(4)

8 0 00

(4)

قلت لنايلة، ونحن داخل السَّيَّارة:

أَرجو أَن تَمُرِّي بي علَى السُّوق لأَشتري مرآة ، عِوَضاً عن تلك الَّتي تهشَّمت بعد أَن سقطت من بين يديَّ.

وعطفاً عليه عندما هبطنا من السَّيَّارة ، كنت أَحمل معي مرآة كبيرة اشتريتها من نفس المحل الَّذي اشتريت منه طيِّبة الذِّكر المرآة السَّابقة ، وأَحمل كذلك بعض الصُّحف النَّيجيريَّة باللُّغة الإِنجليزيَّة.

فـي(إِسْطَبْل) قـريب مـن بـاب البيت الخارجـي رأَيت أَربعـة أَحْصِنة ، خامسها

أُنثى(حِجْر) يقف إِلى جوارها جحشها ، كأَيِّ فَلْوٍ لم يُجَرِّب مكر الإِنسان بعد . أَمَّا بَفَلُوْ فقد رأَيته يرقد في (إِسْطَبْل) منفصل لا يُوجد به حصان غيره . ما أَن رآنا حتَّى هبَّ واقفاً وصهل ثلاث مرَّات متتاليات، وهو يَشُدُّ الحبل المربوط به إِلى آخِره في محاولة كما يبدو للوصول إِلينا . وبالطَّبع لم يزد المشهد إِلَّا جمالاً مخاطبة نايلة لي:

بَفَلُوْ يرحِّب بك كصديق عزيز افتقده طويلاً.

ـــ ولماذا يرحِّب بي؟ لماذا لا يكون يرحِّب بك؟

ـــ أَنا لا أَغيب عنه لأَكثر من ثلاث ساعات في اليوم ، فكيف يفتقدني؟ أَما زلت تحمل في نفسك علَى بَفَلُوْ؟ بَفَلُوْ ندم علَى فعلته معك ، وهو يحاول أَن يكفِّر عن خطأِه.

انحنيت قليلاً وأَنا أَتأَمَّل سكَّان الإِسْطَبْل ، لكنَّه فجأَة ولا أَدري من أَين جاء ،

شبَّ هكس علَى قدمَي رجليه الخلفيَّتين ولحس عنقي بلسانه ، وهو يتحدَّث من صدره وفمه حديثاً بلغة الكلاب ..لا أَعرِف مفرداته لكنَّني خمَّنت معناه:(أَين أَنت ياصديقي؟ لأَيَّام كثيرة لم أَرك . لكم أَشتاق إِلى الرُّكوب خلفك علَى ظهر بَفَلُو؟)

كانت السَّاعة الرَّابعة وثلاث وثلاثين دقيقة عصراً ، حين دفعت نايلة بيديها الباب أَمامها ، والتَّوقيت في فُنْتُوَا يتأَخَّر عن توقيت بلادي ساعة كاملة . هذا جيِّد فالشَّمس لن تغرب قبل ساعتين ؛ ممَّا يتيح لنا فسحة من الوقت تمكِّننا من الحديث في موضوعات كثيرة. وجدت أَنفسنا داخل(صَالُوْن) واسع ، يتجلَّى سحر جماله في بساطة أَثاثه ، وكأَنَّ صاحبه قصد أَن يكون معبِّراً عن شخص ينتمي إِلى الطَّبقة الوُسْطَى : منضدة كبيرة في الوَسَط حولها عدد من الكراسي الكبيرة الَّتي تُشْعِرك بأَنَّ الجلوس عليها حتماً سيكون مريحاً ، وعدد من المناضد الصَّغيرة وأَريكة كبيرة ، ولا شيء غير ذلك.

علَى المنضدة الكبيرة عدد من الكتب، قلَّبت عينيَّ بين عناوينها : التِّبيان في إِعراب القرآن .. اللُّغة العربيَّة كائِن حي .. رواية الأَرض الطَّيِّبة باللُّغة الإِنجليزية(The Good Earth) للرِّوائِيَّة الأَميريكيَّة(بيرل باك).. الإِسلام السِّياسي :أَزمته المزمنة وعلاقته بالماسونيَّة ، وللكاتب النَّيجيري(تشينوا أتشيبيChinua Achebe) باللُّغة الإِنجليزيَّة روايات : الأَشياء تتداعى/ مضى عهدالرَّاحة/ سهم اللَّه/ ابن الشَّعب . أَخيراً حطَّت عيناي علَى عنوان لم أَكن أَتوقَّعه:(مملكة مَرَوِي السُّودانيَّة). فتحت إِحدى صفحات الكتاب عشوائِيّاً وطفقت أَقرأُ :(توجد بالبجراوِيَّة الكثير من المواقع . المدافن الجنوبيَّة والغربيَّة بها نحو ثمانية وثلاثين مدفناً لأَقوى وأَغنى ملكات وملوك التَّاريخ : أَماني تيريكي .. أَماني شَخَتِي .. يارِي تارا.. ناستاسِن .. تانويت أَماني .. وسيكامنسكن . كذلك توجد الحمَّامات الرُّومانيَّة الَّتي يأْتيها الماء من النِّيل وهي في قلب الصَّحراء . مملكة مروي كانت أَوَّل مكان فى أَفريقيا أُستخرِج وصُنِّع وصُهِر فيه الحديد وصُدِّر منه؛ وما يزال خِرَاء الحديد"Iron Slag"، وهو من أَهمِّ مخلَّفات تلك الصِّناعة ، موجوداً حتَّى الآن).

لم أَكد أَقرأُ آخِر كلمة ، حتَّى سمعت صوتاً عميقاً تكتنفه مقاطع حادَّة:

أَهلاً ومرحباً بتلميذ حبيبنا وصديقنا عبدَاللَّه الطَّيِّب.

ووجدت نفسي مطوَّقاً بيدين قويَّتين ، صاحبهما يضحك بفرحٍ لا يُنْسَى . ثمَّ لم يلبث أَن دعاني للجلوس علَى كرسي قريب ، وجلس علَى الكرسي المواجه له. نظرت إِليه فرأَيت رجلاً قامته أَقرب إِلى القصر منها إِلى الطُّول ، وله عينان تبرقان بريقاً متَّصلاً لا يهدأُ ولا ينقطع ، ولحية سوداء خفيفة . نظرت إِلى الحائِط المواجه لي فارتاحت عيناي علَى إِطار كبير من الخشب يلمع ، وكأًنَّه مزهوُّ بما كُتِب داخله بخطٍّ كُوْفِيٍّ كبير:{قُلْ أُوحِيَ إِليَّ أَنَّه استمعَ نفرٌ من الجِنِّ فقالوا إِنَّا سمعنا قرآناً عجبا . يهدي إِلى الرُّشْدِ فآمنَّا به ولن نُشْرِكَ بربِّنا أَحدا. وأَنَّه تعالى جَدُّ ربِّنا ما اتَّخذَ صاحبةً ولاولدا}. نظرت إِلى الحائِط الَّذي يقع إِلى يميني .. رأَيت إِطاراً له نفس مواصفات الإِطار السَّابق وبداخله بنفس الخطِّ الكوفيِّ الكبير:{وإِذ صرفنا إِليكَ نفراً من الجِنِّ يستمعونَ القرآنَ فلمَّا حضروهُ قالوا أَنصتوا فلمَّا قُضِيَ وَلَّوَا إِلى قومهم منذِرِين . قالوا ياقومنا إِنَّا سمعنا كتاباً أُنزِلَ من بعد موسى مصدِّقاً لِما بين يديه يهدي إِلى الحقِّ وإِلى طريقٍ مستقيم}. نظرت إِلى الكرسي المجاور لكرسي مُضِيْفِي . كانت مَرْيَم(1) تجلس بوقار وهي تبدو منتشية في زِيِّ بلادها القومي . هناك شبه لكنَّه ليس كبيراً بينها وبين ابنتها نايلة. لكن ما لفت انتباهي أَنَّها تبدو في ــــــــــــــــــــــــ

(1) ينطق الهَوْسَا والفُوْلانِي الاسم : مِيْرُوْ(Mero)، بينما ينطقه المسيحيُّون :(Mary).

عُمُر قريب من عُمْر نايلة ، علَى الرَّغم مـن أَنَّ نايلة ليست أَكبر أَبنائِها كما أَخبرتني لاحقاً . كانت بالــزِّي الوطنـي كابنتها نايلة ..لا تتـحـدَّث كثيـراً ولا تلتـفت إِلَّا بحساب . مرَّة أُخرى تشبَّثت عيناي بالإِطارين المحظوظين اللَّذين يحتويان الآيات القرآنيَّة الكريمة ، وأَمام كلٍّ منَّا علَى منضدة صغيرة كوب كبير من عصير البرتقال الطَّبيعـي ، وقطـعة(كِنافة) كبيـرة وعنـقـود عنب وسُكَّـر مُكَعَّبات وبالضَّرورة كوب شاي يخالف الأَكواب في أَنَّ له عروة ولبن حليب وعلبة(أُوﭭـالتين Ovaltine) صغيرة وملعقة صغيرة أَيضاً. كنت أَشرب الشَّاي وعيناي مشدودتان إِلى الآيات القرآنيَّة ، وأُذناي تلتقطان صوت مُضِيْفِي ، الَّذي كان يشرب ببطء الشَّاي الأَخضر صرفاً:

في مكتبتي كلُّ مؤَلَّفات عبدَاللَّه الطَّيِّب ، وما زلت أَحتفظ بصور فوتوغرافيَّة كثيرة تجمعني وإِيَّاه في مناسبات رسميَّة أَو خاصَّة كثيرة . ويمكن أَن أُسْمِعُك تسجيـلات صوتيَّة كثيـرة لعبدَاللَّه الطَّيِّـب باللُّــغة العربيَّة وأُخــرى بالإِنجليزيَّة..

محاضرات وندوات ولقاءات وخلافه وخلافه.

سرحت بعقلي قليلاً وأَنا أَستعيد في ذهني أَيَّام دراستي بالمدرسة الأَوَليَّة ، حيث كانوا يدرسُّوننا نصوصاً مختارة من كتاب(سمير التِّلميذ) لعبدَاللَّه الطِّيِّب. لكنَّني ما لبثت أَن عدت إِلى صَالُوْن موسى هارونا، وأَنا ما أَزال أَستمع إِليه :

علاقتي بعبدَاللَّه الطَّيِّب أَقوى من علاقة أَيِّ نيجيري به . لقد دَرَسْت بجامعة الأَزهر الشَّريف ، ثمَّ نلت درجة الدُّكتوراه من القاهرة أَيضاً ، وعملت أُستاذاً جامعيّاً بالسُّعوديَّة ، قبل أَن يختارني عبدَاللَّه الطَّيِّب للعمل معه بوطني . لقد صرت زميلاً لعبدَاللَّه الطَّيِّب بكليَّة عبداللَّه بايير، وهي كليَّة للأَدب العربي والدِّراسات الإِسلاميَّة ، وعبداللَّه بايير كان أَميراً لولاية كانو. عندما جاء عبدَاللَّه الطَّيِّب إِلى مدينة كانو سنة 1964، لم يجد شيئاً جاهزاً لإِنشاء معهد اللُّغة العربيَّة ؛ فأَشرف بنفسه علَى البناء وعلَى وضع المنهج واختيار الأَساتذة , ثمَّ أَتبع ذلك بإنشاء معهدين آخَرَيْن أَحدهما للُّغة الإِنجليزيَّة والآخَر للُّغة الفرنسيَّة . معهد عبداللَّه بايير كان نواة كليَّة اللُّغة العربيَّة بجامعة أَحمد بيلُّو. عملت مع عبدَاللَّه الطَّيِّب لمدَّة عامين ، هي جملة مدَّة عمله بنيجيريا. كانت آخِر مرَّة رأَيته فيها في سنة 1966 حيث انتهت مدَّة عمله، لكنَّنا ظللنا نتراسل ونتهاتف باستمرار. مدَّة طويلة ، أَليس كذلك؟ اثنا عشراً عاماً؟ تُرى كم عسكريّاً في كلِّ العالَم استولى علَى السُّلطة في بلاده منذ غادرنا عبدَاللَّه الطَّيِّب وحتَّى هذه اللَّحظة ، الَّتي يحكم فيها بلادنا العسكـري (أُولوسيجون أُوباسنجوOlusegun Obasanjo) المسيحـي مـن

قبيلة اليوربا؟

لعلَّ مُضِيْفِي قد لاحظ حومان عينيَّ حول اللَّوحتين اللَّتين تحويان الآيتين الكريمتين:

الجن مثل البشر منهم المسلمون ومنهم الكُفَّار، بل منهم الوثنيُّون . فالجنُّ الَّذين استمعوا إِلى القرآن ذكروا أَنَّهم سمعوا كتاباً أُنزل من بعد موسى ولم يقولوا من بعد عيسى ؛ لأَنَّهم كانوا من اليهود . نحن مسلمون لا نُنْقِص من قدر أَيِّ مذهب من المذاهب ، لكنَّنا نتَّبع المذهب المالكي . متمسِّكون بديننا، لكن من غير تشدُّد ولا تفريط . لا أَحد هنا يعرِف أَصلنا الحقيقي ، حتَّى أَهل أَقرب البيوت إِلى بيتنا ؛ بسبب ما قد تثيره هذه المعرفة من حساسيَّات بيننا وبين البشر. وكلُّ ما قلناه لهم إِنَّنا من سلالة محمَّدفَلَّاتِي بن عقبة بن نافع ، الَّذي أُمُّه (بج منقو Bajjo Mango) ابنة ملك غانا الرُّومي ويُدعَى (برمندانا Brmindana). وهم لا يشكُّون في قولنا هذا؛ خاصَّة أَنَّ فيه ظلّاً من الحقيقة ، فأَبي خليط من البشر والجن ومن سلالة محمَّدفلَّاتي تحديداً وأُمِّي من الجن.. فينا طباع البشر وخصائِص الجن . نحن إِذن من الجن الفلَّاتة. وللجن مراتب ولكن يسمُّون المرتبة سماء، وأَعلَى مراتب الجن من حيث الدِّيْن والعِلْم والرِّئَاسة هم أَهل المرتبة أَو قُل السَّماء الرَّابعة ، والمرتبة الأَقلُّ منها هي الثَّالثة وهكذا نزولاً حتَّى الأُولى وهي الأَدنى في الأَهميَّة . نحن من أَهل السَّماء الرَّابعة بل في الذِّروة منها . كلُّ ذلك لا يعلمه أَحد من جيراننا . لكنَّني أَذِنْت لابنتي نايلة أَن تطلعك علَى أَصلنا بعد أَن طلبَتْ منِّي ذلك ، فهي لا تخفي عنِّي شيئاً ، وقد أَخبرتني بالعلاقة بينكما، وأَسأَل اللَّه تعالى أَن يجعله خيراً.

ـــ ياعَمِّي موسى هذا تفضُّل كبير منك علَيَّ أَشكرك عليه . وقد عرفت شيئاً عن عالَمكم من ابنتك نايلة . ولكن هناك علامات استفهام كثيرة عن عالَمكم تتقافز في ذهني لا تتركني أَرتاح ليل نهار، يحضرني منها في هذه اللَّحظة الطَّريقة الَّتي تتعرَّفون بها علَى أَحوال بعضكم وعلَى أَحوال البشر.

ــ بالنِّسبة للبشر فالأَمر هيِّن ، نستطيع بكلِّ يسر معـرفة أَيِّ شيء فـي حياة

الآدمي الحاضرة والماضية، أَمَّا المستقبل فنحن وأَنتم جميعاً والملائِكة عموماً

محجوبون عنه . أَمَّا الموتى فأَخبارهم الحاضرة وأَحوالهم أَيضاً محجوبة عنَّا

وعنكم ؛ إِذ هم في ساحة عالَم آخَر غير عالَمنا وغير عالَمكم.

ـــ أُريد مزيداً من الإِيضاح ، كيف تستطيعون جعل الآدمي يستطيع قراءة شيء من حياته الماضية؟

ـــ حسناً . علَى أَيِّ سطح لامع وليكن شاشة تلفزيون مثلاً ، شريطة أَن يكون مغلقاً، نقرأُ بانتباه مكثَّف وحضور عميق سورة الرَّحمن كاملة . ثمَّ نطلب من ذاك الآدمي أَن ينظر في ذاك السَّطح اللَّامع الَّذي قرأْنا عليه سورة الرَّحمن . بالطَّبع ستظهر له صورة وجهه كأَيِّ ناظر في أَيِّ مرآة عاديَّة، لكنَّها بعد قليل ستختفي ثمَّ بعد ثوان ستظهر مرَّة أُخرى ، لكنَّها صورة كبيرة لوجهه تملأُ كلَّ السَّطح اللَّامع ، ثمَّ تختفي مرَّة أُخرى. عند ذلك يذكر الآدمي بصوت يسمعه هو فقط ما يريد رؤْيته ؛ فيمرُّ ذاك الشَّيء علَى السَّطح اللَّامع مثل الفِلْم السِّينمائِي النَّاطق تماماً. وعندما يريد إِيقافه لبعض الوقت يقرأُ علَى ذاك السَّطح اللَّامع قول اللَّه تعالى:{وتمَّت كلمة ربِّك صدقاً وعدلاً لا مبدِّل لكلماته وهو السَّميع العليم}، وإِذا أُريد الاستمرار بعد ذلك يطلب الآدمي ذلك بالطَّريقة الَّتي ذكرت لك. علماً بأَنَّ هذا البثَّ يتوقَّف تلقائِيّاً عند منتصف اللَّيل تماماً. هذا بالنِّسبة للبشر، أَمَّا الجن فإِن أَراد أَحدهم رؤْية أَمر من أُمور أَخيه من الجن أَو أَمر من أُمور البشر ، فهناك سور قرآن أُخرى يقرأُها علَى راحة يده اليُمْنَى بدلاً من السَّطح اللَّامع.

ـــ كيف يمكن رفع أو خفض الصَّوت؟

ـــ لا يمكن رفع الصَّوت أَكثر مـن المستوى الَّذي خرج مـن فم صاحبه ، ولكن

يمكن خفضه حسب الطَّلب بأَن تقول بصوت تسمعه وحدك:(أُريد خفض الصَّوت قليلاً) أَوبأَيِّ صيغة أُخرى تفيد هذا المعنى . وبالطَّبع يمكنك إِنهاء أَيِّ مشهد بأَن تقول بصوت مسموع لك:(أُريد إِنهاء المشهد عند هذا الحد)، أَو تقول ذلك بأَيِّ صيغة أُخرى تؤُدِّي هذا المعنى . ويمكنك بعد ذلك أَن تنتقل إِلى مشهد آخر تختاره بالطَّريقة الَّتي ذكرت لك.

أَنا بفرح لا يُحصَى:

إِذن أَنا أَستطيع إِجراء هذه التَّجربة الآن.

ـــ للأَسف لا. فهذا من الأُمور الَّتي اختصَّ بها اللَّه سبحانه وتعالى الجنَّ وحدهم؛ إِذ وزن وحركة أَرواحنا يختلفان عن تلك الَّتي لأَرواحكم. قراءة القرآن واحدة، ولكنَّ الرُّوح والمقدرات جدُّ متباينة. ولكن في بعض الحالات النَّادرة إِذا قرأَ آدميٌّ سورة الرَّحمن كاملة علَـى سطح لامـع، قــد يختفي وجهه مــن المـرآة

ولا ينتقل إِلـى المرحلة التَّالية. وفـي هذه الحالة لا يمـكن للآدمي رؤْية وجهه علَى نفس المرآة كما كان في السَّابق، إِلَّا بعد انقضاء أَربع وعشرين ساعة.

ـــ إِذا قلت أُريد أَن أَرى فلاناً الجنِّيَّ وما يفعل في هذه اللَّحظة ، هل يتحقَّق لي ذلك؟

ـــ لا.

ـــ وإِن كان ذاك الجنِّيُّ المسلم متمثِّلاً في صورة إِنسان؟

ـــ وإِن كان متمثِّلاً في صورة إِنسان ؛ ذلك لأَنَّ روحه ما تزال روح جنِّيِّ حلَّت

في بدن إِنسان.

هنا تدخَّلت نايلة:

أَعْطِ أَبي المرآة الَّتي اشتريتها من السُّوق ليجري أَمامك التَّجربة عمليّاً.

نظرت إِليه وهو يمسك المرآة بين يديه وجسمه كلُّه ينتفض ويرتجف ، وقـد

فتح كفَّ يده اليُسْرى وبعكس اتِّجاهها وضع كفَّ يده اليُمْنَى مفتوحة أَيضاً ، وهو يقرأُ سورة الرَّحمن . ما أَن فرغ منها حتَّى ناولني المرآة . نظرت فيها فرأَيت صورة وجهي كاملاً.

ـــ سنتركك لوحدك ساعة كاملة ، حتَّى ترى ما تريد رؤْيته براحتك.

قال ذلك ونهض وعلَى إِثره نايلة وأُمُّها ودخلوا إِحدى غرف البيت.

بصوت واضح قلت:(أُريد رؤْية أَبي خلال نهار هذا اليوم). ظهرت الصُّورة واضحة بالأَلوان الطَّبيعيَّة تملأُ المرآة كلَّها . لا أَدري أَهي ثلاثيَّة أَم رباعيَّة الأَبعاد؟ دقَّقت النَّظر ؛ فرأَيت حاج /مبارك بلحمه وشحمه وكَرَادِيْسِه يجلس علَى كرسيٍّ قريب من سرير أَبي ، وأَبي كأُنبوب معجون الأَسنان المُفْرَغ تماماً، يرقد علَى سريره علَى قفاه تحت شجرة العَرَدِيْب الَّتي يمتدُّ ظلُّها إِلى مسافة بعيدة . لقد كان وهو في عافيته يقضي كلَّ أَوقات فراغه تحت شجرة العَرَدِيْب هذه ، وينام باللَّيل في شهور الصَّيف قريباً منها. في فم أَبي الآن ميزان للحرارة وفي يده اليُمْنَى غُرِسَت إِبرة حقنة موصولة بكيس بلاستيكي. هل وصل أَبي إِلى حالة فقدان الملح أَو السُّكَّر في جسمه؟ نظرت إِلى وجهه.. لقد أَزالت الأَيَّام قشطة نضارة وجهه، بعد أَن عَطَسَ الزَّمان في أَنفه . لم أَر عضواً واحداً في جسمه يتحرَّك وعيناه شاخصتان وفكَّاه متدليان ، وعلَى كرسيِّ آخَر قريبٍ من كرسيِ حاج/ مبارك يجلس شخص لم أَعرِفه .. لعلَّه أَحد المُمَرِّضِيْن . علَى منضدة صغيرة مجموعة كبيرة من الأَدوية ، يضايقها صندوق حلوى كُتِبَ عليه:(حلويَّات رَيَّا) . نظرت فرأَيت عمِّي الياس .. عمِّي الياس ــ كما استنتجت من نظراته وطريقة جلوسه ــ لم يتغيَّر. فهو ما فتىء لا يلبس لكلِّ زمن طاقيَّته.. عمِّي الياس يلبس طاقيَّة زمن آخَر.. زمن تبخَّر كما تبخَّرت آمال عمِّي الياس العريضة في الحياة ، وأَيُّ آمال لِمَن قرأَ الحياة بطريقة العُمْيان .. بطريقة الفرنسي الضَّرير)لويس بريل Louis Braille )؟ جارنا عبداللَّطيف، وهو الوحيد الَّذي في بيته ثلَّاجة تعمل بالجاز(الكِيْرُوْسِيْن)، والَّذي تراجع اسمه بإِزاء لقبه(الخَمْجَان) ، جاء وفي يده زجاجة(لِيْمُوْنَادَة) ، قدَّمها إِلى الشَّخص الَّذي لم أَعرِفه ، قائِلاً بصوته الَّذي أَلفته:(اِتْفَضَّلْ يادِكْتُوْر).أُصبت بحالة متأَخِّرة من التَّوتُّر النَّفسي وأَنا أَرى أَبي وكأَنَّه يحتضر، وسالت دموعي علَى خدَّيَّ.

رفعت رأْسي عن المرآة، فوجدت عمِّي موسى يخرج من باب الغرفة الَّتي دخلها قبل قليل . ولمَّا اقترب منِّي وشاهد دموعي علَي خدَّيَّ؛ سأَلني:

مابك ياابني؟

ـــ ياعَمِّي موسى: أَبي مريض لآخِر حد ، وقد رأَيت حالته كلَّها علَى المرآة. يجب علَيَّ الرُّجوع إِلى السُّودان؛ كي أَكون قريباً منه وأُشرِف علَى أَمر علاجه

بنفسي.

جلس علَى الكرسيِّ المجاور لكرسيِّ ، ونظـر إِلى سقف الصَّالـون لأَكثر مـن

دقيقتين ، وكأَنَّه يرى في السَّقف ما لا أَراه . وعندما عاد ببصره إِلى سابق عهده، سأَلني:

هل أَبوك في قرية أَم في مدينة؟

ـــ في قريتنا؟

ـــ وما اسم قريتكم؟

ـــ أُمْ نَوَاطِيْر.

ـــ وما مرضه؟

وصفت له ما أَصاب أَبي بالتَّفصيل كما عرَفت من أَهل بيتنا.

ـــ لا تقلق علَى أَبيك، وليس هناك ما يستدعي سفرك إِلى السُّودان . سنرسل إِلى أَبيك طبيباً منَّا متخصِّصاً في الأَمراض النَّادرة . ولحسابات تخصُّ عالَمنا سيكون الطَّبيب روسيّاً لا يتكلَّم لغة غير الرُّوسيَّة ، وذلك لتشخيص علَّة أَبيك كعَتَبَة أُولى ، ثمَّ بعد ذلك سيكون أَمر العلاج سهلاً بإِذن اللَّه. بالطَّبع كان يمكننا الكشف الدَّقيق علَى أَبيك وهو نائِم بعد أَن يدخل الطَّبيب إِلى برزخ مناماته ، ولكنَّ المشكلة تكمن في إِقناعه بتناول الدَّواء المناسب ؛ إِذ قد لا يقتنع أَبوك بتناول دواء لم يُوْص به طبيب يقف أَمامه ، وإِنَّما هو نتيجة كشفٍ طبِّيٍّ عليه رآه في منامه . ثمَّ قد يتطلَّب الأَمر فحوصاً معمليَّة ؛ لذا سيكـون برفقة الطَّبيب الرُّوسي معملاً متحرِّكاً كاملاً بـه أَطباء فحص معملي

منَّا أَيضاً، بل أَيضاً وحدة صغيرة للكشف بالأَشعة . سيكون كلُّ شيء جاهزاً ،

لكـن هـل يُوجـد فـي قريتـكم مَـن يتكلَّـم الرُّوسيَّـة حتَّـى يُسَهِّـل مهمَّـة الطَّـبيـب الرُّوسي؟

ـــ لا أَظن. ولكن أَهل قريتنا من الذَّكاء بحيث يستطيعون إِفهام الطَّبيب والفهم منه، ولو باستعمال الإِشارة.

ـــ سنحلُّ المعضلة . سنرسل مع الطَّبيب أَحدنا في صورة سوداني ليقوم بمهمَّة التَّرجمة. فقط أَرجو الاتِّصال بأَهل بيتكم لإِبلاغهم بأَنَّ طبيباً روسيّاً سيصلهم غداً عند منتصف النَّهار تماماً للكشف علَى أَبيك.

ـــ لكنَّ الاتِّصال الهاتفي بين فُنْتُوَا وقريتنا يكاد يكون مقطوعاً طيلة اليوم.

ـــ في هذه الحالة يمكنك استخدام هاتفي، فهو من نوع يمكنه الاتِّصال بقريتكم في ثوانٍ معدودات.

قال ذلك وأَشار إِلى الهاتف الموضوع علَى منضدة صغيرة في أَحد أَركان الصَّالـون .. هاتــف عادي ليس لــه مــا يميِّزه عـن بقيَّة الهواتــف، إِلَّا أَنَّـه كبـيـر الحجم شيئاً ما.

ـــ أَلُوْ.. عثمان؟ كيف هي حالة أَبي الصِّحيَّة الآن؟

هكذا أَبلغت الأَمر في لحظات إِلى أَهل بيتنا كما طلب منِّي موسى هارونا، وذلك بواسطة شقيقي عثمان، بعد أَن ناداه الجيران . ففي قريتنا يُوجد هاتفان فقط: أَحدهما عامٌّ بوَسَط القرية ، والآخَر ببيت جيراننا الملاصق لبيتنا.. بيت الخَمْجَان، وبين البيتين في الحائِط الفاصل بينهما ، باب نسمِّيه(باب السِّر)

يُفْضِي من بيت إِلى الآخَر.

ـــ أَستأْذنك ياابني ؛ إِذ أَنَّني أَؤُمُّ المصلِّين في الجامع القريب من هنا . وبعد

العِشَاء أُقدِّم كالمعتاد دروساً في القراءات والتَّجويد وأَحياناً في الفقه أَو السِّيرة النَّبويَّة. ربَّما أَتأَخَّر بعض الشَّيء . المُهِم البيت بيتك إِن أَردت انتظاري ، وإِن

استعجلت الانصراف فإِذنك معك . وهاك هذا الكيس به بعض الفاكهة ، لعلَّ

طعمها ينسيك شيئاً من طعم الغربة.

خرج عمِّي موسى من الصَّالُوْن وعبثت يداي بمحتويات الكيس: قماش لبَدْلَة كاملة من الصُّوف الإِنجليزي الخالص وحذاء إِيطالي وربطة عنق فرنسيَّة . وفي كيس آخَر داخل الكيس الكبير كمثرى وخوخ ومشمش وكُرَيز ورُمَّان ، وعلبة كبيرة من الجُبْن الرُّومي الَّذي كنت أُحبُّه كثيراً.

تركت نايلة، الَّتي خرجت قبل لحظات من الغرفة الَّتي كانت قد دخلتها مع أَبيها وأُمِّها، بالصَّالون ، وخرجت أَتوضَّأُ بالمُوَضَّأِ القريب بحوش البيت. وفيما كنت أَمسح وجهي بيديَّ من أَثر الوضوء ، نظرت فإِذا بنايلة تجلس علَى الأَريكة ، ولكن إِلى جوارها تجلس فتاة أُخرى. أَحسست بأَنَّني أَسبح في فضاء عريض من انعدام الهُوِيَّة. الآن هناك نايلتان! نفس مقاسات الجسم بالـ(مِلِيْمتر).. الوجه ذاته بأَدقِّ تفاصيله.. النَّظرة ذاتها.. الحذاء هُوَ هُوَ.. الزِّي القومي نفس الزِّي القومي حتَّى لون قماشه. كلُّ شيء نفس الشَّيء ، حتَّى الضَّكحة الاستثنائِيَّة الَّتي استقبلتاني بها..الضَّحكة الَّتي يمكنها بكلِّ سهــولة ــ إِن لــم تعمل حسابـك ــ أَن(تفَرْكِش) فـي أَيِّ لـحظة العلاقـة الفطــريَّة

الوطيدة بينك وبين ضحكتك إِلى ما لا نهاية.

ـــ أَيُّكما نايلة؟ سأَلتُ بانزعاج.

ـــ أَنا نايلة.

ـــ وأَنا أَيضاً نايلة.

قالتا العبارتين بنفس خلجات الصَّـوت وتقاسيمه ، وسمعتهـما بنفس وَجَلِــي

واضِّطرابي.

وقد وقف شعر رأْسي شعرة شعرة:

ـــ أَيُّكما ليست نايلة؟

ـــ أَنا ليست نايلة.

ـــ وأَنا أَيضاً ليست نايلة.

ـــ ‴يَخْرِبْ بِيْتْكَنْ‴.

فكَّرت في ممارسة(الماراثُون) كما فعلت في حادث قِسْم الشُّرطة . ولكن مَن يدري فقد تجريان ورائِي وهما تصيحان بلغة الهَوْسَا:(حَرَامِي حَرَامِي حَرَامِي)، فيجري ورائِي النَّاس من كلِّ حَدْب وصَوْب ؛ فيُقْبض علَيَّ وأُضْرَب وأُقاد مرَّة ثانية إِلى قِسْم الشُّرطة . ماذا أَفعل؟ رميت نفسي علَى أَوَّلِ كرسيٍّ صادفني ، وغَمْغَمْت بما يشبه الهمس:(أَيُّ انفصام شخصيَّة هذا الَّذي أَصابني؟!) ضحكت إِحداهما ذات الضَّحكة الاستثنائِيَّة تلك:

ـــ نحن الَّذين أَصبناك .. نحن(الشِّيزوفرانياschizophrenia) ذاتها بالعربي والإِنجليزي.

فكَّرت في أَن أَصيح بأَعلَى صوت فيَّ:(الحقني ياعم موسى) ، لكنَّني بدلاً من

الصِّياح وطلب النَّجدة أَدخلت قدميَّ بعصبيَّة في حذائِي ونهضت واقفاً ، شأْن من حسم أَمر مغادرته المكان. إِحدى النَّايلتين انتصبت واقفة وأَمسكت بيدي اليُمْنَى:

سأَقوم بتوصيلك إِلى بيتك.

بينما الأُخرى متمادية في نفس الضَّحكة(المُفَرْكِشَة).

لم تكن بحالٍ سيَّارة شرطة . كانت سيَّارة(مرسيدس) جديدة سوداء اللَّون . بعد أَمتار قليلة طلبت منها أَن توقف السَّيَّارة.

ـــ سأَنزل هنا وأُكمل المشوار إِلى البيت علَى قدميَّ.

ـــ لا تغضب . كطلبك فقد أَوقفت السَّيَّارة . ولكن أَلم أَقل لك من قبل إِنَّ الفِلْم قد بدأَ؟ هذا جزء من لقطة من لقطات الفِلْم . نحن شخص واحد ، ولكن في برنامجين مختلفين.

ـــ لم أَفهم.

ـــ شخص واحد من نسختين . لا تعجل . سأُوضِّح لك كلَّ شيء. الفتاة الأُخرى هي صديقتي ، وقد طلبت منها أَن تطبخ لك هذا المقلب بأَن تتشبَّه بي تشبُّهاً كاملاً ، حتَّى تصاب بالحيرة.

ـــ إِذن أَنتِ نايلة ولستِ الأُخرى.

ـــ نعم نعم نعم . صديقتي هذه نفسها تشبَّهت بي في يوم حادث بَفَلُوْ بعد أَن زوَّدتها بتفاصيل كلِّ مادار بيننا.

ـــ وفي حادث قِسْم الشُّرطة ، هل كنتِ أَنتِ أَم صديقتك؟

ـــ كنت أَنا نايلة ، والآن أَنا نايلة . لكنَّنا تبادلنا الأَدوار تحت شجرة المانجو

يوم سلَّمتك الجنسيَّة والجواز وعقد العمل دون أَن تفطن إِلى ذلك.

وقد تملَّكني الغضب:

إِذن أَنـا يُتلاعَب بـي كالكرة . لا أُريـد أَن أَسمع شيئاً وما عـدت أَفهم شيئاً .

اتركيني أُكمل المشوار إِلى البيت علَى قدميَّ.

قلت هذا وشرعت في النُّزول من السَّيَّارة مُطْفَأَة الأَنوار. ورجلي اليُمْنَى خارج السَّيَّارة واليُسْرى داخلها، أَحسست بقبضتها القويَّة تعيدني إِلى مكاني.

ـــ علَى كلٍّ بيتكم قريب من هنا. أَلا ترى ذاك النُّور؟ إِنَّه نور (اللَّمْبَة) الخارجيَّة لبيتكم . أَنتم ونحن جيران بيوت . أَليس للجار حق؟ لقد كنت أَمزح معك . أَما تحبُّ المزاح ياطفلي المُدَلَّل؟ نحن الجن حين نعشق البشر، نكثر من ممازحتهم ومداعبتهم علَى طريقتنا . لقد كنَّا نمزح معك أَنا وتوأَمتي نادية . تلك ليست صديقتي كما قلت لك منذ قليل . هي توأَمتي.

ـــ فليكن ما يكون . أَرجو أَن نوقف علاقتنا عند هذا الحد ؛ فلم أَعد أَستطيع تحمُّل المزيد.

ـــ اتركني أُكمِل حديثي ولك بعد ذلك أَن تقرِّر ما تشاء .نادية توأَمتي ولا يمكن للجن نفسه أَن يفرِّق بيننا.الفرق الوحيد هو أَنَّ وَرْكِي الأَيمن به شامة كبيرة، وهي موجودة أَيضاً بنفس حجمها بورك توأَمتي نادية، ولكن بوَرْكِها الأَيسر.

أَنا، وقد خرجت من طوري:

وأَنـا مالي ومال أَوراك وأَفخاذ بنات الجـن؟! منـذ الآن فصاعداً سأَكون فـي منتهى الحذر في التَّعامل معك . إِذ لا يمكن أَن أَتيقَّن من أَيُّكما نايلة وأَيُّكما نادية. أَنا أَحتاج إِلى أَن أَوقفكما معاً وأَنظر في وَرْك كلِّ منكما لأَتأَكَّد من موضوع الشَّامة أَوَّلاً وموضعها في كلِّ وَرْك ، أَهي في الوَرْك اليمين أَم في الشِّمال؟ ثمَّ في كلِّ لقاء بإِحداكما يجب علَيَّ رفع فستانها لأُحدِّد مَن هي بعد أَن أَرى موضع الشَّامة . أَنا مالي ومال هذه التَّجارب القاسية؟ دعيني أَرجع إِلي وطني مُعَزَّزاً مُكَرَّماً. سأُمزِّق أَمامك الجنسيَّة وجواز السَّفر النَّيجيريَّين وأَحرق أَمام عينيك عقد العمل. لا أُريد نيجيريا ولا العمل بنيجيريا ، سأَرجع إِلى بلادي بأَوَّل طائِرة تغادر كانو.

بأَعصاب باردة وصوت هادىء ، كأَنَّما لتمتصَّ موجة غضبي:

هذا كلُّه لن ينفعك .. هذا رَقْص خارج الحَلْبة . في طَرْفَة عين سأَكون معك بكلِّ حذافيري في أَيِّ مكان علَى الكرة الأَرضيَّة ما دمتَ حيّاً. هل نسيت أَنَّني من الجن وأَنَّ سرعتي لا تقلُّ عن مائَة وخمسين ميلاً في الثَّانية الواحدة؟ ثمَّ هل نسيت قولي لك مرَّة:(ستدركك محبَّتي ولو كنتَ في بُرُوج مُشَيَّدة)؟ لن تستطيع منعي من الوصول إِليك، خاصَّة أَنَّنا مسلمون ونحفظ القرآن ونفهمه ونتلوه أَكثر منكم ، ولسنا كالشَّياطين يمكن طردهم بل وحرقهم بالقرآن.

ـــ لكنَّنا نعرِف ما يبعدكم عنَّا علَى الرَّغم من كلِّ ما ذكرتِ ، ويجعل فرائِصكم ترتعد كلَّما رأَيتمونا.

ـــ ماذا تقول؟!

ـــ نحن نخيفكم بشيء ، صوت طرفه يكسر حاجز الصَّوت. نخيفكم بالكُرْبَاج ،

أَو سوط (العَنَج) كما نسمِّيه. فرقعة الكُرْبَاج في الهواء تسبِّب لكم الفزع والاضِّطراب والفرار.

ـــ كيف عرَفت ذلك؟ مَن ملَّكك هذه المعلومات الاستخباراتيَّة الخطيرة؟

ـــ نحن نعرِف عنكم أَكثر بكثير ممَّا تظنُّون.

ـــ السَّوط المُتَّخَذ من جلد فرس النَّهر، يخيف الجن الخالص من أَبوين من الجن. أَمَّا نحن فكما عرفت منِّي ومن أَبي ، فلنا وضع خاص. بل نحن نخيف الجنَّ المسلمَ الخالص عندما تتأَزَّم الأُمور بيننا وبينهم بسوط العَنَج . والآن ياطفلي المُدَلَّل سأُخبرك بالحقيقة المجرَّدة كاملة ، وأَتحمَّل تبعات أَيِّ تزويرٍ أَو غشٍّ فيها. فكما ذكرت لك فإِنَّ نادية هي توأَمتي ، وما لم أَذكره لك أَنَّها تشغل وظيفة كبير مراجعي حسابات وزارة الماليَّة ، بعد أَن تلقَّت دراسة جامعيَّة في تخصُّص يختلف عن تخصُّصي . لكنَّ الفرق الوحيد بيننا ليست الشَّامة كما ذكرت لك علَى سبيل المزاح . الفرق بيننا أَنَّني فلجاء..أَسنان فَكِّي الأَعلى بينها فُرَج ، أَمَّا نادية فلا فُرَج بين أَسنان فَكِّها الأَعلى ، إِضافة إِلى إِصبع سادسة صغيرة ملاصقة لخنصر يدها اليُسْرى وتنعدم في يدي اليُسْرى . والآن هل تحبُّ أَن أُمارس معك المزاح مستقبلاً أَم أُوقفه؟

لم أُجبها بل شرعت أَتذكَّر كم كنت مغرماً بتفلُّج أَسنان فَكِّها الأَعلى ، حين كانت تضحك ونحن تحت شجرة المانجو. لقد اقتنعت الآن بجزء من روايتها ، ولكن ما زال يلزمني التَّثبُّت من الرِّواية كاملة.

لم تهتمَّ كثيراً لعدم ردِّي علَى سؤَالها ، ودعَّمت عدم اهتمامها هذا بأَن ناولتني

ظرفاً مغلقاً:

هذا أَمر تنسيبك إلى مدرسة فُنْتُوَا الثَّانويَّة للبنين. غداً تبدأُ عطلة نهاية الأُسبوع .. يمكنك مزاولة عملك في أَوَّل يوم بعد انتهاء العطلة ، وذلك بالطَّبع

بعد مقابلة مدير المدرسة وتسليمه خطاب تعيينك هذا.

ما أَن وصلت البيت حتَّى فكَّرت في رؤْية أُمِّي في المرآة . توضَّأْت وأَمسكت المرآة بين يديَّ ، وقرأْت سورة الرَّحمن كاملة وأَنا أَنظر إِلى وجهي عليها. ما أَن أَكملت قراءة السُّورة الكريمة ، حتَّى اختفي وجهي من المرآة . وظللت أَنتظر في هذه الحالة لنحو ساعة تحسُّباً لظهور وجهي ثمَّ اختفائِه لتبدأَ العمليَّة . لم يظهر علَى المرآة شيء .. لا وجهي ولا عُصْعُصِي! نظرت في ساعتي .. مرَّت ساعة علَى انتصاف اللَّيل.

هذا كلُّه لم يكن يعنيني في هذا المقام . الَّذي يعنيني أَنَّني ما أَن نظرت في

ساعتي ، حتَّى أَلقيت نظرة علَى نواحي البيت لأَتأَكَّد مـن عدم وجـود صديقي مجذوب به ، ثمَّ جلست أَمام الهاتف وأَدرت علَى قرصه أَرقام هاتفه الَّتي كان قد زوَّدني بها:

هَالُوْ عمِّي موسى . آسف لإِزعاجكم في هذا الوقت المتأَخِّر.

ـــ هذا بالنِّسبة لي أَوَّل اللَّيل ، فقد وصلت البيت لتوِّي من الجامع ، وسأَسهر قليلاً مع التِّيلفزيون ثمَّ أُواصل بقيَّة اللَّيل في الصَّلاة وقراءة القرآن. اللَّيل ما زال في بدايته ياابني.

ـــ لا تؤَاخذني ياعمِّي موسى إِن سأَلتك سؤَالاً مُحْرِجاً.

ـــ تفضَّل ياابني ، وستجدنا دائِماً تحت الطَّلب ورهن الإِشارة.

ـــ هل يوجد بين أَبنائِك توائِم؟

ـــ نعم ، فنايلة ونادية توأَمتان.

ـــ وكيف تفرِّقون بينهما بعد الشَّبه الشَّديد بينهما الَّذي رأَيته؟

ـــ إِذن فقد رأَيتهما معاً ؛ ودخلت في الدُّوَّامة الَّتي لا يمكن لأَحد أَن ينجو منها بسهولة. اسمع .. نحن تفرِّق بينهما بشيئَين اثنين لا ثالث لهما ، فنادية لها إِصبع سادسة ناتئَة خارج خنصر يدها اليُسْرى ، وهذه الإِصبع لا تُوْجَد في يد نايلة اليُسْرى ، وأَسنان فك نايلة الأَعلى مفَلَّجَة بينما أَسنان فك نادية الأَعلى غير مُفَلَّجَة .

ـــ شكراً عمِّي موسى وطابت ليلتك ، ومرَّة أُخرى آسف علَى إِزعاجك.

أَغلقت خطَّ الهاتف ، وأَنا أَسمع وقع سنابكها . خيولِك يانايلة تتدافع نحوي.. خيولِك تطاردني .. أَصوات حوافرها: كِبِكِكْ كِبِكِكْ كِبِكِكْ.. تلاحقني: كُبُكُكْ كُبُكُكْ كُبُكُكْ.. تقترب منِّي: كَبَكَكْ كَبَكَكْ كَبَكَكْ.. حُرَّاسك يحيطون بي مِن كلِّ جانب: ثابِت مكانك.. مَن أَنت؟

ـــ أَنا حيُّ بن يقظان.

من أَين أَتيت؟ مَن سمح لك بدخول مملكتنا؟ اربطوه.. شدُّوا وثاقه ..ارفعوه.. كَبَكَكْ كَبَكَكْ كَبَكَكْ كُبُكُكْ كُبُكُكْ كُبُكُكْ كِبِكِكْ كِبِكِكْ كِبِكِكْ.