ــ 2 ــ
(تفـّضل)
كلمتي الأولى التي نطقتها هذا اليوم ..
وأنا أتلّفظها , وأتحسّس ردة فعل متلقيها , أدركت بأن حيزي الوجودي قد اتسع بصورة لم أكن أتوقعها , نعم لم أكن أتوقع ذلك ولم أكن اخطط له أصلاً , هذه المفردة السحرية قفزت الى مشهد اليوم الأول بدون أن تستأذن من أحد , ربما تكون هناك يد خفية قد أرسلتها لي , في كثير من الأحيان تكون الأقدار متواطئة معنا , تساندنا وتدعمنا وتمد لنا يد العون دون أن نشعر ..
كنت قلقاً , متردداً , وهذا شيء طبيعي يرتبط بأي ممارسة جديدة , ولكن ارتباكي المهني زال بصورة مباشرة بعد حضور تلك المفردة , زال نهائياً وأدركت بأنني امتلك الأهلية الكاملة لأكون قوّادا ..
يا لهذا الجمال , إنها كلمة بسيطة ولكنها ذات بُعد كمالي لقوّاد مستجد يمارس عمله في اليوم الأول , وأنا أقدمها كمادة استقبالية شعرت ان شخصيتي كقوّاد قد وصلت الى مرحلة الكمال ..
مع كل (تفضّل) أقدّمها للزبائن , يزداد شعوري بوجوديتي .
يتسع أفق العالم أمامي , اشعر بان ذلك العالم كله يعيش في حالة ترقب وانتظار , انه ينتظر هذه الـ (تفـّضل) , هو ينتظر وأنا الوحيد على سطح الكرة الارضية الذي يمتلك ترخيصاً بتقديمها ..
توافد الزبائن , وتوافد الـ(تفـّضل) , مع بعض السطور من (مبغى المعبد) هي خلاصة اللذة المتعلقة باليوم الاول , هذه اللذة التي رسّخت بداخلي فكرة ان الاصطلاحات بما لها من معنى نفسي عميق قد تفوق كل الاعتبارات اليومية التي يستهلكها العقل البشري ..
وجوديتي الضائعة , التي اقترنت بهذه الـ (تفّضل) اكتشفتُ ملامحها في وجوه زبائني , كان تفاعلهم معها يثير فيّ الكثير من النزعات المكبوتة , النزعات التي كانت قيد الانتظار , والمتعلقة كلها بذاتي المفقودة التي صدرت شهادة ميلادها هذا اليوم , ما أروع ان يكون تواصلك مع الانسانية عن طريق كلمة واحدة , كلمة صغيرة تختصر الوجود بكل غاياته الجمالية ..
الاشياء المُعطّلة بداخلي قد تفّعلت , كياني السابق لم يعد كما كان , لم اعد منقطعاً عن الآخرين , أعلى درجات التفاعل قد تحققت بواسطة كلمة (تفـّضل)
مع كل زبون يدخل كنت أترقب دخول زبوناً جديد , لا يمكنني ان اصف سعادتي , وأنا اشاهد الزبون يدخل من باب المبغى متوجهاً نحوي , ذهبتْ بي تصوراتي بعيداً فتصورت نفسي رضوان خازن الجنـّة ..
ذلك العامل على باب الجنة , وهو يستقبل زبائنه , أي مفردة يستخدم, هل يستخدم نفس المفردة التي استخدمها أنا .. ؟
كنت احاول قدر الإمكان إختصار ما يتعلق بالتعامل المادي , ركّزت على حسم ذلك الموضوع بصورة سريعة طمعاً بالوصول الى لحظة الـ (تفـّضل) ...
المبالغ النقدية التي استحصلها من الزبائن لم تكن لتضفي الصبغة المادية على طبيعة العلاقة بيننا , إن المفردة التي تلي ذلك التعامل كفيلة بإضفاء الطابع الانساني على ما نقوم به ..
عندما يتوجه الزبون الى غرفة اللذة بعد ان اقول له تفـّضل اشعر بأني قد منحته جواز السفر الذي يحمل تأشيرة الدخول الى تلك الجنـّة , نعم بهذه المفردة تشعره بأنه قد حصل على الموافقات الاصولية لنيل السعادة , ما أعظم ان تفتح للناس ابواب السعادة , ان تمنحهم حق الدخول من تلك الابواب , ان تستقبل أحدهم بابتسامة مهنية وتقول له : تفـّضل .
في الواقع , أنا لم اخطط لإستعمال هذه الكلمة على هذا النحو الذي تكلّمت عنه , الصدفة وحدها هي من قادتني الى ذلك , هي من فعّلت دور تلك الكلمة واعطتها قيمتها المكتشفة هذا اليوم , وكان للأثر الذي لاحظته في نفوس مُتلقيها الدور الاكبر في سيادتها للمشهد المهني بعد ذلك ...
انها تزداد ثراءاً كلما زاد استعمالها من قبلي , كأن المعنى النفسي للمهنة قد تلّخص فيها ..
لحسن حظي انني منذ اليوم الاول قد تمكنت من اكتشاف سر المهنة .