الفصل الرابع

5 0 00

الفصل الرابع

قال:

دعْ عنك الجلوس على البحر. منذ سبع سنوات وهو لا يظنُّني إلا جزءاً ناتئاً له سِمة ما يبرز من الشاطئ الذي يقيئُ عليه منذ القدم.

ستدركُ بعد حين أن آخر ما يمكن أن تحترمه الأشياءُ الأخرى على الكوكب، هم البشر.

كان مساءً ينتظِرُ وخزةَ الليلِ الأولى. ذوت الشمسُ قليلاً وانزوت دافئةً في آخر الأفق. كنا في ذلك الوقت من المساء الذي نشعُرُ فيه برغبةٍ في البكاء لا نعرف لها سبباً، عندما تأخذ الشمسُ طريقَها ذليلةً نحو مغربها.

تلك التي تحقِنُ فينا الحياةَ منذ الصباح، ها هي تحمِلُ حقائبها لتَشْرُدَ في الكون.

دائماً أكرهُ الغروب لأني أراه تآمراً على النور. يقف البشر أمامه

عاجزين كل احتضارِ يوم. إحباطٌ كونيٌ متكرِّر يبعَثُ في أجسادنا الضعف مثلما يبعَثُ في الأفق الظلام.

كان دِيار يتكلمُ بصوتٍ خفيض، وسيجارته تتأرجحُ في فمه، وعيناه منتصبتان على الأفق، منغلقتان تقريباً إلا من شِقٍّ صغير ينظُرُ من خلاله. يمرُّ بنا كيسٌ ورقيٌّ صغير تتقاذفه الريح. ينتبه ديار، ويسحبُ نفساً من سيجارته، ثم يتكلم من بين الدخان المندفع مع هواء البحر.

تأمّل هذا الكيس يا صديقي. اتبعه ببصركَ لدقائق تره ينسحِبُ على تراب الأرض، يرتفع أمتاراً، ثم يهوي. ينتفخ بالهواء، ثم تُفِرغه الريح من كل شيء، فتلتصقُ أطرافه ببعضها ويطيرُ إلى مكانٍ آخر. تخيَّل ضعفه وهوانه وهو لا يملك حتى القدرة على السكون. تخيَّل أنتَ أن تفقد يوماً ما كل شيء، حتى قدرتك على الموت.

أتأمَّلُ الكيس معه بدهشة. أتذكَّر فيلماً فيه شيءٌ كهذا ربما رأيتُه معكِ. ولو كنتُ أعلمُ أنَّ ذاكرةً الأفلام التي رأيتُها في غرفتكِ طوال سنة ستؤلمني فيما بعد ما رأيتُ معكِ أيَّ فيلم.

ينفض دِيار دخان سيجارته، ويهمس في ذهولي ببطءٍ مخيف:

ذات يوم ستكون مثله، فاترك البحر.

يرحل الكيسُ بعيداً، وتنطفئ الشمس وسيجارةُ ديار معها في منفضة البحر الضخمة. تدهمني غربةٌ شديدة، فأطوي قدميَّ

وأضمُّهما إلى صدري بقوة، وأسند ذقني إلى ركبتيَّ، ويخرج من عينيَّ نورسٌ قَلِق.

تركتُ ديار يتكلم وقررتُ أن أتكئ على كلامه أياً كان. ما دمتُ لا أملكُ في داخلي كلمةً يمكنها أن تنتصِبَ واقفةً في وجه الريحِ التي تتربص بي بعد أن أوجعتِ الكيس. سأصمتُ قليلاً، وسيقول:

قضيتُ خمس سنواتٍ منذ أتيت وأنا أسلِّمُ نفسي لأشياءَ أخرى، وكل ما كنتُ أؤمن به أنني في آخر المطاف شيء مثلها، ولا بد أن ينفعل أحدنا مع الآخر لنشكِّل لنا حياة. ولما كنتُ أشعُرُ أنها أقدمُ مني في المكان فقد تركتُ لها كل شيء، وبقيتُ تحت رحمتها. تحرِّكني وتتحرَّك داخلي، وأنا أعيدُ لها زمامي كلما انفَلَتَ من عِقاله في لحظةِ تمرُّد.

فهمتُ، بعد سنوات، أنها لم تكن تشعُرُ بي في مداراتها اليومية؛ أشياءُ لصيقةٌ جداً بي. البحر هنا، والثلج هناك. الأرصفةُ التي تمشي ونحن واقفون، مقود السيارة الذي يُشكِّلُ الطريق، شرفةُ المنزل التي تغرُبُ عن الشمس، ملابسي التي تبتلُّ فوقها السماء، وأنا أيضاً لم أكن أشعُرُ بنفسي.

وأنا أيضاً لم أكن أشعر بنفسي مع ديار، كانت أعصابي ترتجفُ في داخلي. أشعلنا سيجارتين معاً هذه المرة، وانسَحَبَ الدخانُ إلى رئتيه بقوة، وظلَّت لفافتي تأكلها النار على مهل. لم أكن أستعجِلُ موتها. ربما كرهتُ أن أسلِّم للريح ضحيةً أخرى.

قلتُ له بهدوءٍ قَلِق:

لن تتركَ الأشياءُ واجباتها الكونية من أجلنا يا ديار.

أدركتُ هذا متأخراً للأسف، وبقيتُ لسنتين أهربُ من وجهٍ لا أراه، ولكني أظنه يطاردني منذ لفظني العراق، حاولتُ أن أستعيد نفسي من هذه الأشياء، ولكنَّها كانت تجهلُ أين تَرَكتني آخر مرة.

وقفنا لنمشي. سبقني هو بخطوات، ووقفتُ أنا لأتأمل قامته من الخلف.

هذا الصاري الملقى هنا منذ انتفض الجوع. كم من الأعاصير تقاذفته موجةً بعد موجة حتى وصل إلى هذا الشاطئ؟ وكم من صهواتِ الحزن كان عليه أن يمتطي حتى يقف هنا يوماً ما؟

مشيتُ معه. ربما كنتُ أحتاج إلى ذاكرة أخرى وبلد آخر، أنا الذي التحفتُ بالغربة قبل أن يفقد قلبي حزنه، وقبل أن أجفَّ في صحراء بلادي. قررتُ أن أراكُمُ كلماتي على بعضها قبل أن يستفحِلَ الصمتُ في جسدي.

يقول:

صار حزنكم أيضاً ترفاً تستمتعون به، كأنك لم تفارِقْ وطنك يوماً وأنت تعلم أنك لا تقدر أن تعود إليه. ستحملك الريحُ بعيداً قبل أن تجرِّب حدَّاً من الألم، وقَدْراً من البرد، يُعلِّمك كيف تنسى هجرتك المترفة هذه وتعود إلى وطنك.

في عينيه ثمَّة عطف، ولكنَّ كلماته قاسية. تعوَّدتُ عليها قليلاً لأن

هذا ليس هجومه الأول. التقينا عدة مرات في مقهى كبير في شارع روبسون في فانكوفر، وفي كل مرةٍ كانت تهاجمني عيناه، حتى تعارفنا، فاتخذ لهجومه أسلحةً أخرى.

كان عربياً بنظراته. يتوجَّسُ الحذر ويغلِّفه بحفاوةٍ تشبه التحدي، وكان لا يحتاجُ إلى أكثر من نظراتي ليفهم أني وحيد، أجلسُ في هذا المقهى لأكتب درساً أو أنجز عملاً، هارباً من شقتي التي تُلبِسُني ثوب الوحدة، لاجئاً إلى من لا أعرفهم، ولا يعرفونني، ولكني أرى فيهم مجتمعاً بشرياً يبعثُ حدّاً أدنى من الأمان على الأقل.

كنتُ أتأمله وهو يفرغ أكياس السكّر في قهوته، ثم يحرِّكها ببرود، ويحمِلُ الكوب بين يديه، وتنقبض ملامحه وهو يرشِفُ رشفةً كبيرة، ثم يترك الفنجان المنهك، ويشعل سيجارته ويعتدل، ليكسر نظرتي البلهاء.

يبدو صلباً. وأنا فقدتُ هذه الحالة الفيزيائية منذ أتيت. عينه اليسرى تنكسر قليلاً لتترك في نظرته ازدواجاً ما يظهر أكثر وضوحاً إذا نظر إلى ما هو أدنى، مثلي مثلاً. وسامته مُرْهَقَةٌ جداً، بذقنه التي لم تحُلَق منذ أيام، وخُصلاتِ شعره الكثيف المتناثرة على جبينه، وشفتيه السمراوين من أثر التبغ.

ذلك اليوم، شعرتُ أنَّ معركةَ النظراتِ ليست في صالحي. هربتُ من تحدِّيه وتركتُ مكاني ذاك، وعُدْتُ في المساء التالي لأجده في المكان نفسه، والهيئة نفسها التي تركتُهُ فيها البارحة، كأنه

نام هنا. شعرتُ تلك اللحظة أني بهيئتي الجديدة التي أتيتُ بها، والطاولة الأخرى التي اخترتها أبعد من طاولة الأمس قليلاً، أبدو نشازاً في ثبات اللوحة. مساءاتٌ التقينا فيها دون أن نعرف بعضنا. ألفتُ ملامحه ودخانَ سجائره ونظراتِه القاطعة، ولهجته العراقية التي يرحِّبُ بها بصديقٍ عربيٍّ عابر.

وعربُ فانكوفر قليلون. بخلاف المدن الشرقية من كندا التي تغصُّ باللبنانيين المهاجرين، والسوريين، والفلسطينيين، حتى صار لحضورهم أثرٌ شاميٌّ وجبليٌ بارزٌ في مونتريال وتورنتو وأتوا وغيرها من مدن الشرق.

لم أعد أدري في هذا الزمان من الذي ضُربت عليه الذّلة والمسكنة فعلاً. لا نريد أن يكون لنا أُثرٌ بارزٌ في بلادٍ غريبة، نريد أوطاناً لا يطردنا منها أحد فحسب.

كل إنسان عربي يطأ لأول مرة هذه الأرض مهاجراً من وطنه إنما يؤرّخ لظلمٍ ما.

كم من المحاكم نحتاج حتى نعيد كل مهاجر إلى وطنه؟ وكم من العمر سيكفيهم انتظاراً لهذه القضايا الأبدية؟

هو ديار، متظلِّمٌ آخر في المنفى.

ذلك اليوم، تجاهلتُ وجوده أمامي في المقهى، وأسندتُ رأسي إلى يديَّ الملتقيتين بزاويةٍ حادّة عند طرفّي جبيني، ضاغطاً

أعصاب العين، وغارقاً في فوضى الطاولة.

بعد أن رفعت رأسي كان لا بد أن أنتظر قليلاً حتى تستردَّ عيناي القدرة على الإبصار. أثناء ذلك، سحب هو الكرسيَّ المقابل وجلس أمامي قبل أن أفيق من إغماءتي الصغيرة.

ديار، من بغداد.

ناصر، من الرياض.

إنه مثلي، يشعر أن انتماءه إلى مدينة أشملُ من انتمائه إلى وطن.

****

تحدَّثنا طويلاً، وشتمنا كثيراً، كثيراً ..

الشيء الوحيد الذي عجزت عن قمعِه كلُّ الأنظمة العربية تقريباً هو ألسِنة مواطنيها، ولو زرعوا المقاهي رجالاً، ولو جعلوا الكراسي والطاولات نفسها جواسيس على روّادها، لبقيت سخريتهم أكثر المسكنّاتِ الشعبية تداولاً.

عندما يلتقي الغرباء قلّما يتحدثون عن غير الوطن. إنهم يتبادلون الجراح خفيةً، ويستعيدونها عند التفرق، حتى يلتقوا مرةً أخرى.

المدهش أن جراحاتِ الغربة حجمُها ثابت. ربما كان أفضل ما تفعله الغربة بنا أنها توقف تمدد الجرح. أما الشفاء، فمعضلةٌ مستحيلة.

والمدهش أيضاً أن جراحاتِ الغربة هي الجراح الوحيدة في

الحياة التي يمكن أن يرثها الأبناء من آبائهم دون أن تندرج تحت قوانين الوراثة. لن ينسوا أبداً أنهم منفيون، مهاجرون، هم الذين لم يروا سماء بلادهم أصلاً ، ولا وطئوا ترابها.

كيف ورثوا المأساة؟ إنها حتماً قوانين الحزن الوراثية التي لم يضعها مندل.

رغم هذا لم أكن متأكداً إذا ما كان ديار يستطيعُ أن يفهَمَ حزني، غير أني اجتهدتُ منذ البداية أن أجعل هذا الفهم معقداً قدر استطاعتي، لأنه كان قاسياً جداً في انتقاد مشاعري، متسرِّعاً في أيِّ حكمٍ يُطلقه، وقاطعاً فيه لا يتراجع، ولم أكن أجد في نفسي الرغبة في جداله، وتحدِّي قناعاته.

كان ثورياً بعض الشيء، بل كان كل الشيء، من اولئك الذين نفكِّر أحياناً قبل أن ندخل معهم في معارك صغيرة.

قال لي مرةً قبل أن يقوم:

لا تكن يائساً كرجل، كُن طموحاً كامرأة.

لم أفهم لمذا يصرّ على أن تكون كلماته قاطعةً إلى هذا الحد؟ لماذا يملأ الجُمل بأفعال الأمر، وحروف النهي، ويتحاشى حروف العلّة ما استطاع، ثم يطلِقُها ساخرة بعض الشيء؟ لو أن رجلاً غيري هو الذي تكلّم معه لجادله طويلاً، ولو أني صادفته قبل هذه الزمن لكنتُ معه على غير ما أنا عليه الآن من ركونٍ وهدوء.

جبروتُ لسانه يُعجزني كثيراً، وأنا لساني فقد العديد من مهاراته

الحوارية لطول ما احترف الصمت، ولم يكن لي بدٌّ من ذلك.

ربما نسيتُ الجدال العربي في جملةِ ما ضيَّعتِ الغربة من مآثري العربية الأصيلة، ولكن غربته هو كانت أولى بذلك وقد طالت سبع سنوات. كان رجلاً يُعجِزني ببساطة في تكلّمه. أطلبُ أنا كوبَ ماء في عشر كلمات لشدة توتّري، بينما يختصِرُ هو حياته كلها بجملةٍ واحدة..

في الشرق وطنٌ يحترق، وأنا بعض هشيمه المتطاير.

يدي تحملُ له كوبَ شاي وترتعشُ في زلزال نبرته، ويلجمني السؤال: كم من الجمر خلَّفه هذا الرجل وراءه في وطنه ذاك؟

رُبع قرنٍ والعراقُ يحترق ... ولا تفنيه النيران! هذا المارد السومريُّ القديم. إنها تأكل طُغاته لتُنْبِتَ الأرضُ غيرهم، ويموتُ الناسُ ثورةً بعد ثورة، وحاكماً بعد حاكم، ويدفعُ الشعبُ ثمنَ شاطئٍ مليوناً من أبنائه، ليتنازل عنه الكبير بعد سنوات قربان سلام، ثم يبدأ موتٌ آخر.

قال ديار..

صارت بغداد مدينةً تعبُدُ الموت وتقدِّم إليه كل يوم قرابينها من الأطفال والثائرين. في الشوارع كلابٌ كثيرة. ودجلة ما زال صامتاً حتى الآن، والفراتُ الذي عرفناه ثائراً أصبح جاسوساً للنظام.

ديار يتنهَّدُ لأول مرةٍ منذ عرفته ثم يكمل حديثه:

دكَّتنا ثلاثون دولة. لم يجتمع في تاريخ البشرية هذه العدد من

الأمم على أمّةٍ واحدة. حتى الحروب الصليبية كانت أكثر اعتدالاً من هذا الإسراف الحربي. مات في نيرانهم من مات. أما من نجا فلم يَنْجُ من وطأة الجوع والمرض.

أعادني ديار إلى الوراء.

كانت حربُ الخريج حربَ طفولتي. استيقظتُ صباح الخميس وأنا أحاول أن أفهم بمنطق الثانية عشرة أنَّ دولة أكلت دولة، وهي الآن في طور المضغ. كنتُ أراوحُ النظرات في وجوه الكبار المستنكرة المندهشة، وأحاول أن أختلس منهم ملامح أستطيع أن أكسو بها وجهي معهم حتى لا أبدو صغيراً على الفهم.

ولم تستمر حالة الحيرة هذه طويلاً. صحف الغد كفتنا عناء البحث عن الشعور المناسب تجاه الأزمة، ووزَّعت علينا أقنعة الموقف كما وزعت أقنعة الغاز فيما بعد. كان علينا جميعاً أن نستنكر ونغضب ونلعن كل ما هو عراقيّ قبل أن ننتبه بعد سنوات، أو نتظاهر بالانتباه، أن شعب العراق كان الضحية الأولى لحماقة رجلٍ مغرور.

اندفع الآلاف من الشعب الهارب. تدفَّق سيل الكويتيين علينا عَرِمَاً ومع كل دفقٍ منهم مأساة ما. ارتسمت على وجوه الجميع علامات ذهولٍ حفر نفسه في ملامحهم. لم يفهموا لماذا جاء القدر محورياً إلى هذا الحد؟ لماذا لم تسودّ السماء قبلها؟ لماذا لم تعصف الريح سبع ليال؟ لماذا لم يأتيهم نذير؟

هل ابتلى الله مؤمنيهم، أم عذَّب عُصاتهم؟ أم أنها مجرّد حكايةٍ سوداء في سياق القدر كان هامشها مؤلماً؟

كان السؤال الذي يخشون جميعاً إجابته: هل سيعودون؟

لأنهم خرجوا جميعاً مثل فلسطينيي 48 الذين كانوا يرددون: غداً نعود.

أربعة وخمسون عاماً مضت ولم يعد الفلسطينيون حتى الآن. رغم الحروب التي خاضها العرب مع إسرائيل، ورغم الجهود التي بذلها العالم أثناء ذلك، ورغم المجازر التي شاهدها الجميع في الأراضي الفلسطينية، لم يعودوا.

فلماذا كان يمكن أن يعود الكويتيون تلك الأيام؟ ليس في أرضهم حرمٌ يهفو إليه المسلمون مثل القدس، وليس من يواجههم عدوٌّ أزليٌّ مثل اليهود، بينما يتفجَّر تحت أقدامهم نفطٌ يجعل الخيانة السياسية من الدول الصديقة مبرَّرةً جداً إذا اقتضى الأمر.

في ظرف أسابيع، امتلأت الإسكانات العامة، والمدارس المعطَّلة، والمباني الحكومية الخالية، بأسرٍ كويتية لم يعد لديها وطن إلا صدور الناس. صهرت النار التي أشعلتها المأساة القلوب معاً، وتلوَّنت عيوننا بلونٍ عربيٍ واحد. هبَّ الجميع لمدّ يد العون لهذا اللجوء الكبير. وبعد أيام، كانت دولةٌ ما، تستضيف دولةً أخرى، بأكملها!

مشاهدُ ما كان أروعها لولا الخلفية السوداء للحدث. ما زلتُ

أتذكَّر الرجل الذي وقف بأسرته أمام متجرٍ صغير يحاول أن يشتري لهم شيئاً وليس في جيبه إلا دنانير كويتيه لم تعد ذات قيمة، فطفرت من عينه دمعةٌ لم يكد يمسحها حتى وجد أمامه رزمةً من المال، ألقى بها عابرٌ أمامه، وتوارى وهو يخفي وجهه.

العشراتُ الذين كانوا يقفون أمام أبواب الفنادق ليعرضوا على القادمين بيوتهم وقلوبهم بدلاً من الفندق، والآخرون الذين تجمعوا شيباً وشباباً ليسهموا في تنظيم الجموع، وتوزيع المأوى، والإعاشة بأسرع وقتٍ قبل أن يتسلل الشعور بالهوان في نفس أي منهم، وكانت أياماً كل ما فيها يُبكي من التأثر والحزن.

ارتفعت أسعار أجهزة الراديو بجنون ليبرهن ارتفاعها على شكوكٍ متأصلةٍ في نفوس الجميع حول مصداقية الإذاعات الحكومية. هنا جيلٌ بأكمله من البشر لم يسمع بالحرب كم قبل؟ سنواتٌ مرّت عليه من الأمن والسلام ورغد العيش. ولأول مرةٍ يقف عدوٌّ ما على حدوده بجيوشه الجرّارة.

وانقلب الشارع على بكرة أبيه إلى أفواهٍ لا يخرج منها إلا السياسة. حتى الأطفال بدأوا يتشدَّقون بما يسمعونه من آبائهم. عُطِّلت المدارس وتمددت إجازة الصيف شهراً آخر والجميع ينتظر إشارة البدء بالحرب.

وانتشرت موضة الملابس العسكرية المموّهة بالخاكي في أوساط المراهقين انتشار النار في الهشيم. وتأججت في النفوس حميّةٌ

مجهولة. وتدافع الآلاف من الشباب إلى مراكز التطوّع. وتحوّل الوطن بأسره إلى خيمة تردِّدُ بصوتٍ واحد أغنية الحرب التي اشتهرت بشدة تلك الأيام:

هبَّت هبوب الجنّة وين انت يا باغيها

عدوّنا خاب ظنَه والروح ... نفديها

هل سيستخدم صدّام سلاحه الكيماوي؟ وانتفض السؤال بقوةٍ في عروقنا ونحن نسمع الحكومة المتحفظة دائماً في تصريحاتها تؤكد إمكانية ذلك. وخلال أيام، كانت الملايين من الأقنعة الواقية قد وزِّعت على المواطنين، وبدأ الجميع بإعداد ملاجئ في بيوتهم متبعين الإرشادات التي ظل التلفاز يبثها ليل نهار، وارتسم على جميع الشبابيك خطان متقاطعان من الشريط اللاصق تحسباً لتهشمه في غارةٍ محتملة، وتغيَّرت العادات، وتلملمت الأشتات، وجلس الجميع يترقَّب صفّارة الإنذار الأولى.

ولأول مرة ينفجر في الرياض صاروخٌ ما في تاريخها منذ أن كانت قريةً منسيةً تدعى حجر اليمامة قبل آلاف السنين. وجاء الثاني ثم الثالث، وفي الصباح التالي كان العشراتُ من أهل المدينة ينزحون عنها غرباً وجنوباً مخلّفين وراءهم الملاجئ التي أعدوّها، وأقعنة الغاز التي اشتروها، وثياب الشجاعة التي تسربلوا بها.

وطنٌ اعتاد الأمن، حتى أصبح الأمن مرضاً.

تتابع القصفُ الناري على العراق. دكّوا مئات المواقع وهو يردّ

على استحياء صواريخ قليلة، على الرياض، والمنطقة الشرقية، وتل أبيب. ولم يكن ليدور في حسباننا أننا سنكون يوماً ما مع إسرائيل عدّوين لدولة واحدة.

ستة أشهر وانتهت الحرب. وانهزم صدّام بجيشه مشعلاً النيران في آبار النفط كالأطفال، وساعياً إلى كسب معركته الإعلامية مع شعبه الذي غُلب على حزنه، وأٌجبر على أن يرقص باكياً، ابتهاجاً بالنصر المؤزّر في أمّ المعارك.

وخرج العرب من ذلك كلّه بآب الأسود، لينضمّ إلى أخويه الكبيرين، حزيران الأسود، وأيلول الأسود.

لأننا عندما لا نستطيع أن نضمّد الجراح نسوَّدُ الشهور.

بقي عندنا تسعة أشهرٍ تنتظر سوادها ما دامت فرشاة العرب لا تلد إلا السواد. ربما اخترعنا هذه التسميات حتى نوهم أنفسنا أن ما تلطَّخ بالأسود بضعة أشهر فقط، وأننا لسنا متسربلين بالسواد منذ عشرات السنين.

ستمرُّ قرونٌ قبل أن يصدر قرارٌ عربي بتغيير أسلوبنا في الرسم، وقبل أن يتوقف الزعماء عن توريث اللون الأسود مع صولجان الحكم إلى من يخلفهم. لأ، مآسينا العربية متشابهة دائماً. لا أدري لماذا لا يغيّرون شكل طغيانهم حتى يصبح تاريخنا أكثر تنوّعاً على الأقل. ربما نمنح أحفادنا كتب تاريخ غير مملّة.

يقول التاريخ: "القعر دائماً هو المكان الذي يتساوى فيه الضحك

والبكاء". ربما هي نهاية العهد إذن. ها هي حبة تفاؤل صعبة تلقي بنفسها في طريقنا.

لم أكن في حاجةٍ لأن يخبرني ديار بما حدث في حدود بلده بعد حرب الخليج. لم يكن هو في حاجةٍ لأن يخبر أحداً أيضاً.

بعد هذه السنوات، بدأ صدّام يبتزُّ بأفواه الأطفال عواطف العالم. يشتري بجوعهم وأمراضهم أنابيب تنقل نفطه وتغرس قدميه في الكرسي حتى صار كرسي سلطته ذا ست قوائم، ونحنُ نجوع ونعرى ألماً مع الجوعى العراة، وكل شيء ملتبسٌ في دهاليز السياسة، وما زال التحقيق جارياً، وما زال المجلس منعقداً، وما زال العراق باكياً، وما زال الأطفال جوعى.

ديار فقد ابناً، قال لي ذلك.

كان رضيعاً في مهده. عيناه غائرتان بشدة، ورأسه الكبيرة تثقُل، وتُثقِلُ رقبته. يفتِكُ الداءُ بأمعائه ليقيء دماً في وجه الحصار، ودماً في وجه النظام. كنتُ أتمنى لو يكبر. مات قبل أن أخبره أنه كان ضحية، ولم يكن معي أحدٌ يوم دفنته. وحدي أنا وجسده الصغير وقبره.

وأمّه؟

كانت قد ماتت بعد ولادته بأيام.

يا لهذا السيناريو السخيف الذي رميتُ به سؤالي، أتُراني سألته بكل هذه العفوية، لأسمع منه هذه الإجابة تحديداً؟ بد لي سؤالي

وكأنه محشورٌ في الحديث فقط ليبرر الإجابة التي بعدها. أطرقتُ، مؤنّباً فشلي في أك أكون بمستوى بوحه .

سألته محاولاً الإقالة من عثرتي سريعاً:

أمن أجل هذا رحلت؟

خرج سؤالي مرةً أخرى قبيحاً أمامه. تمنيتُ لو أني تركته منذ البداية يواصل بهدوء دون أن أقاطعه. أعلم أن مثله لا تستفزُّه الأسئلة للمزيد، بل ربما تحمله على التراجع.

كانت أسئلتي أصغر بكثير من حزنه. مهما فلسفْتُها له قليلاً لتبدو أكبر. كنتُ أصغي لديار كطفل، وكانت حكايته مخيفة، فولدت الأسئلة مرتجفة.

ما حييت، لن أنسى نظرته تلك الليلة.

رفع إليّ عينين ذابلتين تنسدِلُ من خلفهما مرارةٌ عميقة، وكأن دموعاً جافةٌ كانت تملأ عينيه. بقيتُ أياماً أقلِّبُ نظرته تلك في ذاكرتي، وكلمتَه التي أخرجها من الجحيم، وألقى بها في وجهي مثل شيطانٍ يتلوّى.

عندما يعجز الوطن أن يمنحنا أكثر من صدوعٍ ضيّقة لدفن أبنائنا، هل نبقى؟

صمتنا معاً دقائق قبل أن يتنهَّد ديار، وينفض جرحه، وهو يقول:

مقابرُ جديدة تفتحُ أبوابها ويتدفَّق سيل الموتى. في الرصافة، في الكرخ، في الكاظمية، في البصرة، في الرستمية، في كل مكان.

ذات يوم، دَفَنَت أمٌ أمام عيني طفلها الرابع في شهرين، وبقيت وحيدة. صدِّقني لم تبق قامةٌ عاليةٌ في وطن الخوف إلا قامة الموت وقامة المهيب.

أتذكَّرُ السيّابَ مرةً أخرى في فانكوفر. ما زال وطنه جائعاً، خائفاً، ومريضاً أضعاف ما رآه هو. أتذكَّرُ بكاءه القديم:

حيثُ التفتُّ، رأيتَ شعباً جائعاً

عُريانَ، يملأ جوفَهُ بالماءِ

يسقي الزروعَ دما.. لتثرى طُغمةٌ

تبني سعادتها على الإشقاءِ

وإذا تضجَّرَ أطعمته رصاصةً

وكسَتَهُ بالأكفانِ ... والبوغاءِ

ربما كان خيراً للسيّاب أن يموت، هو الذي اختار الموت بنفسه وهو يصرخ في فراشه: "أريدُ أن أموت يا إله". كان الموت خيراً له من أن يبقى بعد موته ليرى أنَّ من حملوا جنازته إلى بيته اكتشفوا أن البيت خالٍ، طُرد منه أهله.

هل يعيش الشعراء في العراق؟

لماذا الشعراء، منذ سنين، هم أكثرُ صادرات العراق إلى المنفى؟ ماذا يبقى من شعبٍ بدون شعراء؟ ولماذا يدفع الشعراء دائماً فاتورة الألم؟

لماذا يموتُ الجواهري، والحيدري، والسيّاب، والبيّاتي، وغيرهم في منافيهم خارج الوطن، بعيداً عن هضباتِ العراق وشطَّيه، والجرفِ، والمنحنى؟ من تُراه سيغني لجيكور إذن، وينشِدُ للمطر؟ ولماذا يموت رجلٌ مثل البيّاتي، وهو يبكي:

لماذا نحن يا ربّي ..

بلا وطنٍ، بلا حبِّ

نموتُ.. نموتُ في رعبِ ..

لماذا نحن في المنفى ..

لماذا نحن .. يا ربّي

مبتورةٌ دائماً أسئلة المنافي، وقليلٌ أولائك الذين وصلوا إجاباتها بحزنهم، وفهموا لماذا يستأثر طغمةٌ بالوطن ويطردونهم منه. أسئلةٌ تقطعهم عفويتها. تجرحُ الأطفال الذين ولدوا حيث لا ينتمون، وأرادوا أن يتسلَّقوا ذاكرة آبائهم ليعرفوا من أين أتوا.

****

لدهشتي، كان ديار يعرف مس تنغل.

التقاها في جمعية الأيل، وإن كنتُ أفهم أن مس تنغل يمكن أن تشارك في مثل هذه الاجتماعات أحياناً بدافع الوحدة، فإني بالطبع

لم أكن أفهم ما الذي يمكن أن يربط بين ديار والأيل، عدا أن مزاج ديار أحياناً يشبه قرنَي الأيل المتشعِّبين.

علمتُ فيما بعد أنه كان سائق الشاحنة ليس إلا، وأنهما تعارفا في الصفِّ الأخير، حيث يجلس المقعدون، وحيثُ يحتسي ديار كوب قهوةٍ ريثما ينتهي الخطاب، فيعودُ بآلات العرضِ والتصوير إلى حيث أتى بها. تعارفا على هامش خطابٍ مملّ، وكانت بينهما زيارات انقطعت بعدما غادر ديار إلى مدينة قريبة، ثم عاد ليجدها قد تركت منزلها، فلم يحاول البحث عنها طويلاً.

ولكني أعدته إليها. أخذته معي ذلك المساء البحريّ بعيداً عن جرحه. خفتُ عليه من جرثومة ما تحطِّم قوّته أمامي، أنا الذي بدأت أتكئ عليها بدون شعور، وأحاول أن أتماسك من خلال أعصابه هو، وأتعلم اللامبالاة المتوازنة التي لا تجعلنا نبدو بلهاء ولا حزانى.

أخذته إلى منزلها دون أن أخبره من تكون. ولما التقيا، جثا ديار على ركبتيه واعتنقها طويلاً وهو يضحك بسرورٍ بالغ. كانت سعيدةً به أيضاً وإن كانت أخبرتني من قبل أنها تعرف بعض العرب القلَّة في فانكوفر، ولكني لم أكن أظنُّ ديار من بينهم.

صرنا اثنين على أريكة مس تنغل الحانية. أمام مدفأتها التي ترسم ظلالنا على الجدار المقابل. أصبح لجلساتنا طابعٌ آخر وأنا أتماسك أمام مس تنغل حياءً من ديار، وأتماسك أمامه حياءً منها.

البوح ليس دائماً أذناً أخرى بقدر ما هو مكان وزمان، ولذة

اعتراف. وأنا أفضِّل الآن أن أتوقف عن هذا البَثِّ السخيف الذي زادني عياءً أمامها، حتى اقتنعا تماماً بأنني لست سوى رجل ضعيف يثير الشفقة.

عندما أصطدم بأقوياء لا تختلف ردة فعلي عن اثنتين، الانطواء، أو الارتماء. طالما كنتُ ضعيفاً وطالما عالجت ذلك بفكرة أنني كلما كبرت صرت قوياً، وأنهم لم يولدوا أقوياء، والذي ولد قوياً هو حصيلة انتفاخ فارغ.

طالماً كتبت في حالة ضعف، ولا أدري كيف شكل الكتابة في حالات القوة.

لأن ضعفي شيء صعب. إنه طبقات متغاشية، طبَّقتها الأقدار والظروف والمجتمع في خزانة الروح مثل الملابس التي تُبلينا ولا تبلى. سئمتُ من تكرار محاولة استيلاد القوة من ضعفي، وتربية العضلات في الجسد الواهن. من الصعب أن نعيد تشكيل الأشياء التي جفَّت.

أشعر بالدفء فقط من غرفتي. تنتابني شجاعة العزلة. حتى إذا خرجتُ في أول اصطدام مباشرٍ بالريح أشعرُ أن البرد لا يغمرني فحسب، بل يمزِّق أوراقاً شاسعة في دفاتري الداخلية.

لا أعرفُ لساناً يخون صاحبه كما يفعل لساني. إنه يتآمر على الأشياء التي يضعها عقلي على طرفه فيطوّحُ بها بعيداً. ترتفعُ يدي في محاولةٍ يائسةٍ لالتقاطها، تفلتُ مني، تعروني الرجفة. صار ارتباكي واضحاً، في المرة الثانية، سيصير ضعفي واضحاً.

الأماكن الكبيرة لا تشعرني بالفخامة، بل بالضآلة. الأشخاص المهمّون لا أدري كيف أتخيَّلُ سحناتهم دائماً وهي تزدريني، كمن يعيرّ الأعمى بعماه، والعليل بعلّته، والفقير بفقره.

المواسم الخصبة تشعرني بالتخاذل، كثرة السنابل تستهلك جهد الطواحين. لن يبقى لي شيء.

الليل، ثوبي العاري الذي أواري به عورتي. فيه أجلسُ مثل حائكٍ هرم، أحوكُ أقنعتي النهارية. لأنني أخجل من شكل وجهي.

آمنتُ بعد سنواتٍ من المعايشة أنَّ سموم ضعفي من النوع الذي لا تستمدُّ أمصالها من نفسها. لا شيء في داخلي يكفي لرقع كل هذا الفتق الذي خلَّفه الزمن.

كنتُ أتمنى أن تفهمي شكل حاجتي إليكِ دون أن أضطر إلى هذا الكلام. كنتُ أتمنى أن تنجحي في تشخيص علّتي قبل أن أتعرى إلى هذا الحد.

أحتاج إليك لأنني شعرتُ أنكِ الشيء الوحيد الذي يمكن أن أكمل به حياتي بسعادة. المرأة الوحيدة التي يجب أن تقف ورائي لأكون عظيماً.

عندما أحببتكِ، ذقتُ لأول مرة طعم النوم تحت غطاء.

لأنكِ جئت تماماً لتكملي كل جوانب النقص في حياتي. تمسَّكتُ بكِ بجنون الذي يكره أن يعود إلى سيبيريا، ولكنكِ تركتني وحدي وسط الثلوج.

هل تدركين ماذا يمكن أن يفعله بي زواجي منك؟ هل تتصورين كيف سيلمعُ اسمي إذا ارتبط باسمك، وتمتلئ فراغاتي الناقصة بحياتك المتكاملة؟ هل سمعتِ كيف عمَّر اليابانيون مُدنَهم بعد الحرب؟ هل رأيتِ يوماً مخاض السماء وهي تلد الشمس؟ هل شعرتِ مرةً بشعور الرضيع إذا دارت كفّه على إبهام أمّه للمرة الأولى؟ هل تدركين مساحة الغاباتِ التي ستُخلق داخلي إذا ظلَّت أمطاركِ منهمرةً طول العمر؟ هل تعلمين أيَّ إنسانٍ سأكون عندما تصيرين أنتِ عيني التي أبصر بها، وأذني التي أسمع بها، وفمي الذي أتكلم به، ويدي التي أمدها إلى الحياة؟ هل تعلمين أيَّ رجلٍ سيعيش بكِ على هذا الكوكب، وأيَّ رجلٍ سيموتُ بدونكِ عليه؟

هل تدرين عدد المعجزاتِ التي يمكن أن تزرعها امرأةٌ مثلكِ في طريقي؟

إن حبكِ كافٍ جداً لترميمي. علاقتي بكِ منحتني نسخةً تجريبية من الاعتداد بالنفس، ومرور أصابعكِ فوق وجهي يلغي من ذاكرتي كل تاريخ الدموع القديمة.

امنحيني ضوءكِ أيتها الشمس..

امنحيني الغذاء، والماء، والهواء ..

امنحيني السعادة، والخصب، والخير، والنمو، والحب ..

أيتها الوريثة الوحيدة لعرش الأنوثة،

امنحيني مجدكِ..

يا امرأةً تمنح الأمجاد.

****

لا أستطيع الآن أن أُحصي عدد الليلات التي قضيتها في غرفتك، ونحن ملتصقان كشقَّيْ صَدَفَة، ومتحديان الزمان والمكان، تحفُّ بنا دهشة مدينةٍ بأسرها.

في غرفتكِ!

هل انتهى جنون الدنيا حتى نخترع لأنفسنا جنوناً كهذا؟ هل انتهت أشكال التمرّد حتى نشكِّل تمرّدنا من خامة الشوق، فيجيء بهذه الحرارة؟

رمينا الكثير من الخوف وراءنا وقرَّرنا أن نُصرِّفَ فِعلَ الحب حيث لا تحدُّنا قوانين اللغة. تخلَّصنا من هاجس الوقت والأعين، ورمينا خارجَ سُور الحب كل ما اكتنَفَ لقاءاتنا السابقة من ترقّبٍ وتوتّر.

جناحٌ فسيحٌ من غرفتين كان خاصاً بك في القصر. أليس من السهل على عاشقٍ مثلي، ملَّ كثيراً من تردُّدِهِ وحياتِه الرتيبة، أن يتسللَّ بعدما ينام الجميع، منُقِّلاً خطاه على الرصيفِ الشارد، ليجد باباً موارباً تفوحُ قربه رائحة عطركِ فتفضح الفاعل، ويعبر الفناء الفسيح وهو يعرفُ طريقه جيداً إلى البابِ الذي تغطِّيه الأغصانُ الوارقة الكثيفة، والدَرَجِ الذي ينتهي به إلى صالةٍ واسعة، في آخرها يجدُ غرفة حبيبته، وعينيها، ودقاتِ قلبها الخائفة؟

أتذكر كيف مكثتُ أسبوعاً كاملاً أحاولُ إقناعكِ بالفكرة، كان مجرد تفكيركِ فيها يكاد يُبكيكِ خوفاً ورهبة، ولكني بقيتُ حتى آخر أنفاس الأمل أسعى لإقناعكِ بإمكانيتها، بينما كانت لقمةً صعبة البلع في حلقكِ الخائف.

وبعد أسبوع كانت دقات قلبكِ تهدأ تدريجياً، ورعبكِ الهائل ينكمشُ ويتراجع، والشوق المحموم يشفعُ ويتوسَّط، حتى كان الأول من يوليو هو يوم مجيئي، الثالثة بعد منتصف الليل.

ألتقيكِ في أبريل، وأقبلكِ في يونيو، تلك صفحاتٌ صامتة في الحب. أما أن أكون داخل غرفة نومكِ في يوليو، فهذه هي السامبا الصاخبة التي لم أتوقعها قطّ.

وأنا لم أرقص بهذا العنف من قبل في حياتي. هل فعلاً بدأ يتحول حبنا إلى شكلٍ مختلف؟ هل أصبحت لنا ملامحنا المميزة في وجوه العشاق؟ هل استقلّت شخصيتنا عن تقليد أساليبهم وحدودهم الضيقة؟ هل صار لنا أسلوبنا الذي يخوّلنا أن نحفر اسمينا في جذع الحب العتيد دون أن نخشى تشابه الأحرف.

هكذا الحب، قرأتُ شاعراً ما يقول: "إذا أردت لحبك أن ينجح، أترك الدفّة للأنثى. إذا أردت لزواجك أن ينجح، أمسك الدفّة أنت".

كم كانت تلك الليلة ساحرة. تسللتُ وبي نشوةٌ لا أصدق بها أني على مرى خطواتٍ فقط من غرفة حبيبتي. عندها سأمكثُ يومين

كاملين لا ينقصان ساعةً واحدة. عندها سأبدأ تأليف كتاب الحب الحقيقي دون أن أخشى مقصّ الرقيب.

لم أكن أصدّق أني سألتقيكِ لقاءً لا تقطعه نظراتك الدائبة إلى ساعتك أو إلى من حولكِ؟ لم أكن أصدّق أني حقاً سأنام بين يديكِ، وفي سريركِ، وفوق صدركِ، وبين ذراعيكِ.

كم يكفيني من الغرور حتى أتوازن مع الحقيقة؟

يأخذني الحلم وأنا أسعى إليكِ. فتحتُ باب الصالة، وصارت غرفتكِ حسب وصفكِ لها أمامي تماماً. ومنها يطلُّ وجهكِ المبتسم وأنت تحثيّنني على الإسراع وقد اختلط في ملامحكِ حذرٌ، وحياءٌ، وابتسامةُ خفر.

قطعتُ الخطواتِ العشرَ الأخيرة ثم انغلق علينا بابكِ، وضمَّتنا جدرانٌ أربعة لم تُبْصِر قبلي رجلاً قط. ونزل الحب معنا، وبارك هذا التمرد المجنون، وضمَّ إلى صدره ابنيه البارّين، ولوَّن عيوننا باللهفة، وأخرج من جيبه القُبلة الأولى، وقلَّدنا إياها، وبكى، من شدة التأثر.

فعلناها يا حبيبتي. كم عاشقٍ ينام هذه الليلة محروماً من شفتي حبيبته، بينما نخلقُ نحن كل دقيقةٍ قُبلةً لا تشبه التي قبلها، ولا تشبهها التي بعدها؟ نغتال عقربي الساعة، ونطفئ الليل والنهار في مِنفَضةٍ واحدة، ونزرع في جَدْبِ أجسادنا أقماراً وغيوماً، ونُذيبُ في الأعين الظامئة كل ما تنجبه السماء من نجوم.

قطعتُ الممرَّ الصغير حتى وصلتُ إلى منتصف غرفة النوم تماماً،

وقلبي يكادُ يقفزُ خارج أضلاعي من شدَّةِ الحماسِ والسعادة. وبعد لحظاتٍ لحقتِ بي أنتِ حالما أوصدتِ الباب، وتأكدتِ أن أحداً لم يرني وأنا أدخل، وجئتني في الغِلالة البنفسجية التي تكشفُ من الأعلى نصفَ صدركِ، ومن الأدنى كل ساقيكِ، وأنا ضائعٌ بين البياض الأولى والبياض الأدنى، حائرٌ من أين أبدأ بكِ وفي رأسي دُوارٌ حيٌّ له شكلُ اللحظة الأولى في الجنة. وكان العناقُ الأول، وقلبانا ما زالا يركضانِ في جسدينا في جنون النشوة.

لم أفهم في الدقائق الأولى شكل نظراتك، ولكنّ عينيكِ كانتا تبتلعانني، بكل قسوة.

أُكلّمكِ وتنظرين إليَّ، أهزُّكِ، وتزداد عيناكِ عمقاً، وابتسامتكِ اتساعاً.

أتُراكِ كنتِ مدهوشةً مني أم من نفسكِ؟ أم أن واقعنا كله كان حفل دهشة؟

تمتمتِ بعد دقائق:

حلو الشعور.

أي شعور؟

أن تكون بغرفتي.

هكذا تفسّر الأنثى هذا الاقتحام العنيف الذي يمارسه رجلٌ في غرفتها.

أنتِ لم تكوني سوى غرفتكِ، وغرفتكِ لم تكن إلا أنتِ. لم يكن

أحدٌ من أهل البيت يجرؤ على دخول الغرفة الموصدة دائماً على فتاةٍ مختلفة، تحترفُ العزلة، وتملأ الدنيا، في آنٍ واحد.

لونها الوردي هو نفسه اللون الذي يغلّف جدران قلبكِ. قضبانها الحديدية هي نفسها الحواجز التي تحبس داخلكِ لبوءة التمرد. فوضاها العارمة هي نفسها جنونكِ المخبوء منذ سنوات والذي بدأ يفصح عن نفسه بإدخالي هنا.

أنا الآن داخلكِ، ونظراتكِ الآن نظراتُ امرأةٍ أصبح حبيبها بين يديها، وكل شعرةٍ في جسده ملكٌ لها، لا ينازعها أحدٌ فيها أبداً، ليومين كاملين.

يبدأ اليوم وينتهي ولم يبتعد أحدنا عن الآخر أكثر من مترين. نتحدث، نلهو، نضحك ونبكي، أو نبقى على الصمت في عناقٍ ما. نأكلُ بملعقةٍ واحدة، نشربُ من كأس واحدة. نتابع الفيلم في شغف، نقرأ الأشعار، ونسمع الموسيقى، ونتقلَّب على السرير، وأعيننا دافئةٌ بالحب، حتى يغلبنا النوم.

وإذا أفقتُ وأنتِ نائمة، أجلسُ متأملاً خلودكِ الطاهر. هادئةٌ أنتِ مثل السِّحر. وادعةٌ مثل ملاكٍ صغير، وجميلةٌ مثل أيام الوصال. أسافرُ في بياضِ وجهكِ المنير كالحقيقة، وأرحلُ في خُصلاتِ شعركِ التائهة بين نهارين، وألثُمُ أصابعكِ النائمة مثل خمسة أطفالٍ على صدري العاري.

هل رأيتِ الأفق حين ينزلُ ذات غروبٍ ليحكي للبحر حكاية؟

هكذا كانت شفتاكِ تنفرجان بلطفٍ وأنتِ نائمة. كانتا فتنةً صغيرةً في وجهٍ ساحبيٍ هادئ، العليا تبرز قليلاً للأعلى، ويذبحني هذا البروزُ الجميل شرياناً شرياناً حتى آخر قطرة من الدماء، يهزُّها كل هذا الجمال الذي تفرزه شفة، يغريني هذا القوسُ الصغير الذي يميِّز شفتيكِ حتى لا يبقى في غريزتي حدٌّ تقف عنده الرغبة.

لو قبَّلتكِ على هذه الشفة العليا وأنتِ نائمة، هل تستيقظين؟ ولو أنكِ استيقظت إثر القبلة هل أشعرُ بالذنب؟ إنها أفكارُ الرجلِ الذي يتأمَّلُ الفتنة النائمة بين يديه، ويقيسُ المعصية والمغفرة في ميزان اشتهائه، وأخيراً ينزلُ عليهما ولا يبالي، ويعود إلى نومه، مذنباً.

وعندما تستيقظين أنتِ أثناء نومي، يكون ذنبكِ أكبر، أنتِ لا تُقَبّلين فمي فحسب، بل تُلقين برأسكِ كله على صدري، وتلفّين ذراعي حتى تحيطَ بكِ، وتتركين أنفاسكِ الطاهرة تصهَرُ جلد عنقي برفق، أنا الغارقُ في ألفِ حلمٍ جميل، وعلى صدري يغفو أجمل حلمٍ في حياتي، منذ تعلمتُ الأحلام.

كل دقيقةٍ أقضيها معكِ هنا، أشعُرُ أني في وهمٍ متقنٍ، أتحرَّكُ فيها، أقلِّبُ معكِ العمر والذكريات. أستعرضُ ماضيكِ بكل ما فيه، وأرمي بين يديكِ ماضيَّ وحاضري ومستقبلي، ثلاثَ قلائدَ لا أُغلي أياً منها على عنقكِ الجميل.

أتأمَّلُ كل زاويةٍ في غرفتكِ الوردية الفسيحة. أذرَعُها بدهشةٍ وسعادة. أقلِّبُ بين يديَّ أشياءكِ الأنثوية الصغيرة، تلك المباحة منها

والمحرّمة. يُدهشني هذا الاقتحامُ العنيف للعالم الآخر. كل شيء هنا متعلقٌ بكِ، لذا فهو يستحقُّ أن أحبه، من ستائر النافذة حتى مناشف الحمام، مروراً بالسرير، والوسائد، والمرآة، والدمى المتراكمة في ركنٍ هناك، وأدوات الزينة، وقوارير العطر، والشمعتين الخافتتين على جانبي السرير. أوراقكِ، صوركِ، كتبكِ، وحتى فوضاكِ المحببة. كل الأشياء هنا تتناسَقُ بطريقتها لتخلق جمالاً ما، محوره أنتِ.

أقِفُ عند النافذة. هل تُصدِّق الرياضُ أني مقيمٌ في غرفة حبيبتي منذ يومين؟ أتأمَّلُ من فُرجةٍ ضيّقةٍ فِناء القصر والأشجار والأغصان والخادماتِ اللواتي يجزنه بلا توقُّف، وأختيكِ الجميلتين في مشيهِمها المتئد، وأمامهما يركض ابن الكبرى الغارق في العذوبة ويعثر. ذلك الطفل الشفّاف الذي حملته إليَّ يوماً، لأقبِّله وأضعه في حجري، ليكون بطفولته البريئة، الشاهد الوحيد الذي رآني في غرفة خالته العاشقة.

يأتينا عبر الهاتف صوتُ والدتكِ الحنون ليوقظكِ من نوم، أو يوقظنا معاً. كنتُ أقبِّل في الهواء رقّتها وجمالها الذي تأخَّر كثيراً في ملامحها الطيبة، وظلَّ معلّقاً في وجهها وجسدها رغم الخمسين، ورغم الحمل والولادة. وكنتِ تجيبينها بكسل، وتقبّلينني همساً، ويضحكُ بيننا طفلُ الحب الشقي، ويرحَلُ صوتها دون أن تعلم أن شخصاً آخر، يقبع في تلك الغرفة، مع ابنتها.

كان ترفاً عاطفياً لا حدود له.

استهلكنا أطناناً من الحب فعلاً. شبعت، شبعت، شبعت، وازددتُ نهماً. كنا نَسْخَرُ من الأسوار والقيود، والأعين الغاضبة، والوجوه العابسة، لأن حبنا ما زال على السطح، يتنفَّسُ من هواء الدنيا، بعدما تآمرت على قتله الأسماك وأعشاب البحر. ها نحن والحب غبوقنا وصبوحنا. ننام عناقاً، ونفيق اشتياقاً، ونستحمُّ معاً، ونلتقطُ حبوب الحلوى شفةً بشفة. ننفق من خزائن العشق في ساعات ما ينفقه غيرنا في سنوات. كأننا زوجان آمنان في بيتٍ هادئ. لا يعلم أحدٌ من ساكني هذا القصر معنا أنَّ خلف بابكِ أسراباً من العصافير ستندفع إذا انفتح، وملايين من النجمات بدأت تتسرَّبُ من إطارِ النافذة وعقبِ الباب.

مساءاتٌ تحرقني فيها أنوثتكِ.

منذ دخولي إلى خروجي ولقائي بكِ دوخةٌ كبرى تختلطُ فيها معالم الحقيقة. هل ما أفعله أمرٌ اعتاده آخرون؟ هل في الرياض الآن رجلٌ آخر ينام في غرفة حبيبته غيري؟ هل هناك من لديه جنونٌ كجنوني، وغرفةٌ آمنةٌ كغرفة حبيبتي؟

ربما فعل غيرنا هذا ولكننا لن نعرف. إن قصصهم دائماً أسرارٌ يتوقَّفُ عليها حبهم، مثلما هي قصتي معكِ سرٌ دفين، خبّأته في عينيَّ، كما خبّأتُ معه ماهية شخصيتكِ، وعنوان بيتكِ، وألوان غرفتكِ، وتفاصيل جسدكِ.

****

صارت السيجارة إصبعاً متمرداً بين أصابعي، أشعلها في الغربة المظلمة لأبصر وجهَي خيبتي وفشلي. يتكوَّم طموحي أمامي وأنا عاجزٌ عن فعل أيِّ شيء، إلا التدخين. صِرتُ أدخِّن أكثر مما آكلُ وأشرب.

على الطاولة الصغيرة في شقّتي مِنفضةٌ تحتفلُ بثلاثين عقبٍ كل ليلة. كان تدخينها صعباً جداً، وأنا أسحَبُ منها دُخانها بعمق، وأتركُهُ ينعجن بهمومي وغثياني، ثم أنفثه في الهواء، لعلَّ شيئاً منها يجد ممراً للخروج معه. حتى إذا فَشِلْتْ، سحقتُها في قعر المنفضة، ثم أشعلتُ أخرى.

بعد رحيلكِ، شعرتُ أن حالة الوهم التي تنخر قلبي تشبِهُ خيوط الدخان التي تتصاعدُ نحو الهباء. جذبني هذا التشابه.

كنتُ أشعل سيجارةً ثم ألبثُ أتأملُ احتراقها البطيء حتى ينفد تبغها، فألقيها جانباً دون أن أسحب منها نفساً واحداً. وبعد أيام بدأت أرثي لحزنها، وصرت أقرِّبها من شفتي وأسحب الأنفاس بهدوء، وأتحوَّلُ معها إلى رماد.

ثمّة ارتباط قديم بين اليأس والعاداتِ السيّئة. لا يوجدُ ما هو أشدُّ خطراً على مبادئ إنسان من حالةِ يأس، كل المخالفاتِ نمارسها عندما نشعر أنه لم يعد أمامنا ما نحتفظ بمبادئنا لأجله. دائماً يعصف الحزن بالمُثُل، فيصمُدُ القليل، ويهوي الكثير، وتنكشِفُ عوراتٌ في أجسادٍ كان يسترها الاستقرار، ويبقى إنسانها عارياً في فصولِ الحياة، يبحثُ

عما يدفئ جلدَه، ويغطي عُرْيَة. يدخِّن أو يشرب، وربما يتعهَّرُ، أو يتعاطى مخدّراً ما. كل هذه الأشياء هي كبسولاتُ النسيان الموقتة التي يخدِّر بها الحزانى جراحاتهم التي أزمنت.

أيُّ يأسٍ تركتني فيه أنتِ.

منذ تزوجتِ، شعرتُ أنكِ صرتِ مثل زكونغايس التي صهرت نفسها مع المعادن، وتحوَّلت إلى جزءٍ من الناقوس الكبير. أو أنكِ تحوَّلتِ مثل زدفنيس إلى شجرةٍ اسطورية تثمر أكاليل، أو أنَّ شبحكِ اختفى في فراغ الدنيا، مثل هيلين.

من يعيدكِ إلى الحقيقة؟ ومن يعيدكِ إليَّ بعد ذلك؟

أيُّ امرأةٍ تلك التي تتحوَّل إلى أسطورة عندما تغيب، ومعجزة عندما تنزل.

بين هذه الأساطير والمعجزات، جلستُ أدخن يأسي.

سجائري وجعٌ أحمر. أحقنه في رئتي وأشمُّ رائحة اللحم الذي يحترق، والعمر الذي ينقضي، والأمل الذي يموت.

الأيام حكايةٌ طويلة، لستُ أدري متى تنتهي. ولكن شيئاً ما في داخلي بدأ يسأمُ من رتمها الدرامي الحزين، من المنحدرِ الطويلِ الذي يقودُ غلى مقبرة الحياة، وإلى الموتِ الحقير الذي لا يحرِّك غصن شجرة.

أنا لن أموت هكذا.

قصائدي مثلومة الزناد، وذاكرتي تملأها الأمراضُ والعِلل،

وحياتي كلها أصبحت متوقفةً عليكِ، متى تعودين، وهل ستفعلينها ذات يوم قبل أن أستمرئ الضياع، وأضيِّع نفسي؟

كم أتمنى لو أراكِ قبل أن أفقِدَ تماماً شعوري بلذائذ الدنيا، ولو افتديتُ ذلك بما تبقَّى من عمري مما لم تمرّ عليه عجلاتُ الغمِّ بعد وتملأه ثقوباً. أتمنى لو أجدكِ خارج مدار الأشياء، عائدةً إليَّ في غلالةٍ بنفسجية، تشبِهُ تلك التي استقبلتني بها أول يومٍ في غرفتكِ. انهمرُ بين يديكِ مثل المطرِ الصامت، وألقي عليكِ معطف سنواتٍ من الحرمان والخوف الذي نما في صدري مثل الحشائشِ البرية. ففي المرافئ الأولى يكون الأمان، وتهبط الطيور التي هاجرت خطأً قبل الموسم، وتصحو السماء من غيبوبة الليل، ويهدأ البحرُ الذي أرهَقَ أقدارنا، وأتأكدُ يا حبيبتي إذا ما زال بيننا شعور يدعى الحب.

أتذكرين يوم سألتكِ:

هل تنسينني؟

وجاءني صوتكِ بعد صمت:

وهل أستطيع؟

كان جوابكِ، أو سؤالكِ، يشبه الأفق الشارد، مغلّفاً بتنهيدةٍ تكاد تحرِقُ أسلاك الهاتف. وبكيتِ ليلتها بحرارة، لأنكِ ظننتني أتهمكِ باللامبالاة. لم أكن كذلك. كل ما في الأمر أني كنتُ أحذركِ بطرفٍ خفيّ أنَّ الزمن إذا سَلَك طريقاً سرّياً في داخلنا يكون أكبر ممحاةٍ في الدنيا.

"عندما يسكتُ الوفاء، أموت"، على كتابٍ ما كتبتُ لكِ هذه الجملة، وأهديته إليكِ، وفي داخلي أملٌ قديمٌ لم يعد يرضيني. كنتُ أتمنى أن تظلي في عقد الحب حبيبتي رسمياً كما أنتِ في عقد الزواج زوجته رسمياً. كنتُ آنذاك في أيام الحب الأولى أُقنِعُ نفسي بهذه الأوهام الصغيرة الجبانة المتخاذلة، أما الآن فلا شيء يعوِّضني دقاتِ قلبي التي تضيع سدىً، إلا أنتِ، بكل العقود الرسمية وغير الرسمية.

عاداتي تغيَّرت، ملامحي تشوَّهت، أقلامي تكسَّرت. أصبحَ مزاجي مثل ضفدعٍ نهريٍ في مستنقع آسِن، لا يلبث على طُحلبةٍ حتى يقفز فوق أخرى. كلماتي صارت حادّة. ولغتي تحوَّلت إلى مزيجٍ من الغمغمات والهمهمات التي أخاطب بها نفسي آخر الليل حتى اعتدتها واعتدتُ الآذان التي تنكِرُ مني كلمةً لم تكتمل، وحرفاً ظلَّ معلّقاً في سقف حلقي، وكأني أضنُّ على كل من سواكِ بالكلام والصوت.

حالتان من أحوالي لا أكون فيهما عادلاً أبداً. تعرفينهما جيداً يا حبيبتي. وأنا أعترف بأني عانيتُ الكثير منهما. الحزن والغضب. أفكر أثناءهما بطريقةٍ مقلوبة. أعكِسُ الأمور. أخلطُ الأشياء. وأحبسُ كل ما تتمخَّضُ عنه ليلةٌ كهذه بين جدران غرفتي ما استطعت، لعلّي لا أرتكِبُ حماقة.

حتى الآخرون لم تعد ردود أفعالهم رفيقةً بي. هم الذين لا يدرون

ماذا طرأ عليَّ صاروا غاضبين من كل ما آل إليه حالي، وكأني أختلس دموعي من مآقيهم، أو كأن رائحة أرقي تتسرَّبُ إلى ليلاتهم الهادئة فتعكِّرُ صفوها.

وألومكِ، وعلى جانبي ذاكرتي، تطرُقُ الأغنية القديمة التي تحبينها، بابَ العتاب "يا حبيبي، شرهة العاشق كبيرة".

لماذا ظلَّ حبنا دائماً في حياتكِ ضمن الأشياء القابلة للسلوى؟ ولماذا بقيتِ طوال الأشهر التي نعلم أن من خلفها الفراق مؤمنةً بقدرتكِ على النسيان أو التحمُّل؟

دائماً كنتُ أستجديكِ، أقولُ لكِ إني لا أملك وطناً سواكِ، وإن وجودكِ صار هويتي، وتاريخي وميلادي وانتمائي، وإنكِ صرتِ أعراق الأرض واحتواء القبيلة. وإنكِ أماني عندما يحاصرني الخوف، وجبيني عندما تضيع الأفكار، وزفيري عندما يدخل صدري شهيقٌ لا طريق له.

لماذا لم تصدّقيني؟ لماذا ظننتني أبالغ في هذا؟

تعالي الآن وانظري ما أنا فيه، ربما منحتكِ عيناكِ نسخةً أكثر مصداقيةً مما سمعته أُذناكِ من قبل.

ربما صَدَقت معكِ نبوءة السلوى والنسيان هذه، أما أنا فلم تصدق معي بتاتاً. ما زلت حتى الآن ينتابني شعور الليلة الأولى من فراقكِ. لم تزل لأدمعي الملوحة نفسها، ولم يتغيَّر في حياتي أيُّ شيء. لا السواد، ولا الصمت، ولا الغثيان، ولا القيء الفكري الذي

يُرهِقُ دماغي أوهاماً وتخيلاتٍ ورؤىً ساذجة، ثم يرميني على عتبة الفجر، مخلوقاً بشرياً بالياً.

ربما كان مريء الإيمان عندي أضيق مما يسمح بابتلاع صدمة فراقكِ وهضمِها. ككل الفواجع التي تكوِّرها يد الأقدار لتلقي بها في أفواه البشر. ضعفي الأزلي منذ الطفولة تعامد تماماً مع فقدي لكِ ليشيد في المنطقة المغلقة داخلي حاجزاً عاطفياً يمنعني من أن أكون طبيعياً في ردود الأفعال، ويمنعني حتى من النسيان أو محاولة النسيان.

منذ صغري وأنا أمارسُ عادتي السيئة في حبس دموعي. كان البكاء يندفع بقوة قادماً من قلبي الجريح ليصطدم بحلقي وأكتمه بصعوبة، حتى يعود مرةً أخرى لينتشر في صدري، ويملأه أشلاءً وملحاً. كبرتُ بهذا الصدر الضعيف، واستقبلتُ رجولتي بدَيْنٍ ضخمٍ من الدموع، ما زلتُ أسعى في سداده، وما زلتُ أمنح الحياة كل ليلة قسطاً طويلاً من البكاء.

أنا مريضٌ يا مها. لستُ رجلاً سوياً حتماً. لا أحد يحب مثلي إلا المرضى. سينكرون عليَّ كل حرف، وكل ضعف، وكل حماقة. سيقيسون الحكاية بميزان الأسوياء فيجدون أني مجحِفٌ في حقِّ نفسي، ولو شئتُ لعدَّلتُ ميزانهم، حتى يبدو عالاً عندما تنام في إحدى كفّتيه امرأةٌ مثلكِ، وفي الأخرى أحزانُ رجلٍ مثلي.

قسوة الليل والنهار لا تساعدان على التماسك. حالةُ انهيارٍ شاملة تتفقُ عليها كل أفكاري. همّتي خارت بعنف ولم تعد قادرةً على منحي

ما أعالج به نفسي من العزيمة. لم أكن أؤمن بعلاجٍ إلاّك، وأن سقمي هذا لا ينتهي إلا باثنين، أنتِ أو الموت.

لو كان وهماً، لاستسلمتُ لوهنة في انتظارِ حلمٍ جميلٍ يأتيني بكِ، عائدةً إلى حبكِ الباقي، قبل أن لا يبقى.

كل شيء قاسٍ يا حبيبتي. البرودة تسكن كل الأشياء. ولا شيء يبعث الدفء في داخلي إلا نبرة صوتكِ، وحرارة جسمكِ، وأنفاسكِ التي أصبحت تعطِّرُ صدر سالم. ولم يبق لي أنا إلا دفءٌ أستجديه، له صفة الحرارة، وليس فيه احتواؤكِ ولا أمانكِ، إنها سجائري وحبوب النوم.

****

كنتُ أحايدُ دائماً عندما تتكلمين عن حسن. لأنَّ هذا الرجل لم يكن وجوده يتيح لي حتى فرصةً للكلام. حضوره الطاغي على دقاتِ قلبكِ تركني أهيم على وجهي بعيداً عنكما، وأنسحبُ إلى الظل، وأبكيكِ عن بُعْد كما يبكي الغرباء.

ما زلتُ أتذكَّرُ حتى الآن. الليلة التي سألتكِ فيها، بعد مرور قُرابة الشهرين على غيابه، إن كان قلبكِ ما زال ينبض بحبه.

قلبُ امرأةٍ مثلكِ لم أكن قادراً على ملئه وحدي، ولكن حسن كان قادراً على شغله حتى آخر ركنٍ تأتيه الدماء. إنه رجل الغياب الثقيل، الذي يخيِّمُ على الذكرى مثل الليل، وكأني أنا لم أشْغَلْ

قلبكِ إلا من بعد أن بدأ هو الانسحاب، وبقدر المساحاتِ التي تركها فحسب.

لم أكن أرغَبُ أن أناقشكِ في أمره. ماذا بوسعي أن أقول؟ حقيقة الأمر لم أكن أجرؤ على ذلك، وكأنني كنتُ أظنكِ لن تتكلمي عني يوماً من الأيام كما تكلمتِ عنه، وإن كنتُ لا أتمنى أن أكون ذلك الغائب الذي تتحدثين عنه لأحدهم.

هذا الرجلُ الذي يبكيكِ على كتفِ رجلٍ آخر هو رجلٌ يحمِلُ معه حضوراً من العشق يجعل الاقتراب من حُرمته أمراً يدعو لمعاودة التفكير. فلو كنت طالبتكِ بنسيانه تماماً، وتشفَّعتُ إليكِ بما لي من حظوةِ عاشقٍ، في أيامه الأولى فكم سيلزمني من الوقت لألملم غيرتي التي أفصحتُ عنها بهذه الحماقة المتكبرة؟ وكأن قلبكِ لم يكن سوى لوحٍ في مدرسة يمسَحُ فيها كل معلّمٍ خربشاتِ الذي سبقه، ليضع خربشاته هو، في انتظار من يمسحها.

ليس المهم ما يكتبه في سبّورته، المهم ما يكتبه في رؤوس تلاميذه، وليس المهم ما نكتبه على الذاكرة، المهم ما نتركه في القلوب.

وحسن كتب على قلبكِ مباشرة.

سأنكمشُ مثل الأرنب، وكل ما فيّ يقطر حيرةً وخوفاً وحزناً.

كان هذا السؤال جرادةً قبيحة أفلتت من قلبٍ يقطر غيرة. ولم تكن هذه الجرادة التي طارت في حماقةِ الهزيعِ الأخير من الليل

تستحق أكثر من الموتِ تحت أقدام صراحتكِ وصدقكِ وجوابكِ الذي أوجعني.

تنفَّستِ بعمق، ثم أطلقتِ تنهيدةً متوتّرة، ونطقتِ بصوتٍ ضعيف:

نعم، ما زلتُ أحبه.

وسكتُّ أنا، وابتلعتُ جرادتي الميتة، لعل أخرياتٍ غيرها في قلبي يعتبرن بها.

حارً كان بكائي تلك الليلة. على أنفاسِ الفجر جلستُ وكبريائي وقلبي، نلملمُ بعضنا بعضاً، ونبكي بعضنا بعضاً، ونعزِّي بعضنا بعضاً، في مأتم تلك الجرادة.

رحتُ أتساءلُ تلك الليلة: كم من الجراد يا ترى يستطيعُ رجلٌ مثل حسن أن ينثره في مزارع صدري، لتقضُمَ فيه بنهم، وتُهلِكِ محصولَه من الكبرياء؟

وكم من الجرادِ تستطيع امرأةٌ، تحبُّ بمثل أسلوبكِ، أن تقتلَ في مواسم الغيرة؟

وكم من الوهم يلزمني إذن لأتجاهلَ حبكِ له؟

ربما كنتِ تطيِّبين قلبي برحيلِ حسن. سمحتِ لي ذلك اليوم أن أسمع رسالته الأخيرة التي تركها لكِ من مرسيليا. كان يخبركِ فيها برحيله، وأنه لن يعود، ويبثكِ حزنه واشتياقه إليكِ، ولكنه عاجزٌ عن البقاء معكِ ما دمتِ مخطوبةً لرجل آخرَ، وفي أخرِ رسالته، استعبر، وترك قبلةً، ومضى.

شعرتُ بإهانةٍ خفيةٍ وهو ينفُضُ كبرياءه أمامي، ويترككِ لخاطبك. كم يلزمني من الثقة بالنفس حتى أفعل مثله؟ أليس يجمعني به في النهاية المصير نفسه؟

لماذا نقدِّم أنا وحسن الأكثر ونظفر بالعدم، ولا يقدِّم سالم شيئاً يُذكر ويظفر بكِ كلّكِ؟

أين ميزان العدل الذي تبنَّى قراركِ بالرحيل عني؟

لم يعد يكفي أن نقدِّم حباً لكي نتزوّج، صار يكفي أن نقدِّم مالاً، ونأتي أولاً، فنسرق حبيباتِ الآخرين.

كنتُ بحاجةٍ إلى من يقف معي أمام زحف الأسئلة التترية هذا. شخصٌ يفهم لغة جرحي تماماً لأنه استقاها من المورد نفسه. مشاعرُ متشابهة على صفحة مرآة واحدة، وكان حسن هو الوحيد الأقرب إلى حيرةٍ كهذه.

هل أبحث عنه؟

هل تكلّم التاريخ أنَّ عاشقين متعاقبين جلسا ذات يوم على كرسيِّ خيبة واحد، يتقاسمان رغيف الخذلان.

لا يهمني التاريخ. القرار الصائب لا يكون له سوابق في الماضي. الماضي جملة أخطاء بشرية ندفع ثمنها اليوم. جلستُ أمام جهاز الكمبيوتر أفتِّشُ في الإنترنت عن اسمه، دون جوان، الملايين ينتحلون هذا الاسم، الآلافُ منهم في فرنسا، المئاتُ في مرسيليا، والبعض منهم فقط عرب.

هذا هو حسن أخيراً، أحياناً تسهِّلُ علينا التكنولوجيا عملية اصطيادِ الأوجاع.

تجمّدتُ أمام جهازي وأنا لا أدري بماذا أبدأ معه. ألقى عليّ جملة ترحيبية قصيرة، بدت حروفي مرتعشة وأنا أردها له، ثم أصمت.

كيف أفسِّر له عِلّة بحثي عنه؟ كيف أحاول إثارة اهتمامه قبل ريبته؟ بدأ حديثنا بالياً قبل أن نبليه. رميتُ أسئلةً عتيقةً على سطحه البارد. كنتُ أبحثُ في إجاباتها عن فُرجةٍ أمرِّر منها قصتي الطويلة، ولكنّ عباراته ظلَّت قصيرة، ومعانيها غائبة.

قررتُ أن أكتفي بالتعرف عليه اليوم، وأخبئ قصتي حتى تتوثق علاقتي به.

نجحتُ في كسب ودّه وصداقته. أدهشتني ثقافته الواسعة، واتزانه الواثق، وقدرته الواضحة على العطاء والاحتفاء.

بعد أيام، صار لقاؤنا أكثر صراحة.

سألته:

هل أحببت من قبل؟

مطلقاً.

كاذب.

لماذا تحوَّل العشق عنده إلى إثمٍ يتبرأ منه؟ هل إلى هذا الحد غيَّرتِ عقائد الحب عنده؟

سيلقي بي بعيداً عندما يصرّ على كذبه. ستضيع كل جهودي في

البحث عنه سُدى. ستسقط من يدي علبة الدواء الأخيرة في الوادي السحيق.

قلتُ له:

أنا أحببت.

وما زلت؟

أجل، وأنت تعرفها، إنها مها ..

صمت طويلاً قبل أن تعود حروفه على الشاشة مرةً أخرى. ربما كان مصدوماً بعض الشيء، أو ربما بدأت تترابط أمامه الأفكار، بعد أن عرف عِلّة بحثي عنه.

سألني بكلمة واحدة:

متى؟

بعدك. في الخامس من أبريل الفائت، إني أتذكَّر رحيلك عنها.

وماذا تريد مني الآن؟

لم أدر بماذا أجيبه. لماذا بدأ يخاطبني بهذا الجفاف وكأنه يستعد لطردي؟ هل ظن أني أشمتُ به؟ سارعتُ لأن أنفي ذلك قبل أن يرحل.

أريد أن أتوكّأ على عَضُدٍ يفهم شكل عرجي.

أي عرج؟

مها تزوجت، ورحلت.

إذن لم تكن أنت زوجها ذاك.

لا.

صمت حسن قليلاً، قبل أن يعود للكتابة:

لم أكن يوماً ما عُكّازاً لأحد. عليك أن تتعلم كيف تمشي وحدك عندما تتخلى عنك امرأة، أو تتعلم القفز على رجلٍ واحدة.

أنت تقول هذا لأنها أبقت لك رِجلاً يا عزيزي، أو أنك نجوت برجلك. أما أنا فعليَّ أن أزحف على بطني بقية العمر.

صمت طويلاً هذه المرة، قبل أن يعود.

خذ رجلاً خشبية. إنها أكثر وفاءً من أرجلنا أحياناً.

ورحل عني تلك الليلة، وبقيتُ في دوّامة غيابه.

****

أتعلمُ يا بُنيَّ لماذا يموتُ المسنّون أخيراً؟ ليس لأنهم استنفدوا سنواتهم، وما تبقى لهم من العمر، ولكن لأنهم من خلال سنواتهم وعُمرهم فهموا الحياة، ويا للأسف. وعندما يفهمونها تطردهم هي بدورها ، ليظلَّ ما فهموه سرّاً تحاصره قبورهم وأوراقُ ذكرياتهم.

كان الخريفُ يُعرِّي آخر الأشجار في ويسلر. المدينة القريبة من فانكوفر، ليتركَ الطرقاتِ حائرةً بالأوراق الصفراء التي تحرِّكها الريحُ بملل.

شيء من مشهد الأوراق التي تخلَّت عنها أغصانها في خيانة

الخريف تلك يشتركُ مع كلماتِ مس تنغل. إنها تتكلم عن الأوراقِ اليابسة، والسنواتِ الصفراء، والعمرِ الميِّت، وخطٌ طويلٌ من الكآبة يمرُّ بكل شيء.

تبدأ كلامها دائماً بدهشة.

وأجترُّ أنا غُصص أحزاني، وأعيد بلعها.

أقول لها:

لو كنتُ فهمتُ بعض الأشياء لكان خيراً لي.

لا تفهم. قف عند السطر الأخير دائماً ولا تقرأه. السطر الأخير مسمومٌ يا بني. حاذر أن تلقي بعينيك عليه. إنَّ اليوم الذي رَحَلَت فيه فتاتك ولم تعد كان هو السطر الأخير من حبكما. ليتك لم تنقشه في ذاكرتك يوماً لتوفِّر على نفسك هذه التعاسة. كان أجدر بك أن تشتقَّه من الصفحاتِ السابقة فقد كنتَ بالنسبة إليها أسطورةً صغيرة تسبِقُها الدهشة فحسب، ولكنَّك صرتَ في السطر الأخير يا عزيزي من حكايةً صدئة.

تلفظُ مس تنغل كل عبارتها السابقة، ويبقى فمها مفتوحاً وكأنها تريدُ أن تقول شيئاً آخر ولكنها تغلقه أخيراً. وتعودُ بظهرها لتستند إلى الكرسي.

لماذا هذا الاستنتاجُ المؤلمُ للحقيقة في الزمن الذي أحتاجُ فيه إلى وهمٍ رحيمٍ أغلق به جرحي؟ هذه العجوز التي شذَّت من بين الأشياء الملتحقة بالغربة هنا أصبَحَتْ، على غير عادتها، تفتحُ آلامي

بجرأة. صارت كثيراً ما تكشط سطح الصمت الذي أتدثر به وتتركني مرةً أخرى في مواجهة البرد وحدي.

أحصُرُ نفسي بين دائرتين في فنجان القهوة. تقلِبُ مس تنغل جريدتها بلا مبالاة، وتقرأ بجفنين منغلقين تقريباً عبر زجاجِ نظارتها الموشكة على السقوط، وتتجاهلُ وجودي تماماً.

أين كان السطر الأخير معكِ؟ هل لمثلكِ سطرٌ أخير؟

كلّما نظرتُ إلى بطنكِ تخيَّلتُ شكل أطفالنا.

كلّما بكيتِ في وجل الخوف من الفراق، وحشرتِ وجهكِ في صدري، وعدتكِ أن أنتظركِ فلا تقلقي. أمارس القوة وأنا لا أدري أن كل صولجانات الحكم في يديكِ.

كلّما أخذتني بعنف عناق، تهذين: "أنت لي، وحدي"، وأهمسُ في هذيانكِ "وأنتِ؟"، تجيبين دون تردد: "لكَ أنت". تُرى أين هو السطر الأخير في كل هذه الانفعالات الممدودة إلى آخر حقول الدنيا؟

هل من الممكن أن أنسى امرأةُ قالت لي كل هذه الكلمات، وأبدعت معي كل هذه الأشياء، وصبَّت في دمي كل هذا الحب؟

كنتِ تعدين بالعودة ولا تنطقين بها، فهل أضحّى بهذا الأمل الذي يتأرجح بين الحقيقة والخيال؟

وقوفاً على رصيفٍ طويل أعلمُ أنه لن يقود إليكِ، ولكنَّ مسافة العجز أخذتني إليه. أسألكِ عبر يأسي، إذا كان ما تقوله هذه المرأة حقيقة؟

لستُ أدري ما يمكنُ أن يُغيِّره هذا الفهم المتأخر، ولكني أشعرُ بحاجةٍ إلى الفهم أكثر مما أحتاج إلى النسيان.

كنتُ أخشى أن يبقى كلامها مبتوراً هكذا قبل أن تلقف الجريدة، حتى لا يظلَّ مِبضعها في صدري طويلاً، فلست أدري متى أجري معها جراحةً أخرى.

أعود بهاجس:

مس تنغل، حبّنا شيء آخر. لم تكن قصتنا من المعدن حتى تصدأ. لم نكن مراهقين نقبض على طرفي علاقةٍ عابرة. لم تكن الأشياء تستقرُّ في قلبينا بهذه السهولة. حبنا جاء صعباً. كان يتسرب أحدنا في الآخر حتى يخُرج منا الليل. ما زال في جسدي شيء منها. نما وكبر وبدأ ينهمر على غصنه الغائب مثل الصيف. لستُ أحتاج في ساحل الحزن إلى موجةٍ كهذه، أنا أعرف كيف انسى، عندما لا يبقى لي إلا النسيان.

ألقيتُ الجملة الأخيرة مُشيحاً بيدي، والتقطتُ فنجاني لأرشف منه.

كم من الرشفاتِ ليست إلا مقابرَ ارتباكٍ عابر؟

بدا لي أن كلماتي لم تحرِّكها قيد شعرة، ولكنَّ صوتها الذي جاء من وراء الجريدة كانت له نبرةٌ أخرى.

ما دمت قادراً على النسيان فلتنس إذن.

لا أريد لنا نهايةً كهذه.

ولماذا يجب أن تكتب النهاية وحدك؟

......................

من قال إني أحبُّ الجُمَلَ القصيرة؟

عندما يختزلنا حوارٌ ما إلى هذا الحد، فمن المؤكد أن كلماتنا ستكون حادّةً فعلاً، أبعد ما تكون عما نريد.

ماذا يجبرني على تحدِّيها. ما جئتُ هنا لأقاتل وأنافح عن حب امرأةٍ لا أريد أن أنساها. لا أريد أن أتخلى عنها. لا أريد أن أطويها في سجلّ حياتي.

أنتِ امرأةٌ محرَّمةٌ على النسيان.

أنتِ امرأةٌ تجيء فاعلاً لفعلٍ ماض أبداً ولو انقلبت كل قواعد اللغة.

إن للحب قوانينه عندي. وهي أولى عندي من كل لغاتِ البشر وقوانينهم.

ولكني جئتُ هنا لأجرّب الاستسلام، حقناً للأوجاع.

أقول:

لا أريد أن أنسى مها. شيء في داخلي يرفض أن أطوي حبي لها هذا الطيَّ الجاحد. أيُّ مغفرةٍ تلك التي تكفي ذنبي عندما تعودُ ذات يوم لتجدني قد نسيتُها. مها امرأةٌ مختلفة ولكنها ما تزال مثلهن. إنها تحبُّ حتى ما قبل الجنون بقليل، ليس لأنها تبخلُ بالحب، ولكن لأنها تخافُ الجنون ليس إلا، فالنساءُ هناك لا يملِكنَ الكثير حتى

يضحين به في بلدٍ يعتِقلُ حتى نبضاتِ قلوبهن. الحب في بلادنا لا يحمل إقامةً شرعية لذلك لا يُفْصِح عن نفسه، بل يمشي متخفياً عن العيون. وأنا أعذرها قليلاً في ما فعلته، لم يكن بوسعها أن تلتفَّ على وطنٍ بأكمله.

كانت مس تنغل تبدو وكأنها تعرِفُ مُسبقاً ما سأقوله، عاد بي صوتها هذه المرّة إلى دفئِها الذي خشيتُ أنه انتهى.

هل تُجدي المرافعاتُ بعد صدورِ الأحكام يا ولدي؟

إنهم يحكمون بالعقوبة وليس بالذنوب. مرافعاتنا المتأخرة تلك هي التي تضع الحدود الأخيرة وتطلق حكمها الإنساني على أفعالنا.

وهل أطلقتَ هذا الحكم بعد، أم ما زلت تنتظر شيئاً ما لن يأتي؟ يُفسِدُ عليَّ كلامي مع مس تنغل أني كنت أخفي عنها أنكِ ربما تعودين. كنتُ أخشى أن تظنَّ بكِ سوءاً، أنا الذي صرتُ أحميكِ حتى في أذهان الناس. لأن الأمر سيبدو لها وكأنه حكاية الحب الأزلية التي تكرِّر نفسها كل جيل، وأنا ما زلتُ أشتري كلماتها بأحزاني، وأخشى أن تُطْلِق عليَّ حكمها الأخير قبل أن يكتمل البوح. يكفي الآن أن تعلم أن ظرفاً ما وقف بيننا وكفى.

كيف أخبرها عن دمعتكِ؟ هذه الساخنة الطافرة من جفنكِ مثل الجمرة، تقطر على صدري وذراعي، وأنا أمسح بيدي جبينكِ، وأقبِّلُ الخدَّ المبتلَّ المالح.

ما أوفى أن يقبِّل رجل دمعةً نزلت من أجله.

وجهكِ طفلٌ عندما تبكين. وأنا أتنفَّسُ في بكائك راحئة أمل. كنتُ أقول دائماً في نفسي إن امرأةً تبكي بهذه الحرارة لن تبقى جبانةً إلى الأبد. يوماً ما ستعرفُ من أين تأتي قيدَها، ولسوف تعودُ للرجل الذي أحبته.

ولكنَّ دموعكِ هذه لم يرها إلا أنا. سأظلُّ عاجزاً أن أحكيها لمس تنغل. وستظلُّ هي تظنني مريضاً يحتاج إلى العلاج. لم أكن بحاجةٍ إلى تبرير موقفي أمامها. أنا الذي ما زلتُ أقتاتُ ببعض إيمانها في غربةٍ لا ترحم. ولكني كنتُ أريد أن أحتفظ بمكاني في دائرةِ الأمان الصغيرة تلك دون أن تظنني هي مجرد عليل يتظاهر بالصحة.

سأبدو، لو قلتُ لها إني في انتظاركِ، كمن أفقدته الصدمة قدرة التفريق بين وهمٍ وحقيقة. وأنا دائماً أرفض أن أبدو مشتتاً أمام نظرات الآخرين، وأحاول أن أحتفظ بقدرٍ من الثبات، أتوازن به حين أرتطم بواقعٍ ما، حتى لا يعلم أحدهم كم أنا تائه.

ودائماً أفقد هذا الهامش أمام العيون التي تقرأني قبل أن أتكلم. ودائماً أشعر بالرغبة في البوح أمام هذه الأعين بالذات، لأنها تختصِرُ عليَّ الكثير من التعليل خارج مطر الاعتراف، وكأني لا أبحثُ عن عينٍ تسأل، ولكني أريدُها أن تقرأ معي في داخلي، لأعترف أنا بشيء وتقرأ هي البقية.

ومنذ يومي الأول معها وهي تقرأني حتى آخر ذنب. حتى أنتِ لم تقرأي بعضي كما تفعل هي. كثيراً ما وقفتُ معكِ أمام طُرُقٍ مسدودة

أسكتُ بعدها. بل إن فراقنا هذا نفسه لم يكن إلا آخر الطرق المسدودة، طال بعدها السكوت، وجاء وقتُ الكلام.

إنَّ هذا يليقُ بها، هي التي جَلَسَت لتأخذ من الحياة ثلاثين سنة، على كرسيٍّ متحرك.

هل هو المشي الذي يمنعنا من الفهم إذن؟ لقد أعطاها حبٌّ ما ثلاثَ سنوات، وأخذ منها ثلاثين أخرى، وتركها على حدِّ الستين، قاب قوسين أو أدنى من الفهم، والموت.

عندما يُطلُّ صباحٌ مشمِسٌ نادرٌ على فانكوفر تمكُثُ مس تنغل صامتةً أمام المضيق البحري الهادئ، وكلما تأملتُها من نافذة شقتي أشعرُ أن الدنيا اتخذتها محوراً بشرياً هذا الصباح، وأنَّ أشياء كثيرةً راحت تدورُ حولها قبل أن تأخذ طريقها نحو البشر.

ولكنَّ جلوسَها الطويل أرهقها كثيراً. ماتت أعصابُ قدميها تماماً وتخلخلت دورتها الدموية، فأورثتها الستون ضغطَ دمٍ مرتفعاً، ونوباتِ قلبٍ قاسية. كانت تلك النوبات تأخذها فجأةً دون أن تشعر بدنوها، فاعتادت أن تترك باب منزلها مفتوحاً طوال النهار، وتتخذ لها خادمةً تقيم معها تحسّباً لنوبةٍ ما، ولكنَّ النوبةَ جاءت ماكرة ذلك اليوم.

عند الصباح، أدركتُها أنا بنفسي وهي منكفئةٌ في شرفة منزلها وقد أنهكها الألم تماماً. كانت عيناها متعبتين بعد أن فاوضت قلبها طويلاً، وكان أنينها خافتاً، ووجهها يعلوه اصفرار الموتى، وأنفاسها هامدةٌ تقريباً، ويداها، ويدايَ، ترتعشان.

مرَّت نوبتُها تلك بسلام وعادت إلى بيتها وسناجبها. صرتُ أقضي معها ساعاتٍ طويلة. نخرجُ فيها إلى مقاهٍ، وضواحٍ قريبة، ومزارع، وغاباتٍ تحيطُ بالمدينة من الجهاتِ الأخرى التي لا يحدُّها البحر. وكنتُ أرفعُ عنها نوبةَ القلب، وتمنعُ هي عني نوبةَ الكآبة. فليس في شقتي إلا الوحدة والصمت وصورتكِ التي أجاهر بها ألمي وأبتزُّه بها.

هل قلتُ صورتكِ؟

أجل، صورتكِ التي ورثتُها أنا في جملةِ القليل مما ورثته منكِ، قبل أن يسرِقَ سالم كلَّ شيء، ويُبقي لي فُتات الأشياء.

أخذ سالم ما يبقيه سعيداً، وأخذتُ أنا ما يبقيني تعيساً.

كم أنتِ عادلة!

تركتِ لي أمصال البكاء التي أستدرُّه بها من ثدي الذكرى، وأعطيته هو سعادة العمر التي لا تنتهي، وبين ذراعيه أروع امرأةٍ يمكن أن يحلم بها رجلٌ مثله.

لأني دائماً أفرغ حقدي عليكِ بكاءً، أنا الذي لم أكن أبكي حتى في أضعف لحظاتِ طفولتي، لأني كنت أراه عاراً لا يجدُرُ برجل. بقيتُ محتفظاً بهذا المبدأ، متمسكاً بهذه العقيدة، حتى عرفتكِ، لأنكِ امرأةٌ أسهل ما تفعله تغيير العقائد، فجاء بكائي كبكاءِ الشمعة، يأكلُ من عمرها، واكتشفتُ أن البكاء لم يكن يجهل عنواني بل كان ينتظرني في أول الشارع، وأن دموعي لم تكن خاليةً من الملح

البتة، وأن غُدَدَ الدمع ثرَّةٌ ومدرارةٌ كثدي الذكرى الخصب.

حتى الآن في فانكوفر ما زلتُ أبكي.

كان عندي بيتٌ وسريرٌ وحبوب صُداع، ولكني أبكي عند مس تْنغل، بعد أن تأكدتُ أنها ترمقني بعيني أمّ، وأنّ شيئاً من دموعي لن يَعْرَى، ولن يجفَّ دون ثمن. كانت تمنح دموعي انثيالها الطويل، وتجرُّ كرسيّها، وتربّتُ كتفي، وربما أخذت تبكي معي.

دائماً يبكين معي. أمي تبكي إذا بكيت، وأنتِ تبكين، ومس تنغل. ليس من السهل اللجوء إلى ذراعي امرأة. أنتنّ لم تُخلقنَ لكي نلجأ إليكنّ، ولكنَّا خُلقنا نحن لنتجاهل كل شيء، ونزحف نحوكنّ على قلوبنا بكاءً.

ولكن مس تنغل كانت أكثركنَّ خبرة. كانت تواسيني قبل الشكوى، وتمسحُ خدي وهو جافّ، وتعزّيني قبل المصيبة، وتضمُّني كأمّ، في آخر لحظة، قبل أن أنهار.

كانت عيناها وقلبها دقيقة جداً في قياس أوجاعي، وكانت تعرفُ جيداً متى تتدخل لتنقذني، لا لتزيد الصداع صداعاً. كانت تعرِفُ حدودي الأخيرة التي لا أتماسك بعدها، وكلماتي الأخيرة التي أبكي من خلفها، ولكنها تَغفلُ عني أحياناً، فتأتي وقد سبقتها الدموع.

***

يا لهذا الحبِّ الذي يجعلني متصوّفاً ويحوِّل أوراقي التي أريدها أن تبدو رواية إلى تهويمات عاشقٍ يهذي، وانهمارٍ على دائرةٍ مغلقة، وانحباسٍ دورانيٍ على محورِ امرأة، وترتيلٍ طويلٍ بما وجدتُهُ فيكِ، ووصف ربما كرَّره قبلي آلاف العشاق. ولكن من جرَّب العشق يعرِفُ أنه يشبهُ التنفُّس، لا بدّ أن يكترَّر لنظلَّ أحياء.

إما أن أكتب لآخرين أو أكتبُ لكِ. لا أفهم كيف انطحنتُ تماماً في رحى روايتي هذه. التفاصيل الصغيرة قد تعنينا معاً. أما هم فتعنيهم الأحداث الكبيرة فقط. شَجَني عنده مغزلٌ مكرَّر، أحزاني دموعٌ قديمة، غنائي اسطوانةٌ مشروخة، كلماتي إرثٌ مشتركٌ لكل صبٍّ مولّه. يبحثون عن أسطورة، عن قصة، عن تسليةٍ ينامون عليها. صوت أنيني مزعج. ليس عندي ما يشتهون. أنا عاشق رحلت حبيبته فحسب، وتركت له قلماً وذاكرة.

ليس هذا ما يحدُّ من صناعة كاتب، ولكنّ ما يقيّدني فعلاً، هو أني التفاصيل التي يرونها مملّة، وأراها أنا غير ذلك، لأنها كانت تدور حولي أنا وحدي.

كم كنتُ أشعر بالغرور كلما تذكَّرتُ أن عندي حبيبةً مثلكِ لها كل هذا الاعتبار.

كم كنتُ جامداً إزاء أيِّ فتاةٍ أخرى تحاول الدخول في حياتي.

كنتِ امرأةً تصنع وفائي لها بنفسها، لأني كنتُ أفي لكِ ليس من

أجلكِ فحسب، بل من أجلي أنا أيضاً، حتى تكتمل في داخلي روعة هذا الحب.

قديماً قال لي يوسف: "لم يعد الحب سلعة هذا الزمن. العشاق الآن مثل هُواة جمع العملات القديمة، قليلون، فارغون، ومتهمون بغرابة الأطوار".

يبدو أني ألاحقُ الآن عُملةً هي الوحيدة من نوعها في العالم.

صار حبي لكِ مُعقَّداً كشفرة، فلسفةً عميقةً أطبِّقها بكل حذافيرها ولا أفهم منها حرفاً، لأن فهمها كفرٌ، بينما ترديدها صلاة، وإيماني بها يزداد كل لحظة. كأنَّ حبكِ نظامٌ دقيقٌ من النبضاتِ والأنفاس، تختلجُ في قلبٍ وحيد، بتناسقٍ، لا يعرف الخطأ، ولا التحوير، ولا الهمود. أشعر أنه كتابٌ كبيرٌ ما زال كما كتبناه معاً أول مرة. لم يؤوَّل، ولم يُحرَّف، نقشٌ أزلي متواتر، لا ينقص قُبلة، ولا يزيد دمعة.

حبٌّ نزل على حياتي مثل الغزاة. احتلَّني فعلاً. احتلَّ جسدي البكر الذي لم تطأه امرأةٌ قبلكِ، احتلّ الشفتين اللتين قبَّلتهِما وحدكِ؛ والعينين اللتين سكنتِ فيهما وحدكِ؛ الجسد الذي كنتِ أول من فصَّله ورسمه وكتب عليه عضواً عضواً؛ المناطق التي لم تكتشفها امرأة، والأوراق التي لم تقرأها أنثى؛ أصابعي التي ما مسَّت قبلكِ عشيقة، ولا مرَّت على شعر حبيبة؛ فمي الذي لم ينطِقْ كلمة الحب منذ تعلَّم الكلام لغيركِ، وظلَّ بعدكِ صامتاً؛ الرجل الذي فَقَدَ معكِ

عذرّيَته، ثم ترهَّب، واحتملكِ في قلبه فخوراً بأنكِ المرأة الوحيدة التي اكتشفته واحتلته وامتلكته.

لماذا تتركين هذا الرجل وترحلين؟ هل حبٌ كهذا يستحقُّ يوماً أن يغورَ في التراب؟

ربما حَمَلَكِ كثرٌ في مآقيهم، ولكنكِ لن تجدي من يحمل مقلتيه إليكِ إلا أنا.

أيُّ رجلٍ في الدنيا يحلُمُ بامرأةٍ كما أحلم بكِ أنا؟ ينام ويصحو على أمل ويأس. ويظمأ ويروى بذات الكأس. يعيش لأجلكِ ويموتُ بكِ كل يوم. إذا لفَّ الليل غرفته بكى لكِ. وإذا فتح الصباح نافذته شكا إليكِ. إذا أشرَقَتِ الشمسُ قال مساءً تعود، وإذا غَرَبت قال غداً تعود. وأنتِ أبعد من شروقها وغروبها. وما زلتِ زوجة من لا يراكِ إلا زوجة، وضَجِيعَةَ من لا يراكِ إلا أنثى، ولو تركته لاختار غيركِ ولم يطرف له جفن، وأنا يحترق جفناي هنا كأنَّ على كل جفنٍ جمرة، وأنتِ صبحي وممساي، أفلا تدركين أيهما يستحقُّ وفاءكِ؟

جفَّتْ في صدري أوراقُ الغدِ قبل أن أبلغه. أحاولُ أن أفهمكِ. أحاولُ أن أفهم متى تدركين أن الحب يستحقُّ أن نتعب قليلاً من أجله، لنحيا طويلاً في جنَّته، وأنَّ القليل من الغبار قد يثور، يغسِلُ عيوننا، لتعودَ الرؤيةُ بعده أصفى، والأفقُ أوسع.

أتذكَّرُ مقولة كاتبٍ ما "فعلٌ ما قد لا يقودنا إلى السعادة، ولكن لا سعادة بدون فعلٍ ما".

ربما كان يدرك هذا الكاتب أن امرأة مثلكِ كغيرها قد يحبسها الخوف أو الإرهاق من أن تقطف سعادتها القريبة، أو أنَّ بعض الحب نتخذُ مع قرارنا بابتدائه قراراً بإنهائه، في يوم محدد.

أخيراً فعلتِ ما تريدين، ولم يُثر في حياتكِ شكٌ ولا غبار، وتزوجتِ سالماً كما أردتِ وأراد الجميع. فماذا بعد ذلك؟

لن ينتهي الحب يا حبيبتي. سيظلُّ هاجساً يحوم فوق رؤوسنا حتى نَرُدَّ له دينه، ونوفي له الكيل كما يستحق وكما أوفاه لنا كاملاً طوال سنة. لن يرضى أن نعلِّقه هكذا على مشجبِ الذكرى مثل قبعةٍ قديمة. إنه متطرفٌ أحياناً. إما أن يمنحنا سعادتنا كاملة متى سعينا لها أو يفسد علينا كل شيء.

ها هو بدأ بي وراح يَصُبُّ في فمي الحرمان، أنا الذي تَرَكَتْهُ حبيبته ضعيفاً هشَّاً، أبكي بمزحة، وأرضى بلحظة، وكأنَّ قلبي صار إناءً من الزجاج، لا فرق بين من يكسره جاداً أو مازحاً. هكذا أنا عندما كنتِ تشاكسينني مازحةً عبر الهاتف مراتٍ عديدة، فلا أشعر إلا بحرارةِ دمعةٍ سَقَطَت. ولو رأيتها لظننتني جننت، لأنها دُعابة، ولكن هذا ما فعله بي الحب.

أو أنني رجلٌ مريضٌ حقاً.

أيُّ امرأةٍ هذه التي تطوي رجلاً بين يديها مثل لولَبٍ معدني، ثم تطلقه ليرتدّ بعيداً، ويسقط على الأرض ملويّاً، فائضاً عن الحاجة، غير قابلٍ لإعادة الاستخدام؟

أي امرأةٍ تغيّر أقداري، وتسرق حواسِّي الخمس، وكل ما يمكن أن ألمس به الحياة وأستطعمها، ثم تتركني وترحل؟

هل تركتِ لي صفحةً خاليةً من جواز السفر، ليس فيها اسمكِ، أعلِّق فيها تأشيرةً ما، إلى وطنٍ جديد؟

هل تركتِ لي حتى مساحةً للحلم، أحلُم فيها بغيركِ، وأنجح في تحقيقه، لعلّي أنجو من هاجس الأحلام التي لا تتحقَّق، وتجعلني قاب قوسين من الجنون؟

لماذا تحرمينني من كل ما أطلب به السعادة، ثم تلتفتين إلى رجلٍ آخر، لتمنحيه كل ما تستطيعين من سعادة؟

ليس عندي إيمانٌ بغيركِ، فكل المسافاتِ التي أهرُبُ فيها تقود إلى عينيكِ في النهاية.

لأن الأوطان يا حبيبتي لا تُستبدل في مصرف العُملة، ولأ، جوازاتِ السفر لا تمحو الهويّة، ولأنَّ الحب لا يمكن تركيبه متى نشاء، مع من نشاء، بل هو الذي يختار العشاق، ويأخذ من أنفاسهم، ونبضاتِ قلوبهم، ويعجِنُها ببعض، ثم يتركهم لبعضهم إما أن يؤمنوا أو يكفروا.

كان لا بد أن نقف من أجله ضِدَّ كل ما يعترضه. لا حُبَّ يأتي مع التيار يا حبيبتي. الحبُّ يبشِّرُ بالسعادة، وينذِرُ من الشقاء، ويحمِلُ بين يديه قنديل الهدى السنيّ، ويمشي وحدَهُ في الطريق المظلم، ولا يتبعه إلا قلة.

ماذا فعلنا من أجل حبّنا؟ رُبَّ رجلٍ هام على وجهه سنواتٍ حتى استعاد حبّه، ورُبَّ فتاةٍ تدلَّت من شرفتها حتى صارت قاب قوسين أو أدنى من السقوط، ليخلو سبيلها مع حبيبها، وكلّهم يظنونهم مجانين، ويرجمون سيرهم ومبدأهم.

كانت حلولنا أسهل بكثيرٍ مما وصل إليه غيرنا، ومع هذا تخاذلنا. أوهمنا أنفسنا أننا سنذنب عندما نمارس أبسط حقوقنا الإنسانية، حق تقرير المصير، وَقَفْنا في منتصفِ الطريق.

لماذا ظننتِ أن ترككِ لسالم، أنتِ التي بكيتِ طويلاً ليلة فراقنا، سيورثكِ شعوراً بالذنب لا يفارقكِ طوال حياتكِ، بينما الذنب الحقيقي هو أن تتزوجي من لا تحبّين، وبين يديكِ من تحبّين، وأن يبقى قلبكِ ينبض بحب رجل، بينما تعاشرين آخر، وأن ترحلي عني، وأنتِ تعلمين أنكِ تطفئين سراج حياتي وراءك، لأبقى طوال العمر أتخبط في الظلماء بلا أمل.

حاولي أن تعيدي وزن معادلة الذنوب يا حبيبتي، ربما تتغيَّرُ أشياء. ربما يأخذ الحبّ بيديكِ هذه المرّة إلى القرار الذي كان يجب أن يُتَّخذ، بعد أن كلّفني إهماله الكثير من العمر والدموع.

كم ينقُصُنا من الفهمِ الصحيح حتى نفهم أن بعض ما نظنه مثالية لم يكن إلا وأداً في الزمن الأخير، وأنَّ ما يفصِّله لنا المجتمع من مبادئ قد لا يناسب أجسادنا، فلماذا لا نفصِّل مبادئنا بأنفسنا، ما دام الهدف الأخير هو ستر العورة؟

وكم تنقصنا من الشجاعة حتى نكفّ عن محق ابتساماتنا لتبقى ابتساماتهم، وقتل اختياراتنا لتحيا اختياراتهم، ونتوقَّف عن تقديم القرابين لإرضائهم، وإطعام حرياتنا لنار سُلْطَتهم المقدسة. سيموتون أخيراً، ونبقى بعدهم في الحياة وحدنا، مكبَّلين حتى الموت بقيودهم الخاطئة.

وكم من الثائرين الذين سبقونا بالإيمان يجب أن يُعلنوا عن أنفسهم، ويحكوا لنا قصة تمرّدهم ونجاحهم، وسعادتم التي انتزعوها بأيديهم، فكان هناؤهم بها أعمق، واستمتاعهم بها أبلغ، وقد تعبوا قليلاً في سبيلها، فنالوا الكثير من بهجتها، وكانت ذكرياتُ حصارِهم أجمل، وكان لقاؤهم بعد كل هذا يشبه التقاء الشمس بأول جزيرةٍ إلى الشرق من الأرض.

كم منهم يجب أن يجلس معنا، ويكشِفَ سرَّه، ويخبرنا بما فعلوا من أجل حبّهم، حتى لا نشعر أننا وحدنا على الطريق.

وكم من الأنبياء يجب أن يَبَعث الله في الأرض حتى نعلم أن بعض ما يقيِّدُنا به المجتمع ليس حقاً، وإنما هي عاداتٌ تحوَّرت لتأخذ شكل العقيدة، فصار كل من يخرُجُ عنه وهو على حق، كأنما خرج من مِلِّته التي يستعصم بها.

وكم من السنواتِ يجبُ أن تمرَّ حتى يولد في داخلنا القرار، قبل أن يولد في زمنٍ لا يجد من يحتضنه فيه، فيشنُقُ نفسه بحبله السرّي، لأن تاريخ ميلاده لم يعد له معنى للأسف.

وكم من الوفاء نحتاج لكي نفعل شيئاً من أجل حبنا الذي عرفناه مختلفاً، وتعاهدنا على إبقائه كذلك، فإذا هو يموت حقيراً، ذليلاً، في عرصاتِ الوحدة.

وكم من الدهشة تلزمني لأفهم كيف صارت حبيبتي التي أحببت فيها أول ما أحببت اعتدادها بنفسها كأنثى، فكان تمرُّدها جميلاً، وصوتها بالغاً كل مدى، كيف صارت خائفة، مقيدةً بذُلٍّ مقيم، وملقاةً تحت جسد رجلٍ لا تستطيع أن تتخلص منه.

سيقول بعضهم إنني أكتبُ منشوراً محرّضاً، سأقول إني أكتبُ حيرة رجل لا يدري كيف تكأكأت عليه الأقدار بهذا الحقد، إنه لا يدري أيواجه مجتمعاً لا يعترف بنبضات القلب إلا في غُرف العمليات، أم ظروفاً تتحدى بعضها أمام مرآته أيّها يبدو أقبح.

الأسوأ من ذلك أنه يواجه قناعاتِ حبيبته نفسها. تراوغه كل يومٍ بمبدأٍ ضحل، بدمعةٍ غريبة، بذنبٍ مفتعل، بقرارٍ مختلف، بفكرةٍ ظالمة، بعذرٍ مُختلق. الهدف أن تقنعه أنها يجب أن تتخلى عنه، وتتركه نهب الأحزان، دون أن يطرأ له أن يلوم قرارها الذي حطم حياته.

لماذا لم أكن أواجهكِ بهذا عندما كنتِ بين يديّ؟

هل تصبحُ حجّتكِ أقوى عندما تشترك عيناكِ في صياغتها؟ هل لأنَّ خوفي يُطْمَرُ موقتاً في لحظة عناقك؟ هل لأن وجودكِ أمامي لا يجعلني أفكر في ذاتي كما لا تفكِّرُ الأجسام الدورانية إلا في محاورها؟

لهذا السبب ربما لم أكن أناقشكِ في أمر بقائكِ إلا عبر الهاتف.

الآن أناقشكِ عبر رواية.

فكم من العمر يا تُرى يجبُ أن أقامر به في انتظار ما يسفر عنه نقاشنا.