماء حبلى 000 ستمطر برداً يجمد الدم في العروق 00
حل الرباط القماشي للباسه الداخلي الابيض الطويل ، والذي كان هو الشيء الوحيد الذي ارتسم في سواد الأشياء 00 وبيدين خاويتين ، سحب طرفيه الى الاعلى ، ثم شدهما جيداً الى بطنه 0
مد يده – كالاعمى - في الظلام الذي خلفه في وسط ( الخص ) ، قبالة الباب ، وبتكاسل ، رفع من الارض ( دشداشته ) ذات اللون الداكن 000 البسها جسمه 000 ثم لف رأسه بيشماغه ، فبرزت عينان ، احداهما ترى الظلام الذي حوله والثانية نسيت لون الضوء منذ سنين طويلة 00 وقبل ان يدفع بجسده عبر الباب ، الى حيث كتلة الظلام الهائلة ، القى نظرة سريعةالى الكتلة السوداء الممددة على الارض في ركن ( الخص) ، فالفاها سوداء ساكنة ، سوى صوت الشخير الذي – هو الآخر – قد ملته اذناه بعد ان يصل اليهما متكسراً حاد الحواف كقطعة زجاج مهشمة 0
رسم ابتسامة أنتصار على شفتيه ، أوهكذا حاول ان يجعل منها ، تمتم مع نفسه ، وهو يلف عباء ته السوداء المهترئة الحواف ، على جسده الخاوي ، وكأنه يخاطب تلك الكتلة السوداء :
- لقد تذكرك الحاج ايتها ( الملحة ) 00 سأ فتقدك كثيراً 0
ثم استدار ، وخرج ، وهو يسحب الصرير من خلفه ، فابتلعه ظلام ازقة القرية الصقيعي ، الذي اخذ يجلد صفحة وجهه بآلاف السياط الباردة ، فيما امتلأ الفضاء بعواء الذئاب ونباح الكلاب الذي يأتيه من بعيد ، فراح يسير محاذياً لاسيجة القصب المحيطة ( بصرائف ) خاوية ، ملفوفة بالظلام ، مثل لص يحاول الافلات من مطارديه 0 فيما كانت السماء من فوق رأسه ، سوداء كسخام الفانوس ، و كأن النجوم الذهبية والفضية التي تمتلأ بها ، قد تساقطت كلها 000 او ان يداً عملاقة مسحتها من صفحة السماء ، واخذتها الى جهةغير معلومة ، لكن ما فا جأه ، هو الشبح الذي تراءى له على بعد مسافة ثلاثة دور ، كتلة سوداء تتحرك عبر الزقاق ، محاذية لاسيجة المساكن المبنية من القصب ، وقد بانت حركة تلفته الوجلة من خلل الظلام الدامس الذي ملأ الفضاء كلص ، اندفع الشبح - الذي كان جاسم الاعور يرقبه وقد لسق جسده بالجدار القصبي لـ (خص) الملحة – وولج باب مسكن الشيخ عبد الكريم ، اذ انصاع الباب له وكأنه ظل مفتوحا حتى هذه اللحظة : انه هادي ، لكن 00 ما الذي يفعله في هذه الساعة المبكرة من الفجر ، وفي هذا الليل الصفيعي الاسود ؟
الا ان برودة الجو ، والخوف من ان يراه ذلك الشبح الذي انبثق من ذلك الظلام انساه كل شيْ ، فترك مكانه وراح مسرعا كالمطارد 0
حرك رأسه وهو يعرج على ساقه السليمة ، بهدوء تام ، وكأنه لا يريد ان ينبه الظلام الذي حوله ، مد نظر عينه السليمة الى صفحة السماء كي يراها كلها ، اذ حجبت عينه الاخرى رؤية القسم الآخر منها 0
كل شيء – قد بدا له – اسود ، دا كناً ، ظلاماً ، و سخاماً 00 حياته كانت – كذلك - سواد بسواد ، باردة كبرودة هذه الليلة 00 اذ مازال البرد يجمد وجهه ، والريح ، آه ٍ من الريح - حدث نفسه - ياليتني كنت كالريح 00 لقد جمدت 000 يالها من ريح عاتية 00 تدفع به وكأنها ايدي عمالقة تدفع به الى امام ...
:- الله يرحمك ياأماه 00
قال مع نفسه متأسفاً 00 ثم تابع قوله وكأنه يحدث امه الغائبة الحاضرة :
- ألم تجدي غير هذه ( العوراء ) لتكحل عيني 00 ؟ ألم تفكري بعاقبة ذلك ؟ سامحك الله 00 ( عوراء تكحل طفلاً ! ؟ ) وها هي النتيجة 00 سامحك الله ياأماه 0
كثيراً ماكان يلوم امه 000 لامها وهي في الحياة 00 ولامها وهي في الممات 00 كان ذلك ديدنه ، كلما حاول ان يرى الاشياء كاملة 00
ومرة عندما كان جالساً مع الحاج وجماعته ، سمع احدهم يقول :- تستطيع الطيور ان ترى مسافة واسعة من الفضاء 000 ان الله خلق لها عينين حادتين وواسعتي النظر ، انها ترى كل الاشياء التي امامها 000 ان بصرها اقوى واشمل في الرؤية من بصر الانسان 0
في ذلك الوقت ضحك من نفسه 00 هز يده استهزاءً وترك المجلس ، وهو يصب جام غضبه على امه المتوفاة 0
لكنه – وكعادته كل مرة – كان يترحم على روح امه 00 تلك المرأة التي تحملت الصعاب في سبيله 00 لقد كانت تعمل في بيوت الناس الاغنياء لتطعمه 000 اذ تركهما والده وهي حامل به 00 الى اين ذهب ؟ لاأحد يعرف 00 حتى أمه 00 وعندما سألها وهي في فراش الموت ، لم تخبره بشيء ، لماذا 000 لماذا 00 لماذا ؟