(1)
نظرت إِليها من خلال ضوء(الشَّمْعَدَان) الشَّاحب.. دهمني إِحساس لايُبارَى بأَنَّها فتاة ذات مشاعر فضفاضة. أَضأْت أَنوار(النُّيُون) السَّاطعة.. رأَيت في عينيها بجلاء مدناً ساحليَّة كثيرة ابتلعها البحر بأَكملها..انجوا بأَنفسكم ياأَهل مالطا..(التُّسُوْنَامِي) قادم .أَحسست أَنَّها تشعر براحة تامَّة وهي في زِيِّ بلادها القومي، شأْن أَيِّ فتاة نيجيريَّة لا تُحِسُّ بأَيِّ مُرَكَّب نَقْص بسبب تقاليد بلدها، وفي ذات الوقت تُواكِب روح العصر السَّائِدة.
ـــ اسمع.. لأَنَّك تحبُّ عبدَاللَّه الطَّيِّب؛ فإِنَّني منذ هذه اللَّحظة أُعلِنُ الحُبَّ عليك. وثِقْ إِنَّك سواء ناصبتني المحبَّة أَم لا، فستدركك محبَّتي وإِن كنتَ في بروجٍ مُشَيَّدَة.
الزُّجاجات المُفْعَمَة بـ(البِيْرَة) مصفوفة علَى المائِدة، كجنود يقفون متأَهِّبين للانقضاض علَى مظاهرة معادية للحكومة العسكريَّة بإِحدى دول العالَم الثَّالث.
ـــ قُلْتِ لِي ماعلاقتِك بعبدَاللَّه الطَّيِّب؟
ـــ عبدَاللَّه الطَّيِّب أُستاذي، أَو إِذا تحرَّينا الدِّقَّة تخرَّجت من قسم اللُّغة العربيَّة الَّذي أَنشأَه بجامعة أَحمد بِيْلُّو. أَبي كان زميلاً له في قسم اللُّغة العربيَّة. كنت آنذاك في السَّنوات الأُولى من دراستي، ولا زلت أَذكر أَنَّنا كنَّا نسكن منزلين متجاورين بمدينة (كانو ــ Kano) لا يفصل بينهما سوى سور قصير من شجيرات الـ(فَايْكَس). كنَّا نزورهم كثيراً ونتآنس السَّاعات الطِّوال معه ومع زوجته الفنَّانة التَّشكيليَّة جرزلدا (Grselda)، والَّتي أَصبح اسمها(جوهرة) بعد إِسلامها، وكانا دائِماً يردَّان الزِّيارة بأَحسن منها وبهدايا يحملانها إِلينا. وبهذه المناسبة فقد قرأْت لعبدَاللَّه الطَّيِّب ديوان أَصداء النِّيْل، والقصيدة المادحة، والأَحاجي السُّودانيَّة وهو أَحدث كتبه. أَنتم مثلنا، تخلِّدون أَصحاب زَبَد الأَدب لا أَصحاب زبدته.
ـــ صدقتِ. فقد وجدنا أَنفسنا هكذا.. لقد وضعتنا الأَقدار بين قوسين.. منقطعين عن ما قبلنا، ومنفصلين عن ما بعدنا، ولنا معنىً مُخْتَلِف ومذاقٌ مُخْتَلِف وسماتُ فِكْرٍ مُخْتَلِف. رياحنا (الهَرْمَتَان) وتيَّارنا(اللِّبْرَادُوْر)..عواطفنا عواطف أَطفال المَجَاِري، وطيورنا البَجَعْ.. بَجَعْ بَجَعْ، وما طارَ طَيْرٌ وارتفعْ إِلَّا كما طارَ وَقَعْ. بَجَعْ بَجَعْ .. ما أَعظمَ الوَجَعْ!
ـــ هذا وصف دقيق بعبارات مكثَّفة المعاني، أَفهمه علَى ضوء أَنَّ أَحد المعتقدات الشَّعبيَّة يقول إِنَّ البجعة حين تُحِسُّ بدنوِّ أَجلها؛ تذهب إِلى نهرٍ هادىءٍ وتُصْدِر أَصواتاً شجيَّة، وكأَنَّها تودِّع بها الحياة.
ـــ نحن خرجنا من الحياة بالفعل وتخطَّينا مرحلة وداعها. بَجَعُنا بَجَعٌ آخَر غير بَجَعِ المْعْتَقَد الشَّعبي ذاك.. بَجَعنا نتف ريش البَجَع (الرُّومانسي) ذاك وأَكل فراخه.
قلت لها ذلك وأَنا أَتحسَّس ملمس كلماتي، وفجأَة هجمتُ عليها بنظرةٍ ذاتِ دَفْعٍ رُباعِيٍّ كاسِح؛ فضبطتُها وهي تنظر إِليَّ بحرص، وكأَنَّها تقرأُ في عينيَّ يوميَّات(تشرشل)عن تجربته البرلمانيَّة، وهي الَّتي قد تعلم أَنَّ حزب العمَّال الَّذي ربَّما تكون علَي شيءٍ من آرائِه، لا يستطيع أَن يحكم بمفرده دولةً معقَّدة التَّكوين كدولتي، وأَنَّ إِسقاط الحكومات بحجب الثِّقة وارد في الأَنظمة الدِّيمقراطيَّة. خِفْتُ أَن تنظر إِلى عينيَّ بزاوية أُخرى وبنظرة أَكثر حرصاً ؛ فترى فيهما الحقيقة المرْعِب .. ترى فيهما تزويراً في الانتخابات وفوضى بمراكز الاقتراع.
بدون مقدِّمات، وقد لصقتُ جسمي بجسمها، ضحكتْ بسلالم موسيقيَّة مختلفة.. بنوتة موسيقيَّة جديدة. وفي نفسي تساءَلت متعجِّباً:‴كيف فات علَى(هنري برجسون) أَن يخصِّص فصلاً كاملاً في كتابه(الضَّحك) لنَّوع هذه الضَّحكة المُمَغْنِطَة؟! بل لِمَ لا يخصِّصون ضمن جوائِز(نوبل) جائِزة في الضَّحك، تُمْنَح سنويّاً لأَفضل مَن يُبْدِع في هذا الضَّرب النَّادر من الضَّحك؟!‴ علَى كلٍّ فقد قرأْت ضحكتها تلك قراءَة ثانية منقَّحة؛ فجاريتها بضحكتي الَّتي أَدَّخرها لمناسباتي الخاصَّة جدّاً، وبخاصَّة تلك الَّتي أُطلقها في اللَّيالي القمراء.. جاريتها علَى بحر المديد:
فَاْعِلاتُنْ فَاْعِلُنْ فَاْعِلاتُنْ فَاْعِلاتُنْ فَاْعِلُنْ فَاْعِلاتُنْ
لكنَّها استطاعت أَن تُدَبِّر لي ضحكة ريَّانة علَى بحر الرَّمْل، ولكأَنِّي بها تريد أَن تُمَتِّع طقوس المجاملة:
فَاْعِلاتُنْ فَاْعِلاتُنْ فَاْعِلاتُنْ فَاْعِلاتُنْ فَاْعِلاتُنْ فَاْعِلاتُنْ
فأَفحمتها علَى السَّليقة وعلَى الهواء مباشرة بضحكة من بحر المُتَدَارَك:
فَاْعِلُنْ فَاْعِلُنْ فَاْعِلُنْ فَاْعِلُنْ فَاْعِلُنْ فَاْعِلُنْ فَاْعِلُنْ فَاْعِلُنْ
ها أَخيراً وأَخيراً جدّاً، أَلقت سفني إِسْكِلَتَها(سِقَالاتها)علَى شواطىء ساحرة، تتراطن نوارسها وجداً وغزلاً، وبحارتي يترنَّحون طرباً. وأَنَّا الرُّبَّان أُرسل إِلى المدى طرفي..إِلى البحرالعريض، وفي خاطري حنينٌ طازجٌ وأَيُّ حنين .. حنينٌ لسفرٍ طويلٍ بعيدٍ بعيد. آه.. لَكَم أَحلمُ بالسَّفرِ إِلى بلادٍ لا دِيْكَةَ بها؛ إِذ مَن يستطيع ــ في هذا الزَّمن ــ أَن يقنع ديكاً واحداً بأَنَّه ــ ورغم كلِّ شيء ــ لا يزال ديكاً، وبأَنَّ الدَّجاجة ــ ورغم كلِّ شيء أَيضاً ــ لا تزال دجاجة، وليست بينهما أُمورٌ متشابهات؟ الآن ببيت صديقي مجذوب ديك ودجاجة لا شكَّ فيهما ، أَو في أَحدهما.
وقد وضعتْ يدها علَى فخذي:
حياتي الماضية كلُّها لا يمكن أَن تُوْصَف إِلَّا بأَنَّها بحيرة حزن كبيرة عميقة.. بائِسة مكتظَّة كخيام اللَّاجئِين. لكنَّنـي حين رأَيتك قلت في نفسي إِنَّ تلميذ عبدَاللَّه الطَّيِّب هو الوحيد الَّذي سيستطيع إِعرابي.
ـــ وذلك علَى الرَّغم من أَنَّك جملة ــ لا شِبه جملة ــ خارجة علَى جميع قواعد الإِعراب، أَليس كذلك؟ أَرجوك أَوقفي هذه المساخِر، واتركيني في شأْني، ودعي أُستاذي عبدَاللَّه الطَّيِّب ــ كدأْبه ــ لا يجد حرجاً في شرح المُفَضَلِيَّات.
ها قد وضعتُ بحذر شديد السَّرج علَى دابة أَحلامي، لكنَّني لم أَركب بعد؛ إِذ أَعلم أَنَّ ركوب دابة شَمُوْس جَمُوْح يستنزف الصِّرْف من الحكمة والصَّبر. لكنَّني ومن وحي اللَّحظة وبدون تفكير قرَّرت أَنَّني لم أَعد أَحتمل صبراً.. قرَّرت أَن أُصَعِّد الموقف، بأَن أَنتقل وإِيَّاها من مرحلة الشُّرب إِلى منظومة الفعل الانتقائِي. بيت صديقي مجذوب الآن مُطْفَأَة أَنواره، كمدينة يترقَّب أَهلها غارة جويَّة وشيكة. بادرتها بالمقدِّمات الضَّروريَّة في مثل هذه الحالة. لكنَّها ردَّتني بلطف، بعد أَن أَبعدت جسمها عن جسمي:
أُريدك زوجاً لا مُدَاعِراً. ادخل البيت من بابه.
أَبطلتْ لُكْنَة حديثها بالإِنجليزيَّة قوَّة الطَّرد المركزي في جهازي العصبي.. عطَّلت مفاتيح التَّحكُّم التِّلقائِي بداخلي .. مستوى الأَمان أَصبح صِفْراً.
ـــ هذا أَمر غريب. كيف تشربين الخمر ولا تتفاعلين مع ملحقاتها؟
ـــ لَم أَشرب خمراً، بل شربتُ مياهاً غازيَّة.
ـــ شربتِ مياهاً غازيَّة! انظري الفوارغ.. فَتِيْل وِسْكِي Crazy Horse وآخَر White Lable.. ثلاث زجاجات بِيْرةStout .
أَيُّ شيءٍ هذا؟ بيديَّ هاتين اللَّتين سيأْكلهما الدُّوْد، أَخرجت من الثَّلَّاجة ست زجاجات بِيْرَة! من أَين جاءت زجاجات الــ( سَـﭬِن أَب 7Up) الثَّلاث هذه، والثَّلَّاجة ليست بها زجاجة مياه غازيَّة واحدة من أَيِّ نوع؟! كيف نقص عدد زجاجات البِيْرَة إِلى النِّصف؟ التَّفسير المنطقي الوحيد في الوقت الرَّاهن بالذَّات هو: إِمَّا أَنَّ ثلاث زجاجات بِيْرَة وربَّما بما داخلها، قد حُوِّلت إِلى زجاجات مياه غازيَّة، أَو أَنَّ ثلاث زجاجات بِيْرَة قد أُبْدِلَت بأُخرى للمياه الغازيَّة. وفي الحالتين الأَمرُ غريبٌ غريبٌ غريب!
نظرت إِليها.. وجدتها في زِيِّ ضابط شرطة، علَى كلِّ كتف من كتفيه صقر
ونجمتان!أَين ذهبت بنت اللَّيل تلك؟ وكيف حلَّت محلَّها ولكن في صورتها، ضابطة الشُّرطة هذه؟ فجأَة هجم علَيَّ شُعُوْرُ مجرمٍ غيرمحترف يرتكب جريمة للمرَّة الأُولى، وتطارده الشُّرطة بكلِّ خبرتها وإِمكاناتها. لم يعد لدي أَيُّ وقت أُبدِّده.. كلُّ دقيقة محسوبة علَيَّ .انطلقت كرُمح، وأَين منه الرُّمح الرُّدَيْنِي؟وصلت إِلى شارع (الأَسْفَلْت) حافي القدمين.. لم أَتمهَّل حتَّى أَتلفَّت يميناً ويساراً.. رميت بثقلي أَجري بطول شارع الأَسفلت. من أَين جاء هذا؟ في قلب الشَّارع تماماً وجدت نفسي ملقيّاً علَى ظهري، وإِلى جواري صاحب درَّاجة ودرَّاجته واقعة علَى جنبها، بعد أَن كان منطلقاً بها من الاتِّجاه المعاكس. تعاركنا وتبادلنا بالإِنجليزيَّة الشَّتائِم القذرة والأَلفاظ البذيئَة. بعض المارَّة الفضوليِّين قادنا إِلى قِسْم الشُّرطة القريب. نظرت إِلى رجل الشُّرطة المُناوِب..قامته طويلة كشتاء الإِسْكِيْمُو.. أَلا ما أَقصر قامات الإِسْكِيْمُو! نظرت إِلي مُشَاجِرِي..شعر رأْسه قصير، إِلَّا قبضة شعر طويلة في وَسَط رأْسه علَى شكل القُنْزُعة الَّتي علَى رأْس الهُدْهُد حين ينشرها وقد أُثِير! أَيُّ موضة هذه؟! في أَقوالي ذكرت لرجل الشُّرطة المُناوِب أَنَّني كنت أُمارس رياضة الجري؛ واصطدمت بهذه العَجَلَة الَّتي كانت مطفأَة الأَنوار.
ـــ تتريَّض! تتريَّض وأَنت سكران وشبه عريان في آخِر ساعة من اللَّيل؟! هذا أَمر مُريب لا يمكنني فهمه. سأَرفع الأَمر إِلى الضَّابط رئِيس القِسْم الَّذي سيصل بعد ساعة.
كان رجل الشُّرطة المُنَاوِب يتحدَّث وكنت أُدِيْم النَّظر إلى عينيه.. هاتان عينان
لو كان الزَّمان مُوَاتِياً لأُقيم عليهما ــ بلا تردُّد ــ حدُّ الزِّنَى.
كدت أَصرخ وأَجري بعيداً حين رأَيت رئِيس القِسْم.ما هذا؟ أَأَهرب منها وإِليها؟!
تلك إِذن قسمة ضِيْزَى.
نادت ضابطاً بنجمتين، بعد أَن قرأَت أَقوالي المدوَّنة في يوميَّة التَّحري:
اشطب البلاغ، وأَوصله إِلى بيته بعربة القِسْم.. مجرَّد رجل سكران في نهاية عطلة الأُسبوع. السُّودانيُّون أُناسٌ مسالمون، ويقدِّمون لبلادنا خدمات جليلة. ولكن انتظر.. سأُوصله بنفسي.
كان هذا آخِر ما سمعت، فقد انْهِرْت بكلِّ قشعريرة فيَّ .عندما صحوت وجدت نفسي علَى سريري وما زلت بملابسي الدَّاخليَّة. أَدخلت يدي تحت الوسادة لأَنظر الوقت في ساعتي، الَّتي يبدو أَنَّني حشرتها تحت الوسادة. قبضت أَصابعي علَى شيء صغير..قُوْرُوْ!ما الَّذي أَتى بالقُوْرُوْ تحت وسادتي؟! قذفت حبَّة القُوْرُوْ(1)Goro بقوَّة حتَّى انكشف إِبط يدي القاذفة لها. تُرى ما جدوى التِّعداد السُّكَّاني لبلد،جلَّ أَهله لا يجدون ما يكرمون به الضَّيف سوى القُوْرُوْ، رغم ثروات البلد الَّتي لا تُحَد؟هل هناك فساد في مفاصل الدَّولة أَكثر من هذا؟ ياإِلهي! هل أَطعموا أُستاذي عبدَاللَّه الطَّيِّب ثمرة قُوْرُوْ مثلي؟ أُستاذي عبدَاللَّه الطَّيِّب حصيف فَطِن ولا يمكن أَن يدخل ــ مثلي ــ في تجربة نتائِجها غير واضحة وغير مضمونة. لقد أَكلتُ الطُّعْم.. أَكلتُ ثمرة القُوْرُوْ. تَبّاً لثمار ـــــــــــــــــــــــــ
(1) تُنْطَق القافُ جِيْماً مِصريّاً، كَنُطْق الحَرْف G في كلمة Goat الإِنجليزيَّة.
القُوْرُوْ، الَّتي ربَّما أَدخلت كثيرين غيري في مثل تجربتي المريرة مرارة القُوْرُوْ هذا. ثمَّ ما جدوى البقاء في بلدٍ لا أَجد به عملاً؟يجب علَيَّ تفعيل العبارة الَّتي قرأْتها بمطار(كانو) . لقد بالفعل مرَّت بذهني العبارة المكتوبة بأَحرف إِنجليزيَّة كبيرة وواضحة. النَّيجيريُّون كتبوا بالخطِّ العريض في معظم مطاراتهم، أَو علَى الأَقل في مطار كانوKano ومطار(لاغوس Lagos)،المطار الرَّئيسي لبلادهم وأَكبر مطاراتهم:..(This is , Love it or Leave it) (هذه هي نيجيريا..أَحْبِبْها أَو غادرها)؛ ولهذا السَّبب سمَّى بعضهم نيجيريا: (The Land Of Two Ls:"Love-Leave".).. الكتابة واضحة والمعنى صريح . حين قرأْت اللَّوحة أَحسست في إِيقاعي الدَّاخلي بإِقليم(بيافرا) ينفصل ثمَّ يُعاد إِلى أَحضان الوطن الأُم. أَتُرَى حين أَعلن الجنرال (تشوكويميكا أُوجوكو) انفصاله بإِقليم(بيافرا)، قد وضع في ذهنه أَيَّ اعتبار لفكرة الوطن الجميل وآمال الأَجيال اللَّاحقة؟ علَى كلٍّ يجب علَيَّ مغادرة نيجيريا بأَسرع ما يمكنني. فعلَى الأَقلِّ لم أَجد في نيجيريا شيئاً، وأَيضاً لم أَفقد فيها شيئاً. نيجيريا ليست الأَفضل، لكن لا يُوْجَد ما هو أَفضل منها حالياً. وللأَمانة فإِنَّني لم أَجد في اغترابي بعدَّة دول قبل نيجيريا، إِلَّا نبأَ فاسقٍ ، تبيَّنته بعد تجارب أَليمة. لكنَّ تجربة نيجيريا لها رَكْضُ خيلٍ مختلِف. مهما يكن من أَمر، ففي المُحَصِّلَة النِّهائِيَّة يجب علَيَّ المغادرة ثمَّ المغادرة مرفوعة للقوَّة أَلف.
حسناً. كنت ضمن الجالسين علَى المَسَاطِب الشَّعبيَّة بـ (سينما) فُنْتُوَا(Funtua) . كنَّا في مطلع الخريف،والجوُّ كان مغرياً بالتَّواصل العاطفي. كانت تجلس عن يميني، وعن يساري يجلس صديقي مجذوب.(الفِلْم) كان من أَفلام (الكاراتيه)، وأَفلام الكاراتيه أَحبُّ الأَفلام إِلى النَّيجريِّين تليها أَفلام(الكاوْبُوْي). قبل بداية العَرْض وكما جرت العادة، عُزِفَ النَّشيدالوطني. الجميع وقفوا تحيَّة لنشيد بلادهم الوطني، أَمَّا الأَجانب ــ وأَنا أَحدهم ــ فإِنَّ كلَّ واحد منهم اكتفى برفع يده اليُمْنَى وهو جالس طيلة مدَّة العزف. عند انتهاء العزف سأَلتني بإِنجليزيَّة مهذَّبة:
من أَيِّ بلد أَنت؟
ـــ من السُّودان.
ـــ من بلدالبروفيسورعبدَاللَّه الطَّيِّب؟
ـــ عبدَاللَّه الطَّيِّب أُستاذي.
ـــ وأَنا أَيضاً تلميذة لعبدَاللَّه الطَّيِّب.
قدَّمت لي ثمرة من القُوْرُوْ.. رددتها إِليها شاكراً. صديقي مجذوب قرصني في كتفي :((لا تضيِّع الفرصة يامُغَفَّل .. خذ منها القُوْرُو.. هذاعربون له في نيجيريا ما بعده)) . أَخذت من يدها ثمرة القُوْرُو، وتكلَّفت استمتاعي بأَكلها رغم مرارتها الفظَّة.
ـــ أَرى من المناسب أَن نترك مشاهدة الفِلْم. في الحياة أَفلام أَمتع كثيراً من أَفلام الكاراتيه، وأَنا أُريد أَن أَقضي معك وقتاً طيِّباً . هل لك بيت ياسوداني؟
ـــ إِيْ..نعم..أَجل.
خرجنا من دار السِّينما، واشترت عَشاءً غنيّاً بالسُّعُرات الحـراريَّة العالية من
(كافتيريا)علَـى الطَّـريق. أَنسام اللَّيــل المُحَمَّلَة برائِحة المطــر تقـول إِنَّ كلَّ شيءٍ ممكن في ليلةٍ كهذه وفي بلدٍ كنيجيريا. وباقي القصَّة معروف منذ أَن
تحوَّلت تلك الفتاة إِلى عقيد بالشُّرطة وإِلى أَن قرَّرت مغادرة نيجيريا.
في الطَّائرة السُّودانيَّة الَّتي أَقلعت بنا من الخرطوم كان يجلس علَى الكرسي الملاصق للكرسي الَّذي أَجلس عليه، بينما صوت آذان الصُّبح يصل إِلينا ونحن في طريقنا إِلى الطَّائِرة، وذلك بعد أَن كنَّا قد توغَّلنا مسافة ثلاث سنوات حُسُوماً من بداية الرُّبع الأَخير من القرن العشرين. تعارفنا.. مَجْذُوْب الخِيْر محمَّد من أَبناء النِّيل الأَبيض..أَكمل دراسته بجامعة أُمْ دُرْمَان الإِسلاميَّة.. في طريقه إِلى نيجيريا الَّتي يعمل فيها بالتَّدريس، بعد أَن قضى عطلة طويلة بالوطن.. متزوِّج وقد ترك عائِلته وراءه..لا يشرب الخمر إِلَّا في مناسبات خاصَّة، ويتحاشاها كليَّة في السَّفر، وشخصى كَلِفٌ بها أَيَّما كَلَفٍ ، خاصَّة في الأَحباس العليا من الجو. فتائِل الوِسْكِي وزجاجات البِيْرَة عملت عملها فى رأْسي الضَّخم ذِي (المَطَبَّات) طوال رحلة استغرقت أَربع ساعات، نزلنا خلالها في انجامينا(فُورْتِي لامِي سابقاً) ، لكننَّا غادرناها علَى عَجَل. في مطار كانوKano كان في استقبال الأَخ مَجْذُوْب الخِيْر مجموعة من زملائِه المدرِّسين.. وجدوني فى حالة سُكْر بيِّن..أَوضحت لهم أَنَّني جئْت إِلى نيجيريا أَبحث عن عمل خاصَّة التَّدريس. أَفهموني أَنَّ فرص العمل بالتَّدريس بولاية(كادونا) الَّتي يعملون بها أَفضل كثيراً من فرصه في باقي الولايات. لم يتركوا لي فرصة لأُمارس ثرثرة السُّكارى.. سريعاً أَكملوا إِجراءات دخولي، وحملوا أَمتعتي مع أَمتعة الأَخ مَجْذُوْب الخِيْر إِلى مدينة فُنْتُوَا(Funtua) الَّتي بولاية كادُوْنَا (Kaduna). كانوا جميعاً (عَزَّابَة) تركوا زوجاتهم وراءهم بالوطن. كان كلٌّ منهم يسكن في بيت منفصل، مستفيدين من الميزات الَّتي يتمتَّع بها المدرِّس في نيجيريا، خاصَّة الأَجنبي الَّذي جاء بعقد عمل خارجي، وجميعهم جاءُوا بعقود عمل خارجيَّة. المدرِّس توفِّر له الدَّولة عربة بقرض، وغالباً تكون من ماركة(ﭬلوكسواجن) الأَلمانيَّة الَّتي تُجَمَّع بنيجيريا. كما توفِّر له بيتاً مُؤَثَّثاً.. من الثَّلَّاجة إِلى إِبرة الخياطة، أَمَّا الزَّوجة فعليه أَن يدبِّر أَمرها علَى طريقة(بالصَّداق المَعْلُوم بيننا)، أَو بغيرعقد زواج!
فى سوق كانو Kano، ونحن في طريقنا إِلى فُنْتُوَا Funtua، رأَيتُ وأَمسكتُ بين يدىَّ وتَمَعَّنتُ مليّاً عشرات الأَنواع من العُرُوْق مفروشة علَى الأَرض، يجلس عندها أُناس لا تدرى أَهُم بشر أَم جان؟ تمعَّنتُ عُرُوْقاً قيل إِنَّها لجلب المحبَّة وتهييج المعشوق.. قَلَّبْتُ بين يديَّ عُرُوْقاً لترحيل النَّاس عن البيوت..عُرُوْقاً للدُّخول على الحُكَّام..عُرُوْقاً للتِّجارة وزيادة الأَرزاق.. لزرع الكراهية والبغض.. للعقرب..للسَّفر..لزيادة الباءة.. لإِخافة الأَعداء.. للنَّاكُوْس ووجَع الضُّرُوْس. وخرجتُ من سوق العُرُوْق وعقلي ووجدانى يردِّدان بمنتهى اليقين ــ رغم سُكْرِي ــ :{قُلْ لَنْ يُصِيْبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا}.
هكذا سكنت مع مَجْذُوْب الخِيْر في جناح منفصل ببيته، هو في الحقيقة بيت كامل بمعنى البيت العصري. وقَبْل هكذا تلك وصلت إِلى نيجيريا، وأَنا ما زلت أَحمل صفات المواطن الَّذي كُنْتُه.. مواطن تنسحب عليه كلُّ صفات مواطني دول العالَم الثَّالث وأَنظمة حكمها الاستبداديَّة . كنت أَحمل صفات المواطن الَّذي فُصِل من عمله؛ لأَنَّه رفض المشاركة في مسيرة أَكبر من مليونيَّة، تؤَكِّد أَنَّ الرَّئِيس هو المُفَوَّض الوحيد لكتابة رزقِ مُوَاطِنِه وأَجلِه وشقيٌّ هو أَم سعيد؟وذكر أَم أُنثى أَم من الجنس الثَّالث؟ وابن حلال أَم ابن زِنَى؟ وفي الجنَّة هو مع المجاهدين وأَهل التَّمكين في الأَرض، أَم في النَّار مع المنافقين والكفَّار؟ كنت كذاك المواطن الَّذي رفض المشاركة في تلك المسيرة، بل زاد علَى ذلك بأَن مزَّق صور الرَّئِيس المعَلَّقَة في الشَّوارع ، وقال للنَّاس إِنَّها مُسْتَفِزَّة وتسبِّب الاكتئاب لهذا الشَّعب الأَبِي وتُصيبه بالسَّكتة الدِّماغيَّة . فكان ذلك سبباً ــ بعد فصله من عمله ــ في فصله بزنزانة لا تدخلها الشَّمس؛ بعد أَن تعهَّد الرَّئيس بأَنَّ أَيَّ مُعَارِض ــ وأَنا من كبار أَنصار"أَيَّ" ــ لن يرى ثانية ظلَّه يمشي معه أَبداً. ولكنَّ اللَّهَ غالِبٌ علَى أَمْرِهِ وكلُّ شيءٍ عنده بمقدار.. يؤْتِي المُلْكَ مَن يشاء وينزِع المُلْكَ ممَّن يشاء. ولأَزيدكم علماً فأَنا ماكنت يومـاً شيوعيّاً ولا شبه شيوعي، ولا كنت يمينيّاً ولا حليفاً ليمين، ولا انتميت يوماً لحزب من أَحزاب الوسط ولا ناصرته. لا أَكره في حياتي غير شيئَين اثنين:السِّياسة ومناقشات كرة القدم، لا كرة القدم في حدِّ ذاتها كرياضة جماهيريَّة تسمو بالنَّفْس. لكنَّ كرهي للسِّياسة لا يعني في المقام الأَوَّل أَنَّني من ذوِي البلاهة السِّياسيَّة، ولكن كرهي وبغضي لها ولرجالها ولنسائِها ولممارساتهم. أَنا إِنسانٌ حُرٌّ من كلِّ التزامٍ سياسي أَو(أَيدولوجيَّة) سياسيَّة..أَنا إِنسان وطني، أُحبُّ تراب وطني وأَتقدَّم الصُّفوف حين يكون الوطن في خطر حقيقي. أَفهم الدِّين فهماً جيِّداً..الدِّين اليُسْر الَّذي لا يُشَادُهُ أَحـدٌ إِلَّا غلبه. وأَعلـم تماماً أَنَّ الخطر الحقيقي علَى دين الإِسلام ليست الشُّيوعيَّة ولا الصُّهيونيَّة ولا ما يُرَوَّج في أَجهزة الإِعلام..الخطر الحقيقي علَى الدِّين الإِسلامي هو الإِسلام السِّياسي. كلُّ الحركات الإِرهابيَّة الَّتي يُصَمُ بها الإِسلام وهو منها براء، تناسلت في رحم الإِسلام السِّياسي وخرجت منه. الخطر الحقيقي علَى الإِسلام هي اللِّحَى السِّياسيَّة الَّتي تضارب بالإِسلام في سوق السِّياسة.
بهذه الخلفيَّة وصلت إِلى نيجيريا، وفي أَعماقي شعور مواطن تجاه رفع الحكومة لأَسعار السِّلع الاستهلاكيَّة إِلى الضِّعف، وهو أَوَّل مَن يعلم أَنَّه كلَّما رفعت الحكومة أَسعار السِّلع، كلَّما تدنَّت في نظرها قيمة المواطن؛ فيفقد المواطن توازنه وتتحطَّم معنويَّاته؛ ويتعلَّم سَبَّ الدِّيْن للحكومة ولعَيْشه . لنترك هذا الآن جانباً إِلي حين، فقد هبطتُ نيجيريا وأَنا أَحمل اللَّقب الَّذي أَفخر به أَينما رحلت وحيثما قطنت.. أَحمل في كينونتي المتحوصلة في اللَّاوعي لقبي (البنسلين) أَو(البَانْسَلِيْن)، اللَّقب الَّذي فصَّله علَى مقاسي أَصدقائِي من أَفراد (شُلَّتِي) ونحن بعد طلبة في بداية المرحلة الثَّانويَّة.(البَانْسَلِيْن) خاض معي حروباً طاحنة كثيرة في كافَّة المجالات .. كسبتُ بعضها ودُحِرْتُ في الأُخرى، لكنَّه دوماً يخرج منتصراً. أَلا ترون ــ مِثْلِي ــ أَنَّ بعض أَلقاب النَّاس يمكن أَن تحقِّق أَحياناً مالا يمكن أَن يحقِّقه أَصحابها، ولو في واقع افتراضي علَى أَضعف الإِيمان؟ هكذا ظلَّ لقبي ، أَمَّا اسمي الَّذي سمَّاني به أَبي والَّذي خُلِع عنِّي كما يخلع أَحدكم ثوبه البالي ، فعلاقتي به كعلاقة البحر بالمَدِّ والجَزْر.. ينتصر معي حين انتصر، ومعي ينهزم حين تدور عَلَيَّ الدَّائِرة. لقد وصلت إِلى نيجيريا في زمن تغيَّر فيه كلُّ شيء إِلَّا لقبي وإِلَّا دعوة المظلوم، الَّتي ما زال يُستجاب لها ولو بعد حين. أَنا من حزبِ دعوةِ مظلومٍ سَرَتْ بليلٍ والظَّالمُ عنها في غفلة.
هذا كلُّه غير مهمٍّ الآن. الأَولويَّة المُطلَقة الآن هي أَن أُغادر نيجيريا حالاً علَى جناحَي الخوف، خاصَّة وأَنَّ التَّدريس مهنة وحيدة بالنِّسبة لي بنيجيريا ؛ ولذا سافرت بحثاً عنه إِلى سوكتو Sokoto وإِلى دوستنما Dustin- ma وقُسوا Gusua وكادونا Kaduna وزاريا Zaria وغيرها. قابلت المسؤُول عن عقودات المدرِّسين وتعيينهم، المُعلِّم(لَبُّو) كبيرالمفتِّشين بوزارة التَّعليم ، الَّذي أَوضح لى من غير لفٍّ ولا دوران أَنَّ العمل بالتَّدريس موقوف نهائيّاً بتأْشيرة الزِّيارة، وأَنَّ هنالك لجنة تقوم الآن بمعاينات للتَّدريس بسفارتهم بالخرطوم. قابلت عدداً من الإِخوة السُّودانيِّين الَّذين أَبدوا لي جميعاً وبلا تحفُّظ وقوفهم إِلى جانبي ورغبتهم الصَّادقة في مساعدتي. ولكن رغم مساعيهم المتواصلة لمدَّة تزيد عن خمسة أَشهر لم أُوفَّق في العثور علَى وظيفة مُدَرِّس. لقد تعسَّرت الأُمور كثيراً، وازداد الموقف تفاقماً خاصَّة بعد المَعْمَعَة الممتدَّة من بيت صديقي مَجْذُوْب وقسم الشُّرطة ، وما تخلَّل ذلك من أَحداث مُحَيِّرة.