( 4 )

4 0 00

( 4 )

ثمة غيوم سوداء تملأ سماء القرية قادمة من الشمال ، تنذر بيوم شديد المطر 00 فيما تصفر في ازقة القرية الخاوية ريحاً صقيعية وهي تمر بين عيدان القصب المبنية منها الصرائف الصغيرة المنتشرة بلا انتظام ، حانية على أجساد خاوية بأكسية بالية ، ودشاديش كالحة اللون ترتعش مصعوقة بهذا البرد الذي غزى المدينة والقرية على السواء ، كما يغزو الجراد مزارع الحنطة عابثاً فيها دون رادٍ له 0

كانت القرية معزولة بتل ترابي عالٍ عن مدينة الناصرية ، يحاذيه نهر ماءه اسود برائحة نتنة ، تنتشر فيه بعض جثث الحيوانات النافقة 0

كان ( اشطيط ) يجمع كل مياه سواقي المدينة ليوصلها الى حيث المضخات التي ترفعه لترميه في الفرات 00 فيما التل الترابي ، المحاذي له والذي تكوّن جراء حفره ، يحمي المدينة من خطر الفيضان الذي يهددها في كل موسم ، كان سطح التل ، اوما يدعوه الاهالي بـ ( الروف ) عباره عن نتوءات ترابية غير منتظمة، تجعل صبية الدور المجاورة الممتدة بمحاذاته تبتعد عنه ليلاً خوفاً مما يترآى لها من اشباح سود متحركة 0

كان بيت الحاج فريّح المبني حديثاً بالطابوق ، يقع على الطرف الثاني من ( شطيط ) داخل حدود المدينة ، يفصله عن المدرسة الأبتدائية والمستوصف الصحي الذي بنيا حديثاً شارع ترابي كثيراً ما يصبح موحلاً صيفاً وشتاءً، يوصل بين المدينة والقرية جسر كونكريتي ضيق ممتد على عرض( شطيط ) فيما يمتد في جانبه الثاني – داخل القرية – شارع طويل يكمل شارع المدرسة والمستوصف 0

هتف الحاج فريّح وهو يدخل الباب الخشبي للغرفة بجاسم الاعور صائحاً :-

- ها اعور الشوم 00 متى وصلت ؟

كان جاسم الاعور قد دخل بيت الحاج بعد ان ترك جسده مقرفصاً على الدكة امام الباب طوال ساعات الصباح الاولى ، قبل ان يستيقظ الحاج من نومه00 كان محتمياً بعباء ته الصوفية الممزقة من برد كانون القاتل 0

صاح جاسم الاعور وهو يرى الحاج :

- صبحك الله بالخير ياعم 00

وكعادته صباح كل يوم يهرول مسرعاً الى يد الحاج ، يأخذها بين كفيه ويقبلها 00

كف حمراء لحيمة ( هذه النعمه !) ردد الاعور مع نفسه ، لكن الحاج في هذا اليوم البارد – بالضبط – سحب يده ودفع جاسم الاعور جانباً وهو يصيح به :

- رجعت مرة اخرى الى اعمالك المشينة يا اعور الشوم0

وقبل ان يجلس على المصطبة الخشبية في الجانب الامامي للغرفة ، يسمع صوت الاعور مبعداً عنه التهمة :- والله يا عم 000

الا ان الحاج يقاطعه ، وهو يرسم ابتسامة خبيثة على شفتيه :

- قل لي اين نمت ليلة البارحة ؟

فوجيء الاعور بالسؤال ، لم يقل شيئاً ، كان متردداً في الاجابة ، بل كان ضائعاً 00 وقبل ان يدع الفرصة للحاج بالهجوم عليه مرة اخرى بكلام آخر ، راح يغيّر موضوع الحديث ، وهو يقول :

- عمي ، الجو بارد في الخارج 00 ثلج 000 ارتد معطفك 0

كان الحاج فريّح ، كعادته في شهر محرم ، وبالضبط في مناسبة عاشوراء من كل عام ، يرتدي بدلته السوداء ذات القطعتين (( الصاية والسترة )) ويعتمر اليشماغ الاسود و العقال (( الشطراوي )) الذي يحتفظ به ليضعه على رأسه في المناسبات الاجتماعية والدينية المهمة0

كان سواد بدلته قد بهت ، فبانت لمن يراها كالحة اللون من كثرة ارتدائها طيلة عمرها الطويل ، اما رائحتها فكانت لاتطاق لوضع كرات النفتالين بين طياتها عند تركها في الصندوق الخشبي الخاص بملابسه 0

رد الحاج ضاحكاً :- خبيث 00 حيوان 000

ثم نهض ليرتدي معطفه الصوفي الاسود الذي اشتراه في العام الماضي عند سفره الى بغداد من منطقة ( تحت التكية ) والذي كان يحلو له ان يخبر اصدقائه ومعارفه بعنوان المكان ، وكيف الوصول اليه في بغداد 0

كان الحاج فريّح ، طويلاً ، رفيع القوام متناسق الاعضاء ، كأنه جذع شجرة( غرب ) ناعم الجلد ، يرتسم تحت انفه شارب رفيع ناعم ، يصبغه بين حين وآخر ، ليحيل لون بعض شعيراته التي امتد اليها الشيب الى لون اسود داكن ، فيقل عمره لمن يراه ودون ان يعرفه عشر سنين كاملة ، فيما كانت صفحة وجهه صقيلة ، اذ كان عندما يجلس على كرسي الحلاق يطلب منه ان ( يحف ) له صفحة خديه 0

خرج جاسم الاعور مسرعاً الى حيث تقف سيارة ( الفورد ) السوداء ، لينظف زجاجها و معدنها الصديء ، مثل كل يوم 0 لكنه ، وقبل ان يصل الى باب الدار ، سمع صراخ الحاج ، وهو يستدعيه 00 اختض جسده ، واحس بالدم قد تجمد في عروقه ، فيما تصلبت قدمه السليمة عند عتبة الباب : ياستاراستر 000 ردد مع نفسه ، ثم عاد مسرعاً وهو يعرج ، والبرد يخض جسده رغم العباءة الصوفية ، والثوب السميك ، واليشماغ الملفوف على رأسه ، جاءه صوت الحاج :- هل اخبرت البغل ؟

نظر الاعور اليه باندهاش ، وبله تامين0

كان الحاج قد انتبه الى مااعتوره ، ليس من وقفته العرجاء ، بل من رفرفة جفني عينه السليمة ، فبادره قائلاً :-

- اقصد الملا أبو ناجي 0

عندها استراحت تلك العين 00 وهمدت رفرفة رمشيها ، وانفرجت شفتاه عن ابتسامة خبيثة ، وقبل ان ينبس بكلمة ، حمد الله في سره لان الحاج قد نسيَ الموضوع الاول:

- نعم عمي0 رد عليه بصوت مرتجف 0

- والشباب ؟ سأله مرة اخرى 0

- نعم عمي 000 اجابه والخوف مازال متمدداً في نفسه وكيانه من اطالة الحديث هكذا 00 وفي محاولة منه لأ نهاء هذا الحديث ، قال الاعرج :

- نعم عمي ستجد الجميع في الجامع 0

وقبل ان يفلت الاعرج خارجاً من الغرفة ، سأله الحاج فريح :-

- وقحبتك ؟ !

تسمر جاسم الاعور في مكانه كمن شكـّته شوكة في راحة قدمه السليمة ، قال مع نفسه: هذا ماكنت اخاف منه 0 00

لم ينبس بكلمة كمن لم يسمع شيئاً محاولاً الافلات من محاصرة الحاج له 00 ( خبيث هذا الحاج ) ردد مع نفسه 00 ( خبيث بكياسته 00 خبيث بتعقله الزائد عن اللزوم امام الناس ، وخبيث في صلاته وهو يؤديها خلف صاحبه الملا أبو ناجي – البغل – وخبيث هذا البغل الذي جاء الى القرية من مكان لا يعرفه ، برأسه الكبيرة كرأس بغل غبي ، وبلون بشرته الحمراء ، وعمامته البيضاء الكبيرة 00 ربي خلصني من هذا الحصار ) 0

- هل اخبرت الملحة بالمجيء الى البيت؟

سأله الحاج مرة اخرى وهو يعرف انه قد اخبرها 0

اجابه الاعرج بانكسار :

- نعم عمي 00 وسوف تحضر معي هذا المساء 0

- لاداعي لمجيئك معها 00 هي تعرف طريقها 00 اليس كذلك ؟

- نعم عمي 00 هي تعرف طريقها 0

(( جرجرتها بيديّ هاتين كمن يسحب نعجة الى دكان القصاب )) ردد مع نفسه بانكسار وآلية ممجوجة (( ارشدتها انااليه – تابع مع نفسه –اصبحت قواداً منذ أول مرة جئت بها الى هذا البيت 000 بل منذ ان جئت بها الى المدينة )) 0

- اعرج 000

اخرجه صراخ الحاج من لوم نفسه 00

- اغرب عن وجهي 000