الفصل الثالث
انتهى أبريل. غيَّر وجهَ حياتي ورحل. خربش على لوح أقداري، ثم امتطى صهوةَ الزمن، وخلَّف غبار الحقيقة الصاخبة. وعندما انقشع، وجدتكِ أمامي، مغموسةً في دمي كزهرة تيوليب.
وقعنا في الحب ولم نعترف.
لم يصبح واقعاً نعيشه بكل ما يفرضه علينا من حدود البوح. ما زلنا نتأرجح بين مشاعر لا تكفيني لتفسير علاقتنا.
غير أننا بدونا متشابهين، طيبين، يفهَمُ كلانا الآخر جيداً. نتكلمُ اللغة نفسها وبالأحساس نفسه. نندهشُ من تشابهاتِ الماضي. الصفات نفسها، العادات نفسها، دمى الطفولة نفسها، الرؤى والأفكار والظنون نفسها. ننطق أحياناً الكلمة نفسها في آن واحد.
تطرأ لنا الفكرة نفسها في جبيننا المشترك. نعترف في قرارات نفسينا دون أن ندخل في جدلٍ مع الحياة أنَّ ثمَّة شيئاً يوحّد أقدارنا.
أحياناً يقود التشابه إلى الحب. أحياناً يقود التنافر إليه.
الشخصياتُ الحنونة تحب أشباهها، وتلك التي تفقد توازنها كثيراً أثناء الحياة تحب أضدادها.
أحياناً يحبُّ الرجلُ العاري المرأة الكهف، وأحياناً لا تحبُّ الغيمة إلا أختها. نادراً ما تغازل القمّةُ السفحَ، ولكنّ السفح لا ينفكُّ معلّقاً بها.
بأي نظريةٍ من هذه النظريات أحببتكِ؟ لأنكِ مثلي أم لأنكِ أفضل مني؟
أشعر أن تشابهنا أخذني إليكِ أكثر.
إذا كانت مراقبة النمل في طوابيره المنتظمة عادة طفولتي القديمة، فقد تجاوزتِ أنتِ عاداتي قليلاً لتصلي إلى حدِّ إطعامها نصف نصيبكِ من الحلوى تحت شمس القائلة، أو إنقاذها نملةً نملةً من الغرق في فيضان الحمام اليومي.
تتضحُ قدرتنا على العطاء منذ الطفولة أحياناً. بعض الحشرات تكسبُ ودَّنا أحياناً بشخصياتها، والنمل منها. أتذكَّر سؤال الأستاذ في الصف الرابع:
من منكم يضربُ لي مثلاً على حشرة مفيدة؟
انبريتُ بين الجموع بصوتي الحاد:
النمل.
يضحكُ أستاذي، يحاول دفعي للاستدراك، يسألني أخرى:
وماذا يمكن أن يفيدنا به النمل؟ إنه يأكل طعامنا ويوسّخ بيوتنا.
ركب فوقي خجلي. خفتت حِدَّة صوتي وأنا أواجه قوَّته الكلامية ، وسلطته العلمية.
آسف، قصدي النحل، وليس النمل.
نعم، أحسنت.
فكرتُ كثيراً أثناء الحصّة: لماذا يكره استاذي النمل؟ لِمَ هذا التآمر الكبير على هذه الحشرة الدؤوبة؟ من قال إنها غير مفيدة؟
ألسنا نضربُ بها المثل على العمل والنشاط، وعدم التكاسل والتراخي؟
ألسنا نتعلَّم منها كيف ندَّخر قوت الشتاء أيام الصيف؟ أو كيف ندَّخر نبضاتِ القلوب لحبٍّ أكثر أماناً، لا يتخلى عنا فيه من أحببناهم؟
أليست النملة هي التي أوقفت جيوش سليمان الهائلة، وأضحكت سنّه، ودفعته لأن يشكر الله ويسأله الرحمة؟
إذا دفعت نملةٌ نبياً إلى مثل هذا، فكيف لا تكون مفيدةً لنا؟
لماذا يحرق المعلّمون دماغي دائماً بهذه التناقضات بين كلامهم وأفكاري؟ ربما من أجل هذا استفحلت فيَّ عادة الصمت، حتى تعلمتُ الكتابة.
سكينٌ قديمة قِدم المعرفة عندي.
كان مللي أحياناً من رتابة الدروس يدفعني إلى أن أخترع ما يسلّيني. أبحثُ في أذهان الطلاب عما قد يستعصي على فهمهم
وأطرحه كسؤالٍ ماكر على سبّورة الأستاذ المملوءة.
يفهمني أحد الأساتذة يوماً، يهمسُ لي بإعجابٍ أبويّ لا يخلو من ضيقٍ عابر:
- أنت فاهم، ولكنك تسأل لتساعد أصدقاءك على الفهم.
لا حاجة بي إلى ذكر هذه القصة هنا. لم يكن ذلك نبوغاً مني بل نهماً في ابتلاع المعرفة حتى سبقتُ لداتي. ولكن غصصتُ بها قبلهم .
الذي يدفعني إلى كتابة هذه القصة هو أنها تكررت معكِ أنتِ تماماً. تألمتُ من شدة الذهول وأنتِ تحكينها لي. لماذا هذا التطابق المثير للغرابة في كل هذه التفاصيل؟
يومها لم أخبركِ بقصتي هذه. خشيتُ أن تظني أني اختلقتها لأدّعي هذا التطابق معكِ.
بداياتنا الأولى كانت مثل هذه. دهشةٌ وتشابه. أما الحب فما زال يُطلُّ خجولاً من نوافذ العلاقة ويحشُرُ رأسه الصغير بين أسلاكِ الهاتف بفضول الأطفال. وكنا نراقبه. نداعِبُ معاً خُصلاتِ شعره ونبتسم بخجل، ولا ننظر إلى بعضنا أبداً.
أشعرُ بعدم الرغبة في مثل هذا النوع من الكتابة كلما تذكَّرتُ مس تنغل وهي تُطلق حكم الرتابة على قصتي البليدة: "مجرّد عاشق آخر"، قالتها بالإنجليزية لتبدو أكثر إحباطاً: "oh .. just another lover” ، لا أدري أي الأساطير كانت تبحثُ عنها في ذهن القادم من وراء المحيط.
كرهتُ هذه الكتابة لأني شعرتُ أنه لا حاجة إلى أن أخبركم كم أنا معجبٌ بكِ مثلاً. كل هذه المقدمات المملولة تختزلها كلمة الحب أخيراً. منذ آلاف السنين والعشاق يحذو بعضهم حذو بعض. منذ ملايين السنين لم تتغيَّر المعادلة الكيميائية للاحتراق. لا داعي للأسطر الزائدة. يكفي أن أحيلهم على التاريخ.
أما تاريخنا الصغير فملكٌ لنا نحن الاثنين فقط.
في منتصف مايو أزِف لقاؤنا الثاني.
آوتنا طاولةٌ صغيرةٌ ومطعمٌ هادئ. تنفض الشمس أشعّتها الأخيرة عصر ذلك اليوم وتسري في أوردتي رجفة اللمساتِ الطويلة هذه المرّة. تتمرَّدُ الحقول في جسدي. يُثمر الجوز قبل أوانه. يسقط التوت على أوراقه فيتَّشحُ اخضرارها بدمائه الحلوة.
كل ما في وجهكِ الحاضر أمامي يشبه الدفء، يشبه الحنان، يشبه الحب.
جاءت يدكِ أولاً. زحفت فوق قحل الصمت الماثل بيننا. لم يَكن عندي جرأة الابتداء. تشابكت أصابع وداخت طاولة. ارتكبَتَ يداكِ جرائمَ لا تحصى فوق يديَّ. تحريضٌ عنيفٌ لمراهقتي الجلدية الأولى. ثار الإصبع على الكفّ، والكفّ على المعصم. تعرقٌ طفيفٌ في يديكِ ينزُّ عطراً من مسامة شوقٍ مفتوحة. أنا لا أقاوم نعومةً كهذه، شغباً كهذا. توقفي عند حدِّكِ يا مُدن الرغبة. استئذانٌ مهذَّب وأنقذني النادل من سكته شوق.
تلعثمتُ في الرشفة الأولى. كل شيءٍ يندفع للخروج من فمي. لا شيء يعكس التيار ولو كان قطرة عصير. أعدتُ الكأس خائبة.
استيقظتُ متأخراً هذا الصباح، فاتتني المحاضرة.
ابتسمتِ أمامي بجذل، أقمتِ سبّابتيكِ فوق رأسكِ على شكل قرنين دلالة الشر.
ربما لأن شيطانتك لم تدعك تنام.
ضحكتُ، واستحال جذلُكِ حياءً. حاولتِ إطفاءه في كأسكِ. تأمّلتُ شفتيكِ وهما تتجمعان على طرفها لترشفا منها. تتطاول الشفة العليا قليلاً، وتأخذني رغبة في امتلاكِ هاتين الشفتين. يمتطيني حُمق الفرسان. يصهل النزق بداخلي كجلمود صخرٍ حطَّه السيل من علِ.
للمرّةِ الثانية، وكأننا لا نملكُ في ما قبل الحب إلا هذه الحركات الأنثوية، أخرجتِ لي دفتركِ الصغير وطلبتِ مني أن أكتب لكِ أيَّ شيء.
كتبتُ: "إن وجودك يفتحُ شبّاكاً للأحلام والعصافير الملونة والحبّ".
دسستُ الكلمة الأخيرة بحذر، مثل جهازِ تنصّتٍ صغير، أتجسسُّ به على نبضاتِ قلبك.
قمتِ للرحيل..
وعدتِ أدراجكِ مرتين متتاليتين.
لم تستطيعي أن تذهبي، ولا أن تخلّفيني وراءكِ وحيداً.
عدتِ تتمسَّكين بيديَّ في لهفة. ترفضين التنازل عنهما لسلطة الوقت الذي دهمنا. غيابُ الحب حتى الآن يجعلُ الأشياء تبدو غير منطقية. لماذا هذا العمقُ الظامئ في نظرتك؟ لماذا هذا الشوق المحروق بين أصابعي؟ لماذا فتيل الدهشة المشتعل، ونظراتُ المكان الحائرة؟
أتأمل بذهول هذه الفتاة التي تمشي عشر خطواتٍ باتجاه الباب، ثم تعود الخطوات العشر لتمسك بيدي عدة ثوان، قبل أن تذهب مرةً أخرى.
أمجنونةٌ هي لغة الأيدي، أم أنها طريقتكِ في الوداعِ فقط؟
ساعةٌ من الكلام، فارقتني بعدها بصعوبة.
وأربعة عشر شهراً من الحب، وفارقتني بعدها، بشيء من المرارة حتى لم يخترعوا له اسماً بعد.
جاء المخاض إذن.
قفزتِ اللحظة الحاسمة إلى مستوى الحدث. تسلَّقَت أحلامي الغيبية التي لا أفكر فيها لفرط ما ظننتها مستحيلة. اقتربت المعجزة وانشق القمر.
وأعلنتِ عليَّ الحب.
بعد ساعات، بضع ساعاتٍ فقط من افتراقنا ذلك اليوم.
أنا الذي لم أُفِقْ بعد من صدمة المناوشات الأولى، جاءني صوتكِ هذه المرة في هاتفي، ليقول بكل حرارة الأرض: "ناصر، أحبك".
واتخذت الأشياءُ أماكنَ عشوائية. لم تنتبه كثيراً إلى كونها مناسبة بقدرٍ ما كانت حريصةً على أن يبدو المكان أنيقاً، رحباً، أمام هذا المولد الجديد.
فكّرتُ لحظتها: تُرى هل قدحت كلمتي المدسوسةُ في دفتركِ زنادَ الحب؟
قمتُ من مكتبي إلى حقيبتي مرّةً أخرى. أخرجتُ منها دفتراً بنّياً أنيقاً. فتحتُ صفحته الثانية. أتأمل خطَّكِ المبعثر. وأقرأ لكِ تلك الكلماتِ الأولى التي أعلنتِ عليَّ بها الحب لأول مرّة. لم يكلّفكِ الشوق إلا ساعاتنا تلك لتنظمي مشاعركِ على الورق، لتلتفتي إلى طفل الحب العابث، لتنتبهي إلى دقات الناقوس الكبير.
جاءني اتصالكِ بعد أن خرجتُ من المطعم. نبرةُ الحلم التي تقفز كوكباً فوق كوكب وتنزل في أذني بينما كنتُ أنا أذرعُ المدينة بحثاً عن أطول شارعٍ فيها أوزِّعُ فيه غرور أصابعي وانفعالاتها المتشنِّجة.
كانت لمساتكِ، تراجعكِ مرتين من أجل يدي، تصرّفات تكفيني جداً، لسنتين على الأقل، قبل أن يفرغ مخزون حناني، ولكنكِ إمرأةٌ تأتي جميعاً أو تذهبُ أبداً.
ناصر، أتذكُر سؤالك؟
كانت كلها أسئلة، أيها يا مها؟
ماذا يعجبني فيكَ؟
أجل.
أظنُّ أن لديَّ جواباً الآن.
ما هو؟
لحظة.
شعرتُ بانعطافات الورقة بين يديكِ. خشخشة الصفحاتِ التي تسافر بين أصابعكِ بحماس قبل أن يرجع صوتكِ مرةً أخرى، وفيه ارتعاشٌ شبه واثق.
"تسألني ماذا يُعجبني فيك؟ وتظنني أبحثُ عن الإجابة، ولا تدري أنَّ إجابتي مزروعةٌ في داخلي. تُعجبني لأنَّك حنونٌ جداً، تُعجبني لأنّك هادئٌ رقيق، لا تستطيع ولا تعرف كيف تجرح إنساناً. رقَّتك تغزو جدران مناعتي، تدغدغ أحاسيسي، تتملَّكها، تتشعَّبُ في أعماق أعماقها. تُعجبني لأنّك عظيمٌ بفكرك، وبروحك، وبسموِّك، وعظيمٌ في كل ما تقول وتفعل.
تُعجبني لأن الحبَّ داخلك سخيٌ وكريم ومعطاء. يُسبغ عليَّ من نِعَم الدنيا، كبحرٍ من المشاعر لا يهدأ. يغذِّي أنانيتي ويُشبعها ويدلّلها، ويجعلها ملكة الموقف وصاحبة القرار.
أخيراً ..
تُعجبني، لأنَّك حبيبي".
أسلوبٌ أنثويٌ جداً في الكتابة.
تدرُّجٌ موفقٌ يجعلني أفهم كيف يتكوّن الحب في قلب امرأة. الحنان، الهدوء، السموّ، العطاء، نكران الذات، ثم الحب.
لا أدري كيف ترتَّبت صفاتي هذه في داخلي. الذي فهمته فقط أنها كوَّنت داخلكِ معجون الحب، ولم أكن أملك إزاء امرأةٍ بمثل اعتبارك إلا أن أكون كما قلتِ.
لم أملك إلا أن أكون حنوناً إزاء امرأةٍ ورِثت الأمومة وحدها، من حواء.
لم أملك إلا أن أكون هادئاً أمام طوفان من الأنوثة العارمة.
لم أملك إلا أن أكون عظيماً ما دمتِ ترينني كذلك.
لم أملك إلا أن أحتلب من ذاتي لأغذي أنانيتكِ كما تريدين.
مدهشة! لقد قفزت فوق رتابة الابتداء. كلّهم يقول في البداية: أحبك، أما أنتِ فقلتِ: حبيبي.
لم يكن همسنا دافئاً بقدر ما كانت عفويتنا في تسلُّقِ جدران الحب دافئة. كانت الأشياء من حولنا تبدو متواطئةً مع هذا الحب القادم، وكانت مشاعرنا تنمو بهدوء وبحدٍّ مناسبٍ من الرواء كل ليلة حتى تكتمل يوماً ما.
قبعتُ تلك الليلة في غرفتي وأنا أفكر في إجابتكِ الكبيرة.
آذيتُ سريري ومكتبي، وأكلتُ دون اشتهاءٍ نصف الجلد الميت فوق أظافري، فنزَّت دماً.
حملتُ الهاتف، لا بد من دليل، إذا كنتِ أحببتني فعلاً فلا بد أن يتغيَّر صوتكِ بعد اليوم.
مها، أقرأ الآن لفتاةٍ رائعة، موهوبة.
ماذا؟ من تكون؟ ماذا تكتب؟
لماذا أنتِ منفعلة؟
ألا تدري؟
شعرتُ أنَّ شبح ابتسامةٍ لا أراها تتزيَّا فمكِ.
ربما اتصلتُ لأسمعها منكِ.
لأني أحبك، هل تفهم؟
ودَّعتكِ وأغلقتُ الهاتف. نجح اختباري التقليدي، اختبار الغيرة. تغيُّرٌ فلكيٌّ ضخم يقترب من حياتي. بدأتُ أقشِّرُ جلدي بدءاً من أظافري. غداً سينمو لي جسدٌ جديد.
"حدَّثَتِ الغرفةُ المُرهَقَة بصُداع الفجر سِربِ نسائم عابراً، أنَّ شاعرها الوحيد لم يسكن في صدر نَفَسٌ على نَفَس، ولا رَبَضَ في جسمه عِرْقٌ على عِرْق، ولا هجع تلك الليلة إلى النوم، حتى ظهيرة اليوم التالي".
****
حسن، رجلٌ طارئٌ جداً في دائرة البوح.
نزل قبلي بأشهر.
رحل بعدي بأيام...
انسكب سرُّه من فمكِ كالحُمم. لم يكن ذلك ضرورياً على
امرأةٍ تبوح لأ،ه كان يعرفُ حقاً كيف يتركُ آثاره عليكِ مثل الوشم البدوي ليحرق من سيأتي بعده.
حسن، خط بارليف الطويل من مرسيليا إلى الرياض. قبلةٌ ناصعة البياض فوق جبين التكنولوجيا. جاء بعد المراهقة وبعيداً عن الخيانة وجميلاً حتى في كبريائه التي دفعته إلى الرحيل. لذلك لم ينته سريعاً.
كان عاصفة مقلقة من الحب. رجلُ الحضور الصاخب والغياب الأكثر صخباً. رجلٌ يعرفُ تماماً كيف ينهمر عليكِ بكل رجولته فجأة ثم ينسحبُ إلى ظلٍ ما ليترككِ حائرةً بين الحالتين، أيهما أكثرُ جمالاً؟ أيهما أكثر تحريضاً على الحب؟
عاش طويلاً في فرنسا وهو لا يدري أنَّ في حياته قدراً خفياً سيجعله يقطعُ يوماً ما آلاف الأميال إلى الرياض، لينزل بين يدي فتاةٍ اسمها مها، صارت تحبه.
أنتِ التي تدبِّرين المكان والزمان. كريمةٌ جداً في الحب. حتى معي أنا كان لقاؤنا دائماً من تدبيركِ أنتِ.
اكتفى حسن بالحضور فقط ليترك بين أصابعكِ عِطره ويرحل.
إنه يفهَمُ كم ينبغي أن يوجد، وكم ينبغي أن يغيب، حتى تكتمل قداسة حضوره وخشوع غيابه.
يفهم كيف يجعلكِ تخلقين حبكِ له بنفسكِ بينما يرتاح هو من هذا العناء، ويكتفي بصوته التي ينقله إليكِ الهاتف. وعطره الذي يتركه لكِ فوق الذاكرة.
جاء وانتهى قبل أن أغرق في حبّكِ إلى هذا العمق. كان خيراً لي أن ظروفاً كتلك التي يفرضها مجتمعنا هي التي أغلقت الأبواب أمامكما كما ستغلقها في وجهي من بعد، وأن كبرياءً ككبريائه جعلته يرحل ساخراً من أعرافنا فتظلين لي.
نحن الرجال ندرك قوة بعضنا البعض أحياناً. ولو أنه ما زال موجوداً لنظرتُ إليكِ كما ينظر الفقراءُ إلى قصور المترفين، ولكنه غاب في أيامنا الأولى، ليترك خلفه امرأةً لم تُفق بعد من رائحته، ولا تزال في يديها حكايةٌ طويلةٌ من الشوق، بطول ما أبقتهما في يديه.
لا أدري لماذا كنتُ أشكُّ دائماً أن تعلُّقكِ الغريب بعطر سكابتشلر، واحتفاظكِ بقارورةٍ كبيرةٍ منه في غرفتكِ، بالرغم من أنه عطرٌ رجالي، كان وفاءً لعطر حسن؟ هل حقاً كان هذا عطره؟ ربما لم يكن إعجابكِ بالعطر خالياً من الأسباب كما بيَّنتِ لي. لم أجرؤ على سؤالك. كنتُ أفرُّ من الكلام معكِ عنه مثل فرار الضعيف من القوي، وأقلِّبُ قارورة العطر بين يديَّ بحذر، وأخشى أن يخرج عليَّ حسن من زجاجها المعوجّ.
كنتِ تتحدثين عنه واثقةً أنَّ شيئاً من الغيرة لن يُحرقني، أنتِ التي لم تعلني عليَّ حبّكِ بعد، ولكني كنتُ قد أعلنته عليك سّراً قبل ذلك. تتحدَّثين كما تفعل الأنثى التي وَجَدَت أخيراً حبها الضائع. رجلها المفقود في كل الحكايات القديمة، والاسم الباقي من بين الأسماء المتساقطة.
وكنتُ أصغي بهدوء ... كما تحترقُ الجمرة.
لم يمنحني الحب بعد تأشيرة شكوى، أو حقَّ احتجاج. كان هذا قبل مايو، قبل أن تقولي لي: أحبك، للمرة الأولى. ليتني لم أكتم شكواي ولم أقتل احتجاجي. تعلمتُ بعدها بأشهر أنه حتى كوني حبيبكِ لن يمنعكِ أن تتصرفي بالرجال كيفما تشائين.
مجنونٌ هو الصياد الذي يُزمع أن يقبض سمكةً ما بيديه العريتين فقط.
لم يمنحني حيائي منكِ عندما كنتِ تحدّثينني عن حسن بلسان عاشقةٍ ولهى إلا دمعةً كل دقيقة. تنسرب من وراء سلك الهاتف في أعماق ليلٍ ساكنٍ مثل المحيط، لم تريها قط.
ها أنذا أعترف لكِ بها.
حسن الذي رحل، كان الأب الأول لدمعتي الأولى معكِ. ولكني لم أشعر بالندم كثيراً عليها بعد أن رحل تماماً وبعد أن وجدتُ نفسي بعد قليل أقربَ إليكِ من أقربِ موقفٍ كان معكِ فيه. شعرتُ أنه يستحقٌّ تلك الدمعة. يستحقٌّ هذا الاعتراف بقوته، هو الذي لم يؤذني فيكِ كثيراً، بل ترككِ لي، وإن كان لا يدري، ولكني أشعر بالعرفان لهذا.
هذا التقاطعُ الوقتيُّ بين بدايتي معكِ، ونهايته هو، ترك في داخلي أثراً ما، أنا الذي ما زلتُ أكتشف في نفسي كل يومٍ أثراً لسلطة انوثتكِ عليَّ، كنتُ أحاول التماسكَ أمام كلامكِ عنه. أمثِّل دور
الصديق الذي يمنحكِ كتفاً تبكين عليها. وفي داخلي يتوجَّعُ عاشقُ محبوس. ورحتُ ألوم قلبي الذي تصوَّر يوماً أنكِ قد تكونين حبيبته. ها أنتِ الآن تطلقين رصاسة الرحمة على وهمه.
وبقيتُ طويلاً بعد هذا الرجل أتوجَّسُ من شكلِ علاقتي معكِ.
كنتُ أخشى ألاّ أرتقي معكِ إلى أكثر من دور الحائط الذي تستندين إليه بعد التعب، أو كرسيِّ الحديقة الصامت الذي نبثه تباريحنا ودموعنا ثم نتركه، أو ربما محطة الوجع الذي يخلِّفه حبٌ في أيامه الأخيرة.
خشيتُ أن أكون آخر قصة تقفِلُ بها امرأةٌ كتابَ الحبِّ المؤرِّقِ قبل أن تتزوج.
خشيتُ أن أكون حكاية العشق ذات المنفعة الحدِّية السالبة التي لا تجدي شيئاً.
قرأتُ مرةً في كتابٍ فرنسي قديم: "الانفعال العاطفي الكامل لغةٌ إقليمية، يتكلمها بطلاقة رجلٌ جرَّب الحب، وامرأةٌ لم تجربه". قلتُ الكلمة نفسها لديار ذات هاتف. حشاها لي باروداً وأعادها إليَّ مرةً أخرى: "كل حبٍ جديد، ينزعُ من عيني الرجل غشاوةً ما، ويجعل على عيني المرأة غشاوةً أخرى".
يا ديار، حبُّ مها كاد أن يقلع عينيَّ من محجريهما.
أجابني بعد يومين، وهو يتكلم كجزيرة نارٍ تنطفئ في محيطٍ كبير..
تلك النجمة اللامعة التي تراها في السماء، إنها أقربُ إليك من أن تفي لك امرأةٌ عشقت رجلاً قبلك.
ديار، لا تبنِ أحكامك على الإطلاق.
قلوب النساءِ تشبه غرف الفنادق، يتناوب عليها النزلاء، ويبقى الفندق بأسره ملكاً لشخصٍ واحد.
ابتلعُ الصمت وأطرق. أفكر: لو كنتُ أنا هذا الشخص الواحد الذي يملك قلبكِ، ترى متى يرحلُ هذا النزيل الثقيل، سالم؟
يستطرد ديار:
لدي استثناءٌ وحيد، لكنه لا يعنيك.
ما هو؟
إنَّ امرأةً تحترم حبَّ الرجل الأول، هي الوحيدة التي تستحقُّ أن تكون حبه الثاني.
هل أفهم ديار بالعكس؟ هل عليَّ أن أحترم حسن من أجلكِ؟ كان هذا ما فعلته حقاً قبل أن ألتقي ديار بعد سنة. بقيتُ على احترامي لحبكِ القديم. كان صمتي إزاء كل حضورٍ كلاميٍّ لحسن فيما بيننا يشبه الانحناء الكبير أمام رجلٍ كبير مثله. أتى ورحل، ولم يفعل ما يستحق أن نزدريه به.
حتى مشاويرِك الصغيرة التي تقضينها برفقتي كنتُ أشمُّ منها رائحة حسن. آخذكِ إلى مكتب البريد. أترككِ تنزلين وحدكِ وتعودين بمظروفٍ كبير، تدسِّينه في حقيبتكِ وتسكتين، ولا أسألكِ
عنه شيئاً. وأنا أكاد أقسم أن على هذا المظروف أصابع حسن.
هل هي صوركِ أنتِ أعادها إليكِ؟ أم صوره هو أرادها أن تمارس دوره الغائب؟
هل كان يدري حسن أن من سيحملكِ إلى مكتب البريد لتستلمي رسالته هو عاشقكِ التالي؟
ربما لم تكن رسالة حسن على أية حال، غير أن صمتكِ إزاءها لم يزل يعكِّر جبيني. امرأةٌ مثلكِ تشبه الوطن الكبير، كلما ازداد اتساعاً أرهقنا أكثر في حماية حدوده.
أقلِّبُ في فاتورة هاتفكِ التي وجدتها مرميةً فوق سريرك، ألمحُ أرقاماً في بلادٍ لا يمكن أن يسكنها أحدٌ تعرفينه إلا حسن. خوفي منه يروِّضُ أسَدَ غيرتي فأموء لكِ مواءً: "هل اتصلتِ عليه؟"، يأتيني كذبكِ المرتعش: "لا .. لم يكن هو .. كانت صديقتي .. كان سالم .. كان .. كان .. "، وابتلعُ سؤالي ولا أكرره.
هنيئاً لكَ الحب الذي يبني نفسه بنفسه في غيابك يا حسن.
لماذا تعكسُ الأقدار قصتنا هكذا. أنتِ تقعين في الحب أكثر من مرة، وأنا أطأ عتبته الأولى في حياتي معكِ، فإذا بي الرجلُ الساذج الذي يتعلم منكِ أبجدية الحب، بعد أن كان أجدر به أن يحمل بين يديه شيئاً من فلسفته، ليغريكِ بها على الأقل.
لست أدري كم علَّمكِ حسن من الحب، ولكنه بلا شك قدرٌ كافٍ
لإبقاء صُوَرِه في أدراجكِ، ورسائله على مكتبكِ، ورائحة عطره في ذاكرتكِ.
أحببتِه هو لطولِ غيابه عنكِ، وأحببتني ربما لشدة التصاقي بك، لستُ أدري كم كان ينقصني من الظرف حتى يكون لغيابي كل هذه الجاذبية؟ شيءٌ من شتاتِ هذا الرجل كان مغرياً لأمرأةٍ مثلكِ لم تعرف من قبل كيف هي الحياة خلف جدران وطن. هناك، حيث يصبح للحب معنى آخر تختلف معه رائحةُ أجسادنا، وشكلُ كلماتنا، وطقوسُنا في الحب والكبرياء.
هذا رجلٌ تعلَّم من غربته الكثير وتعلَّم من حبيبته الأولى التي لَفَظَت آخر أنفاسها بين يديه الكثير أيضاً ثم جاء بكل هذه الأحزان التي تُغري بالحب، ليقِفَ على باب قلبكِ بعض الوقت، ثم يتركه، ويتركني وراءه عاجزاً عن اللحاق بعينيكِ المعلَّقتينِ بأطرافِ معطفه.
هل كانت الحياة لتمنحني بُعداً درامياً كهذا الذي يجعل امرأةً في الرياض، تشتهي رجلاً في مرسيليا؟ ربما. ولكني أذكر أن حزني جاء شاحباً، عادياً، لا يمكن أن يثير أكثر من شفقة.
بعض الأشخاص، حتى أحزانهم تجيء كما يشتهون.
****
تعاقبٌ رجاليٌ سريعٌ على حياتك، وما زلتِ تتراءين لي كلما أمضيتُ معكِ يوماً آخر كامرأةٍ تعتدُّ بأنوثتها حتى الحد الأخير رغم
الانحياز المجحف، والامتيازات الهائلة الممنوحة للذكور في البيت الكبير. كانت دهشتي واسعةً جداً وأنا أسمعُ منكِ هذه الكلمة لأول مرة: "لا تحتاجُ أنثى إلى رجل في حياتها، إلا لتنجب منه".
أذهلني انقلابكِ الداهم هذا على أساساتِ الفِطرةِ الكونية التي تحمل الحياة. أنا عهدتُ نفسي منذ لهو طفولتي مع الفتيات منحازاً إلى الأنثى في كل اصطداماتها الحياتية مع الرجل. لذلك لم أقف يوماً على طرف نقيضٍ معكِ في محاولةِ إثبات أو تفنيد هذا الأمر. لم أؤمن في حياتي بمبدأ الأضعف والأقوى، ولكني كنتُ أؤمن أن رجلاً قادراً على حماية أنثاه مما قد يؤذيها هو يفعل ذلك بدافع حاجته إليها أولا.
الرجل درعُ المرأة الواقي ضدَّ كل ما هو خارجيٌ ومؤذ. والمرأة درعه الداخلي من انقلابات روحه على جسده. كلاهما يحمي الآخر. وإذا كانت المرأة قادرةً على الاستغناء عن الرجل وحماية نفسها استناداً إلى المجتمع والقانون، فقد لا يجد الرجل ما يغنيه عنها. فليس في قوانين الدنيا ما يحمي أرواحنا من الانهيار والتفتت لشُحِّ الحنان.
المرأة هي الأقوى دائماً في معركة الحياة، ولو نَشَبَت هذه المعركة يوماً لرَفَع الرجال الراياتِ البيضاء قبل النساء.
كان اعتدادكِ بأنوثتكِ يوافِقُ في داخلي اعترافاً قديماً عندي بكل ما هو أنثوي، وانقياداً خفيّاً للأنوثة كمشروعٍ حياتيٍّ أكثر اكتمالاً من
الرجل، وأن الإناث هنَّ أساس الحياة وأمّهاتها. لذلك هنَّ أكثر تعداداً من الذكور على الأرض.
تساءلتُ الآن فقط، وأنا أكتبُ هذه الكلمات، وأتذكر منكِ تلك الكلمة، إن كان زواجكِ من سالم إذن لتنجبي منه فقط.
كم علامة تعجب تكفي لتغطية حيرتي؟ لا أدري بالفعل، هناك جوابٌ خفيٌ في قرارة نفسك، وأنا أؤمن أنكِ لن تبوحي به لي مطلقاً وأنا على هذه الدرجة من العتب.
نحن نبوح بالأسباب الكبيرة المقنعة الدامغة، بينما الأشياء الصغيرة قد نخفيها خجلاً أو هروباً من صعوبة تعليلها. هذه الأشياء الصغيرة قد تكون هي المسؤولة عن صنع القرار برمّته.
دعيني لا أحتار أكثر في الأسباب الصغيرة التي دفعتكِ للتخلي عني، والارتباط بسالم، يكفيني صداع الأسباب الكبيرة وجراحها.
****
بلغتُ فانكوفر في شتاءٍ دميم ولم أنتظر حتى تتراكم عليَّ ثلوجها. فزعتُ ببقية حرارةٍ تجوس في دمائي من الرياض، وحملتُ أوراقي في الأيام الأولى إلى سايمون فريسر، الجامعة التي قبلت شهادتي المليئة بعلاماتِ الرسوب، وجيوبي الممتلئة بقوتِ سنة تقريباً، لا أكثر.
أخذتُ خطاب القبول الرسمي حتى يتسنَّى لي استخراجُ هويةٍ
لإقامتي هنا. حملتُ أوراقي مرةً أخرى وفتحتُ مظلّتي التي لم أتعوّدها بعد، وخرجتُ أفتِّشُ عن عمل.
ما جئتُ لأرِّبي شهادةً أخرى. إنها مشجبُ الأعذار الذي علَّقتُ عليه أسباب رحيلي. كان يتأرجحُ بين عينيَّ بنْدول عُزلة، يحشرني داخل قوقعة دافئة، في صمتٍ لا يأخذُ شكل الموت. يمرُّ من فراغاتِ شوكةٍ تمشِّطُ شاطئ الذاكرة، وتأخذ الحصى والأحجار وآثار الأقدام، وتعيدُ الرمل ناعماً، كما كان قبلكِ.
من يُقنعُ أمي بأسبابٍ كهذه؟
ما أسهل أن يقنعها طموحي، وما أصعب أن يقنعها حزني.
وما أصعب أن ألفِّق حزني بالطموح أمامها.
سمعتُ بفانكوفر قبل سنوات، وخبَّأتُ اسمها في عقلي حتى احتجت إليه يوم قررتُ الرحيل. قَفَزَت إلى سطح أفكاري التي ما زالت هلاميةً بإلحاح. لا أدري ماذا كان يسوق قدميّ إلى مكانها البعيد. رحلتُ إليها دون رأي مبرَّر. لم أفكر كثيراً. كل المدن تتساوى إذا دخلناها بتأشيرة حزن.
كان عليَّ أن أجد عملاً ما حتى لا أبقى خاوياً إذا ما انتهت دروسي وطاوياً إذا ما انتهت مدّخراتي. لم يكن ذلك سهلاً على مدينةٍ تستقبلُ آلاف المهاجرين كل عام. كلُّهم يبحث عن عمل وأمل. وكلُّهم حزينٌ مثلي على وجه الجزم، فلا شيء يدعو إلى فراق الأوطان إلا حزنٌ ضالّ. أريدُ أن أحشو أوقاتي في هذه المدينة بكل الأشياء قبل أن
تحشو ثلاوجها عظامي غربةً ووحدة. ليس في كوفِّية الصوف دفءٌ لمهاجر. لا بد من فوضى أدفن فيها وجعي لعله يتوه بين دراستي وعملي، أو لعل ساعات اليوم تنتهي قبل أن يجد البكاء له بينها ساعةً شاردة.
بدأت دراستي بعد أسبوع لا أكثر، حملتُ الحقيبة الصغيرة وقلمكِ الأبيض الصغير وتعلَّقتُ مع المئات ذلك الصباح الماطر في عرباتِ القطار العلويِّ الذي يقوم في فانكوفر مقام الميترو في مدن أخرى. كان يقطعُ بنا المدينة وأتفرَّجُ على كل ما يمرُّ تحتنا من شوارع وأماكن لم أرها من قبل. بعد عدة محطات توقَّف القطار ومشيتُ المسافة الباقية من المحطة، ودخلتُ المبنى الجامعي. طويتُ مظلتي واجتزت البهو بخطى غريب. فتَّشتُ عن قاعة الدراسة. سلكتُ ممرين ووجدتُ نفسي أمام أستاذ شاب وحولي عشرون طالباً آخر.
تصفَّحتُ وجوههم على عجل، كانت ملامحهم موزَّعةً على أقطابِ الأرض في تنوّعٍ بيولوجي عجيب ربما يحيّرُ القادم من الخارج في أي بلدٍ هو. إنها كندا، أكثر الأذرع اتساعاً في العالم. ملايين الكيلومترات الشاسعة، ولا بشر كافون لملئها.
ملامحُ آسيويةٌ طاغية. على المقاعد الأخرى توزَّعت ملامحُ كأنها من أمريكا الوسطى والجنوبية، بدا واضحاً أنني العربي الوحيد في هذا المكان.
انتابني الشرود الأول في هذا المكان، أنا الذي لم أكمل في حياتي درساً واحداً لم أشرد فيه بعيداً، ولو دقائق قليلة.
تُرى، في أيِّ جامعةٍ تدرسين الآن؟
أعلم أنكِ لن تقبعي بجوار سالم في الغربة مثل لوحة. إنَّ دور الزوجة المكمِّلة لحياة زوجها لن يدور في أكثر أفكاركِ خنوعاً. أنتِ امرأةٌ تدور من حولكِ الأشياء وليس في الدنيا بعد ما يمكن أن يجعلكِ تدورين حوله إلا نفسكِ.
قلتِ لي مرة: "أكثر الأشياء التي أثقُ بقدرتي على النجاح فيها دراستي". المعجزةُ الصغيرة التي مرَّت على قسم الأدب الإنجليزي في الجامعة كانت أنتِ. تخرجَّتِ بتفوقٍ يدهشُ شكسبير وديكنز وإليوت أنفسهم. في عينيكِ يلمع طموحٌ ضخم.
ربما كانت فرصة إكمال دراستكِ خارج الوطن من الأسباب الصغيرة التي أقنعتكِ بسالم.
بالنسبة إليّ، كانت دراستي الجامعية هي الأكثر عثاراً في تاريخي. منذ عرفتكِ والأمور تتدحرجُ نحو الأسوأ، في البدء انبهاراً بكِ، ثم تحسّراً عليكِ. كنتُ أتهاوى فشلاً بعد فشل وأوهمكِ أني أحقق النجاح الذي يرضيكِ.
كذبي كان صعباً، ولكني لم أرد إيذاءكِ.
الفصل الدراسي الذي عرفتكِ فيه خسرتُ جميع موادّه. وعدتُ بخُفَّي حنين.
الفصلان اللذان أحببتكِ أثناءهما كسبتهما معاً للدهشة، كنوعٍ من إثباتِ الذات، حتى لا يصرفكِ فشلي وتأخري عن التخرج عن أمر الزواج مني يوماً ما.
كنتُ أرصفُ طريقكِ إليَّ بحماس طفل، وأحاول أن أجعله مغرياً بالمشي فيه.
الفصل الذي رحلتِ فيه كان الأخير. كسبته استجداءً. كنتُ أحملُ ورقتي المريضة لأستدرَّ إشفاق الأساتذة، حتى ساعدوني جميعاً على تجاوز الموادّ، تعاطفاً مع كُليتيّ الضعيفتين. تخرَّجتُ كقذاةٍ حقيرةٍ في عيون العلم مهندساً وضيعاً لا يصلحُ لشيء، إلا للحزن.
الحزن علمٌ بحدِّ ذاته، مَن قال إنه لا يحتاج إلى شهادة؟
من يستطيعُ أن يستقطر حزناً شفّافاً لا تخالطه مشاعر أخرى تغيِّر لونه وطعمه ورائحته؟
أنا أستطيع ذلك بعد سنتين من رحيلك، ها أنذا أكتبُ في حالة حزن فقط.
سقط من خلفي القلق. سقط الإحباط، التوتّر، الخوف، الوجع، اليبة، الكآبة، الجنون، الهمّ، الشتات، اليأس، المرض، الضياع، الأرق، التشرّد، الوهم، الحبوب، السجائر، البكاء، الغثيان، الضلال، السهوم، القيء.
كلّها سقطت، وبقي الحزن وحده صارياً مزروعاً في صلب السفينة.
لقد غيرَّ ديار في حياتي عادتٍ كثيرة.
لم يلقِّنِّي، تعلمتُ أنَّ السلكين إذا توازيا، ربما تنتقل شحنة أحدها إلى الآخر.
هكذا غيَّرني ديار.
****
جاء الخريف بعد أشهر. تركتُ شقّتي الأولى لأستأجر أخرى تملكها سيدةٌ عجوز، رأيتُ في انحناءً من أجل الزمن يشبه غاباتِ فانكوفر التي تنحني هذه الأيام لتبكي أوراقها. ففي هذه المدينة يقِفُ كل فصلٍ عند حدِّه تماماً، ولا يتجازوه. المطر وحده هو الذي لا يتوقف.
على الجسرِ العملاق الذي يربِطُ نِصفَي المدينة النائمة على قطعتين من اليابسة، يفصلهما مضيقٌ بحريّ، كانت شقتي الجديدة تمنحني حلم الطيور الوادعة التي تطير بين الضفتين لتنزل على شرفات بعض المنازل التي يترك لها أصحابُها كل صباح إفطارها من الحبوب وبقايا الطعام.
أدمنتُ الحنين في هذه الشرفة. كل مرةٍ أتخيَّلكِ تجلسين معي فيها. كم كان هذا المكان جديراً بنا. كأنَّ الجمال سينتهي من فرط سخائه ولكنّ القبح كامنٌ في داخلي أنا الذي جررتُ حزني كل هذه الأميال، لعلي أجِدُ في هذه المدينة تعويدةً للنسيان، وملاذاً من
الوحشة التي باتت معلقةً على جدران ذاكرتي مثل رؤوس الأيائل في بيوتِ الصيادين النبلاء.
يصبح وجه الحياة أصفر إذا شحَّ الأملُ في أسواقها. فانكوفر باردة، ولكن عظامي ترتجف برداً قبل أن أرحل إليها. كم هي صغيرةٌ المدن التي نسكنها إزاء المدن التي تسكننا. في طريقي إلى فانكوفر، قضيتُ ثلاثة أيام في باريس، وحيدا.
إجازةٌ قبل المنفى.
كنتُ أفكر في مدينة تشبهها. أفكر في حمّامٍ ضخم أغتسلُ فيه من ذاكرتي قبل أن أدخل على فانكوفر العذراء.
أطلقتُ قدميَّ في شتاء باريس وسمائها الصفراء المتحفظة مثل مدرسةٍ داخلية. بعض المدن تقلبُ الأشياء على نواميسها. تخترعُ جمالها، تتبهرجُ بطريقتها أمام زوّارها، ولا تحرّك في داخلي شيئاً.
سكنتُ غير بعيد من شارعها الشهير في فندق لا يكلفني الكثير في موسم الشتاء. عند بابه عجوزٌ فرنسيةٌ تبيع الحلوى بفرنكات وتبتسم دون مقابل. ابتعتُ منها كيساً، وبدأتُ يومي صباحاً فوق الأرصفة.
على ضفاف السين، شابٌ يجرُّ عجلاتِ كرسيّه بأمل ويعلِّقُ على ظهره لوحةً قرأتها بصعوبة: "لا تشفق عليَّ، أنا أسعد منك".
هذه الأرواح الطفولية يصعبُ أن نجدها في أيِّ مدينة.
في مقهى، جلستُ أمام رسّام من المغرب يرسم العابرين مقابل مبلغٍ زهيد فتح صفحةً نظيفةً على كُراسٍ واسعٍ يحمله وبدأ
ينقش وجهي وينزعُ الأقنعة المتراكمة عليه.
انتابني سكوتٌ عميق وأنا أتأمل المطر الناعم الذي يرشُّ الرصيف. قال لي:
ما بك يا صاحبي؟
لا شيء.
عاشق؟
أعدتُ عينيَّ إلى وجهه. كنتُ أفكر أن ألقي عليه نظرةً تزدري سؤاله غير المهذب. لا أدري لماذا برزتِ لي فجأة من ثنايا سؤاله وكأنه ذكر اسمكِ، أو كأنه يرسم الآن في لوحته جسدكِ عارياً.
أغار عليكِ من سؤالٍ يطلقة رسّام عابرٌ في مدينةٍ غريبة. يكبر حجم غيرتي ليشمل الأسئلة المبهمة.
طوَّحتُ بنظرتي بعيداً عنه بعد أن اكتشفتُ أنه مشغولٌ بلوحته وأنه لا ينظر إليّ وكأنه لا يبالي إذا كان سؤاله راقني أم لا.
قلتُ له:
كان هذا قديماً يا صديق. في أول الحب فقط يأخذنا السهوم، أما في حزنه فما يأخذنا هو الاستسلام لسطوة الحياة حتى بنظراتنا.
كلها استسلامٌ على كل حال. هذا للحياة التي تأخذ شكل الحب، والآخر للحياة التي تأخذ شكل الحزن.
اتخذت عيناه لون حزنٍ لا مبال، وراحت ضرباته على اللوحة تصدر صوتاً أعلى:
من أين؟
طنجة.
لماذا تركتها؟
بحثاً عن عمل شريف.
هناك أعمال شريفة أخرى تستطيع ممارستها.
نعم يا سيدي، ولكني أخاف المال.
تركني في صمت قبل أن يستطرد:
أبحثُ في وجوه الناس عن لقمة عيشي، ولقمة عقلي.
كيف ذلك؟
عشرون سنةً مضت وأنا أرسم وجوهاً. أستطيعُ الآن أن أخبرك أنك أكثر شبهاً بأمّك.
لم أُدهش، تصورتُ أن الرسّامين يكتشفون مثل هذه الأشياء بسهولة.
هذا صحيح، أنا أشبه أمّي كثيراً
لم تأكل جيداً طوال أشهر. ولم تنم جيداً كذلك. أنت محبطٌ بعنف يا سيدي.
كيف عرفت؟
عيناك يا سيدي. العينان دائماً فتحتان كبيرتان في صندوق النفس.
تركته يتفرَّسُ في ملامحي، وأطلقتُ عينيّ بعيداً.
ضايقتك؟
لا يا صديقي. إني أتأمل باريس قبل أن أتركها غداً.
عيناك في السماء، ما الذي يعلّقهما هناك؟
أليست سماء باريس؟
السماءُ كلٌّ لا يتجزَّأ. هذه نفسها سماء بلادك وبلادي. الأرضُ فقط يقطِّعها البشر.
كيف تجزم بهذا؟ أليس لكل بلدٍ أجواؤه الإقليمية؟
نعم، ولكن هل رأيت عصفوراً يأبه للحدود؟
صمتُّ لوهلةٍ لأفكر قبل أن أسأله..
والمشاعر؟
ماذا عنها؟
هل تأبه للحدود برأيك؟
ماذا تعني؟
لا شيء.
أنت تزيدني فضولاً. قل ما لديك ولا تخف، لن تراني بعد اليوم.
لا شيء يا صديق. كنتُ أفكر فقط إذا ما كانت مشاعرهم تتغيَّرُ إذا تجاوزوا حدود الوطن.
طوى لوحتي مثل رسالةٍ رومية وأعطاني إياها. نقدته أجر رسمه وفضوله. تركتُ فرنكاتٍ أخرى على الطاولة وقمتُ أمشي. مررتُ على مكتب بريدي. دسستُ اللوحة في مظروف وأرسلتها إلى عنوان أروى في لوس أنجلوس.
ألم ترفض أروى دائماً أن ترسمني؟
لأنها قبل وفاة يوسف بأسبوع فقط كانت قد أتمت لوحةً له.
كانت توقِّعُ على موته دون أن تدري. وعندما أفاقت ذلك الصباح من نومها ولوحته معلقةٌ على الحامل الخشبي مرَّت من جوارها وهي لا تدري أنَّها صبيحة لوحة رجلٍ ميت.
لم تجرؤ أروى أن ترسم أحداً منا بعدها قط. ولم تلوِّث ريشةً بلونٍ طوال سنتين كاملتين.
أتذكَّرُ ذلك الرسّام الصيني الذي اعتزل الناس وعاش وحيداً في كهف مع جماعةٍ مترهِّبة، وراح يرسم عائلته فرداً فرداً، هو الذي لا يسمع عنهم خبراً. وبعد سنوات، حمل لوحة أبيه ليحرقها أمام دهشة الجماعة. وعندما سأله أحدهم كان جوابه: لقد مات. إنَّ السواد يكتنف اللوحة.
وعندما أرسلت الجماعة من يستطلع الخبر كان أبوه قد مات فعلاً.
أروى هي الوحيدة التي يمكن أن تعني لها صورتي شيئاً هذه الأيام. حتى أنا لم يكن يعنيني هذا الشاحب في بياض اللوحة. لم
أرحل لأنسخ نفسي نسخاً أخرى بل لأتوحَّد مع مخلوقاتٍ كثيرة عاشت في صدري متنافرة طوال فترة حبك.
أحياناً افتِّشُ في حياتي عن شيءٍ أعيشُ لأجله ولا أعود بشيء. ومنذ أن فتَّشتُ عنه آخر مرة قررتُ ألا أعود إلى هذه الحماقة مرة أخرى.
أحياناً يَعِدُ الماضي، بخرابِ القادم.
إنه لا يموت، يظلُّ ينعقُ كالغراب في حجراتِ الذكرى حتى يلفت الأنظار.
إننا نشتهي الموت عندما نشعر أن موتنا سيُحدِث انقلاباً ما في الكون، ونتمنى الموت عندما نشعر أننا أتفه من أن يغيّر موتُنا شيئاً. فرقٌ بين الاشتهاء والأمنية.
أويتُ إلى شقة. وبدأ يأخذني جهدٌ دراسيٌ ضئيل وعملٌ بسيطٌ وفِّقتُ في إيجاده، يأكل مني نصف ساعات اليوم. الشقة التي استأجرتها من مس تنغل بدت كافيةً لإيوائي تماماً. وزَّعتُ فيها أثاثاً أفقر من أثاث غرفتي في الرياض. كتبٌ قليلة على الطاولة لهيمنجواي وغيفيك ودستويفسكي. أريكةٌ عميقة نمتُ عليها ليالي قبل أن أبتاع سريراً. أدوات مطبخ وتلفازٌ مستعمل ابتعته من مس تنغل نفسها.
شعرتُ أن خصوصية هذا المكان وانفرادي فيه يتيحان لي أن أضع صورتكِ التي حملتها معي في بروازٍ هادئ، وأسنده إلى ركن
سريري الأيمن. قميصكِ الأبيض المفتوح. وجهكِ الوضَّاء كشمسٍ هربت معي. وحياء جلستكِ الذي يقطر من ورق الصورة.
هذا الطرقُ العالي على باب الذاكرة لم يكن يزعجني، كان يمنحني أملاً.
ولم أكتفِ بطارقٍ واحد، فعلى تسريحتي الخالية، تركتُ قارورة عطركِ الأثير جين بول على مقربةٍ من إدمان الليل والنهار، وصهيل الشوق الموجع.
لم تكن رائحة هذا العطر بالذات تضوع وتنتشر ثم تختفي بعد زمنٍ مثل كل العطور. كانت تخترق أنسجة النفس. تبني مخيماتٍ وملاجئ تقيم فيها الروح الضائعة، ويتكئ عليها الجسد المتعب.
ذاكرة الرائحة أشدُّ ضراوةً في إلحاح الشوق، وأكثر احتكاكاً بجدران القلب. كأنكِ كنتِ تدركين هذه الحقيقة التي تعلّمتها من حسن، وأنتِ تتركين لي هذه القارورة الممتلئة قبل رحيلكِ. أدركتِ بحدْس أنثى تقيس دوختي دائماً أنَّ هذا العطر يذيبُ صمودي تماماً. يجمَّدني في مكاني حتى لا تبقى إلا الأنفاس التي تسحبه إلى الداخل.
إنه عطركِ الذي تمنيتُ أن يكون لي وحدي، وتمنيتُ ألا تكوني قد اخترته أيضاً في جملة زينتكِ المكرَّسة لجسد سالم.
ليتكِ تفين لي بهذا العطر على الأقل ما دام هو سيأخذ كل الأشياء.
قلَّبت مس تنغل قارورته بين يديها ذات يوم، كانت تبتسم لشكلها الذي يبدو كجسد امرأةٍ عارية، قالت:
هل تستخدم هذا العطر؟ لا يبدو لي رجالياً.
أستخدمه يا سيدتي، ليست كل العطور تُستخدم للجسد.
لأي شيء تستخدمه إذن؟
للذاكرة.
في يومٍ آخر، كان لديار تعليقه المغموس في جنونه. لمح القارورة على تسريحتي. لم يلمسها. فقط اقترب منها بهدوء وقرَّب أنفه من قمّتها البارزة، ثم رفع رأسه وهو يبتسم دون اهتمام قائلاً:
تبدو أنيقة.
تظاهرتُ بعدم الاكتراث:
من تقصد؟
أجاب وهو يغمز بجفنه المائل، ويبتسم بخبث:
ذاكرتك.
ولم أكن قد أخبرته عنكِ بعد.
****
لقد ألفيتُ مس تنغل طيبة جداً.
أحياناً أفكر: أيهما أكثر نقاءً ونفعاً لنا، الطِيبة المنعكسة عن سذاجة، أم الطِيبة المستمدة من فهمٍ عميقٍ لهذه الحياة؟
بعد أشهرٍ طويلة من جيرتي لها، استطعتُ أن أجزم بشيء. كانت مس تنغل من الشكل الثاني للطيبة ، صنو عطاء.
ظلَّت تلاحقني بكرسيّها العتيق محاولةً أن تخرج من رضائي المسالم بأيَّ عيبٍ يضايقني في شقتها. كان سكوتي يُرهِقُ رغبة امرأةٍ طيبة في العطاء. راحت تعتذرُ لي عن شقوقٍ طفيفةٍ في الدهان. شغَّلت جهاز التكييف مرتين. باب غرفة النوم يصدر صريراً خافتاً، ونافذة الحمام تنام خلفها بعض الطيور أحياناً.
لم أسألها إلا ما كانت تلبّيه هي من عند نفسها. كاد أن يكون التلفاز هدية لولا أن تمسَّكتُ بحياء الرجل ودفعتُ لها ثمنه.
سلفي في الشقة رجلٌ ميِّت. خلت لي الشقة بعد أن خلت منه الحياة. انهارت فوق رأسه شجرةٌ مثقلةٌ بالثلوج في الشمال. بعض الأشجار هناك يتجاوزُ طولها الثلاثين متراً. كَتَبَت عنه الجرائد أخباراً صغيرة. كان نحّاتاً جيداً، ينحتُ تماثيل سكان كندا الأصليين ويبيعها للسيّاح في متجرٍ له عند جسر كابيلانو. إزميله وأدواته ما زالت في مخزن الشقة وبضعة تماثيل قصيرة نصف منحوتة. سألتني مس تنغل أن أبقيها عندي في ركنها ذاك احتراماً لذكراه. وافقتُ خجلاً وأنا أتوجَّسُ من السكنى مع أصنام.
مرَّ شهرٌ وهي جارتي. قبل أن تجاوز عطاؤها حدود الجيرة بكثير. بيننا تحيّاتُ الصباح وحكايات المساء القصيرة. كلّما ذَهَبت لتتسوَّق عادت معها بشيء لي يتغيَّر كل مرة. كانت تمرُّ من وراء شرفتي نحو
السيارة التي تدمها يوماً واحداً في الأسبوع. تملكُ السيارة بسائقها هذا اليوم فقط. الأيام الأخرى يملكها مقعدون آخرون. تخرجُ صباحاً لتشتري ما ينقصها. تجلسُ في مقهىً مزدحم. تحضر جمعية الأيل. تزور متحفاً، معرضاً، مسرحيةً، أوبرا، وتعود مساءً إلى ستة أيامٍ من الوحدة أمام المضيق الهادئ.
لم تكن تتطفَّلُ عليَّ. أخبرتني بعد أن صرنا صديقين أنها كانت تشعر دائماً أنَّ ورائي حكايةً طويلةً بطول الساعات التي تراني فيها أجلس وحيداً في شرفتي، منكفئاً على البيانو الصغير الذي اشتريته بخُمْسِ ما تبقى معي من مال بعد أن نقدتُ الجامعة ومس تنغل أموالهما لستة أشهر قادمة. كنتُ أحاول تعلُّمَ العزف بسرعة. ليس عندي ما يعوِّضني عن كتابتي التي هجرتها تعسفاً رغم احتياجي إليها إلا الموسيقى. لم تعرف أصابعي سكوناً قاتلاً كهذا من قبل. لا بد من نقرٍ ما يسلِّي الروح.
قرأتُ السلّم الموسيقي ولكني لم أتقنه تماماً. كنتُ أتطفل على الأسوار وأتطاول على المحاذاة المتواضعة والتدرج البطيء. أحاول منذ الشهرين الأولين من تعلّم الموسيقى تقليد ياني في مقطوعته To The One Who Knows ، أصنعُ شيئاً يشبهها بعض الأمسيات. ولكني غالباً ما كنتُ أشردُ بنشازٍ بطيء حزين، يشبه انطفاء سيجارةٍ قدريةٍ في صدر بطل.
شيءٌ واحدٌ كان يجمع بيني وبين مس تنغل، الوحدة. أنا الذي ما
زلت ألتحفُ بها منذ وصولي قبل ثلاثة أشهر، وهي التي ما زالّت تسكُنُ في جسدها الضئيل منذ ثلاثين سنة.
على هامش الحزن، صرنا صديقين.
دعتني مرةً للعشاء في شقتها المجاورة. لم يتجاوز الأمر كونَهُ دعوةَ تعارفٍ لساكنٍ جديد، ولكني اكتشفتُ في منزلها مساحةً واسعةً من دفٍ كبير ربما كان ينبعث من ملامحها. عيناها طيبتان عفويتان. فمها دقيقُ تحاصِرُهُ تجاعيدُ العمر. شعراتها تنقسم بين الشقراء والبيضاء، وصوتها هادئ، ووجهها تَرَكَت عليه الحياة آثار عمرٍ من الخيبات المتتالية.
أكثر الأماكن دفئاً أحياناً وجوهُ المسنّين. إنها تريد أن تخبرنا، نحن الذين ما زلنا نتسكَّعُ أولَ الطريق، عن الكثير من خبايا الحياة، ولكنَّ صمتَ هذه الوجوه يترُكُ لنا تنوّعاً ثرياً للاعتبار.
خلف كل جعدةٍ من وجهها العجوز، ظَلَلَتُ زمناً أختبئ من ألم ما.
بعفويتها التي تدهشني أحياناً كانت تسألني، وهي تحتضن بين كفَّيها كوباً كبيراً من الشاي، وتميلُ بجسمها إلى الأمام قليلاً، وكأنها تستعدُّ للإصغاء.
لماذا أتيت إلى هنا؟
دراسةٌ أم عمل؟ ليس عندي رغبةٌ في الكذب على إنسانٍ جميل مثلها. ليس عندي أيضاً رغبةٌ في البوح لأحد.
انسحاباتٌ عديدة كنتُ لأختار منها باب هروبي لو أنَّ سؤالها جاء أقل وضوحاً.
لا أدري يا سيدتي. بعض الأسئلة، من فرطِ ما كرَّرنا إجاباتها على أنفسنا بإلحاح، لم تعد تقنعنا.
مطَّت شفتيها قليلاً أمام إجابتي المتحفِّظة، وهزَّت رأسها بفهم، وعيناها مطرقتان إلى الأرض. ابتَسَمَت بمكرٍ طِّيب وكأنما راقها ما قلته، أو شَعَرَت بتحدٍّ غريبٍ إزاء هذا الذي يفلسف إجابته الأولى.
رَفَعَت رأسها إليّ، قالت بهدوء:
دائماً نحتاجُ إلى أسئلة كهذه يا بني، أليس كذلك؟
بالنسبة إليّ، لم أعد أدري بماذا تفيدني إجابةٌ لم أكتبها بيدي؟ لماذا نسألُ ما دامت الأقدار هي التي تجيبُ في النهاية؟ أسئلتنا كلها غثيانٌ فكريٌ لا معنى له.
نحتاج إليها لنقِفَ في وجه فوضانا. كل الأشياء المحيطة بنا تتآمرُ أحياناً على خداعنا. إنَّ الغثيان الذي نقضيه مع بضعة أسئلة يقينا من صدمةٍ متأخرة من تلك التي تحترفُ الحياة مفاجأتنا بها، إمعاناً في إهانتنا.
لن تعجز عن إهانتنا يا سيدتي ولو وضعنا أمامها جيشاً من الأسئلة. أليست هي نفسها الحياة التي تصوغُ أسئلتنا هذه وتزرعُها خلف عيوننا؟ الحياة نفسها هي التي تَلِدُ المتاهة.
هل تريدُ أن تعيش في فوضى؟
لِمَ لا؟ بعضُ الفوضى يشبه الإضراب عن الطعام في سجن الحياة، احتجاجاً على الأقدار السيّئة.
ولكنها لن توفّر عليك أحزانك.
إنها تشتّتها على الأقل.
ستبقى معك.
خيرٌ من أن يذهب كل شيء.
*****
في قصتها تلك، كنتُ أصغي بحذر..
لم أكن واثقاً بقدرتي على احتواء حزنها لو أن ما ستقوله حزن. ولست أدري لماذا توهمتُ أن أمرأةً بهذا العمر قد تتكئُ على شابٍ مثلي ما زال يربِّي حزنه الأول، رغم أنها ترسمُ على فمها ابتسامةً رضيَّة، إلا أن الحزن القديم كان يتسرَّبُ بين كلماتها، يغمر الأرض والجدران، ويتحسَّسُ جلدي.
كنتُ قد تحرَّجتُ من المكث طويلاً بعد العشاء. تأبطتُ حيائي وهممتُ بالانصراف المرتبك، أخبرتني أنها لن تنام قبل أن تتناول دواءها عند العاشرة. كانت الساعة وقتها تحبو نحو الثامنة. وافقتُ على البقاء. لبثنا نتكلم كلاماً صافياً. كان العمر بيننا كبيراً جداً على انتقاء الألفاظ. فهي ستقبلُ من الشاب الصغير كل ما يقول، وأنا سأقبلُ من السيدة العجوز أيضاً كل ما تقول. كلانا يُشفقُ على الآخر من حيث لا يدري.
حدّثتها عن حدود حياتي الطافية على السطح، لم أحمل لها أعماقي المظلمة، قلتُ لها في معرض الكلام إن الحياة أحياناً يأخذها نزق العناد، كانت تبتسم بعمق، تنهدت قليلاً بينما لم يزل شبح ابتسامتها قائماً.
لديها أحزانها هي الأخرى. الحزن عنصرٌ ضروري لنكون بشراً. أما السعادة فشيءٌ استثنائي، وجوده أو عدمه لا يؤثر في إنسانيتنا.
راحت تسرده بطلاقة امرأةٍ لم تعد تخيفها الحياة، وعفوية من قصَّت القصة نفسها مرّاتٍ عديدة في عمرها.
أخذتني رعدة ترقُّبِ المحور الفاصل الذي تركها هكذا، وحيدةً ومقعدة.
تابعت حديثها:
بعد شهرين، لم تحتمل تربةُ الأرض ثقلَ المبنى. كان هناك خطأ ما في تصميم الشابين الصغيرين. فانهارت أجزاءٌ من طابقة الأول الذي أنجزناه ونمنا تحته تلك الليالي احتفالاً به فوقنا معاً. لتدفنه هو وحلمنا إلى الأبد، وتبقيني أنا كما تراني الآن طوال هذه السنوات.
أتأمَّلُ كرسيَّها المتحرّك الذي يحتضن جسمها الضئيل مشلولاً منذ ثلاثين سنة. كم من الخطواتِ كان يمكن أن تمشي هذه العجوز لولا تلك الحادثة القديمة؟ كم من الأخطاء كان يمكن أن ترتكب؟ كم من التأملات كان يمكن أن تُضِيع؟
الحبُّ الذي مات في بدايته، والحلم الذي قضى في مهده،
وقدماها اللتان أبقاهما الشلل هكذا، يا له من محورٍ حادّ.
ربما كان المحور الواحد هذا هو الذي جعلها تفهمني فيما بعد. هي التي قلبت حياتها إصابةُ عمل، وأنا الذي قَلَبَ حياتي حبٌ يائس.
ألي الحب أيضاً إصابة حياة؟
تشقَّقَ جدارُ سكوتي قليلاً. أشعر أني أرغب في الكلام عنكِ بعد أن بقيْتِ مدفونةً في شريان العمر منذ عرفتكِ. مس تنغل حميمةٌ جداً في كلماتها. ربما سمعتُ منها كلمةً آمنة. ربما منحتني تأشيرة عودة إلى الحياة، من يدري؟
استفزَّني هذا القالب الجديد الذي قفز إلى أفكاري وهي تتكلم، المحور.
هل كنتُ أحاول التنبؤ بشكل محوري بعد ثلاثين سنة؟ هل كنتُ أحاول فهم شيخوختي قبل أوانها؟
بالغتُ في أحلامي.
جاء كلامها محبِطاً. يشبه النصائح التي تموتُ دائماً في الهواء قبل أن تبلغ آذاننا لأنها تأتي دائماً في الوقت الذي نتوق فيه إلى سماع شيء آخر.
يتشابه كلامهم اولئكِ المسنوّن.
حاول أن تلتفَّ على محورك يا عزيزي، ما زلتَ صغيراً.
وكنتِ صغيرةً أيضاً يا سيدتي، فهل ترك لكِ الحزن مساحةً كافيةً للالتفاف عليه؟
أحياناً تحكمنا وعورةُ الزمن يا بني، أنا أعلم أنَّ تضاريس الألم لن تختفي إذا تركناها وراءنا، ولكننا إذا فعلنا، فقد نختلس، على الأقل، مجالاً أوسع للرؤية.
.....................
يُحفِّزها صمتي، تجتهد في كلامها بعد سُعالٍ خفيف:
لن يمسَحَ أحدٌ خيبتك، حاول أنت أن تعتبرها مجرد حقيقةٍ لم تتوقها فحسب.
لعلي أستفيدُ من خيبتي يا سيدتي، لقد تعلمتُ أن الاستسلام للحزن أحياناً أشجعُ من مقاومته، بعض الأحزان لم تأتِ لتقاتلنا، بل لتعتصم حول جراحنا أمام الأقدار.
استفد من خيبتي إذن، أنا التي أُخِذتُ لسنوات بهذا الاعتصام الذي تسمّيه، وما زلتُ منذ اليوم الذي انهار فيه ذلك السقط أجرُّ عجلات الأربع. لقد رفضتُ حتى جلساتِ العلاج. والآن أيقنت ألاّ شيء في الدنيا يستحقُّ أن نتحوَّل إلى جماداتٍ يا بني.
لم أجد حتى الآن قبراً يليقُ بحلمي بها.
أوه، مجرد عاشقٍ آخر. في هذه الحياة التي نعيشها لم يجعل الله مصائرنا في أيدي الآخرين، ولكنه منحنا ضَعْفاً كافياً لنسلِّم مصائرنا لهم.
سيدتي، هل كان حزنكِ صافياً أم مشوباً بالقهر؟
لا حزن يأتي وحده.
ولكن في قلبي جمرة، وهي لا تزال بين ذراعَي ذلك الأبله.
حاول أن تنساها، كم هي الأحزان الأولى صغيرة.
قالت مس تنغل كلمتها الأخيرة وانتزعت سدّادة الدواء لتزحلق من العلبة حبةْ واحدة، ثم تبتلعها بهدوء دون أن تشرب معها كأس ماء. لوهلة، ندمتُ أني أخبرتها عن محوري. صرتُ أسميّكِ فيها بعد تلك الليلة هكذا، حتى أوقفتني سخرية ديار عندما صار يسمّيكِ دائماً: Ms. Axis .
لا أجد منها ثمناً كافياً لبوحي. ألا يتقنُ المسنّون غير إسداء النصائح؟ "حاول أن تنساها"، كم هي كلماتهم سهلة. ألم تسأل نفسها قبل أن تتكلم إذا ما كنتُ أريد أن أنساها أم لا؟
أنا لا أستلذُّ حزني، ولكن نسيان حبيبتي حزنٌ أكبر.
أستأذنها في الخروج وقد التحم العقربان عند الحادية عشرة إلا خمس دقائق، وأتركها تطفئ الأنوار، وأمضي.
خرجتُ من عندها وأنا أشعر بضيقٍ خانق. إنها طيبةٌ جداً. لا أشكُّ في ذلك. ولكني أنا المغرور بأحزاني، من يأبه لي ولها؟ لماذا أطالبُ الجميع بفهمي كما يفعل الأطفال؟ أليس من الأجدر أن أفهم نفسي أولاً قبل أن يفهمني الآخرون؟
وهمُ سقراط القديم "اعرف نفسك".
لو عاش حتى اليوم ما عرف نفسه.
أنفسنا، أوعية الزئبق التي نولد ونموت فيها. إننا نعيشُ مدفوعين
بغريزة الغرور. نظن أننا سنعرفها ذات يومٍ قبل غيرنا.
خَلَقنا الله بشراً كي يفهم بعضنا بعضاً، فلا أحد يفهم نفسه.
لم أكن أرغب في العودة إلى شقتي. ما زالت أمامي ساعاتٌ قبل أن يزورني النوم، وقبل أن أتناول حبة دوائي كما فعلت مس تنغل، وأوي إلى فراشي. بقيتُ أمشي على ضفة المضيق الذي نقيم عليه أنا ومس تنغل. كان الشارع خالياً وأنا وحدي أدسُّ يديّ في جيوبي، وأمشي.
ضبابٌ كثيفٌ يكتنف دهاليزي الداخلية. كل وريدٍ عندي محشوٌ قلقاً، ويطرد دمه خارجاً.
أتوجَّسُ خوفاً من صمتِ المياه التي تُصغي إلى حفيفِ أفكاري، تلك التي تتحرَّكُ معي من أول الطريق، وتسقُطُ خلفي، فأمضي وأتركها. بعضُ الأفكارِ لا تستحقٌّ إلا السقوط.
لو كتبت لكِ رسالة، وصلتكِ صباحاً، هل ستأبهين بها؟
الرسائلُ التي لا تعرفُ كيف تدافع عن كبريائها أولى بها أن تبقى أوراقاً بيضاء، لأن في عالمنا الصغير هذا، مثل العالم الكبير، أزمة ورق.
يقولون: "تجاهل حاجتكَ إلى ما تفقد"، وأنا لا أعتقد أني أحتاج إلى الكتابة، ما دام الحزن راكداً، فشأنه ألا يُعكِّرَهُ ارتعاشُ الذاكرة.
****
تمرُّ الأيام على دهشةِ ابتدائنا، ونحن نبحثُ عن لقاءٍ تلو آخر. صار الشوق أكثر شقاوة، والحنين أكثر صخباً، ولذَّةُ مغافلةِ الجميع من أجلِ الحب كانت تسعدنا معاً. وكلما تركتكِ بعد أن نلتقي في مكانٍ عام، ضاعت في ذاكرتي ملامحكِ الجميلة، وصرتُ عاجزاً عن تذكُّرها متى أجنّني الليل، وصَهَلَ الشوق، ورحلتُ مع هاتفكِ إلى فردوسِ الحب الأعلى.
أعجبُ كثيراً لبرود الذاكرة تلك الأيام. كنتُ أسحبُ غطائي ليلاً، أغطي وجهي من الأشباح المترائية، وأجتهدُ لأرسم وجهكِ مرةً أخرى في جفني فلا أستطيع. أنظرُ إليكِ كصورةٍ مغبّشةٍ بنقاط المطر، أما التفاصيل الطازجة فشيءٌ منها يرهقني ولا يأتي.
صباح الأول من يونيو منحتِني باسم هذا الحب الوليد، أول قُبلةٍ في علاقتنا.
بكل حيائكِ المتمادي طبعتِها بسرعة على النُدبة التي خلَّفتها شفرة الحلاقة في ذقني، لأشعر أن نَفَسَاً من أنفاسكِ تسرَّب إلى رئتي، ليورثني سُكْرَ هذا الصباح وعربدته.
شهران مرَّا بين اللقاء الأول والقبلة الأولى. لم أكن أعلم إذا كان هناك معدّلٌ ثابتٌ تأتي بعده القُبل الأولى في قصص العشاق، أو أنها لا تأتي أصلاً، ولكني شعرتُ أنَّ قُبلتنا تلك جاءت في وقتها.
لأول مرةٍ نلتقي في مكانٍ لا يرانا فيه أحد. اخترنا فندقنا هذا بعناية في قلب المدينة التي تحاصر عشقنا. وفكَّرتُ في ألف خدعة، وألفِ
طريقةٍ ألتوي بها على عيونهم. وأخيراً جلسنا معاً في غرفةٍ جميلة وحدنا بعد أن أرهقتنا اللقاءات المتوتّرة في الأماكن العامة.
جلستُ في انتظاركِ داخل الغرفة، وكل ثلاث ثوانٍ كنتُ أقفز أمام المرآة. أيتها الفضيَّة اللامعة التي تمنحنا كل يومٍ غرورنا أو إحباطنا، لا تخذليني أمام مها. ثم أعود لأتأمل الشارع الصاخب من الطابق السادس. تأخرتِ قليلاً على ميعادنا هذا. فهمتُ بعد أشهرٍ إنها عادةٌ شهيرةٌ من عاداتك، لا تكسرها إلا هواتف سالم إذا خفتِ استياءه.
تناهت إليَّ طرقاتكِ خافتةً وخائفة. فتحتُ لكِ بيدٍ ترتجف سعادةً ونشوة. جاءني وجهكِ الجميل، ابتسامتكِ الشقيَّة، تحيّتكِ الخجولة، شفتكِ البارزة، وجان بول بنفسه اعتصر من دمه عطركِ ذلك الصباح.
جلستُ معكِ مأخوذاً باقترابكِ مني إلى هذا الحد. اختلطت أصابعنا العشرون ببعضها واختلط ريقنا في الملعقة الوحيدة التي نتناولُ بها الآيسكريم معاً ونحن نتحدَّثُ عن كل شيء، كل شيء، بحماس طفلين يلتقيان بعد إجازةِ الصيف، في أول يومٍ دراسي.
أخيراً، توقفنا عن الكلام وبقينا في تأمُّلٍ عميقٍ لمساحتي الوجهين.
لماذا حاولتُ أن أكون أنا صاحب القبلة الأولى؟ لماذا يجبُ أن يتمادى الرجل أولاً؟ لماذا دائماً أنتنّ اللاتي تغرين، ونحن الذين نعصي؟
رفعتُ يدكِ بارتباك وأنا أهمُّ بتقبيلها. ولم أكن أعرف كيف تُمسَكُ أيدي الإناث. قاومتني أنتِ بضعفٍ حييّ، وزادتكِ المقاومة الضعيفة إغراءً. انحنيتُ أخيراً لأول مرة، وزرعتُ قبلتي الأولى على ظهرِ كفكِ، مؤذناً ببداية لم أفكر في نهايتها.
بعد أن منحتكِ أنا ما يكفيكِ من حرج الابتداء، قبَّلتِ بدوركِ جُرحَ ذقني.
لماذا كانت أولى قبلاتكِ لي فوق جرح؟
هل لأنكِ كنتِ تعرفين من قبل كم من الجراح سوف تتركين في جسدي؟ أم لأنكِ كنتِ تعرفين أنَّ هذا الجرح في ذقني كان بسببكِ أيضاً حتى لا أتأخر عليكِ؟ أم لأنكِ اشتهيت أن تطبعي شفتيكِ فوق دمي مباشرة، بعيداً عن حاجز الجلد؟
قبلةٌ فوق يدك، قبلةٌ فوق ذقني، بدايتان خجولتان لتمرّدٍ بلشفيٍّ ضخم. تاريخُ القبلاتِ هذا لن أنساه.
كم كانت شهيَّةً وهي تنزلُ عليَّ مثل طائرٍ مسحور، وتتركني معلّقاً بين الخرافات، متأرجحاً بين الأساطير.
لأول مرةٍ أفهمُ معنى أن أكون واحداً، فتبعثرني امرأةٌ حتى الفوضى...
ولأول مرةٍ أجرِّبُ الإحساسَ بالرضاء المطلق من الحياة...
ولأول مرةٍ أعرفُ كيف يمكن أن أشتعلَ، ولا أحترق...
وأتشقَّق، ولا أنكسر...
وأدخلَ في غيبوبةٍ، ولا أموت ...
كنتِ مندفعةً وجريئة. وكنتُ هادئاً خجولاً. بيننا صباحٌ يُطِلُّ من شباكِ خلوة، وأريكةٌ تحملنا ولا تشعر بنا، ثم جاءت هذه القبلة، وتبدَّلت الأدوار، سكنتِ أنتِ مثل البحيرة، واندفعتُ أنا مثل الإعصار.
كم هو معقدٌ هذا الحب.
نحن لا ندركُ أيّ أورابه تحملُ الشفرة السرّية التي تفتح الأبواب، ولا نعرفُ صفحة البدايةِ في كتابه الخالي من الترقيم، ولا ندري من أين يبدأ، وأين ينتهي.
تقبيلكِ مدهشٌ لدرجة أني كنتُ أبقي عينيَّ مفتوحتين حتى تحتضر القبلة، وبين موتٍ ما وميلادٍ جديد، كانت خصلاتُ شعركِ متراميةٌ على ضفافِ الوجه، وكنتِ تقولين لي:
قرأتُ يوماً: لا تثقي بمن يقبِّلكِ مفتوح العينين.
لا تثقي بي إذن.
تأخذنا وهلةٌ من صمتٍ حنون، ثم تهمسين:
- ولكني أثق بك، ألست حبيبي؟
فكرتُ فيما بعد، إننا لا نثق بمن نحبهم دائماً، في الواقع نحن نتجاهل مسألة الثقة معهم تماماً.
كنتُ أؤمنُ أنه لا يوجد رجلٌ في الدنيا يمكن أن يشتهيكِ أكثر مني. قررتُ لحظتها أن أقبّلكِ حتى نهاية هاتين الشفتين.
عقدتُ معهما حواراً طويلاً، لم أكن أجيده بادئ الأمر، ولكني تعلمتُ، وقررتُ بعد دقائق فقط أن أفتح مدرسةً أشرح فيها أن مجموع شفتيّ مع شفتيك ينتج أربع شفاهٍ، ودوخة..
وأن عناقنا المحموم يفرز أربع أذرعٍ، وظمأ..
وأن احتضان الأكفّ يترك عشرين إصبعاً، وحيرة ...
وقلبين، ورئتين، وصدرين، ولسانين، وشهوة..
وانتحرنا حباً ذلك الصباح. تجرَّعنا كأس الرغبة حتى الثمالة. وأكلنا وشربنا وركضنا، ركضنا، ركضنا، ولم نتعب...
وبقي لنا العناق الطويل، الطويل..
لغةٌ غامضة يتكلمها كل ما يتماسُّ من جسدينا، وكل الأنفاس المفقودة من رئتينا، وكل النظراتِ التي أخفيتها عني حياءً، ونقشتُها أنا بالإزميل في قلبك.
الدهشة هي قطرةُ الحليب الأولى في فم أيِّ حبٍ وليد. وأنتِ أدهشتني هذا الصباح. كل انفعالاتكِ كانت حكاياتٍ قصيرة، وكل كلماتكِ كانت مواسم خصْب، ولمساتكِ كانت محاولاتِ طفلٍ على كرّاسته الأولى، وعيناكِ كانتا ثورةً فرنسيةً صغرى.
انسحقتُ تماماً تحت عجلاتِ روعتكِ ذلك الصباح. دختُ كثيراً مع أصابعكِ المتجاوزة، وشفتيكِ المرتجفتين، وكتفيكِ اللتين عادتا إلىَّ مكشوفتين تماماً، عاريتين أمامي، بعد أن ظننتُهما بعيدتين كل البعد عن أن أراهما مرة أخرى.
سكَّنتِ كل شيء، وحرَّكتِ كل شيء، في طقسنا المتقلب تحت سقف الغرفة.
كم كنتِ تجيدين العزف على أعصابي حتى يصيبني الدوار. كم كنتِ تجيدين الرقص في المساحات الخالية، والأزقة المغلقة، والمناطق التي يُحظر فيها التجوال، ويمنع منها الاقتراب.
كم كنتِ رائعة في سكونٍ بعد ثورة، وهدوءٍ بعد انفعال، وحنانٍ بعد وحشية أنثوية عارمة.
أيُّ امرأةٍ تشعِلُ كل هذه الحرائق، وتبعَثُ كل هذه الثلوج، وتغيِّرُ الأوقات في مفكرة الليل والنهار، والروتين في حركاتِ المد والجزر، ثم ترتدي ملابسها ببساطة، وترحل!
حالما ركبتِ في السيارة عند الظهيرة، قلتِ لي عبر الهاتف وأنا ما أزال ألملم نفسي في الغرفة:
ناصر.
لبيّكِ يا حبيبتي.
أشعر أني سعيدةٌ بك.
وأنا أيضاً.
وأحبك.
.............................!
أنا أيضاً أحبكِ أيتها الملاك الراحل.
لبستُ نظّارتي الشمسية استعداداً للخروج، كانت ياقتي البيضاء
تفضحُ بعد آثار حُمرتك، طويتها للداخل، وخرجت.
كنتُ أعلم أننا سنفعل هذا.
عندما تلتقي أرواحنا بهذا الجنون، فلن تقف أجسادنا بعيداً عن حفلة الحب هذه. يوماً ما لا بد لها من أن تلتقي هي الأخرى لأن ذلك الميلان العنيف الذي نروي به جهة الروح الظمأى، لا بد أن تقابله أيضاً أجسادٌ تظمأ هي أيضاً من أول الطريق.
كم هي محيّرةٌ فعلاً سلالم الحب. دورانها يثير الدوخة. بدءاً كنتُ أتمنى أن أهاتفكِ، وهاتفتكِ. ثم تمنيتُ أن أراك، ورأيتك. ثم تمنيتُ أن أصافحكِ، وصافحتكِ. ثم تمنيتُ أن أقبِّلكِ، وقبَّلتكِ. ولم يتوقَّف هديرُ الأمنيات، هناك دائماً من يرفَعُ السقوف.
بكل مهارة، كُنَّا نُدخِلُ أيدينا في جيوبِ الزمن، لنسرِقَ منه ساعةً للحب، في مكانٍ آمن أو غير آمن، يحتضِنُ شوقنا المبعثر، ويُخفي خلفَ جُدرانه وسقوفه انفجاراً مكتوماً من الرغبة، لا يشعر به أحد.
التقينا غداً وبعد غد في الغرفة نفسِها من فندقنا الحنون. تسرقين ساعةً من ناديكِ الرياضي القريب، وتنزلين عندي هنا. لم نرحم ستارةً تبكي، ولا مصباحاً يشهق، فلم تكن ترحمنا هذه الأشياء عندما كنا نقف أمامها بائسين، ينحتُ الشوق عظامنا، ويصيِّرنا تماثيل باردة.
الآن، جاءت لحظةٌ احتضنكِ فيها حتى يفقِدَ السريرُ عقله، ويفغرَ الشبّباكُ فاه، وتندُبَ المرآة حظها، لأني قررتُ أن أنتقم من الأشياء، بقوة جسدك.
كل ما يدور في ذهني الآن هو أن أراكِ بقدرِ ما تسمَحُ به ظروفنا المغلقة، وقبل أن يأزف رحيلكِ القريب، هذا السقفُ الزمنيُّ المؤلم الذي أجبرني على الانحناء أوجع حبي كثيراً، لأنه كان آيلاً للسقوط، والأيام من أمامه تتلاشى بسرعة، وأنا تحته أنتظرُ لحظة الانهيار الموعودة.
ربما كنتُ أسعى تلك الأيام إلى أن أملَّ منكِ بالإصرار على رؤيتكِ كل يوم. ربما تصورتُ أن هذا هو البرُّ الآمن الوحيدُ الذي يمكن أن ألجأ إليه حين يعصِفُ بي فراقكِ ذات ليل. لم أعرف إذا ما كنتُ بهذا الشعور أحاول الانسحاب من حبكِ بجبنٍ وهو في أيامه الأولى، ولكنَّ كل الأشياء أثبت لي يوماً بعد يوم كنت سخيفاً، وكم أكون دائماً سخيفاً عندما أحاولُ أن أرسم حدوداً لعلاقتي معكِ.
كنتُ من شدِّة الحب بحيث تغيَّرَ في قاموسي معنى الملل، وكنتِ أنتِ من شدَّةِ الروعة بحيث أبقيتِ عيوني معلّقةً في سقف انبهاري بكِ دائماً. لا تنزلين إلى مستوى الرتابة، فضلاً عن أن تصِلي إلى حدِّ الملل.
كم كنتُ أحتاج من ثلوج الدنيا حتى أطفئ شمعتكِ الساحرة؟ أنتِ المرأة التي تُطيلُ عليَّ النهار، حتى يبكي الليل، وتُطيلُ عليَّ الليل، حتى أُصبِح والشمسُ عاتبةٌ عليَّ كثيراً.
كل يومٍ كنتُ أعشقُ امرأةً جديدة، وأقبِّل امرأةً جديدة، وأغسِلُ نفسي على جسدِ امرأةٍ جديدة، لم تكن إلا أنتِ، وكأنما كانت تنزلُ
على جبينكِ كل ليلةٍ ألف نجمة، لا تعود في الليل التالي، وتنزلُ نجماتٌ جديدة.
ولكن أين أراكِ؟ مكاننا الآمن يتمرَّدُ علينا. أنتِ لا تستطيعين الخروج كل يوم، ولا كل يومين، ولا كل ثلاثة أيام، وأنا أشعرُ أنَّ العيون في الفندق توجَّسَت قليلاً من مرآنا معاً، فلم أغامر بكِ. مللنا اشتهاءنا الصامت في الأماكنِ العامةِ المحفوفةِ بالفضائح. أين يمكن أن أجلس مع حبيبتي في مدينةٍ كلها تخنقُ الحب وتحبسه في عروقنا؟
صرتُ ألتقطكِ وجلة من عند باب منزلكِ، وأهرُبُ معكِ خارج المدينة. نبقى وحيدين في متاهة الرمل والتراب. أترجَّلُ من السيارة، وآخذُ مكانكِ وأترككِ خلف مقودها في جذلكِ الطفولي. أتأملُ انبهاركِ البريء بحركةِ السيارة البطيئة، ويديكِ الجميلتين على المقود، وعينيكِ المعلقتين على الطريق المهجورة.
هل ستنسين يوماً أنني أول من علّمكِ القيادة في حياتكِ ؟
كان وجهكِ فائقَ الجمال فعلاً، وأنا تذبحني خُصلة شعرٍ كانت تنام على كتفيكِ بهدوء. نترك الليل يتسلَّلُ فوقنا. توقفين السيارة بعيداً عن الطريق وأدير بيدي وجهكِ إلى ناحيتي. ألتقطُ شفتيكِ تحت الظلام المُسدَل، وأتركُ أنفاسكِ الدافئة تتشعَّبُ في رئتي، وأحتضنكِ بقوة خلف المدينة التي تبدو أنوارها على بعد أميال.
تنامُ يدكِ اليسرى على رجلي في طريق العودة. ويأخذنا
السكوت، ونتبادل النظرات كلما سمحت لي قيادتي بذلك، ونظلُّ هائمين طوال الطريق الذي نتمنى ألا ينتهي ما دام في عينيكِ هذا الشعاعُ القَمَريُّ الحنون، وما دام صديقنا لوينلي ريتشي، يهمس عبر المسجّل بروعة في غنائه الحزين.
Hello
Is it me you’re looking for…
I can see it in your eyes …
I can see it in your smile …
You’re all I’ve ever wanted,
And my arms are open wide …
أقفُ عند باب منزلكِ. تنزلقين من جواري بحذر. تمشين خطواتٍ خائفة. تختفين خلف الباب، وأرحل.
سمعتُ من أخي عُمر ذات يوم أن جاراً لأحد أصدقائه ما زالت دماء عاشق ابنته قانيةً على عتبة المنزل منذ أن أوصلها إلى بيتها للمرة الأخيرة. أرتعشُ من تصور المشهد وأنا ألقي نظرةً على المرآة الخلفية لأتأكد أن لا أحداً يراني. لم تكن ردَّة فعل أهلكِ لتصل إلى هذا الحد طبعاً، ولكني كنتُ أخشى أن يقتلونا حرماناً.
بين شتاءين، أبحثُ عن فصلٍ آخر ألقاكِ فيه. أنتِ التي صار لقاؤكِ من ضروراتِ شعوري بالأمان والسكينة. أعجبُ كيف تكون لقاءاتنا التي تغصُّ بالترقُّبِ والقلق بواعثَ طمأنينة في قلبي
الهائم، وكيف تصيرُ عيناكِ اللتان تجسَّان الطريقَ ألفَ مرةٍ في كل ميلٍ تقطعه بنا السيارة واحتَي هدوءٍ ألجأ إليهما دون خوفٍ من الآخرين.
****
تفهم مس تنغل بصعوبة كيف يمكن أن يعيش الحب محاصراً في مدينةٍ ما، رغم أنها قالت لي ذات مرة: "بعض أنواع الطيور لا تتناسل في الأقفاص المغلقة". كنت أفكِّرُ في قولها هذه دائماً، تُرى لو تسنَّى للزوجين أن يطيرا قليلاً خارج القفص، هل ينسلان؟ فكرتُ في ذلك لأني شعرتُ أن حريةً كهذه، قياساً على ما أنا فيه، قد تبدو ترفاً مبالغاً في تخيّله. لشدَّ ما أتمنى لو يجمعني وإياك قفصٌ ما فحسب!
كانت تسألني بليل: "هل كنت تراها كل يوم؟"، وكنتُ أجيبُ بحرجٍ أجدهُ في نفسي: "ربما"، لكنني لا أتمادى في الكذب، لأن هذه العجوز كانت تعرِفُ حقاً كيف تحنو على إجاباتي الحائرة، فتسكُتُ عنها بعض الوقت، حتى تنهمر بين يديها كل الأمطار السرّية في ليلةٍ ما.
كنتُ أعلم أنَّ لقاءاتنا أكثر بكثير من المعدّل الذي يمكن أن يلتقي به شابٌ فتاته في مدينةٍ مثل الرياض، ولكن ظروفنا كانت سخيَّةً جداً، وتمنحنا دائماً المكان والزمان بكل طيبةٍ وتواطؤ.
أ؛اول أن أرسم صورةً مفهومة لشكل الحب في بلادنا أضعها أمام مس تنغل...
كم هو الحب في الرياض عنيف، لأنه مدفوعٌ بالثورة على كبتٍ متوارث، وكم هو خائف أيضاً، لأن مصير الثورات التي لا تنجح هو الإعدام.
بين عنفه وخوفه، ثمة فتيةٌ وفتيات يحاولون فرض لغة جيلهم. يتقدمون كلما آذاهم الكبار، ويتراجعون كلما أحسوا أنهم ساروا خطواتٍ طويلة وحدهم وشعروا بالقلق.
ويُزَيَّفُ الحب كثيراً هناك. كل شعورٍ مبهمٍ يؤوَّلُ حباً. الشوق حب، والرغبة حب، والشهوة حب، والتمرد حب، وكلها مشاعر منفصلة عن بعضها، تأتي وحدها وتختفي وحدها أيضاً، ولكن ثوب التبرير الداخلي الأكثر اتساعاً أمام الضمير، هو الحب.
الدونجوانية هاجس الكثيرين، وبعضهم يزحفُ نحو رومانسية وحيدة ولا يعود بشيء. تتصارع النظريتان في مدينة الأسرار. امرأة واحدة لا تكفي، وأخيراً، رجلُ واحدُ لا يكفي. ولكن دائماً، هناك امرأةٌ ورجلُ يكفي أحدهما الآخر لو سمح لهما الآخرون بذلك.
هل قلتُ دون جوان؟
يا لانزلاقات الذاكرة المؤلمة.
إنه اسم حسن في موقع الإنترنت الذي التقيتما فيه ...
أرأيتِ كيف يتركُ بعض الرجال حُفرهم العميقة في طريق
الآخرين؟ وكيف تدهن بعض الناس طريقنا بالحزن حتى ننزلق فيها بدون رحمة؟
فكرتُ أن أبحثَ عنه بهذا الاسم يوماً ما. لا بد أن أجد سلفي. لا بد أن أجلس معه على مقعد الحرمان المشترك الذي صنعته لنا معاً.
أريدُ أن أعلم فقط هل شُفي منه؟ أريدُ أن أعلم إذا ما كان من الممكن الشفاء من امرأةٍ مثلك. فما دمنا مصابَينِ بالمرض نفسه، فمن المفيد لي حتماً أن أطَّلع على ملفّه الصحي معك.
ولكن حتى لو تماثل هو للشفاء فعلاً، فهذا لا يعني أن أشفى أنا بالضرورة.
إن بُنية حبِّه أقوى، وأنا الذي هدَّ حبُّكِ عظامي.
وخبرتُه في الحب أعمق، هو الذي استطاع أن يقي نفسه منكِ بالانسحاب.
كما أنه لم يلبث معكِ إلا ساعاتٍ، وأنا احترقتُ بكِ أربعة عشر شهراً كاملة، حتى تمكَّنت عدواكِ مني تماماً.
هل سيعلّمني حسن إذا التقيته كيف ألقي امرأةً وراء ظهري قبل أن تفعل هي؟ هل سيعلّمني كيف أبقي جراثيم الحب بعيداً عن جسد كبريائي؟ هل سيفلحُ ذلك معي أم أنّي تأخرتُ كثيراً؟
هل فكرتِ يوماً ما أن لعبكِ مع الرجال كان خطيراً جداً؟
المرأة كوكبُ رشيق، له القدرة على تغيير مداره بسهولة، أما
الرجل فأصعبُ الحوادث الكونية لا تستطيع زحزحته من مداره أحياناً.
لهذا كان تغيير أقدار الرجال صعباً، وعواقبه وخيمة أحياناً.
ليتكِ غيَّرتِ أقداري فحسب، أشعر أنَّكِ تصرفتِ بي مثل يويو، فتأرجحت حياتي كلها على إصبعٍ واحدٍ من أصابع أنوثتك.
يأبى انفعالكِ المتمرد أن تبقي بعيدةً عن صفحات الرجولة الممنوعة. لم تقفي أمام الكتاب صامتةً حتى يفتحه لكِ زوجٌ ما. لم تجعلكِ النظرات الصارمة والوجوه العابسة تحجمين عن التطفل عليه. رحتِ تختلسين أزماناً من الحياة وتتسرّبين في أوراقه قصةً بعد قصة، وتمرّين على الصفحاتِ رجلاً بعد رجل.
وكان أسهل شيء عندكِ .. تقليبُ الصفحات!
لأن فضول الصفحة الجديدة، كان مغرياً حتى ينسيكِ دائماً صرخات الصفحة التي قبلها.
لم تعترض حتى الآن أي صفحةٍ على ما سرقته من سطورها. لم تكن لتشكوكِ أمام الملأ. لم يكن رجلٌ ليفضح نفسه فيعلم الجميع أن امرأةً تخلت عنه.
وعندما تملّين لعبة التقليب تفتحين صفحةً جديدة عنوانها سالم، وهو يظنُّ أنه صفحتكِ الأولى فيتباهى في استعراض رجولته، لا يدري أنكِ قديمةٌ جداً في هذا الكتاب.
أتساءل إذا ما كانت كل الصفحات التي مضت ستلتزم الصمت، وتترككِ تمرّين عليها مرور الكرام أو ..
مرور الإناث .
****
تتحوَّلُ مس تنغل إلى ملاذٍ لي من العيش وحيداً في فانكوفر. صرتُ أوافيها كل مساء بعد أن اكتشفتُ أنني إن لم آت، فلن يأتي أحد. وحيدةٌ هي منذ أن مات زوجها، ولستُ أدري كيف اخترقت وحدتها كل هذه السنوات وظلّت حية.
خَرَفَتُ نخيلَ انطوائي سريعاً. وبعد أسابيعَ من الألفة، اكتشفتُ أنَّ انزعاجي الذي كان في ليلتي الأولى عندها لم يكن إلا غرور رجلٍ حزين. كانت تفهمني بينما كنتُ أنا الذي لم أفهم أنها تمارِسُ عليَّ طبّاً أثناء تشخيصها. بدأتُ أرتاحُ للمكوث معها طويلاً. قد لا نتكلم. يكفي أن أتابع معها برامج التلفاز قليلاً لأشعر بدفء الأسرة التي أفقد. كانت تحذَّرني من البقاء وحيداً إذا كانت هي موجودة. تقصُّ أجنحة حيائي بلطفٍ وذكاء حتى صرتُ أجيء بيتها وكأنه بيتي.
بيتها الصغير لم يفقد قطّ طابعه الكلاسيكي الأنيق. نصفُ الجدار نافذةٌ تُطلُّ على المضيقِ الصغير، تدُّقها السناجب كل صباح. رأيتُ ذلك بنفسي وأدهشني. كان السنجابُ يحمِلُ معه حبة جوز أو حصاة صغيرة أو يكتفي بأسنانه، فيطرُقُ بها زُجال النافذة طرقاً خفيفاً حتى
تخرج إليهم مس تنغل بكرسيّها المتحرّك، وفي يديها غذاؤه من الخبر وبقايا الطعام.
ألا تكتفي كل هذه السنوات الطويلة من الجيرة لتغيِّر مس تنغل سلوك السناجب مثلما غيَّرت مسارات رزقها؟ كأنها كانت تشتري إطلالة هذه المخلوقات الصغيرة ببعض الغذاء، كما تشتري مني دموعي وحكاياتي الصغيرة، ببعض الدفء.
منذ أن بدأتُ أبكي أمامها دون خجل، أنا الذي لم أتعوَّد البكاء أصلاً منذ طفولتي، كانت تعتني حقاً بكل دمعة. أحياناً لم تكن تواسيني بقدر ما كانت تمنَحُ دموعي مكاناً يناسِبُ حضورها ومناخاً يجعلها تنزِلُ دون مواربة. ربما كانت لا تُشعِرُني أني أتجاوزُ كثيراً حدود علاقتي بها عندما أبكي، وتجعله يبدو انفعالاً طبيعياً، بعيداً عن الغرابة.
نصفُ الجدار الآخر كان مدفأة تصْطَفُّ إلى جوارها حواملُ معدنيةٌ مطلية تحمِلُ أكوامَ الخشب الذي تشتريه مس تنغل من بعض الباعة الجوّالين أو تطلبهُ أحياناً بالهاتف. وأماما كانت أريكتان لم تجلس عليها قط، لأن الكرسي المتحرك كان كافياً لجسدها الضئيل منذ ثلاثة عقود. هاتان الأريكتان هما لطالبي الدفء من أمثالي. أولئك الذين يزحفُ البرد في أوصالهم ويحتلُّ أنسجتهم وعظامهم، وتهبُّ العواصف في صدورهم، ويتمادى ربوهم في رئاتهم كل ليلةٍ يقضونها بعيداً عن الوطن، أو بعيداً عن الحب، فلا يوجد فرق.
كانت لي أنا وديار.
لن أكابر. كانت مس تنغل قد بَلَغَت من صدري ما لم يبلغه صديقُ أو قلم، ولم تكن خبيرةٌ في ذلك الشأن بقدر ما رأيتها حنونةً فيه. تفهمُ كيف تجعلُ من عينيها اللتين تحيطُ بهما التجاعيد منتجي احتواءٍ وأمان. لها بساطتها في فهم الأمور، وأحياناً عمقها في فهم ما وراءها. وهذا كثيراً ما يجعلني أستسلمُ لها سريعاً، وأستنكفُ من تحدّيها دون طائل، أنا الذي أجتازُ فعلاً أضعف أيام حياتي، في مدينةٍ باردةٍ مثل فانكوفر.
لم تبدُ لي مس تنغل من صنف العجائز اللواتي يبحثن عن الحكايات فحسب. بل بدت من أولئك اللواتي يزرعن الدنيا خيراً، قبل أن يرحلن عنها.
أتذكَّرُ كيف كنتِ أنتِ وحدكِ تملكين المفاتيح السرّية لهذا القلب، وهذا أمرٌ لا يتضمَّنه الحب دائماً. كثيراً ما نحب أشخاصاً نخفي عنهم الكثير، ولكني كنتُ إذا أخفيتُ عنكِ أشياء لا ألبث أن أذبحها بقسوة، ثم أحملها بين يديَّ إليك، وهي غارقةٌ في دمائها وإثمها. ذلك لأني قررتُ منذ يوم الحب الأول أن لا أخفي عنكِ شيئاً. فكل ما نخفيه في آخر المطاف سيتحوَّلُ إلى ندباتٍ في وجه الحب، ولم أكن أريدُ له أن يتشوَّه بها. الآن أنتِ بعيدةٌ جداً. رحلتِ عني وفي ذاكرتكِ كتابٌ كبير، أمليتهُ عليكِ بأمانة عاشق.
مس تنغل تريد أن تفهم قليلاً كيف يمكنُ أن يُحاصر الحب أحيانا.
معنى أن أعشق امرأةً لا أراها إلا لماماً بين الأسابيع. لم أكن أخجَلُ من وطني ولكني كنتُ أدركُ ما وراء سؤالها. ربما ظنَّت أن ما أعانيه هو حالةٌ من الظمأ ليس إلا، والكثيرُ من العشاق لا يكون عشقهم أكثر من حالةِ ظمأ فقط، وينطفئ عشقهم هذا حالما يرتوون من عيون حبيباتهم طويلاً. كأنَّ حرمانهم منهنَّ يؤجِّجُ العشقَ وينفَخُ فيه ليس أكثر، فلمَّا نزل القَطْر، خمدت النار.
هل هو الجنسُ إذن محرِّكُ الحب، كما هو محرِّك الحياة؟
سيؤذيني فرويد كثيراً لو حَشَرَ نفسه في حبي هذا. سيزرعُ التناقضاتِ في عمقِ اليقين حتى ينصدع. وأنا لستُ بحاجةٍ إلى جدلٍ يخرجني من كهف الحب.
عبر أشهر، جرَّبتُ الجنس معكِ وما جفَّ من حبي قطرةٌ واحدةٌ. وحتى قبل أيامٍ معدودةٍ من زواجكِ كان يرتوي أحدنا من الآخر، وكان فرويد معلّقاً على قوائم سريركِ بحبلين، مصلوباً على فقر نظريته.
سألتكِ يوماً هذا السؤال، في بداياتِ اكتشاف أحدنا للآخر:
هل تظنين أن حبنا يتأثرُ بالجنس؟
أخذكِ الحياء قليلاً، أجبتِ وفي كلماتكِ التواءُ الحروف في فم طفلةٍ خجولة:
لستُ أدري، ولكن ..
لكن ماذا؟
أشعرُ أنه يحدث فرقاً.
أنا كنتُ أؤمن بذلك أيضاً، أو أني آمنتُ به أثناء حبنا. لأن الجنس الذي يحفُّه الحب ليس جوعاً، إنما هو نداءٌ جسديٌ يحاول أن يشاركَ في حديث الأرواح.
ولكن ماذا عن ذنوبنا؟
هذه الصفحة الغائبة في كتاب الضمير. لماذا لا يحرقني الذنب وأنا أشرب منكِ إلى هذا الحد؟ لماذا يبدو ما نقوم به طبيعياً جداً كلقاء الأزواج؟
صدّقيني فكرتُ طويلاً في هذه النكسة التي سبَّبَها حبكِ في مبادئي، حتى شعور الذنب لم يكن يعتريني.
كنتُ أستغفر الله خِفيةً منكِ كلما انتهى التحامنا. لم يكن يؤرِّقني إلا أن يعاقبني على عدم تعففي عنكِ، بحرماني منكِ.
حتى معاييرُ العقوبات اختلفت.
أبقى في مرافعة الضمير الذي ربَّتهُ فيَّ أمي منذ الطفولة بحذرٍ ديني واع، وأتعلَّلُ بأنكِ راحلةٌ يوماً ما، فليس عندي الإصرار على المعصية، وأتعلَّل بأني لم آل جهداً في الزواج منكِ ولكنها الأقدار، وأتعلَّل أن مقامي فيكِ يقف قبل الحدود الأخيرة للمعصية بحكم عذريتكِ. أتعلّل وأتعلَّل بالكثير مما ألقيه أخيراً خلف ظهري، وأسجد لله سجداتٍ حائرة كلما خرجتُ منكِ، لعله يغفر لي.
سأتجاوز بعينيّ الآيات الأولى من سورة النور. ستجرحني يوماً ما
في دفاتر القوانين التي أمليتها على نفسي قديماً والاستقامة التي اعوجَّت فيَّ وأخشى ألا يقيمها الاستغفار، والحسُّ الدقيق بين جنبيّ الذي يتمزَّقُ بين سحر حبكِ وآياتِ موسى.
لن تفهمني مس تنغل في هذا. هي أنجبت طفلها الوحيد قبل أن تتزوج من أبيه، فإذا بإرادة الله تحرمها منهما معاً، فيقضي زوجها تحت أنقاض مبناه، وتمنعها الإعاقة من حقِّ حضانة ابنها فيُودَعُ داراً عامة لرعاية الأطفال، حتى كبر.