مقدمة

6 0 00

فخري قعوار

لحن

الرجوع

الأخير

- كتابات ساخرة -

من منشورات اتحادكتاب العرب

1998

تصميم الغلاف للفنان :

إهداء

إلى رفيقي وزميلي وصديقي وأخي عاطف بمناسبة بلوغه الخمسين، تمهيداً لإهدائه كتاباً آخر حين بلوغه المائة.

فخري

مجنونة أحياناً‍‍!

يقول الكاتب الفرنسي الساخر أندريه دال في مقالة كتبها إثر زيارته لأميركا قبل أكثر من خمسين عاماً، إنه في لحظة الوصول، يتعرض لمئات الأسئلة الغريبة المصفوفة في ثماني صفحات من القطع الكبير، وإن عليه أن يجيب عنها جميعاً، مثل: ما هو اسمك؟ وما هو عنوان الشخص الذي يجب أخطاره في حالة وفاتك؟ وهل أنت من أعضاء جمعية كو- كلاكسن- كلان السرية؟ وكيف توفى والدك؟ وهل شعرك طبيعي أم صناعي؟ وهل تنوي الطلاق من زوجتك؟ وكم من النقود تحمل في جيبك؟ وما هو رقم حسابك في البنك؟ وهل أنت من عشاق الممثلة بولا ليغري المائة والأربعين؟ وكم في فمك من الأسنان الذهبية؟ وما هي درجة حرارتك الطبيعية. وما الغرض الحقيقي من سفرك إلى أميركا؟ وكم تنوي أن تبقى هنا؟ إلى آخر ذلك. أما الأسئلة التي توجه إلى جنس النساء فيرى دال أنها أكثر غرابة!

ويضيف أنك حين تصل إلى هناك، يطلب منك أن تعرض نفسك على طبيب، ليفحص كل جزء في جسمك بالمكروسكوب وبالتلسكوب وبجميع أنواع النظارات! ولم يسبق لطبيب أن أهتم بصحتي مثل اهتمام الطبيب الأميركي بها، فهو يحقنك ضد دزينة من الأمراض، ثم يختم جواز سفرك وظهرك وصدرك وبطنك بنصف دزينة من الأختام، وفي الوقت الذي ينقط في أنفك محلول "الفينول" تمر أمتعتك تحت أشعة أكس، وتمر جواربك تحت الأشعة البنفسجية!

ويصف أندريه دال ناطحات السحاب في نيويورك، وشارع برودواي والبنوك والسينما، ويتحدث بطرافة مضحكة عن شركات التأمين فيقول: في الولايات المتحدة يؤمنون على كل شيء، وضد كل شيء، فمنهم من يؤمن على العيون الجميلة، وأقدام الراقصات، وأيدي الجراحين، وحناجر المطربين، وأدمغة الكتاب! ومن غريب ما يروى أن الآنسة مارغوري بيستروك، وهي ممثلة جميلة في نيويورك، أمنت على الشامات في جسمها، وكانت هناك سبع شامات: اثنتان منها تقعان في الشمال الغربي من الساق اليسرى. ويقال، إن مدير شركة التأمين، بعد أن عاين هذه الشامات، ومر عليها بأنامله لتوقيع عقد التأمين، اقترن بالممثلة الجميلة، كي يرعاها، ويرعى شاماتها السبع بنفسه! غير أنه- مدير الشركة- وجد نفسه مضطراً إلى التأمين على نفسه ضد خيانات زوجته، وكان يقبض لقاء كل واقعة، مبلغ عشرين ألف دولار، الأمر الذي أدى إلى إفلاس الشركة في فترة وجيزة!

إن أميركا التي وصفها أندريه دال قبل أكثر من نصف قرن بأنها "مجنونة أحياناً" لم تتغير كثيراً في جوهر جنونها، فناطحات السحاب ما تزال ناطحات سحاب، إن لم يردم بعضها ليشيد مكانه ما هو أعلى، وشارع برودواي ما يزال كما هو بعجيجه وصخبه وصرعاته، وكذلك السينما ونجومها وصناعتها، والبنوك وأفانينها وأساليبها في الاحتفاظ بأموالها وتكبيرها واقتناص العملاء.. أما شركات التأمين، فان بدعها ما تزال كما هي، وإن صارت أكثر غنى مما كانت عليه قبل خمسين عاماً!

كان الفرنسي، مثل أندريه دال، ينظر إلى أميركا، نظرة أقرانه الأوروبيين، بأنه هو صاحب الحضارة والعراقة والقوة، وأن أميركا بلد طارىء وأهلها حديثو نعمة..

وربما يكون كل ما تغير عبارة عن استئثار أميركا بالقوة، وهيمنتها على أوروبا والعالم، لكنها لم تتمكن من تحقيق مرتبة حضارية عريقة تفوق بلداً مثل فرنسا أو بريطانيا..

أما الإجراءات التي استقبل بها أندريه دال قبل خمسين عاماً، فإنها لم تتغير، لكنها صارت تتم في السفارات الأميركية للحصول على تأشيرة دخول!

28 تموز 1995

يا رزاق يا كريم!

إذا كان التاجر يبدأ نهاره بالقول: "يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم"، فإلي أي مدى يحق لحفار القبور أو الطبيب أو صاحب المستشفى أو مدير المخفر أن يبتهل إلى الله داعياً إلى طلب الرزق.

فالذين يعيشون على مصائب الآخرين وكوارثهم وفواجعهم، لاشك أنهم يقدمون خدمة لمن تحل بهم المصائب والكوارث والفواجع، فحفار القبور قد يكون رقيق القلب، مرهف الحس، لا يحب الأذى للآخرين، لكنه- في الوقت نفسه- لا يرغب في قلة الشغل، لأن لديه متطلبات وحاجات تدعوه للعمل والإنتاج من أجل تغطيتها، وإذا لم يمت أحد لعدة أيام، فانه لن يحفر قبرا لحي، وهذا معناه أن الدنيا ستضيق في وجهه، مما قد يدفعه إلى القول في الصباح: "يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم"! ولنا أن نقيس ذلك على الذين يتعاملون مع الموتى والمرضى والجرحى وغيرهم ممن نزلت بهم النوازل والنوائب.

ونحن نعتقد في العادة، أن هؤلاء الناس، من أصحاب بعض المهن، وحدهم الذين يعيشون على الصواعق التي تنزل على رؤوس الآخرين، لكن الكاتب التركي، عزيز نيسين، الذي أشار أحد التعليقات الصحفية إلى أنه مات مؤخراً، يؤكد أن الشاعر والشرطي والصحفي والصيدلي والجلاد والمحامي وغيرهم لا يعملون ولا ينتجون، ولا تتسهل شؤون حياتهم إلا بالصاعقات الماحقات النازلات على هامات عباد الله، ويبرهن على ذلك، بأسلوبه الساخر المعروف، من خلال حواريات قصيرة بين أصحاب بعض الأعمال والمهن وزوجاتهم..

ولنأخذ على سبيل المثال، حوارية الصحفي وزوجته، فبعد أن تعرب عن استيائها من العيش معه، بدليل عدم امتلاكها لفستان لائق، يحاول استرضاءها بقوله: ما أزال محرراً بسيطاً، وكي أحقق النجاح، وأترقى، وأصبح على رأس الجريدة، لابد أن تجري أحداث استثنائية: كارثة جوية فخمة، زلزال هائل، حريق فظيع، جريمة غامضة، أو أي شيء ما من هذا القبيل، حينذاك سوف أستطيع إثبات وجودي، وأتفوق على جميع الصحفيين من الجرائد الأخرى، فلا أحد يجاريني في مهارة توزيع المادة، وفي ابتكار العنوان الجذاب، لكن ما العمل إذا كنت غير محظوظ، لكأن الحياة قد تسمرت في مكانها، فأنا لا أستطيع قتل الناس بهدف الإثارة الصحفية، لكنني واثق من أن الحظ سيبتسم لي في يوم من الأيام! هل يخامرك شك في إنني لا أريد إظهار نفسي، وأحصل على ترقية، وأفوز بلقب أفضل صحفي لهذا العام؟ وهل يعقل أنني لا أريد كسب المال الكثير كي لا تعرف أسرتي العوز والحاجة؟ ربما ترتكب جريمة غداً. أو بعد غد، وعندئذ سأدبج تلك الريبورتاجات، التي ستجعل الجميع ينكبون على قراءتها! لا تبكي، اشفقي على قلبي الذي يتمزق.. الأفضل أن تصلي كي يوفق الله زوجك، لتغرق باخرة، فليحصل طوفان، لا تبكي، لا تبكي، فأنا لا أستطيع تحمل ذلك، انظري.. لقد دمعت عيناي!

لو كان بمقدور ميت مثل عزيز نيسين أن يقرأ ما كتبته صحف تركيا في رثائه، وما كتبته صحف العالم، وما قد يكتب في صحافتنا، فإنني أخمن أنه سيكتب مقالة عن الذين كتبوا عنه وعن موته، يسخر فيها من كل ما قيل، مؤكداً إننا نزاول مهنة الصحافة، ونطل على الناس بمقالاتنا التي نأكل خبزاً من ورائها، بناء على أن روحه قد فاضت، فكانت نازلة موته، باباً من أبواب الرزق للصحفيين والكتاب!

ويا فتاح يا عليم، يا رزاق يا كريم!

18 تموز 1995

كيف تصطاد فاراً؟

لم يخل بيت، في زمن من الأزمان، من فأر يتسلل إليه، خاصة إذا كان ذا شخصية قيادية، لا يهاب المجهول، فيقتحم المنازل من مصارفها أو ثقوب شبابيكها، ويكون من ورائه جيش عرمرم ذو ميمنة وميسرة، من المعجبين والمريدين وأصحاب الطموح والمتسلقين والباحثين عن المجد والحياة الفضلى الباذخة، في أحد مطابخ العائلات المستورة . أما إذا كان الفأر ضالاً، أو منبوذاً من الأقرباء والأصدقاء والخلان، فإنه يدخل إلى المنزل شارد اللب، زائغ البصر، مرخي الذيل، متهدل الشوارب، ولا يميز بيسر بين غرفة النوم الرئيسية والمطبخ المنشود. فتراه راكضاً في أرجاء المنزل، قلقاً متوتراً، لا يستقر على حال، ولا يهدأ له بال، إلى أن تصادفه أول مكنسة من مكانس الإرهاب المنزلي، فتقع على أم رأسه، وترديه قتيلا، أما إذا تقاعست ربة البيت في ملاحقته يوماً أو يومين، تحول إلى خبير في الجحور الهانئة والفتحات الآمنة والتشققات الدافئة، وبات ضليعاً في إثارة حفيظتها، وجعل ليل العائلة نهاراً، بحيث يتوهم كل فرد فيها، أن الضيف إذا اختفى في المطبخ، لديه القدرة على الوصول إلى جوارير ملابسه الداخلية،vhأر وخزائن أطقمه وأحذيته، ولا يحلو له إلا أن يتخذ من غطاء المخدات ملاذاً يحتمي به، ويحجب طلعته النادرة عن عيون الحاسدين والشامتين.

في ذلك الزمن الغابر، حيث كانت الأبواب غير محكمة، والشوارع غير نظيفة، والقمامة منثورة في كل الأنحاء، كان الفأر دوماَ ضيف شرف على العائلة، ونجما تطارده العيون والألسن والحفايات، وتحسب كل حركاته وسكناته، بقدر المستطاع.

وعندما تجتمع الأسرة بشكل طارىء، وتقرر وضع الخطة اللازمة للإجهاز على الفأر، تظهر في البيت حالة الاستنفار، ويصير أفراد الأسرة جميعاً تحت السلاح الأبيض، توطئة للانقضاض، في ساعة الصفر التي يقررها أي منهم، لأن الفأر على ضآلة شأنه، هو الذي يقرر إذا كانت هناك معركة أم لا، وهو الذي يقرر إذا كانت هناك ساعة صفر أم لا، وهو الذي يقرر الظهور أو الإمعان في الاختفاء، فكل الخيوط بيده، وهو الوحيد المالك لزمام الأمر.

لقد كان الكبير والصغير يتعاونان من أجل صد الغزاة، يدا بيد، وقلبا على قلب، بجاهزية رفيعة، وعيون ساهرة، إلى أن يتم كنس البيت وتنظيفه، وإزالة آثار العدوان عن بلاطه.

وقرأت مؤخراً، إعلاناً عن وسيلة جديدة لاصطياد الفأر، عوضاً عن الوسيلة القديمة، التي كانت تتمثل في استخدام كل ما هو متاح من حواضر البيت: المكنسة، عصا القشاطة، الشبشب، أو ما هو في حكمها وجدواها.. الوسيلة الجديدة عبارة عن لاصق، يوضع على قطعة من الكرتون، وتوضع القطعة في الموقع المتوقع مرور الفأر منه، وبالإمكان زيادة عدد القطع، بزيادة عدد الاحتمالات، وما أن تطأ قدماه اللاصق حتى يثبت في مكانه، وقد أسقط في يده، وفقد الحيلة، وآل إلى أجله المحتوم.

مشكلة اللاصق المبتكر، أنه يعمل بلا رأفة، فقد تكون النتيجة التصاق أحد الأطفال الرضع أو التصاق ربة الأسرة نفسها، بحكم كثرة حركتها. ولذلك، فإنني أقدر عالياً هذا الاكتشاف، لكنني أرى فيه وسيلة فردية للمقاومة، لا يمكن أن تكون آمنة ومجدية، بنفس الكفاءة التي توفرها الوسيلة القديمة: التعاون والتكافل الأسري ضد كل الغرباء.

22 آب 1995

بنطلون الوزير!

"إلى كل الأصدقاء الذين رويت

لهم هذه الواقعة، وطالبوني بكتابتها.

دأب رئيس الهيئة الإدارية وأعضاؤها، على القيام بزيادة للوزير، بغرض التعارف وعرض المطالب والمجاملة، وذلك في أقرب وقت ممكن، إثر فوزهم في الانتخابات التي كانت تجري مرة كل عام.

وفي أحد الأعوام الخوالي، فزت عضواً في الهيئة الإدارية، وتقرر أن يذهب الرئيس والأعضاء لمقابلة الوزير التقليدية، في الساعة التاسعة والنصف من صباح اليوم الذي تم فيه الاتفاق على الموعد.

ولسبب ما، وصلت إلى مبنى الوزارة متأخراً خمس دقائق، فدخلت وصافحت الوزير ومستشاره ورئيس الهيئة الإدارية وأعضاءها الزملاء، وجلست في المقعد القريب من الباب.

كان المستشار جالساً خلف مكتب الوزير، والوزير جالساً على كرسي مشابه لكراسينا، ومجاور لطاولة المكتب، ويتحدث عن رواية رائجة في الولايات المتحدة الأميركية، ويسرد ملخصاً لها، لأنه قرأها وأعجب بها، أو لأنه قرأ ملخصاً لها فأعجب به أيضاً، قاصداً من ذلك، الإشارة لنا إلى أن الأدب الجيد يثير اهتمام القراء، مما يجعل الكتاب رائجاً، والكاتب ثرياً، على غير ما يحدث في بلادنا من قلة رواج الكتاب، وقلة ثراء الكاتب!

كانت أجواء اللقاء جدية أكثر من المألوف، ومكهربة لسبب من الأسباب. لكن الوزير بقي ملازماً لمقعده، وممعناً في الاستحواذ على الحديث كله، باستثناء جمل قصيرة ما كان يمكن أن تنتهي المقابلة دون أن يقولها الرئيس. وقد استغربت من انضباطيتي الفائقة في ذلك الصباح، إذ ليس من المعتاد بالنسبة لي، أن لا أنفجر في الضحك، عندما أجد نفسي محشوراً في وضع رسمي كهذا، أو في مأتم لفقيد تأخر أجله أكثر مما ينبغي، أو أكثر مما هو متوقع، حيث تقرأ في وجوه المعزين حزناً كاذباً، لا يلبث أن يتلاشى بمجرد أن تشم أنوفهم الهواء الطلق خارج بيت العزاء.

في هذا الجو العبوس، فتح الباب المقفل علينا، وأطل منه رجل متوسط العمر، نحيف القوام، يحمل في يده علاقة ملابس فوقها بذلة مغطاة بالنايلون الشفاف. ظننت لأول وهلة، أن الرجل فتح الباب بالخطأ، أو أنه دخل إلى مبنى الوزارة بالخطأ، غير أنني أدركت أنه ما جاء إلا لأمر في نفسه، حين لمحته يشخص ببصره نحو المستشار، الذي بدوره أشار له بيده أن يذهب. بالفعل ذهب الرجل والعلاقة والبذلة، وأقفل الباب خلفه، واستمر الوزير في الحديث عن الرواية الأميركية، دون أن يطرأ أي تعكير لصفو الجلسة، أو تثور أية أسئلة في الأذهان.

وعندما تمكن الرئيس من الفوز بفرصة لشرح المطالب الرئيسية التي يحملها، ورد عليه الوزير بأنه سينفذ الممكن منها، نهضنا جميعاً، وشرعنا بمصافحة الوزير والمستشار مودعين. إلا أنني لاحظت أن الوزير لم يبرح مكانه، فبقي واقفاً أمام الكرسي، ولم يتحرك خطوة واحدة نحو الباب على سبيل المجاملات المعروفة.

كنت آخر المصافحين، فبقي الوزير ممسكاً بيدي، وقال لي إنه يريد أن يراني على انفراد، ودعاني للبقاء في مكتبه، فتجاوبت مع رغبته، وأنا في حيرة مما يريده مني رجل، ليس بيني وبينه إلا كل خير.

وما أن جلست، حتى شرع الوزير يخلع ملابسه، (يا للهول!)، فتخلص من الجاكيت وألقاه على أحد المقاعد، ثم شرع ينزل حمالات البنطلون (يا للفاجعة!)، وهو يقول لي:

- أريد منك أن تقوم بعمل يبهر الناس!

شعرت بسخونة في رأسي، وقلت وأنا أجاهد في لملمة ظنوني:

- وما هو هذا العمل؟

فك أزرار البنطلون (طاب الموت!) وقال:

- مسرحية.

وأضاف وهو يلهث ويقوم بإخراج رجله اليسرى من البنطلون:

- مسرحية كوميدية.

كان يرتدي لباساً داخلياً ذا ساقين ضيقين ممتدين إلى تخوم ركبتيه، وكانت تبدو على وجه معاليه، علامات مكابدته الكبرى في إخراج رجله من البنطلون، إذ تأرجح في الهواء، ثم اتكأ على طرف الطاولة كي يحمي نفسه من السقوط مكعبلاً على الأرض. ومما زاد في مكابدته، أنه لم يخلع حذاءه ذا الرباط العابر في ثمانية ثقوب متقابلة، لكنه بدا مغتبطاً حين نزع نصف البنطلون رغم العوائق التي تعترضه.

واستنشق هواء ملأ رئتيه، وقال:

- مسرحية كوميدية تجعل المشاهدين يموتون في مقاعدهم من شدة الضحك!

استغربت طلباً كهذا، لأن الكاتب لا يعمل بالضغط على أزرار معينة في رأسه، فنظرت إلى المستشار، ووجدته منشرحاً، مما جعلني أشعر بغيظ منه، وأتهمه في سري، بأن قلبه لا يعرف الرأفة، ومع ذلك قلت:

- حاضر يا معالي الوزير.

قال الوزير، وقد شرع في الشق الثاني من المكابدة:

- وأول الذين أريدهم أن يفقعوا من الضحك، هو دولة الرئيس

هززت رأسي مؤيداً هذا الهدف السامي وقلت:

- حاضر يا معالي الوزير.

رفع الوزير رجله في الهواء، وشد البنطلون، مما أخل بتوازنه، فقفز عدة خطوات على الرجل العارية، جعلته يبدو مثل بطة تهم بالعوم في الماء.

غالبت الذعر الذي تملكني، وقلت:

- لكنني يا معالي الوزير لا توجد لدي أية فكرة لمسرحية من هذا النوع

كان في تلك اللحظة بالضبط، قد حالفه التوفيق في نزع بقية البنطلون عن رجله اليمنى، فصارت هيئته العامة قريبة الشبه بالبجعة، من حيث انتفاخ الجزء العلوي من جسمه المغطى بالقميص، ومن حيث اعتماد هذا كله على ساقين رفيعتين، الأمر الذي يجعل المرء يشعر بالدهشة لعبقرية الإنسان الذي يستطيع أن يقف على اثنتين فقط، دون أن يصاب بحالة هبوط اضطراري

قال وهو يبتسم، ولا تظهر عليه أية علامة من العلامات التي ترافق الأفعال الناشزة:

- أريد أن تكون الأحداث في مقهى شعبي. فالباشا لا يعرف هذا الجو. وبإمكانك أن تجعل عامل المقهى يضع الصينية المملوءة بطلبات الشاي والسحلب على أطراف أصابعه.. هكذا..

وقام بتأدية الدور الذي يتخيله، محاولاً تبسيط المشهد لي، لكنه لم يلاحظ، أن قميصه أثناء ذلك، امتلأ بالهواء، وصار كالشادر أو المنطاد. إلا أنني كنت في حالة إحباط واكتئاب نفسي، لم تجعلني أفكر من قريب أو بعيد بالضحك واكتفيت بالقول:

- حاضر يا معالي الوزير.

دخل الرجل الذي ظهر أثناء المقابلة، ومعه العلاقة والبذلة، وتقدم بما يحمل، ووضعها قرب معالي الوزير. وعندئذ فهمت أسرار ما يجري، فقلت وأنا أتنفس بارتياح، وأمسح آثار العرق الذي تصبب من مسامات وجهي:

- سأكتب نصاً وأعرضه على معاليك.

قلت هذا بغرض الحصول على فرصة لرؤية الشارع، وودعته وهو يكابد في إدخال رجليه في البنطلون. ووصل المستشار معي إلى الباب، وهمس لي قائلاً:

- عندما دعا معاليه الأخوان للدخول، انفجر بنطلونه، فبقي ملازماً لمقعده، إلى أن أحضر السائق البذلة من بيته

وأضاف مبتسماً:

- ولكن، ألا ترى معي أن ما حدث اليوم سيفيدك في كتابة المسرحية؟

عمان- 27/7/1996

إنها الخمسون!

هكذا استهل الكاتب المشاغب مقالته: "إنها الأربعون"، بمناسبة حلوله بالعقد الخامس من عمره المديد بإذن الواحد القهار، وذكر أنه دار مع الأرض حول الشمس أربعين مرة، ثم صعقني بعدد المرات التي دارها مع الأرض وهي تلف حول نفسها، وغبطته على مهارته في الرياضيات وعلى معلوماته الواسعة، التي تدل بلا ريب على أنه يتميز عن أبناء جيله، وعن كثيرين ممن سبقوه، بأنه يحفظ جدول الضرب، حين قال أنه داخ وهو يدور مع الأرض (14590) مرة، وأنه أفنى زهرة شبابه في دوران ليس له معنى، فلم يكبر، وبقي طفلاً يلعب "طاق طاق طاقية"!

إنها أربعون المشاغب الأول "يوسف غيشان" التي أثار بها شجوني، ونكأ جروحي التي تكررت خمس مرات، وهي جروح عميقة، مثل جروح المحبين والعشاق، التي قال فيها أستاذ الجيل عمر العبد اللات إنها جروح لا تندمل ولا تشفى، بل تقتل صاحبها، وميز- أمد الله في عمره وأعطاه الصحة- بينها بين جروح السيوف، التي مهما كانت بليغة، فإنها سرعان ما تلتئم وتزول.

ففي نهاية عقدي الأول جلست في الشارع مكتئباً، ووضعت يدي على خدي قبل أن أرى صورة أحمد شوقي الشهيرة، وتخيلت كم سأكون كبيراً حين أدخل عامي الحادي عشر، وتخيلت "ثقالة دم" المسؤوليات القادمة، مثل تقليص ساعات اللعب في الحارة والترفيع إلى الصف الأعلى بدون إكمال حساب، والذهاب مع الوالد لمعايدة الأقرباء والمعارف، والنظر إلى الأشياء الجميلة في منازلهم دون أن أكسر شيئاً واحداً منها، أو حتى التمعن بها! كما كان يتعين علي في العقد الثاني، أن أرتفع إلى مستوى التحديات أكثر من ذلك، مثل الشروع في مهمات جليلة كمراقبة نمو الشعر في المواقع المعروفة في الوجه، بانتظار وضع الرغوة الكثيفة عليه، وحلاقته بشفرة عتيدة ذات حدين، وتحسين أحوال الشارب، إن نما لدي اتجاه تربيته تحت أنفي! أما ما كان بحاجة لجرعات وفيرة من الصمود والتصدي، فهو الكف عن البكاء، والسيطرة على الغدد الدمعية، مع أنني لا أذكر أنني بكيت، إلا أن الرواة والشهود الذين انقرض عدد منهم، أكدوا لي أنني كنت أبكي، وأن غددي المشار إليها "شغالة"، لكنه بكاء بعيد عن أضواء العائلة وعيون الشامتين! وإذا لم تصدق الروايات، تكون قوة خفية ما، قد أجلت ذلك إلى عقدي الحالي، كي أبكي "على راحتي" على أحوالنا المثيرة لكل النزعات الدرامية في النفس البشرية!

وفي نهاية عقدي الثاني، جلست على بوابة العشرين أكثر كآبة من أي يوم مضى، وبدأت اشعر بأنني مقبل على حرب ضروس، سوف تشهدها السنوات العشر المقبلة، كالدراسة الجامعية، ودخول معترك العمل، وربما معترك الزواج ومبارزة "البامبرز" اليومية، مما رغبني في البحث عن وسيلة توصلني إلى طفولتي البائدة، أيام كنت أرفع رأسي بإباء وشمم، وأضع يديَّ المضمومتي الأصابع إلى جانبي، وأنشد أمام المعلم: "يا مدارس يا مدارس، يا ما أكلنا ملبس خالص"، واستهوتني فكرة الوقوف الرشيق أمام معلمة الصف الأول الابتدائي، وأنا أحرك اليمنى في الهواء وأنشد على مسمع الصف كله: "هيك بطيروا العصافير"، وأضيف بغرض التلوين وأنا أمرر يدي على مقربة من خاصرة المعلمة: "هيك بسبحوا الأسماك"!

وعندما وصلت إلى نهاية عقدي الثالث، شرعت في استعراض الأعمار التي توفى عنها كثيرون جداً ممن أعرفهم، سواء عن طريق صلة القربى، أو عن طريق الجيرة، فلاحظت أنهم ماتوا دون الستين، الأمر الذي يعني بالضرورة، أنني بلغت نصف عمري أو أكثر من النصف بقليل. ولا أظن أن أحداً في الدنيا، لا يوسف غيشان ولا غيره، يتعامل مع ظاهرة الشيب مثلما تعاملت معها، إذ كنت أعتقد في ذلك الوقت أن كل شيبة تعادل خشبة في النعش، ثم أجريت تعديلاً على هذا، أملته طبيعة تكاثر الشيب لاحقاً، فصارت كل شيبة تعادل مسماراً في النعش.. وعندما تبين لي خطأ اعتقادي الأول والثاني معاً، بسبب كثرة المسامير الفائضة عن الحاجة، صرت أقول لنفسي أن اكتمال بياض شعر رأس المرء يتزامن بالضرورة مع حتفه!

وعندما ودعت عقد الثلاثينات، ومررت بمثل هذا اليوم الذي مررت به يا يوسف يا عيوني، لم أقل "تيتي تيتي كع كع" ولم أر في الأربعين سرداباً، لأن زميلاً محترماً، غيرك طبعاً، علمني أن أبتهج، معللاً ذلك، بأنني بلغت هذا العمر وأنا ما أزال أحيا! وأردف قائلاً: لكن المهم أن تعرف كيف تحيا!

بعد هذا الدرس الذي علمني إياه صديق مقاتل في التعليم، وما يزال يفرح كلما أمضى عاماً إضافياً في الحياة، تعرفت على (شطة جريس أبو الزلف)، أشربها حمراء مثل سعير جهنم، إلى أن كف جريس عن بيع الشطة، فأرغمني على الامتناع عن التلذذ بنارها.

هل أكتفي بهذا القدر أيها الفتى الصغير، الذي ما يزال يتأمل غسيل الجيران؟ هل أتوسط لك بعمل دائم له تأمين صحي، كي يصير لك رصيد، وكي تزول عنك الغموم والديون والهموم؟

هل تريد مزيداً من "الفضائح"، وأن أكف عن الكلام المباح، وأشرح لك عن لهفتي التالية، في العقد اللاحق، لشطة أبو الزلف؟ وبالمناسبة، ما هي أخبار جريس؟ لماذا لا تدله على هاتفي كي يتصل بي؟

لمزيد من التفاصيل حول وداعي للأربعينات، وحول مقالتي التالية التي سأجعل عنوانها "إنها الخمسون"، سوف أجري معك اتصالاً هاتفياً اليوم!

27 كانون الثاني 1996

أسرار رقمي الوطني!

لا أعرف لماذا "نقز" قلبي من حكاية "الرقم الوطني" الذي ستعمل به دائرة الجوازات العامة والأحوال المدنية، ولا أعرف لماذا ألهبت الفكرة خيالي، وجعلتني "أهلوس" بالرقم المتوقع لشخصي، الذي سيعطي الجهات المعنية بداية الخيط لكل تفاصيل حياتي، ولا أعرف لماذا نمت قرير العين، بعد أرق طويل، ولماذا رأيت أحلاماً زاهية، بعد ليلة مضنية من القيام والقعود والذهاب والإياب إلى الثلاجة في ساعات ليست مخصصة للمشي أو الأكل أو الصحو.

وكان أول ما خطر ببالي، أن منافسة شديدة ستنشأ بين المواطنين للحصول على "أرقام صغيرة"، وهذه المنافسة ستؤدي إلى ازدحام ملحوظ هذا الصيف على أبواب الجوازات والأحوال المدنية، وستكون النتيجة أن أصحاب الأرقام الوطنية الصغيرة هم أنفسهم أصحاب الأرقام الصغيرة المدونة على لوحات سياراتهم، ولذلك، فان رقمي سيكون بالثلاثمائة ألف وطالع! ولذلك أيضاً فإنني لا أعتزم التدافع مع المتدافعين، وسأنتظر حظي العاثر كي يأتي إلي، حتى لو كان حاملاً رقماً وطنياً لا يقبل القسمة على غير نفسه!

ومن الطبيعي، وهذا ما خطر ببالي ثانياً، أن تقوم الجهة المختصة بتطوير مشروع "الرقم الوطني" الريادي في المنطقة، بحيث يؤدي خدمات جلى للموظفين العموميين، بمجرد ضغطة زر، أو ضغطة صغيرة على عدد من الكبسات التي ينبثق عنها الرقم الوطني للمواطن، فالموظف العمومي يحتاج بالتأكيد لمعرفة عمر المراجع ومكان ميلاده واسم السيدة والدته وأسماء السادة أفراد أسرته، ونوع وثيقة إثبات الشخصية التي في حوزته، ونوع وثيقة إثبات الشخصية التي ليست في حوزته، وينبغي الحصول عليها، إلى غير ذلك من المعلومات المفيدة والمريحة للمواطن والموظف سواء بسواء.. ولعل هذا الذي خطر ببالي، لا يزيد عما هو مطلوب من مشروع الرقم الوطني، وربما كان أقل من الحقيقة. ومن هنا جاءت الإضافات المنوعة، وتواردت الاقتراحات الكثيرة، التي تحمست لها، وتمنيت لو ألتقي بالرجل الذي سيكون شغله الشاغل ضغط الأزرار واستخراج أرقام عباد الله الوطنية، كي أبثه إضافاتي واقتراحاتي ليقوم بدوره بإلقامها للكمبيوتر، وإن كنت أعتقد أنه سيقول لي، بعد الشرح المستفيض: وما الجديد في هذا؟

كنت أحب أن أقول للرجل المسؤول عن الضغط على أزرار الأرقام الوطنية، إنه من المناسب أن تسجلوا عندكم على "الدسك" تاريخ ميلادي بالدقيقة والساعة واليوم والشهر والسنة، وأن تقيسوا طول قامتي بواسطة متر محطوط دائماً حول رقبة أحد المساعدين، كي تدونوا كل ميليمتر وكل سنتيمتر يتألف منه طولي، ولابأس من تسجيل بعض الملاحظات، في الخانة المخصصة لهذا الغرض، فقد أكون غزير الشعر وقد أكون نزير الشعر، وقد أكون ذا رأس أصلع، وقد أكون ذا رأس مكسو بالشعر، وقد أكون عريضاً، وقد أكون دقيقاً، وقد أكون ذا عينين ذابلتين، وقد أكون ذا عينين مبحلقتين، وقد أكون من عشاق مايكل جاكسون، وقد أكون من عشاق فيصل حلمي، وقد أكون من أنصار المسلسل العربي، وقد أكون من أنصار القناة الثانية، وقد أكون محباً للقراءة ومتابعة الفكر الجاد، وقد أكون لاعب بلياردو لا يشق له غبار، وقد أكون ثرياً من أصحاب البيوت الوارفة، وقد أكون ممن يعملون كل أيام السنة، من أجل الحصول على بدل الإجازة السنوية كي أسد ثقباً فاغراً.

لم لا نضع كل هذا الكم من المعلومات في جوف الحاسوب؟ ولم لا نذكر أيضاً كم سناً تساقط من فم المواطن، وكم سناً بقي منها، وإذا كانت الأسنان المتبقية غير كافية لمضغ الطعام وفصفصة البذور، فان من حق المواطن المكفول بموجب قانون الضمان الاجتماعي، أن يحصل بالمجان على طقم أسنان؟ فمن غير المناسب لهيبة مشروع الرقم الوطني أن يأخذ كل شيء يريده، ولا يعطي للمرقومين شيئاً مما يريدون! ولم لا نطور من عمل الحاسوب، بحيث يكون قادراً على تأدية مهمات الثواب والعقاب، ومهمات تعديل "المايل" في حياة أصحاب الأرقام الوطنية؟ لم لا نخترع وسيلة لضرب المواطن على أم رأسه بهراوة تخرج أوتوماتيكياً من الجهاز، إذا نهر ابنه أو حذر زوجته من مغبة نسيان صينية الكفتة في الفرن؟ ولم لا يقوم الجهاز بفض المشاجرات وتوزيع الوظائف وإنشاء المصانع واعالة الأسر المستورة ومنح الجوائز السنوية لكل مواطن (ذي رقم طبعاً) لا يدوس على نملة، ولا يقول أف لموظف عمومي، ولا يرفع عينه في عين مسؤول، ويقول في سره وعلنه، وفي فقره وغناه: الحمد لله؟

إن إمكانات تطوير مشروع الرقم الوطني متاحة، إذا عقدت الجهات المتخصصة العزم على توسيع قاعدة المعلومات، وأضافت إليها فصيلة الدم ولون البشرة والميول العاطفية والأغنية المفضلة، وعدد دقات القلب في الدقيقة الواحدة، وشيئاً عن ذلك الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس!

"الحصاد"- العدد الخامس 1986

قلب الدنيا!

في تلك السنة التي ذهبت فيها من الزرقاء إلى القدس، كنت قد أنهيت الصف الثاني الثانوي، وعقدت العزم على دراسة السنة الأخيرة في الكلية الإبراهيمية.. "طقت" الفكرة في بالي، بعد أن نجح أحد أولاد صفي (هو الآن أصلع تماماً) في إقناع أمه أولاً وأبيه ثانياً بوسائل منطقية ووسائل عاطفية ووسائل شيطانية.. وعندما أردت أن أقنع أمي، حاولت أن تثنيني عن التفكير المبكر في الغربة (المسافة بين عمان والقدس 90 كم)، وعندما خاطبتها بعبارة: أمي الحنونة"، نطت دمعتان من عينيها، ثم أعلنت من غير مواربة، أنها ستقوم بمحاصرة أبي بالحجج والبراهين، وأنها ستقنعه بأن "الولد" إذا لم يدرس في القدس، قد يفعل بنفسه شيئاً، في محاولة منها للإيحاء له بأنني مزمع على انتحار وشيك، إما بقطع شرايين يدي، أو ازدراد علبة دواء تتضمن أقراصاً لا حصر لها!

واستغرق إقناع الوالد، أطال الله بعمره، أسبوعاً، وبعد ذلك أعلنت الوالدة أنها ستسافر معي للاطمئنان على استقرار أحوالي، ثم تعود أدراجها. وكانت رحلة نادرة الحدوث، فقد تبرعت جدتي رحمة الله عليها بسريرها الخاص، (أغلب الظن أنه من مخلفات الجيش البريطاني)، وحملنا فرشة ومخدتين وبابور كاز وقارورة زيت وطنجرة محشي باذنجان بصلصة البندورة وشبشباً ومكنسة قش ومضخة صغيرة لرش مبيد حشري وراديو ترانزستور وثلاث بطانيات وشرشفاً وليفة حمام وصابونة "النعامة" وبعض الأدوات والقرطاسيات المنوعة. وضعنا العفش المذكور في مؤخرة سيارة أجرة أولدزموبيل من طراز 1946، وسافرنا من الزرقاء إلى عمان (25 كم)، ثم تحولنا إلى سفريات البتراء، ونقلنا العفش إلى سيارة ثانية (دودج من طراز 1949)، وعلى مقربة من دير قرنطل، اختل توازن السيارة، وابتعدت عن الإسفلت، وراحت تتخبط في الأرض الترابية دون أن تنقلب. تلت أمي صلوات طويلة، ثم هبطنا إلى الخارج، في محاولة منا للتأكد من أننا ما نزال على ذمة الدنيا، وتبين لنا أن السرير الذي كان قابعاً فوق قفص السيارة قد تناثر في الحقول، وتبين لنا أيضاً أن العجل الأيسر الخلفي للسيارة قد انكسر، وتدحرج مثل صحن طائر في أجواء الفضاء. وبمعونة السائق انتقلنا إلى سيارة أخرى، بعد أن لملمنا أشلاء السرير، ونقلنا العفش إلى مؤخرة السيارة الثانية.. كنا نتصبب عرقاً، وفي حالة توتر عصبي قل نظيرها.. لكن رؤية القدس- قلب الدنيا- وهي تتباهى بزينتها وتاريخها وحضارتها، أدخل إلى النفوس سكينة لا يدانيها شيء إلا الخشوع والتبتل!

وبعد مرور عام من الجد والرعونة فوق أرصفة القدس العتيقة وبواباتها المضمخة بالمجد، أتقنت الطبخ مثل أولاد الحركة الكشفية، وتعرفت على بائع الصحف "كركر"، الذي كان يهتف معلناً عن جرائده:

- كركر يتكلم وأشكول يتألم!

وتعرفت على "ليندون جونسون"، وهو رجل مختل، لكنه يتصرف في مشيته مثل الرؤساء الأميركيين. ودخلت إلى المسجد الأقصى وكنيسة القيامة ومسجد عمر، واختلطت روحي ببوابة مندلبوم وحارة النصارى وخان الزيت والسور القديم وبستان الزيتون وجبل المكبر.

ترى، هل يمكن للمرء أن يسلخ ذكريات قلب الدنيا من عقله أو من وجدانه، مهما امتدت به فسحة العمر؟

27 كانون الثاني 1991

ممنوع ركوب الدراجات!

رحم الله مدير مدرستي الإعدادية الأستاذ قاسم الخصاونة، الذي كان يفرض إرادته على طلاب مدينة المفرق، ولا أقول طلاب مدرسة المفرق، لأنه كان يريد منا أن نلتزم بأوامره ونواهيه، حتى ونحن في الشارع أو في البيت أو في النوم أو في الصحو، وكان ينجح في كل ما يريد، ونمتثل نحن لكل شيء، داخل المدرسة التي لم يكن لها سور، وخارجها، حتى صارت صورة المرحوم جزءاً ملازماً لخيالنا وسلوكنا!

ذات يوم، أصدر قراراً بمنع الطلاب من ركوب الدراجات الهوائية (البسكاليتات)، لأي سبب ولأي غرض، ومهما كانت الحالة طارئة أو ملحة، وعمم القرار علينا، أثناء الاصطفاف الصباحي، وأكد قبل إعلان القرار حرصه على سلامتنا، وضرورة تفادي مخاطر السيارات، التي بدأت تتكاثر نسبياً في المفرق، يقودها أشخاص حديثو العهد بالقيادة، وتنقصهم الخبرة الكافية لتجنب دهس المشاة أو فعص الأولاد الذين قد يداهمون السيارات بدراجاتهم.

وأعترف، أنني لم أكن مولعاً بركوب الدراجات، ولم تكن عندي دراجة، لكنني كنت "أستعير" دراجة أحد الأصدقاء، وأفرح أثناء قيادتها لمواجهة الهواء وسرعة المرور بين الناس وأمام الأشياء، وأمضي- أول ما أمضي- إلى محطة سكة الحديد في الجهة الغربية من المدينة، وأتفرج على مبنى المحطة الذي كان يجلس فيه رجل شركسي اسمه "عزت"، وظيفته إغلاق الطريق في وجه السيارات، تمهيداً لمرور القطار، الذي لا نراه إلا بعد سماع صافرته، ثم سماع جفجفته.

واعترف أيضاً، أنني أصبحت بحاجة ماسة لركوب دراجة، بعد الأمر الإداري الذي أعلنه المرحوم، وقررت استعارة الدراجة إياها، في عصر ذلك اليوم، كنوع من مواجهة القهر والأمر والنهي!

وركبت الدراجة، وهي بالمناسبة ذات عجلات كبيرة، وكنا نسميها (بالون)، وهذا معناه، أنني كولد، كنت أركب دراجة تصلح لوالدي، فكان حالي مثل حال من يلبس ملابس أبيه!

سرت بالدراجة، وعين الله ترعاني وترعاها، وقمت بتحريك البدالات بسرعة قصوى، حتى صرت في حالة طيران فوق الإسفلت.

في هذه الأثناء، رأيت ما لا يمكن أن أراه في الخيال. لقد أصبحت أمضي نحو الهيئة التدريسية بكاملها، وبينهم واسطة العقد المدير المرحوم قاسم الخصاونة!

ففي أواخر الخمسينات، وأوائل الستينات، كان الناس في مدينة صحراوية كالمفرق، يجدون في المشي عند اعتدال الطقس قبل الغروب، وسيلة من وسائل تزجية الوقت وقتل الفراغ، إضافة إلى القراءة وارتياد دار السينما!

وما رأيته، كان سلوكاً عادياً جداً، فالمعلمون والمدير، تربط بينهم زمالة وصداقة، وقواسم مشتركة، من بينها المشي وتبادل الكتب والزيارات وما شابه ذلك.

وما رأيته أيضاً، ليس موضوعاً لحسد أحد، فقد كان بالنسبة لي مأزقاً لا يسر غير الأعداء، ولم أكن في وضع يسمح لي بالانعطاف المفاجيء في شارع إلى اليمين أو إلى اليسار، كما لم أكن في وضع يسمح لي بالتوقف دون أن أدهس المدير أو أحد أفراد الكوكبة التدريسية، وأصبحت أمام خيارين، أحلاهما شديد المرارة‍‍‍!

وقررت فجأة، أن أنعطف يميناً، وانعطفت بالفعل، فتصادف وجود رمل وحصمة لبناية قيد الإنشاء، مما أدى إلى انزلاق الدراجة، وانفلاتها مني، وانفلاتي منها، حتى صار كل منا على رصيف

تهشمت الدراجة، وتهشمت أنا، وعندما كنت أنفض الغبار عن ملابسي، وأتفقد الأجزاء المرضوضة والمواقع المقشوطة من جسدي، كان المدير والمعلمون يساعدونني في ذلك، ويؤكدون لي أن جريمة ركوب الدراجة التي اقترفتها قد ترتب عليها العقاب المناسب، دون أن تتدخل إدارة المدرسة.

3 شباط 1995

موت الحجاج!

فتح الحجاج بن يوسف الثقفي الباب الإيسر الخلفي لسيارة السرفيس، وما كادت إحدى رجليه تلامس الأرض، حتى صاح به السائق قائلاً:

-متى نفهم ان هذا الباب ليس مخصصاً للاستعمال!

فلملم الحجاج رجليه وأطراف قمبازه وعباءته، وعاد إلى مقعده من جديد، وزحف نحو الباب الآخر.

وحينما اختلط بالكتل البشرية المتزاحمة على الرصيف، رأى على الطريق الأسود من العربات ذوات الأربع، ما أدهشه وأثار في نفسه الرغبة الجامحة، لاقتناء واحدة منها، إلا أنه عدل عن رغبته حينما تذكر أنها آلة حرون، من الصعب ، بل من المستحيل عليه ترويضها وقيادتها!

واصطدم بأكثر من متسول، يطلب منه ما تيسر ، فكان يعتذر له بحماسة لا نظير لها، ويحثه على العمل لكسب قوته، وكان يقترح عليهم ان يبيعوا علكة بالنعناع ، أو أن يبيعوا أوراقاً لليانصيب الخيري.

وظل الحجاج بن يوسف الثقفي يمشي فوق الرصيف، وهو يشعر بالذعر من العمارات العالية، ويعتقد أن واحدة منها على الأقل، قد تنقلب عليه وتسحقه، وزادت من ذعره فرامل السيارات وأبواقها ، وزعيقها ، وخيل إليه أن إحدى هذه السيارات قد تتجه نحوه وتضغطه على أحد الجدران، حتى يتحول إلى مساحة رقيقة تشبه جلد الربابة أو تشبه رقاقة الخبز المشروح!

وعندما رأى الناس يعبرون الطريق الأسود إلى الرصيف الآخر، من مكان محدد معلوم، قبض بيده على أطراف قمبازه وعباءته، ووضع يده الأخرى على حطته وعقاله، وركض بخفة إلى الجهة الأخرى ، حيث وجد طابوراً طويلاً جداً، فوقف في نهايته، وهو يتلفت حوله خوفاً من خطر مجهول يتهدده.

لم يكن الحجاج يعرف بالضبط ، إلى أين يؤدي هذا الطابور، ومع ذلك فقد ظل يمشي خطوة خطوة ، والناس يصطفون من ورائه، وكان يبلع ريقه كلما تذكر الخبز الطازج الذي سيشتريه، فيما إذا كانت نهاية الطابور تؤدي إلى فرن.

وكاد الحجاج يصاب بنوبة إغماء ، عندما وجد نفسه يدخل في حافلة لمؤسسة النقل العام، وان الطابور لم يكن أمام أحد الأفران!

ورغم ذلك ، فقد تمالك نفسه، وظل راكباً الحافلة ، مؤكداً أن رباطة الجأش في مثل هذه المواقف لا غنى عنها، وان الصبر مفتاح الفرج. واكتفى بان بصق من بين أسنانه.

وفي المحطة الأخيرة، نزل الحجاج من الحافلة، وما كاد يسير قليلاً، حتى وجد لافتة تشير إلى وجود مسرحية يجري عرضها ، فثار في نفسه فضول طاغ لمشاهدتها، خاصة أن اسمها "عالم وطاغية"، والحجاج يسمع أن بعض المؤرخين وصفوه بأنه طاغية!

وما ان شاهد المشهد الأول، حتى وضع طرف قمبازه بين أسنانه وولى هاربا ساخطا، وظل يركض، ويركض ، حتى وصل إلى المقبرة، فتمدد هناك في نومة أخيرة!

7 آيار 1980

قلم الوالد!

حييت- في سري طبعا- محمد عبد القدوس، عندما قرأت نبأ قيامه بتقديم مذكرة إلى النائب العام في القاهرة، طالباً التحقيق في سرقة قلم والده المرحوم أحسان عبد القدوس، وأشياء أخرى كانت موجودة في سيارته أثناء قيام مجهول بكسر زجاجها والسطو على محتوياتها!

حييت الرجل، وحييت النائب العام أيضاً، لأنه أبدى حماسا، ووعد بالإشراف شخصياً على التحقيق، لأنه كان من أشد المعجبين بالكاتب الراحل!

حييت محمد عبد القدوس ، وأنا أرى فيه أمنية، أرجو أن تتحقق في ابنائنا، الذين لا يعرفون على وجه الدقة ماذا نفعل ، ولا يعرفون حتى الآن على الأقل، قسوة كفاحنا وشراسة واقعنا ، وربما لا يعرفون ذلك في المستقبل ، لأنهم مهما تخيلوا أو راجعوا أوراقنا ومؤلفاتنا وكتاباتنا، فلن يعرفوا عنا الكثير مما نعرف عن عبد الله بن المقفع، وربما بديع الزمان الهمذاني ! وإذا ضاع منهم قلم أحدنا، فقد لا يعثرون على متسع من الوقت كي يقدموا مذكرة للنائب العام، بغية البحث عنه واستعادته!

سيأتي يوم قريب أو بعيد ، لا يبقى منا فيه سوى بضعة براويز معلقة على الجدران، وذكريات مندثرة في غياهب الردى، وملفات تحوي أوراقاً ورسائل وقصاصات جرائد ومجلات، وبضعة كتب، ومكتبة طويلة عريضة، ومخطوطات لم يعرف بأمرها أحد، لأن موعدها مع الضياء لم يحن بعد!

في هذا اليوم، سوف ينظر الورثة إلى هذ1الركام من الورق، وقد يبادرون إلى التبرع به إلى مكتبة عامة، لأن المنزل سيبدو أجمل إذا وضعت فيه نباتات زينة خضراء فارعة! وقد يتركون كل شيء على حاله، إلى أن يفرغ "السياح" من مشاهدة آثار المرحوم، ثم تبدأ إجراءات التنظيف! لكن ذلك لن يدوم طويلاً، فالملفات سوف ترفع على السدة، بذريعة أن الذي كان " يستعملها " قد رحل ، ولن يعود إلى استعمالها ثانية! وعندما يطول بها العهد فوق السدة، وفي أول جولة تنظيفات ، سوف تكتشف أرملة الفقيد، ان ثمة رائحة كريهة ينبغي التخلص منها.. وان هذه الرائحة تنبعث من ملفات المرحوم!

هل سيعتني أبناؤنا بمخلفات آبائهم؟ أم أنهم سينظرون إليها كتركة مزعجة؟ وهل سيعتزون بأي أثر نتركه لهم، أم أنهم لن يجدوا فرقاً بين قلم الوالد وأي قلم من المكتبة؟

29 تشرين الأول 1995

صورتي على الشاشة!

شاهدت على شاشة التلفزيون، جموعا من البشر تمشي في الاتجاهين ، ذهابا وإيابا، أو بالأصح ، إقبالاً وإدباراً، لأن المقبلين كانت بينهم وبين الحظ السعيد شعرة، والمدبرين كانوا لا يعرفون درب السعادة، فمشوا أمام الكاميرا التلفزيونية، مكتفين بعرض فروات رؤوسهم واقفيتهم واردافهم وأعجازهم علواً وهبوطاً ، غير عارفين، وغير مكترثين بالالتفات إلى الوراء، إذ ربما اصطادت عين الكاميرا وجه أحدهم، فحالفه الفوز العظيم!

ويبدو ان الحظ لا يبتسم للمدبرين، بدليل ان الكاميرا اقتنصت وجه أحد المقبلين، وتجمدت صورته على الشاشة ، ثم وضعت دائرة بيضاء حوله، وقامت المذيعة الكريمة بتوجيه نداء لهذا المواطن، الذي لم يفعل أي شيء ، سوى أنه مشى في شارع فيصل أو شارع المهاجرين أو سقف السيل ، ليحضر إلى مبنى التلفزيون كي يأخذ جائزته!

وقد فاتني ان أتعرف على مقدار الجائزة، وهي على الأغلب جائزة مالية، وليست شقة أو فرقاطة أو شلية غنم، ولابد أنها جائزة تستحق تحمل وعثاء القدوم إلى أم الحيران، ولابد أن قيمتها تكفي لسد نفقات التنقل من البيت إلى التلفزيون، وتغطية قيمة الوقت المهدور والجهد الضائع. بل إنني على يقين من أن قيمة هذه الجائزة سوف تتناسب طردياً مع حجم الحسد الذي دب في نفس الجيران والأقرباء والأنسباء والمعارف، الذين شاهدوا صورة الفائز ثابتة على الشاشة في إطار دائري، وغبطوه على النعيم الذي حل به، أو الهبة التلفزيونية التي حلت عليه!

وقد خطر لي ان اكف عن أي عمل أقوم به، وان احصل على إجازة عارضة من عملي، وأتوجه منذ الساعة السابعة صباحاً إلى الشوارع المذكورة، وهي كما هو معروف يفضي بعضها إلى بعضها الآخر، فأمشي بها دون كلل أو ملل، إلى أن تأفل الشمس ، فأعود أدراجي ، لأترقب صورتي ملونة على الشاشة، موضوعة في دائرة بيضاء بهيجة!

لقد خطر لي أن امضي كل ساعات نهاري في قاع المدينة، وان ألوذ بدفء المنزل ليلاً، لاسترداد بعض الراحة من مشقة الترقب للكاميرا التلفزيونية، ولاستعادة شيء من العافية التي تمكنني من المثابرة على المشي في اليوم التالي، محدثا نفسي بأن نيل جائزة تلفزيونية أفضل بكثير من نيل جائزة نوبل، على قاعدة "عصفور باليد خير من عشرة على الشجرة"!

غير ان الجهد المبذول على صعيد نيل الجائزة التلفزيونية، قد لا يقود إلى الفوز، وقد لا يظهر وجهي على الشاشة قط، سواء أكان داخل دائرة أم خارج دائرة، بل أن هذا هو المرجح، لأن مدير البرامج حين يراني أثناء المونتاج ، سوف يصيح بالمخرج قائلاً له:" الم تجد من بين كل المواطنين سوى هذا المخلوق؟ أذهب ثانية إلى سقف السيل وابحث عن وجه آخر لمواطن لا نعرف وجهه !".. ولذلك ، فقد بت على يقين من أن المنحوس منحوس، لو علقوا على رأسه فانوس، وبت على يقين من أن كل محاولة يمكن ان أقوم بها لن ترفع عسرتي، أو تقيل عثرتي، أو تفرج كربتي! وبت على يقين أيضاً، من أن ليس لمثلي سوى الصبر والسلوان!

13 كانون الأول 1995

إنه يبيض مقالات!

هو بالتأكيد مواطن، وهو بالتأكيد طموح ، فهو يتمتع بكل مواصفات المواطنة، إذ أنه يدخن سجائر في بعض الأحيان، ويمارس الزفير والشهيق، ويجامل زميلاً له بكأس، كما أن له حجما يمكن أن نعرفه إذا ضربنا الطول في العرض في الارتفاع، وهذا الحجم يجعله يشغل حيزاً من رقعة هذا الوطن. ومن مواصفات مواطنته، أنه مخلوق اجتماعي يتحدث مع الناس، ومن الناس من يتحدث معه، حول أكثر قضايا الأدب أهمية وخطورة، وتزداد مواطنته رسوخاً ونبلا، عندما يتحدث عن الالتزام بالقضية الفلسطينية.

وهل من شك بعد هذا بأن من أتحدث عنه هو مواطن يتوفر له كامل عدة المواطنة وعتادها؟ وإذا كان هناك من يشك ، فإنني أقول: ان هذا الذي أتحدث عنه يمارس حقوقه الدستورية بأكبر قدر متاح، إذ أنه يشتري بعض الكتب والصحف والمجلات التي تسمح دائرة المطبوعات والنشر بدخولها ، ويدفع ثمنها من راتبه الذي يتقاضاه كل شهر ، وبالمناسبة ، فإن الراتب أكبر دليل على أن من يتقاضاه هو مواطن معترف به من قبل كافة مخاتير حارته، ومن قبل السلطات الرسمية في الدولة.

أما بالنسبة له كمخلوق طموح، فهذا محور الحديث، خاصة وان طموحه هو مربط الفرس أو بيت القصيد كما يقال.

ولست أظن ان أحداً يختلف معي في ان الطموح مسألة مشروعة لكل الناس في هذا الوطن، إلى درجة أنها أصبحت مشروعة للأجانب كي يحققوا طموحاتهم بين ظهرانينا.

وفي ظل سياسة الاقتصاد الحر أو المفتوح ، في وطننا ، فإن مواطنا كالذي نتحدث عنه، يصبح من حقه ان يمارس طموحه، بل ان من حقه ان يخلق لنفسه طموحاً ، كي يتبناه إلى أن ينمو ويكبر ويحققه بكامله.

ومن أجل الحقيقية، أقول ، ان هذا المواطن كان طموحاً منذ اليوم الأول لميلاده السعيد، فعندما انزلق من بطن أمه، جأر بأعلى صوته، لا على طريقة المواليد العاديين، إنما بطريقة فريدة خاصة به، بل إنه ولد وفي يده قلم لا ينضب حبره، واشهره في وجه القابلة القانونية صائحاً:

- أنا ناقد هذا البلد.

وفعلاً ، عندما كبر وترعرع ظلت هذه الصفة ملازمة له، فكان ينتقد كل تصرفات زملائه، الحسنة منها والسيئة حتى أصبح مكروهاً منذ نعومة أظفاره ، ولكن حبه وتفانيه وهيامه بالنقد لا يجعله يهتم بمشاعر الآخرين نحوه، لأن لا صوت يعلو على صوت الموضوعية .

وعندما كبر، وبلغ سن الرشد، استيقظ على حقيقة مدهشة ومثيرة للفرح الجميل. لقد اكتشف ان النقد على نطاق ضيق داخل دائرة الزملاء والأهل والأقارب، ليس مجدياً، ولابد من الدخول في الدائرة الأكبر، دائرة النقد الأدبي، من خلال الصحف الأسبوعية في البداية ثم الصحف اليومية.

ولعل الحديث عن شخص فذ كهذا، لايمكن أن يكون وافياً وشاملاً، مثل الحديث معه، والدردشة دون أية تحفظات.

قلت له:

-هل يستطيع أي مواطن أن يصبح ناقدا؟

قال بثقة ظاهرة:

-بالتأكيد ، لأن الطموح هو الأساس، فأنت تلاحظ معي، ان المواطن الذي يريد أن يصبح تاجر حبوب معتبراً ، يستورد ويصدر، ويحتكر ويخبئ بضاعته، لا يمكن أن يكون كذلك بدون الطموح.

-وما هو الطموح كما ترونه؟

فكر برهة، ثم قال:

- الطموح، هو التطلع إلى المستقبل بابتسامة مضيئة، والعمل على تحقيق الرغبات الكبيرة بكل السبل، ومن هنا نجد ان الطموح مرادف للعصامية، وإذا لم نكن عصاميين، يصبح طموحنا ضربا من أحلام اليقظة السخيفة.

قلت مستوضحاً:

-هل لكم ان تضربوا لنا مثلاً على ذلك؟

-إذا قلنا ان الطموح ، هو التطلع إلى فوق مع الابتسامة المشار إليها، فإن كل مواطن فقير يسعى إلى الانسلاخ عن طبقته ، كي ينتمي إلى البرجوازية الصغيرة، هو مواطن طموح.

- وكيف تسعون أنتم إلى طموحاتكم النقدية؟

-هذه شغلة بسيطة ، لقد حفظت مفردات عربية وأجنبية غريبة ومألوفة كثيرة، ثم بدأت بإطلاقها على الأعمال الأدبية والفنون التشكيلية المطروحة في ساحتنا.

- هل لكم ان تذكروا لنا نماذج من هذه المفردات ؟

- مثل بيرواقراطية، تيوقراطية، الالتحام الحميم بالواقع المعاش، الانفلاش، الانفراش، الضبابية، التقوقع داخل الذات، الهروبية، الالتزام بالقضية الفلسطينة.

- وهل يكون الالتزام بالقضية الفلسطينية، وحدها التزاماً؟

- بالتأكيد لا ، غير أن قزمية كتاب الساحة ، تجعلني اتقازم في فهم الالتزام حتى يكون هناك انسجام ديناميكي مواكب لديمومة الابداع وصيرورته، ومن هنا فانك بلا شك تلاحظ ضرورة الالتزام بالقضية الفلسطينية .

وضحك المواطن الطموح وأضاف:

- وبمجرد أن أعثر على ذكر لفلسطين في أية قصة أو قصيدة، أقول عنها إنها ملتزمة بالقضية الفلسطينية ، وإنها نموذج يحتذى به.

ورغبة مني في إضاءة جوانب أخرى من شخصية هذا المواطن قلت:

-وكيف تتعاملون مع الكتاب؟

-في الواقع ، أتعامل معهم على أساس تصنيفهم إلى معسكرين، معسكر الأصدقاء، ومعسكر الأعداء. وأنت تعرف أننا نعيش في مجتمع ما يزال يعطي للخواطر والمجاملات أهمية معينة لا تخفى على اللبيب ، ولذلك ، فأن أعمال معسكر الأصدقاء الأدبية، هي نماذج تحتذى ويقتدى بها، أما أعمال معسكر الأعداء فهي غامضة ، تدور في فلك الرمزية المغلقة، ويسود دهاليزها المنفلشة ظلام قاتم يصعب الولوج فيه. وهذه الأعمال دائماً رديئة، ويستحسن كنسها من الساحة.

قلت:

- وإذا كتب واحد من معسكر الأعداء قصيدة أو قصة جيدة، فماذا تقولون؟

- قد لا أقول شيئاً البتة، وقد أقول ما يجب أن أقوله عن أعمال معسكر الكتاب الأعداء، فالأحكام موجودة، جاهزة وتحت الطلب ولمختلف المقاسات ولكل الأعمار.

قلت للمواطن الطموح:

- إلا تخشون من قيام أحد أفراد معسكر الأعداء بإهانة شخصكم الكريم، فيلوي عنقكم ويضعه تحت رجله؟

نظر إلي بذعر مكبوت وقال:

-وهل الدنيا سائبة ؟ هل نحن في فلة حكم ؟ لماذا أنشأت الدولة مخافرها في كل مكان؟

وشهق ثم زفر ثم قال:

- هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى ، فإن المهم ان تبقى راية الموضوعية قائمة مرفوفة على هذه الساحة الجميلة، وثق تماما ان الموضوعية التي أتحلى بها، جعلتني محبوبا من قبل بضعة أشخاص.

وسألت المواطن الطموح:

- هل أورثتكم ممارسة النقد مشاعر خاصة نحو الأشياء والناس؟

- سؤال وجيه فعلاً. في الواقع نعم فأنا انظر إلى الجانب القبيح في الأشياء، وافترض دائماً أن الكتاب يكرهونني جداً، وان القراء يقفزون عن مقالاتي . ولكني اعترف لك، وهذا كلام ليس للنشر ، أنني أحس بكبرياء طاووس عظيم، ولاسيما أني بدأت أحقق طموحي فعلاً. وخلاصة الكلام: أنا مكروه أذن أنا موجود.

11 حزيران 1976

هو والحمار‍

هل ما يزال الحمار والبغل والحصان والجمل معترفاً بها كوسائط نقل وركوب ، في زمن شاع فيه المرسيدس والكاديلاك والتويوتا؟ وهل يعترف قانون السير على الطرق الأردني بهذه المخلوقات ، مثلما يعترف بالسيارة والدراجة والشاحنة والحافلة ؟ وهل يجب على راكب الحمار مثلاً أن يتقيد بالشواخص وبالتزام اليمين وبالإشارات الضوئية وغيرها مما يجب على سائق السيارة ان يتقيد به، وهل تتم معاملة وسائط الركوب من الحيوانات المختلفة بما يشبه معاملة المشاة ؟ وهل بات من الضروري أن يقرأ المواطن كراس التعليمات المرورية، وإن يدخل امتحاناً في دائرة ترخيص السواقين كي يتمكن من ركوب حمار، يربطه في أحد المواقف في الشميساني لحضور ندوة ثقافية؟ وما هو حكم راكبي الدواب إذا شوهد أحدهم ماشياً بعكس اتجاه السير، أو إذا قطع الشارع في أثناء إضاءة الأشارة باللون الأحمر؟

أعتقد أن أسئلة كهذه ينبغي أن تؤخذ بجدية كاملة، وليس بروح السخرية والفكاهة التي قد تظهر على سطحها ، فنحن ما نزال نرى مواطنين يستعينون بالدواب على نقل حوائجهم وعلى انتقالهم من مكان إلى مكان آخر، ولابد- والحال كذلك- من التفكير الجدي في الحكم القانوني لهذا اللون من ألوان "السير على الطرق"، خاصة أن الدواب أصبحت طرفاً ضعيفاً في أي حادث مرور يقع مع سيارة أو شاحنة أو مدحلة ، فمن يحميها ويحمي راكبيها من مخاطر الآخرين ممن يستخدمون الشارع؟

وأغلب الظن ، أن لدى الجهات المختصة أجوبة شافية عن كل هذه التساؤلات، وأغلب الظن أن لديها- على الأقل- وجهة نظر في مسألة كهذه ، يكون من النافع تعميمها ونشرها.

وقد رجحت هذا الظن، بسبب بعض التفاصيل التي نشرت حول حادث السير الذي وقع بين رقيبي سير من جهة، ورجل يركب حمارا من جهة ثانية، مما أدى إلى وفاة الرجل ! وما نشر عن الحادث لم يذكر شيئاً عن الأوضاع الصحية للحمار ، لكنني أعتقد أنه في أحسن الأحوال تعرض لكسور ورضوض بالغة!

إدارة السير المركزية أعدت" مخطط حادث"، أدانت فيه مراقبي السير الاثنين، اللذين تسببا في مصرع مواطن في شارع الاستقلال بعمان، وكانت الإدانة ناشئة عن مخالفة رقيب السير الأول لأولويات المرور، ومخالفة رقيب السير الثاني لقواعد التتابع. وهذا معناه ، أن قانون السير عامل المواطن الراكب على الحمار معاملة الماشي على رجليه، وللمشاة أولوية في المرور حسب القانون، وان كانت الأولوية عندنا حسب ما هي مطبقة للسيارات وليس للسابلة!

والمفيد في هذا الخبر، أن القانون أخذ مجراه الواقعي، من غير التفاف عليه أو محاولة لتحميل المسؤولية للمواطن المتوفى، باعتبار أن إدانة الأحياء تعرقل حياتهم وتعيق أعمالهم، والمفيد كذلك، أن أدارة السير حملت المسؤولية لأثنين من رجالها العاملين لديها، وهذه بلا ريب سابقة تدحض ما يشاع من تواطؤ أبناء الهيئة الواحدة أو المؤسسة الواحدة بعضهم مع البعض، كنوع من الوقاية والحماية لأنفسهم. والمفيد في هذا الخبر أيضاً، أنه يعبر بصورة غير مباشرة عن حالة إيجابية من حالات سيادة القانون والتطبيق الديمقراطي. وقد فاتني أن أذكر ، ان رقيبي السير أصيبا بكسور ورضوض من جراء الاصطدام بجسم الحمار، وربما من جراء اصطدام أحدهما بالآخر، وأثناء اختلاط الحابل بالنابل، مما لم يشفع لهما أو يخفف من حجم الإدانة لهما!

مع ذلك ، فإن الأسئلة آنفة الذكر ما تزال قائمة، لأن استخدام الدواب على قلته في عمان وضواحيها، ما يزال قائماً بشكل ملحوظ في مدن أخرى وفي أكثر القرى . وما تزال عندي رغبة حقيقية في معرفة الأجوبة، لأنني افترض أن رجلاً دخل إلى قاع المدينة وهو راكب جملاً، أو أن عروساً رغبت في الزفاف على هودج ، فماذا سيكون موقف رجال المرور: هل سيعتبرون ذلك معيقاً للسير، أم أنهم سيتعاملون مع الجمل على أنه واسطة نقل مثل السوزوكي، وسيتعاملون مع راكبه على أنه سائق؟

29 أيلول 1992

زملائي الشحاذون!

في أواسط الستينات، قام زميل مصري بجولة صحفية في مواقع الشحاذين وأماكن تجمعهم. وكان يقتضي أن يرتدي ثياباً رثة، وأن يمتنع عن حلاقة ذقنه، وأن يكف عن تلميع حذائه، وأن يتوقف عن تشذيب شواربه، وأن يرسم على وجهه علامات الفقر والانكسار والمذلة، وأن يجعل من قامته شيئاً شبيهاً بعرنوس الذرة المتهدل على أمه . لقد فعل كل هذا ، وربما أكثر منه، وشرع يتسول:

-من مال الله يا محسنين!

وإذ به محاط فجأة بمجموعة من الفتوات، أصحاب العضلات المفتولات، والعيون المفقوءة، والأرجل المقطوعة، والأذرع المبتورة، والأسنان المخلعة، وهب ثلاثة منهم إلى حمله وزجه في سيارة أجرة، إلى أن وصلوا به إلى بناية ترابية قديمة مجاورة لمقبرة مهجورة، ودفعوه إلى "مكتب "المعلم" ، الذي كان يعد أوراقاً نقدية ويضعها أمامه على هيأة رزم كبيرة.

توقف المعلم عن عد النقود، وتململ داخل جلابيته، وقال للفتوات بصوت مثل زئير الضرغام:

-ايه ؟ فيه أيه؟ مين الجدع ده؟

فقال أحد الفتوات:

-ده يا معلم ضبطناه في باب اللوق بيشحت!

ففجع المعلم بما سمع ، ونهض عن مقعده، ودنا من الزميل الذي تقطعت أوصاله، وزأر في وجهه قائلاً:

-إيه اللي سمعته ده؟ صحيح اللي بقولوه العيال؟

فتأتأ وفأفأ وقال:

- صحيح يا معلم! أنا واحد غلبان وعايز استرزق. ربنا يستر على ولاياك!

فضحك المعلم ضحكة مثل زلزال ارمينيا، وقال:

- ماشي. أنا ما أحبش أقطع رزق حد. إنما الشغل له أصول.

فتساءل الزميل الصحفي، إن كان عليه أن يتعلم الأصول في معهد خاص تابع لنقابة الشحاذين، فجلجل المعلم بالضحك ونفى أن يكون هناك معهد أو نقابة للشحاذين ، وقال:

- تحب نقطع لك ايه؟

فقال الزميل بذعر:

- ما احبش تقطعوا لي حاجة!

- أمال حتشتغل ازاي؟ حتحنن قلوب الناس ازاي؟ إحنا لازم نقطع لك ايد ولا رجل!

- أنا في عرضك يا معلم.

- طيب نقلع لك عين!

- لا يا معلم.

- أمال تحب نعمل فيك ايه؟

- سيبوني زي ما أنا.

- وحتجيب لي اتنين جنيه كل يوم ازاي؟

- انته جربني، وبعدين نبقى نقطع اللي انته عاوزه!

وشرع يتسول، ويتعرف على أجواء الشحاذين، وأسرار عالمهم، وفي كل يوم، يدفع للمعلم جنيهين، يقتطعهما من مصروفاته التي أعطتها له الجريدة، وفي نهاية المطاف عاد بتحقيق واسع عن هذا العالم الغامض المثير.

وفي أواخر السبعينات، قامت زميلة أردنية (تريز حداد) بجولة في مواقع الشحاذين وأماكن تجمعهم في عمان، ولبست غلالة سوداء غطت بها رأسها ووجهها، ومكثت نهاراً كاملاً في طلوع الشابسوغ وعلى درج الكلحة ودرج بسمان وفي ساحة الجامع الحسيني، وعادت إلى جريدتها ومعها عشرات القصص المثيرة المليئة بالاستكشاف المدهش!

وفي أواسط الستينات، فعل الزميل المصري ذلك، وعاد إلى رأس عمله في صحيفته.

وفي أواخر السبعينات فعلت الزميلة الأردنية ما فعلت، وعادت إلى رأس عملها في صحيفتها..

وفي التسعينات، أوردت إحدى وكالات الأنباء خبراً عن صحفي يوناني، أمضى عدة أيام في التسول بشوارع أثينا، وفي اليوم الأخير من جولته، قعد على الرصيف وفكر مليا بما هو أفضل له ولمستقبله: العودة إلى الجريدة التي تقدم له راتباً متدنياً، أم الاستمرار في التسول الذي يدر له دخلاً وفيراً. وحسم الزميل اليوناني أمره، وقرر أن يكون شحاذا له شأن!

2 آذار 1995

مبدعون تحت الأضواء

علي الفزاع: (مبتسماً) يسرنا أيتها السيدات والسادة أن نستضيف في حلقة هذا الأسبوع من برنامج "مبدعون تحت الأضواء " الشاعر العربي الكبير، أمير الشعراء، الأستاذ أحمد شوقي، وهو - كما تعلمون- غني عن التعريف ، ولذلك ، فأنني أشكر الشاعر شوقي على تلطفه بتلبية دعوتنا والحضور إلى استدديوهات التلفزيون الأردني، وأترك له المجال ليقدم لمشاهدينا نبذة وجيزة عن رؤيته لتجربته الشعرية.. تفضل أستاذ شوقي.

أحمد شوقي: (واضعاً يده على خده) ما جئت هنا لأتحدث ، لقد جئت لاستمع!

علي الفزاع: (مغالبا الضحك) لكننا نطمع من شاعرنا الكبير أن يتكرم بشيء يسير من الحديث.

أحمد شوقي: (ناظراً إلى أضوية الأستوديو المعلقة في السقف) أنا مبدع، وعلى النقاد أن يتحدثوا عن إبداعي وليس أنا.

علي الفزاع: (محمر الوجه ومقطب الجبين) أستاذ شوقي ، من تقاليد هذا البرنامج أن يبدأ المبدع بالحديث الموجز عن إبداعه، أو عن تجربته الإبداعية.

أحمد شوقي : (ناظراً إلى عين الكاميرا) هذا شيء مؤسف، نعم، ما تقوله شيء مؤسف، فإلى متى سنظل نتحدث عن التقاليد؟ ألم يحن الوقت للتصدي لها والخروج عليها؟

علي الفزاع: (محملقاً بدهشة تعقد لسانه).

إبراهيم خليل: (بحماس) دعنا نتحدث نحن يا أستاذ علي.

أحمد المصلح: (مؤيدا) لنتحدث نحن عن تجربته، ولا لزوم لا حراج شاعر كبير مثل الأستاذ شوقي.

علي الفزاع: (مبتهجاً) ليكن.. تفضل دكتور إبراهيم.

أحمد شوقي :( متدخلاً) أودد أن أقول للأخ الناقد أحمد المصلح إن المسألة ليست مسألة حرج، وإنما هي مسألة مبدأ وموقف.

علي الفزاع: شكراً أستاذ شوقي . تفضل دكتور إبراهيم.

أحمد شوقي: (متابعاً) ولا أدري من أين جاء الأخ الكريم بكلمة مثل كلمة "حرج"، وكيف زج بها في الحديث.

علي الفزاع: شكراً أستاذ شوقي. تفضل دكتور إبراهيم.

أحمد شوقي: ( متابعاً) فعندما قررت أن أشارك في هذه الحلقة من هذا البرنامج اللطيف، لم يكن القرار سهلاً كما تظنون انتم معشر الأحياء، لأنكم لا تعرفون معنى البقاء في ظلمة القبر طوال ستين عاماً، ولا تعرفون معنى اتخاذ القرار بالخروج لتلبية دعوة أخوة كرام في التلفاز الأردني.. ومع ذلك ، يطلع علي من يقول ان علينا ان نحافظ على التقاليد، ويطلع علي من يقول ان عدم رغبتي في الحديث عن تجربتي الشعرية يسبب لي الحرج.

شكراً يا أخي علي لهذه الاستضافة، وأنا اعتذر عن المشاركة في البرنامج (ينهض) وسأعود إلى حيث أتيت.

علي الفزاع: (مذهولاً) أرجوك يا أستاذ شوقي.. هذه فرصة ثمينة لا نريد أن تضيعها علينا، أرجوك أن تجلس.

إبراهيم خليل: (متدخلاً) باسم الهيئة الإدارية لرابطة الكتاب الأردنيين، وباسم لجنة الشعر في الرابطة أناشدك أن تعود إلى مكانك.

أحمد شوقي: (ناظراً حوله) هل هذه الأجهزة تقوم بتصويرنا الآن؟ (يجلس).

علي الفزاع: (مبتسماً) أنها تصورنا الآن، لكننا....

أحمد شوقي : (مذعوراً) ويحكم! استظهرون هذا كله على الملأ؟

علي الفزاع:( ضاحكاً) لله درك يا أستاذ شوقي. كيف نظهر هذا على المشاهدين، ونحن نستطيع أن نقصقص كل الزوائد بواسطة المونتاج؟

أحمد شوقي :( يسترخي) طمأنتني يا علي طيب الله ثرى أجدادك. طمأنتني رغم أنني لا أعرف كيف ستقصقص الزوائد، ورغم أنني لا أعرف معنى كلمة مونتاج!

علي الفزاع: (مغالبا الضحك) اطمئن يا أستاذ شوقي . تفضل يا دكتور إبراهيم.

إبراهيم خليل: (بالعا ريقه) لكم يا أمير الشعراء باع طويل في قول الشعر، وعندكم توقف الشعر الكلاسيكي، وأنتم استطعتم أن تبذوا أقرانكم من معاصريكم ، فقلتم القريض في أبواب شتى.

أحمد شوقي: (مقاطعاً) وما الجديد في هذا ياأخي؟

إبراهيم خليل: (في ضيق) هذا مجرد تمهيد لا غير.

أحمد المصلح : (متدخلا) هل يسمح لي الشاعر الكبير بسؤال؟

أحمد شوقي: (واضعاً يده على خده) تفضل يا أخ أحمد.

أحمد المصلح: (مبتسماً) قد يفاجأ أستاذي الكريم بالسؤال، لكننا نحن معشر المثقفين نحب أن نعرف الجواب من غير أن نجتهد، ولا شيء يغني عن الاغتراف من رأس النبع. نريد أن نعرف رأيك في أغنيات محمد عبد الوهاب التي استخدم فيها قصائد من شعرك.

أحمد شوقي : (ساخطاً) ما هذا السؤال؟ (ناهضاً) هذا سؤال يوجه لجميل العاص وليس لي! ما علاقتي أنا بألحان محمد عبد الوهاب ؟ أنا تنتهي علاقتي بحدود القصيدة! (ملتفتاً إلى علي الفزاع) معذرة يا أخي علي: فأنا ذاهب إلى القبر كي ارتاح! راجياً إبلاغ الأخوين راضي الخاص وإبراهيم شاهزاده أسفي وأعطر تحياتي!

19 أيار 1992

مقال من نار!

دخل إلى المنزل مندفعاً مثل قذيفة، أغلق الباب وراءه بطرف رجله، ونظر إلى زوجته المنهمكة بتقميع البامية بحماس:

- لقد نشروه.

ولوح بجريدة أمام وجهها وأضاف:

- نشروا مقالي.

رمقته زوجته بطرف عينها، ثم واظبت على تقميع البامية، فأضاف بفرح وحيوية:

- هل رأيت مقالي يا امرأة؟

فقالت بلا اكتراث:

- رأيت مقالي عرسك!

فبدا عليه شيء من الضيق وقال:

- ولكنه مقال سيكون له تأثير السحر على السياسة والسياسيين، وقد يغير تاريخ المنطقة، ويقود شعوبها إلى منعطف حاسم.

ظلت الزوجة مواظبة على تقميع البامية، وساد صمت ثقيل ، فأزداد ضيقه وأردف قائلاً:

- وسيكون له تأثير ساحق على النساء في بلادنا ، وفي العالم أجمع. أتعرفين ماذا قلت؟

ورفعت حاجبيها دون أن تقول شيئاً، فأضاف:

- أعلم أنك لاتعرفين. لقد قلت إنني مع حقوق المرأة، ومع أنصافها ، ومع تخليصها من عبودية الرجل، ومع إخراجها من ظلمات المطبخ إلى نور المصانع والمتاجر والحقول. وقلت أيضاً إنني مع أشراك الرجل في شطف درج البيت، وفي تعسيف سقف المنزل، وفي تقميع البامية...

فضحكت زوجته وقالت:

- وهل يعني هذا أنك ستشاركني الآن في تقميع البامية؟

ابتسم وقال لزوجته:

- هذا حكي جرايد يا بنت الأوادم!

وفتح الجريدة ونظر فيها وقال:

- وقلت أيضاً، إني أعجب لهذا الفصل التعسفي بين الرجال والنساء ، وأشعر أن المرأة التي ما تزال في سبيل تثبيت نفسها على الأرض ، تعطي أكثر من حجمها، وتقدم للناس بصورة مكبرة ، كأنها فعلت ما لم يستطع الرجال فعله!

وقاطعته زوجته قائلة:

- وهل ستقرأ الجريدة كلها فوق رأسي؟

قال:

- لا، بقيت فقرة أحب أن تسمعيها.

قالت باهتمام طفيف:

- ولكنك قلت انك ستغير تاريخ المنطقة وتقود شعوبها إلى منعطف حاسم، و...

ضحك ضحكة رقيقة، وثنى عنقه إلى الوراء بدلال وقال:

- هذا جانب من المقال، جانب أدنت فيه الجهل والفقر والمرض، وشتمت الكيان الصهيوني، وشجبت الاستعمار والإمبريالية، ولعنت أبا كامب ديفيد، وقلت ان الطريق إلى فلسطين يمر من فوهات المدافع.

ومسح زاويتي فهمه من الزبد وأضاف:

- أليس كذلك ياقرشلة عمري؟ ألا ترين معي ان إسرائيل متعنتة ورأسها يابس، ولا ينفع معها غير لغة الانتفاضة.. أعني لغة القوة؟

قالت زوجته باستهانة أطلت من عينيها ومن نبرات صوتها:

- وما دورك في كل هذا؟

قال بسرور:

- لي دور كبير! معلوم! يكفيني أنني كتبت هذا المقال الملتهب، ويكفي الوطن أنني طالبت بتحرير المرأة وتحرير فلسطين دفعة واحدة!

وطوى الجريدة واستدار قائلاً:

- أنا في غرفة النوم، وحين تفرغين من تقميع البامية، الحقيني ومعك طشت ماء كي " انقع" رجلي!

9 تشرين الثاني 1989

تظهر في العربية بعض الجموع المبهمة التي تصاغ على الطريقة العبرية مثل كهنعت جبروت ملكوت..الخ.

لحن الرجوع الأخير!