ـ 1 ـ
إبشر يا عبد الرزاق الجبران1 , لقد أصبحتُ قوّاداً .
أنّه يومي الأول في مهنتي الجديدة يا صديقي ..
كان قراراً إنتحارياً, أنا أشكرك لأنك منحتني الشجاعة الكافية لإتخاذه , أنت تعلم جيداً, بأننا أنا وربي فقط كنّا متواجدين لحظة إتخاذ ذلك القرار, لم يشاركنا في تلك اللحظة أحد سواك , كنّا متمردين وخارجين على جميع السلطات وأولها سلطة الـ (لماذا) ...
أنا الآن ـ يا صديقي ـ في حالة إنعتاق تام من تلك السلطة لأنني أعيش نشوة يومي الأول , هذا اليوم الربيعي الصافي الذي بدا وكأنه يتماهى مع مزاجي المهني , مزاجي الرطب الخارج من رحم ذلك القرار الانتحاري سيجتاز عتبته الاولى هذا اليوم , لقد تحدد مصيره بلفظة صغيرة تمكنت من أن ترسم له الطقوس الملائمة لهكذا مهنة ...
هذا المزاج المهني الرائق كان ينقصه شيء واحد فقط , كان يفتقدك يا صديقي ...
كم تمنيت أن تكون حاضراً لتبارك يوم عملي الأول , وان تشدّ من ازري وأنا أخوض التجربة عمليّاً بعد ان خضتها نظرياً من خلال التفاعل مع نظرياتك , أتتوقع بأني سأنجح في هذه المهنة ؟ وان فشلت ـ لا سامح الله ـ هل ستزعل مني ؟
عذراً صديقي انها مجرد افتراضات , افتراضات او تهويمات اليوم الاول ..
بوّدي أن أقول لك شيئاً يا صديقي , ومن المؤكد إنّه سيفرحك , هذا اليوم وأنا أفتح باب المبغى , أول فكرة خطرت ببالي هي ان أقدّم لكل زبون يرتاد المبغى نسخة من كتابك (مبغى المعبد) , هذه الفكرة لم تأت إعتباطاً , لا أبداً , وإنما كان لها دوافعها النفسية والعملية , ما دفعني لها هو رغبتي بأن اُثبت للعالم بأنني صاحب رسالة , هذا من جهة , ومن جهة أخرى أردت أن أوجّه دعوة لكل مرتادي المبغى , أدعوهم فيها لمشاركتي في تغيير العالم ...
أتخّيلك الآن , جالساً أمامي لتؤدي الدور نيابة عني , بملامح صلبة , وشارب طويل يصل الى أسفل جانبي الفم , وربما بسلاح تخفيه تحت ملابسك تحّسباً للحالات الطارئة , يقال ان هذه المهنة تحتاج الى الكثير من الحذر , أتصورك بهالة قدسية تمارس دورك في تطهير العالم , تتفاعل مع ذوي الإحتياجات بروح مهّنية عالية , ترّحب بالزبائن وتقرأ لهم سطوراً من (جمهورية النبي) ثم تقوم بارشادهم الى مكامن اللذة وبعد ذلك توّدعهم بإبتسامة مماثلة للإبتسامة التي استقبلتهم بها ..
أتمّثلك وأحاول تقليدك , أطمح أن أكون مثلك في كل شيء , جلستك , حركاتك , إيمائاتك , عهرك المقدس , إنثيالاتك المحاذية لرؤى القوّادين , هؤلاء الذين أنتميت إليهم وأصبحت واحداً منهم هذا اليوم ..
أنا قوّاد , ما أعظم ذلك , ما أروع الأنسلاخ من الذات , إنه لفعلٌ عظيم أن تخرج من الأنا الضامرة المفروضة عليك , ما أروع ذلك الخروج حين يكون عن طريق الدعارة ..
الدعارة ... أتسمح لي بإستعمال هذا المصطلح يا صديقي, وهل تراه مناسباً للسلوك التطهري الذي باشرنا به هذا اليوم , من أين اشتقت مفردة (دعارة) وما هو مصدرها اللغوي ؟ هذا ليس مهماً أليس كذلك يا صديقي , الاصطلاحات تذوب في المعاني والدلالات تتوجه الى الأعماق فقط , هذا ما يجب أن نؤمن به أنا واسراء وماجده وهيفاء ونورا وسناء وبلقيس وصباح وانعام وشيماء وندى وكريمه وكل إنسانة ترغب في وضع أقدامها على سُلّم الأرتقاء الإنساني , أقول ذلك وأنا غارق في بحر خجلي وحيائي من عبد الستار ناصر2 , أستحي منهُ لأني أرتكبت عمليّة قرصنة تمس إرثه القصصي , لقد أستعرت أسماء بطلاته ومنحته للنساء الراكبات معي في سفينتي التي أمخّرت هذا الصباح ...
إعذرني يا عم عبد الستار ربما سأغرق وأنا مُحّمل بأسمائك الجميلة, أنا واثق بأنك ستعذرني , ستعذرني لأني ما فعلت ذلك الا من أجل إضفاء رونق القداسة الى التجربة , إيها المقدّس لقد أسميت شريكاتي في العمل بأسماء مأخوذة من احدى قصصك المجنونة, انا كقوّاد متمدن أرى ان تلك الاسماء تناسب التجربة اكثر من أسماء عاهراتي الحقيقية , اسمائك تلائم مستوى العهر الذي اطمح بالوصول اليه والدعارة التي ابتغي كمالها ...
انا يا عم عبد الستار أفعل ذلك كلّه لسبب واحد , سبب بسيط جداً , انت بالتأكيد على علم تام به وخلاصته أنني لا أريد ان يقوم احد ما بإنتزاع حياتي , اليست هذه هي نظرية المجانين التي اشرتَ اليها اكثر من مرة في قصصك ..؟
حياتي هي تجربتي , تجربتي التي رأت النور هذا اليوم , تجربة (الما بعد) المتعلقة بالذات , ولكونها متعلقة بالذات اريدُ لها أن تكون منشّقة عن كل شيء , حتى عن الاسماء الجاهزة , أنا متيقن بأن تلك الاسماء السحرية التي تحمل عبق رائحتك ستجعلني قديساً يتمركز في نقطة جوهرية من الوجود ليتحسس نشوة الايمان بالحياة , الاسماء الحقيقية كلها كاذبة , لذلك هي لا تهمني , الاسماء التي نسرقها او نستعيرها هي الحقيقة ...
هنالك شيء آخر أريد أن أضيفه , واعذرني ان كنت قاسياً بعض الشيء يا عم عبد الستار, يجب ان تعذرني لأن قسوتي ناتجة عن استثنائية التجرية , ما اردت قوله هو ان ايّة واحدة من عاهراتي ستعترض على استبدال اسمها ستلقى على قارعة الطريق ولن تجد لها مكاناً داخل مملكتي, لتذهب وتمارس الدعارة في أي جهنم أخرى, إنها جنّتي وأنا حر باختيار الطقوس التي تناسبها .