(3)
ياأَسفي عليك ياأَبي! فبعد أَن كنت تنفخ ــ لقوَّتك ــ كثور المصارعة ولا تُبالِي، أَصبحت لا تنفخ إِلَّا بالكاد كنفخ كِيْر الحدَّاد ، ثمَّ انقطع النَّفخ بعد أَن غادرك صاحب المنفاخ والسِّندان! ياأَسفي عليك ياأَبي! فبعد أَن كنت تقوم اللَّيـل لا تفتر ولا تُرائِي، أَصبحت لا تقـوم مـن السَّريـر إِلَّا مسنوداً! حقيقة ابـن آدم ضعيف ، لكنَّه فصيح.
أَبي ظلَّ طول عُمُره راضياً بكلِّ شيء، خاصَّة بالقَدَر وبالرِّزق. وما زال أَهل أُمْ
نَوَاطِيْر وما حولها يحفظون قولته الشَّهيرة :((ما دام الرِّزِقْ(1) مَقْسُوْم(1) الشَّفَقَةْ(1) مَا لِيْهَا لِزُوْمْ)). أَبي فهم الحياة باكراً ، فأَهل الدُّنيا يدفعون بمشقَّة أَمامهم عربة الحياة ، أَمَّا هو ففي راحة ؛ إِذ يضع كفَّيه فقط علَى العربة من غير أَن يدفر.
أَنا لست كأَبي، فأَنا أُمارس الآن أَحبَّ عيوبي إِلى نفسي . فمن أَبرز عيوبي أَنَّني من أَعظم المستمتعين بالحديث إِلى أَنفسهم وهم يرون صورهم بالمرآة . أَنا من الَّذين يتحدَّثون إِلى أَنفسهم أَحاديث كثيرة في المرآة ..أَكثر من أَكاذيب المُحِبِّيْن بعضهم لبعض . نظرت إِلى وجهي فرأَيته يبدو كوجه مَن شرب علَى ـــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر هامش صفحة 7.
الرِّيْق كأْساً من حامض(الكبريتيك) . كانت بين يديَّ وأَنا أَجلس علَى السَّرير ببيت صديقي مجذوب . وقد قصدت حين اشتريتها من سوق فُنْتُوَا أَن تكون
كبيرة؛ بحيث تلتقط عينايَّ فيها أَصغر تفاصيل وجهي . للحظات قصار أَحسست أَنَّني أَجلس كبضاعة ملَّت رُفُوفها وملَّتها الرِّفَاف . أَما من مشترٍ فأَبيعه البضاعة بدراهم معدودة وأَزيده كيل بعير؟ أَلا من مشترٍ فأَبيعه فتاتَ عُمْرٍ وبئْسَ المصير؟ نظرت بعمق في عينيَّ .. في داخلي كان يقبع أَكبر وأَقدم مطـار للرِّحلات الدَّاخليَّة، لكنَّني لا أَبـدو الآن أَكثر مــن مجرَّد مـركزِ دفـعِ رسومِ عبورٍ علَى الطَّريق السَّريع.
ياحسرتي عليك ياأَبي! أَيُّ داءٍ هذا الَّذي أَلمَّ بك وأَعجز الطِّبَّ والدَّواء؟ لأَكثر من أُسبوع انقطعت أَخبارك عنِّي ؛ فخطوط الهاتف بين فُنْتُوَا وأُمْ نَواطِيْر سيِّئَة سيِّئَة. إِن لم أَستطع الاتِّصال بأَهل بيتنا خلال هذا الأُسبوع، سأَذهب إِلى كانو أَو كادونا، حيث هناك أَجهزة اتِّصال حديثة وخطوط هواتف كثيرة . لكم أَتطلَّع إِلى أَخبارك ياأَبي ، كما يتطلَّع العالَم أَجمع إِلي أَخبار سفينة فضاء خرجت ــ بطاقمها البشري ــ من مسارها؛ ويحاول العلماء إِنزالها إِلى الأَرض أَو إِعادتها إِلى مسارها السَّابق . مرَّة أُخرى جدَّدت النَّظر إِلى وجهي ، تماما كما يجدِّد الحريص وضوءه لكلِّ صلاة . فجأَة سافرت بخيالي إِلى وادي الصُّدَاع . ولكن أَتعرِفون ــ من غير أَيِّ تَحَدٍّ ــ أَين هو وادي الصُّدَاع؟ علَى رَسلكم.. لا تجهدوا أَنفسكم ، فما جدوى معرفتكم لمكان وادي الصُّدَاع أَو عدمها؟ فذلك لن يزيل الصُّداع الدَّائِم بالذَّاكرة الجمعيَّة للجنس البشري ، ولن تقوم القيامة بالأَودية
قبل باقي الدُّنيا.
قمت من السَّرير وبين يديَّ المرآة ، وُجْهَتِي المسمار الَّذي أُعلِّقها عليه. فجأَة رأَيت صورتها واضحة علَى المرآة ، بل تحتلُّ كلَّ مساحة المرآة.. نايلة موسى هارونا، ورجال من الشُّرطة برُتَب مختلفة يحيُّونها التَّحيَّة الرَّسميَّة عند مدخل قِسْم الشُّرطة، وعلَى كلِّ كتف من كتفيها صقرونجمتان!(كَشْ) كان صوت سقوط المرآة من بين يديَّ علَى(سَرَامِيْك) الغرفة.. تناثرت قطعاً صغيرة، بعد أَن فشلت يداي وقوَّة تحمُّلي في امتصاص هول المفاجأَة . اللَّهُمَّ اجعله خيراً. الآن تأَكَّدتْ مغادرتي نيجيريا ، خاصَّة أَنَّني لم أَجد فيها عملاً . ولكن ما الَّذي تريده منِّي هذه الفتاة؟ لماذا تقتحم هذه الفتاة خصوصيَّتي بهذه الطَّريقة الفَجَّة؟ كيف تمكَّنت هذه الفتاة من السَّطو علَى تسجيلات صندوقي الأَسود؟! ثمَّ مَن يضمن أَلَّا تنشر هذه التَّسجيلات علَى الملأِ مستقبلاً، كما تنشر الصُّحف أَخبار تسجيلات لاعبي الأَندية الرِّياضيَّة؟ هذه الفتاة كالضَّغط(الإِسموزي).. هذه الفتاة امتصَّت من تُرْبَتِي كلَّ مقوِّماتي الشَّخصيَّة.. هذه الفتاة تحاول العبث ببيانات بطاقتي الشَّخصيَّة كلِّها . ثمَّ لماذا لا تكون هذه الفتاة قريني من الجن؟ هذا أَقرب الاحتمالات إِلى الصَّواب علَى الأَقلِّ حتَّى الآن. هذه أَوَّل مرَّة أَسمع فيها برجل قرينه من الجن امرأَة . بل هذه أَوَّل مرَّة أَسمع بقرين من الجن يظهر لصاحبه الآدمي . سأَخلط عليها أَوراقها جميعاً ، حتَّى تعرِف مَن هم أَبناء آدم .. سأَتزوَّجها وأُدخلها في حَيْص بَيْص. وهذه ستكون أَوَّل مرَّة يتزوَّج فيها آدميٌّ قرينَه من الجن . ليتني أَقف في هذه اللَّحظة علَى تفسير أُستاذي عبدَاللَّه الطَّيِّب لهذه للآية من سورة الجن: {وأَنَّه كان رجالٌ من الإِنسِ يعوذون برجالٍ من الجنِّ فزادوهم رهقا} . هذه امرأَة مـن الجن ــ لا هي رجلٌ ولا رجال ــ قتلتنى رهقاً، وأَنا المخلوق أَصلاً من رَهَقٍ وفي كَبَد.
هكذا كنت أُفكِّر وأَنا في طريقي إِلى مدرسة فُنْتُوَا الثَّانويَّة للبنين، حيث يعمل صديقي مجذوب. ومن غير أَيِّ(بروتوكولات)أَحسست بضحكة مترامية الأَطراف
بأَعماقي ، حين تذكَّرت سؤَال نايلة لي في لقائِي الأَخير بها:((وماذاعن الخواحة الَّذي شتمته داخل البص السِّياحي بمالطا؟))
كان الزِّحام شديداً. أَحـد الخواجات السِّمان أَخطأَت رجله ؛ فوقع حذاؤُه بثقله على أَصابع رجلي اليُمْنَى ؛ فنظرت في عينيه بشدَّة وصحت فيه بحدَّة: ((مَلْعُونْ أَبُوكْ.. خَوَاجَةْ نِجِسْ ابْنِ كَلْبْ)) . لكنَّه طيَّب خاطري بابتسامة صافيه واعتذار لطيف. ولكن أَما تزالون تذكرون تحذيري لأَهل مالطا من التُّسُوْنَامِي؟ لا بأْس . في المقعد الملاصق لمقعدي ، ونحن في الجو والدُّنيا ليل بين مطارَي(هِيْثرُو ــ Heathrow) اللَّندني و(ﭭـاليتَّا ــ Valletta) المالطي ، كانت تجلس مالطيَّة في نحو الثَّلاثين من عُمُرها. دَبَّ الحديث بيننا ، ومزيج الجُعَّة والوِسْكِي يتلأْلأُ في كأْسين مُتْرَعتَين أَمامنا . سأَلتهاعن مهنتها ، فلمَّا ذكرتها ببساطة شديدة لم أَسأَلها كيف وأَين ولماذا ومنذ متى، تمارس في بلادالإِنجليز أَخَصَّ مهنة عرفتها البشريَّة؟ فهذه هي حياتها الَّتي خطَّطت لها وارتضتها لنفسها واعتمدت عليها في رزقها، وعلَى ذلك بنت فهمها للمستقبل. كانت لطيفة في حديثها معي وهي تحكي لي عن بلادها ، ودَعَتني إِلى أَن أَقضي معها بشقَّتها بعاصمة بلادها يومين أَو ثلاثة ، لكنَّني بدوري كان لي ــ كما لها برنامج في رحلة حياتهاــ برنامج في رحلتي هذه. وصلناﭬـاليتَّا ــ Valletta في السَّاعة الأُولى من صباح اليوم التَّالى ، وابتلع الزِّحام في لحظات جارة المقعد بقامتها المتناسقة . كنت في أَرذل السُّكْر وأَنا أَسأَل عن ميعاد إِقلاع الطَّائِرة الَّتي ستأْخذني إِلى القاهرة . وقد تملَّكني الغضب الشَّديد حين أَفهموني أَنَّ علَىَّ أَن أَقوم بحجز جديد إِلى القاهرة . في لحظة ضاعفت غضبى علَى المسؤُولين بمطار ﭭـاليتَّا Valletta، ودخلت معهم فى مناقشات بيزنطيَّة ، شأْن سُكارى أَواخِر اللَّيل . وبما أَنَّ مالطا بلدٌ سياحىٌّ يستقطب السُّيَّاح ويسطو على آخِر مَلِّيْمٍ بجيوبهم، ولا بدَّ أَنَّ المسؤولين في المطار قد مرَّت بهم آلاف حالات السُّكارى من أَمثالي ؛ فقد أَطفأُوا جذوة غضبى بإِجراء بسيط .. قاموا بحجز جديد لي وإِقامة بمالطا لمدَّة ثمانية أَيَّام . أَنزلوني وبأَجر رمزي قدره خمسة جنيهات مالطيَّة في اليوم متضمِّناً وجبة إِفطار، في فندق المطار(Air port Hotel) الفخم القريب من المطار بالغرفة رقم(118). استيقظت وقد انتصف النَّهار، وأَطللت من (بَلَكُوْنَة) الغرفة علَى العاصمة المالطيَّة . بسرعة ارتديت ملابسي ونزلت إِلى الشَّوارع الواسعة النَّظيفة. تجوَّلت كثيراً فى الشَّوارع .. قسمات وملامح أَهل البلد تنزع نحو الشَّرق ، وتصرُّفاتهم غربيَّة. ركبت أَحد البصَّات إِلى مكان اسمه(الجِزَيْرَة ــ تصغير الجزيرة) يرتاده الكثير من السُّيَّاح وخاصَّة العرب . جلست في أَحد (البارات)؛ وقد تملَّكني ــ ونظري علَى مالطيَّات كثيرات جلسن عاريات تماماً إِلَّا قليلاً ــ إِحساس بأَنَّ كلَّ نساء مالطا يمارسن مهنة جارتي بمقعد الطَّائِرة. ووجدتني أُحدِّث نفسي:‴لا بدَّ أَنَّ هناك خطأً تاريخيّاً في سبب تسمية هذه الجزيرة بهذا الاسم. لا بدَّ أَنَّ كلمة مالطا مُشْتَقَّة من لهجتنا المحليَّة.. من كلمة (مَلْط)، الَّتي تعني في لهجتنا ــ بدون أَيِّ محاباة ــ العري ولا شيء سواه‴ .البلد رائِع لا يتناقش فى ذلك شخصان . مالطا جزيرة صغيرة في البحرالأَبيض المُتَوَسِّط ، تقع جنوبي جزيرة(صقليَّة)، وبسبب موقعها(الإِسترايجي) هذا لعبت دوراً مهمّاً في الحرب العالميَّة الأُولى. في سنة 1798م احتلها(نابليون بونابرت)، ثمَّ احتلتها بريطانيا في سنة 1800م. استقلَّت مالطا في عام 1964م ، وأَصبحت جمهوريَّة فى سنة 1974م ، وهي عضو في رابطة دول (الكمنولث). البلد رائِع ما في ذلك شك، لكنَّه من أَغلى بلاد العالَم ، وقد كان الجنيه المالطي في ذاك الوقت من أَقوى العملات. لا أُبالغ إِن قلت إِنَّني لم أَترك ركناً في العاصمة لم تطأْه قدماي ، فقد صرت سائِحاً رغماً عنِّي ، وأَنزل ــ رغماً عنِّي أَيضاً ــ في واحد من أَفخم فنادق المدينة. وفي طريقي إِلى الفندق بقلب المدينة من بلاج علَى ساحل البحر، تريَّثت بعض الشَّيء لأُعطي العين نصيبها من الفرجة علَى خلق اللَّه. جذبتني أَصوات سُّيَّاح أُوروبيِّيْن داخل أَحد البصَّات السِّياحيَّة يتحدَّثون بلغات عدَّة ، وبدون أَيِّ مقدِّمات وجدت نفسي أَصعد إِلى البص الَّذي لم تكن به أَيُّ مقاعد شاغرة . وقفت(شَمَّاعة) في منتصف البص ، وتلفَّت في أَثناء ذلك ــ والبصُّ منطلق ــ في كلِّ أَنحاء البص ، واضعاً كلَّ إِصبع من سبَّابتيَّ في فتحة من فتحتي أُذنيَّ . وأَنا أَقِف في منتصف البص ، قمت برفع آذان الصَّلاة كاملاً مُتَعَمِّداً إِبراز مخارج الحُرُوف .الخواجات أَصابهم حبُّ استطلاع شديد لمعرفة ما أَقوم به .. تهامس بعضهم ، وأَشار إِليَّ آخرون بأَيديهم مستفسرين عن الَّذي يجري داخل بصِّهم السِّياحي . لم أَكترث وأَعدت رفع الآذان للمرَّة الثَّالثة . حين نزلت من البص أَحسست أَنَّ الخواجات قد تنفَّسوا بحريَّة ، بل رفع بعضهم أَكفَّهم لي علامة الوداع ، وهم ينظرون إِليَّ بأَعين كأَعين النِّعاج! أَعين زرقاء مفتوحة إِلى آخِرها، فيها نظرة باردة تتَّهم شخصي البعيد عن دياره ونيله ونخيله بأَردإِ أَنواع الجنون. وعندما نزلت من البص كانت أَعين النِّعاج تلك تقوم بمسحٍ فوتوغرافيِّ لجسدي الفاره الممتلىء.. من آخِرِ شَعْرَة في رأْسي إِلى أَقصر ِخيطٍ من خُيُوط حذائِي المكشوف من المُقَدِّمة، وأَنا أَقف قريباً من البص ــ رغم طولي ــ كالوتد الَّذي كنت أَربط فيه حمارتي بمزارع قريتنا البعيدة . لقد أَذَّنْت في مالطا.. ربَّما تحقيقاً للمَثَلِ الشَّهير:(فلان يُؤَذِّن في مالطا)؛ ذلك لأَنَّ مالطا ليست بديار إِسلام ، والَّذي يدعو للصَّلاة بها يريد تحقيق أَمر مُستحيل ، كالَّذي ينفخ في قِرْبَةٍ مَقْدُوْدة . إِنَّا للَّه وإِنَّا إِليه راجعون ، فما أَكثرَ ما نَفَخْت في قِرَبٍ مَقْدُوْدَة!
كان ذلك قبل سنوات كثيرة ، ثمَّ بعد ذلك وحتَّى الآن فقد أَرادت لي الأَقدار أَن أَضع كلَّ أَحلامي في قُفَّة مقدودة . ولا أَظنُّ أَنَّ وضعي سيتغيَّر مهمَّا تبدَّلت أو تغيَّرت بعض الظُّروف المحيطة بي ، إِذ ماذا يعني تبديل العُمْلَة أَو حتَّى تعويمها لشخصٍ لا يملك في دنياه قرشاً واحداً ، وأَنا الَّذي شهدت تغيير العُمْلَة في وطني مرَّة إِثْر مرَّة؟
مررت عَلى مقربة مـن شجرة المانجو .. شممت رائِحة عطـر نفَّاذة للغاية ،
ماشممت أَزكي منها من قبل ، وقد أَحسست لها دبيباً في جيوبي الأَنفيَّة . فجأَة سمعت صفيراً خافتاً . حين أَمعنت النَّظر رأَيتها تقف قريباً من شجرة المانجو وبجانبها بَفَلُوْ بلجامه في فمه وسرجه علَى ظهره ، وهكس يهزُّ ذيله قريباً منه . اندفعت نحوي وعانقتني بشوق وقد سبقها أَرِيْج طِيْبِها.
هَالُوْ..هل نسيت؟ أَليس اليوم هو اليوم الخامس، منذ لقائِنا الأَخير؟
قالت ذلك وشبكت أَصابع يدها اليُمْنَى في أَصابع يدي اليُسْرى ، وأَدخلتني تحت شجرة المانجو :
الآن مشكلتك حُلَّت بفضل اللَّه تعالى . هذا جواز سفر نيجيري وهذه جنسيَّة
نيجيريَّة بالميلاد باسمك، وهما لن يسقطا جنسيَّتك وجواز سفرك السُّودانيَّين . وضعك الجديد هذا سيمنحك مزايا كثيرة لاحقاً.
ناولتني الجنسيَّة وجواز السَّفر.. كلاهما ممهور بتوقيع وزير الدَّاخلية النَّيجيري. ثمَّ واصلت حديثها:
هذه هي المفاجأَة الأُولى ، أَمَّا المفاجأَة الثَّانية فأَترك لك متعة اكتشافها بنفسك.
من جيب بزَّتها العسكريَّة أَخرجت ورقة مدَّت بها إِليَّ . ياإِلهي! أَحقيقة ما أَقرأُه أَم خيال؟ لقد تمَّ تعييني كمواطن نيجيري مدرِّساً، براتب أَضعاف مرتَّبات زملائِي السُّودانيِّين الوافدين إِلى نيجيريا بعقود عمل خارجيَّة! أَيمكن هذا؟! لم أَتمالك نفسي ؛ فقمت وقبَّلتها علَى خدَّيها كليهما ، وقد ترقرق الفرح في عينيها وهي تبدو في أَسعد لحظات حياتها لِمَا رأَته من فرحي . نظرت إِلى قرار تعييني مرَّة أُخرى .. عليه توقيع وخاتم وزير التَّعليم الاتِّحادي النَّيجيري . وبكلمات هادئَة خاطبتني:
هناك نقطة مهمَّة للغاية. كما ترى فإِنَّ درجتك وفقاً لهذا التَّعيين كمواطن نيجيري، أَعلى كثيراً من درجة مدير مدرسة فُنْتُوَ . وقد طلبت منهم التَّريُّث حتَّى أَعــرِف رأْيـك . إِمَّا أَن تظـلَّ فـي فُنْتُوَا بنفس مرتَّـب التَّعيين وتـؤَدِّي عمـل المُدَرِّس العـادي ، وإِمَّا أَن تُنْقَل إِلـى مكـان آخَــر يناسب تعيينك فـي درجـة عميد كليَّة . ما رأْيك في أَن تكون عميداً لكليَّة المُعَلِّمين بسوكتو Sokotoأَو دوستنما Dustin- ma؟
قلت لها إِجابة عن سؤَال لم أَكن أَتوقَّعه:
اتركيني أُفكِّر قليلاً.
ــ علَى كلٍّ بيدك وحدك حقُّ الاختيار. وكما تعلم ستكون لك الكثير من الامتيازات بفضل جنسيَّتك النَّيجيريَّة ؛ وستُرقَّى ترقيات متتالية متلاحقة . بل يمكنك إِن كرهت التَّدريس أَن تتحوَّل إِلى مهنة أُخرى.
نظرت إِلى الأُفق البعبد .. أَمُل أَن تكون هجرتي إِلى نيجيريا كهجرة طيور اللَّقلاق أَو حتَّى الخطَّاف، الَّتي تهاجر في الرَّبيع إِلى نصف الكرة الشِّمالي ؛ حيث تعَشْعِش وتفرِّخ ويكبر صغارها، ثمَّ تغفل راجعة عندما تشعر بتبدُّل المناخ وقدوم بشائِر الشِّتاء إِلى موطنها بنصف الكرة الجنوبي ، لقضاء الشِّتاء هناك في ظروف مناخيَّة ملائِمة . أَمُل أَن تكون هجرتي هكذا.. هجرة ثمَّ رجوع إِلى الوطن الأَصلي ، لا كهجرة القبائِل الهلاليَّة من مصر إِلى بلادالمغرب، أَو هجرة الرَّجل الأَبيض إِلى القارَّة الأَميريكيَّة إِثر اكتشافها .. رحلة في اتِّجاه واحد لا عودة بعدها . إِن كانت هجرتي إِلى نيجيريا كهجرة الرَّجل الأَبيض إِلى القارَّة الأَميريكيَّة ؛ فهنا مربط الفرس ، حتَّى وإِن كانت أَخلاق الفرس علَى شاكلة أَخلاق بَفَلُوْ.
ـــ والآن ماذا تقول؟هل تريد أَن تبقى بفُنْتُوَا بكامل امتيازاتك، أَم تُنْقَل إِلى مكان
آخَر يناسب درجتك؟
وقد عدت من نظرتي إِلى الأُفق البعيد ومن هجرة اللَّقلاق والخطَّاف:
لا أَستطيع أَن أُفارق فُنْتُوَا وزملائِي الَّذين صرت جزءاً منهم ، وصاروا الجزء المكمِّل لي . لا أُريد أَن أُفارق شجرة المانجو.
وهي تضحك:
وهكس وبَفَلُوْ، أَليس كذلك؟ بهذا المناسبة هل تريد أَن تركب علَى ظهر بَفُلُوْ الآن بعد أَن أَصبح صديقك؟
ـــ بعد التَّجربة القاسية الَّتي جعلت كلباً يركب ورائِي!! ولكن يانايلة هناك أَمر يزعجني الآن كثيراً . كيف سأُقنع أَصدقائِي السُّودانيِّين بتعييني بالتَّدريس وبهذا المرتَّب الضَّخم؟ كيف سأُقنعهم بأَنَّني قد أَصبحت نيجيريّاً بالميلاد ، وبأَنَّني أَحمل الآن جواز سفر نيجيريّاً؟
لم تتمهَّل حتَّى ترتِّب الإِجابة في ذهنها ، وكأَنَّها قد أَعدَّت إِجابة السُّؤَال قبل أَن يُسأَل:
هذا يعتمد علَى شيء واحد . هل أَخبرتهم بشيء ممَّا وقع لك منذ خروجنا
من سينما فُنْتُوَا وحتَّى الآن؟ هل ذكرت لهم شيئاً عن شخصيَّتي وعن العلاقة بيننا؟
ــ لا لم يحدث شيء من هذا أَبداً، ولا أَدري ما الَّذي أَمسك لساني طيلة هذا الوقت؟ بل لا أَدري لِمَ لَمْ يسأَلني صديقي مجذوب ، الَّذي كان يجلس عن يساري لحظة مغادرتنا دارالسِّينما؟!
ـــ جيِّد. قُلْ لهم إِن سأَلوك إِنَّك فـي أَثناء تجوُّلك فـي أَنحاء نيجيريا بحثاً عـن
العمل بالتَّدريس ؛ قابلت بمحض الصُّدفة إِحدى تلميذات عبدَاللَّه الطَّيِّب الَّتي تعمل بالشُّرطة . ولمَّا علمت إِنَّك تلميذ لعبدَاللَّه الطَّيِّب أَيضاً ؛ وعدتك بالمساعدة. وقد نسيتَ الأَمر طيلة هذه الفترة ، ولكن أَخيراً تمَّ ما تمَّ. وبالطَّبع يمكنك أَن تعطيهم عنوان عملي ورتبتي بالشُّرطة. وإِن رغبوا في مقابلتي فأَنا علَى استعداد ، وعندي ما أَقوله لهم إِن طلبوا منِّي مثل ما قدَّمت لك ، خاصَّة إِنَّهم جميعاً لهم وضع يختلف عن وضعك؛ إِذ جاءُوا إِلى نيجيريا بعقد عمل بين وزارتي التَّعليم في كلٍّ من السُّودان ونيجيريا ، ولا يمكن فسخه بسهولة قبل انتهاء مدَّته ، إِضافة إِلى إِجراءات طويلة عريضة في مثل حالتهم . ولكن تأَكَّد أَنَّ أَصدقاءَك هؤُلاء سيتقبَّلُون الأَمر بكلِّ سرور، ولن يجروا وراء شيءٍ كهذا أَبداً . والآن ياحبيبي انتهى العرض ، ومنذ الآن فصاعداً سنكون داخل الفِلْم . أَنت منذ الآن جاهز نسبيّاً لتقبُّل ما قد يجدُّ من أَوضاع . يمكنك منذ الآن أَن تتفهَّم أَيَّ نتيجة مهما كانت .. علَى الأَقلِّ ستتفهَّم بكلِّ يسر ورحابة صدر أَنَّ 1+2=7 . ولكنَّ الَّذي أُريد قوله لك هو أَنَّني لن أُوذيك أَبداً مهما كانت الظُّروف ؛ لأَنَّني أُحبُّك الحُبَّ الحقيقيَّ ، لا الحبَّ الَّذي أَصبح علامة تجاريَّة في هذا الزَّمن الفاجر.
في نفسي قلت:‴عُمْري كلُّه لم أَعرِف الحبَّ الحقيقي ..أَنا صاحب نزوات لا فارس غزوات.. الخمر والسَّفر لم يتركا لي وقتاً للحب الحقيقي‴.
وهي ما تزال تواصل حديثها:
وكلُّ ما أُوصيك به عـدم الخـوف مـن العالَم الجديـد الَّذي ستجـد نفسك فيه .
وسواء أَحببت ذاك العالَم أَم لا ، فنحن وأَنتم في النِّهاية أَبناء عمومة.
ــــ مَن أَنتم ومَن نحن؟
وكأَنَّها انتقت نبرات صوتها بعناية:
أَنتم البشر، ونحن الجن . أَنا بنت عمُّك .
ـــ بنت عمِّي! أَأَنت مجنونة؟!
ـــ أَنا الجن نفسه.
أَنا ، وقد ارتفع شهيقي وزفيري:
نحن أَبناءُ عمِّ الجن؟ ما هذه الإِسرائِليَّات؟
ـــ ابطء دورتك الدَّمويَّة قليلاً وسوف تعرِف بهدوء كلَّ شيء.
‴مسكين (وِلْيَم هَارْفِي) مكتشف الدَّورة الدَّمـويَّة الكبـرى ، فقــد مـات قبـل أَن
يُعْلِمنا كيف يستطيع الإِنسان إِراديّاً الإِبطاء من دورته الدَّمويَّة‴.
علَى الرَّغم من حديثي هذا مع نفسي ، فقد حاولت ضبط أَعصابي وأَنا أَستمع إِليها:
اسمع .. نحن فرع من الجن جدُّه هَابِيْل.
ـــ أَنا ، وقد تصدَّيت مُقاطِعاً :
هَابِيْل لم يتزوَّج ؛ فقد قتله أَخوه قابِيْل قبل زواجه.
ـــ أَعلم ذلك جيِّداً . فقد كانت حواء تلد في كلِّ بطن ذكراً وأُنثى ، وكان الذَّكر من هذا البطن يتزوَّج الأُنثى من البطن الآخَر. فلمَّا أَراد آدم أَن يتزوَّج قَابِيْل أُخت هَابِيْل ويتزوَّج هَابِيْل أُخت قَابِيْل ، رضي هَابِيْل وأَبى قَابِيْل ؛ لأَنَّ توأَمته كانت أَجمل . فقال لهما آدم قرِّبا قرباناً ، فمِن أَيُّكما تُقُبِّل تزوَّجها . وكان قَابِيْل صاحب زرع فقــرَّب أَرذل زرعـه ، وكــان هَابِيْل صاحـب غنم فقــرَّب أَحسن كبش عنــده . فقُبِل قربان هَابِيْل ، بأَن نزلت نار فأَكلته ؛ فحسده قَابِيْل فقتله. هذا كلُّه أَعلمه . ولكن هَابِيْل كان قد تزوَّج قبل ذلك فتاة من الجن، ورُزِق منها ذريَّة كثيرة . قد يكون أَخوه قَابِيْل يعلم ذلك وقد لا يكون ، هذا ليس مهمّاً . ولكن أَتدري مَن قتل قَابِيْل؟
ـــ القرآن لم يذكر لنا ذلك ، ولم يتطرَّق إِليه المفسِّرون.
ـــ قَابِيْل قتله أَبناء هَابِيْل من الجن ؛ انتقاماً لأَبيهم . المُهِم في الأَمر أَنَّ دمَّ جدِّنا هَابِيْل هو أَوَّلُ دمٍ آدميٍّ يسيل على الأَرض وقد أَساله جدُّكم قَابِيْل.
ــــ ومَن قال لكِ إِنَّ جدَّنا هو قَابِيْل، ولآدم أَبناء كثيرون غيره؟ روايتك هذه من
أَوَّلها إِلى آخِرها من إِسرائِليَّات الجن.
ـــ هذا كلُّه وأَكثر منه بكثير ستعرِفه حين تقابل أَبي .. ستعرِف من أَبي الكثير المدهِش عن عالَمنا. وبالمناسبة فقد أَخبرته بكلِّ شيء عنك . وهو يرحِّب بك في أَيِّ وقت ، فقط عليك ضرب ميعاد له قبل وقتٍ كافٍ حتَّى يُخْلِي لك نفسه.
لكنَّها ومن غير أَيِّ تسلسل موضوعي ، غيَّرت فجأَة دفَّة الحديث:
آه.. كيف نسيت أَنَّ هناك جزءاً من العرض لم يُقّدَّم بعد؟! هل تعرِف شخصاً اسمه(كِنْجِسْ)؟
ـــ (كِنْجِسْ)؟!..(كِنْجِسْ)؟! اللَّه لا كَسَّب كِنْجِسْ ولا عوَّضه ولا بارك فيه . لا أَعرِفه لكنَّني أَتذكَّره.
ضحكـت حتَّى خُيِّـل إِليَّ أَنَّ عينيها غارتا فـي رأْسها ، وبخفَّة وضعت السَّـرج
علَى ظهر بَفَلُوْ بعد أَن أَدخلت في فمه اللِّجام ، وبكلِّ نشاط قفزت علَى ظهر
الحصان ، الَّذي من خلفه سار هكس :
بَايْ . لم تعيِّن وقتاً لمقابلة أَبي. لا عليك.. سأُحدِّد لك موعداً معه ، وأُعلِمك به قبل وقتٍ كافٍ .
سرت في طريقي إِلى بيت صديقي مجذوب وأَنا أَتحسَّس بين الحين والآخَر جنسيَّتي وجواز سفري النَّيجيريَّين اللَّذين أَودعتهما قاع جيبي ، وفي داخلي شعور أَطفال يلهَوْنَ في المطرِ الرَّذاذ وهم آمنون مطمئِنُّون .. بالهم خالٍ من أَيِّ احتمال لأَمطار إِعصاريَّة مُدَمِّرة قد تهاجِم في أَيِّ لحظة . فجأَة قهقهتُ بصوتٍ عالٍ حين تذكَّرت قصَّة كِنْجِسْ:
كـنت ونحـن بعــد طـلاَّب بالمـرحلة الثَّانويَّة ، أَجلس وأَفــراد زمـرتي فـي إِحـدى
خَمَّارات(العِشَش) ، نحتسي(مَرِيْسَة) العيش مخلوطة بالعَرَقِي المُسْتَخْلَص من العيش أَيضاً. رأَينا أَحدهم والَّذي ينادونه بِـ(كِنْجِسْ) ، وكلمة كِنْجِسْ في العاميَّة السُّودانيَّة ــ كما علمت فيما بعد ــ تعني (أَعور) ، رأيناه يجلس علَى الأَرض وأَمامه طُوْبَة حمراء وضع بطولها ورق(البِرِنْسِيْس)، وعمَّا قليل (لَفَّ) سيجارة (بَنْقُوْ) لم أَرَ من قبل أَطول منها ولا أَغلظ . قال لنا إِنَّها(وَاوِيَّة) ــ نسبة إِلى منطقة وَاوْ ــ ومَلْبُوْكَة وإِنَّها تجلب الأَفكار وتفتح العقول(المُصَمَّتَة). حين شفطت منها نَفَساً رأَيت نارها علَى مبعدة أَمامي وسمعت لحبِّ البَنْقُوْ فيها طَقْطَقَة وفرقعة وانفجارات. لا أَدري كم سيجارة من يد كِنْجِسْ دَخَّنَّا ، لكنَّني أَذكر أَنَّنا قد عبرنا الخوْر في طريقنا إِلى المدرسة ، وكعادتنا كنَّا نغنِّي ويترنَّح بعضنا ويتبوَّل البعض واقفاً بينما يسير بعضنا صامتاً . قمت بعدِّ أَصدقائِي أُولئِك ؛ فتبيَّن لي أَنَّنا ننقص واحداً . رجعوا للبحث عنه ، ووقفت أَمام أَقرب بيت وكانت تقف قريباً من بابه عربة(كَارُّوْ) من النَّوع الَّذي يجرُّه الحصان لا الحمار ، الَّذي لم يكن يُسَخَّر لجرِّ عربات الكارُّوْ في ذاك الوقت. ولم يكن الحصان بالطَّبع (مُوَضَّباً) بها في تلك اللَّحظة؛ إِذ كانت الشَّمس قد غربت منذ مدَّة . وضعت قدمي اليُمْنَى علَى طرف إِطار(لَسْتِك) إِحدى عجلتي الكَارُّوْ وسهوت بعيداً . فجأَة تخلَّلت أَصابع قدم اليُمْنَي بأَصابع يدي اليُمْنَى، ولدهشتي وحيرتي وهلعي لم أَجد الإِصبع الوُسْطَى لقدمي تلك! أَعدت عدَّ أَصابع قدمي اليُمْنَى عدَّة مرَّات ووجدتها تنقص إِصبعاً! بسرعة أنزلت قدمي من اللَّسْتِك وجلست علَى الأَرض وعددت أَصابع قدمي اليُمْنَى.. اختفت منها الإصبع الوُسْطَى ولم تترك فراغاً في مكانها وماخَلَّفت دماً! كانت أَصوات أَصدقائِي في ذاك الوقت قريبة منِّي ، بعد أَن وجدوا صديقنا النَّاقص ساقطاً في بطن الخوْر وَسْط الخنافس والجَعَاِرِيْن والفضلات البشريَّة، وقدعلا شخيره من شدَّة النَّوم . ناديت علَى أَصدقائِي بوجل وأَخبرتهم بالكارثة الَّتي حلَّت بإِصبعي الوُسْطَى . جلسوا معي علَى الأَرض ، وفي الظَّلام جعل كلٌّ منهم يُمرِّر أَصابع يده علَى أَصابع قدمي اليُمْنَى ويقرِّر أَنَّ إِصبعي الوُسْطَى غير موجودة بتلك القدم ، ومكانها أَيضاً غير موجود! وجمنا زمناً طويلاً ونحن نفكِّر في هذه المسأَلة الغريبة . أَخيراً تحدَّث أَحد أَصدقائِي وكان معروفاً بيننا بالتَّأَنِّى حتَّى استكشاف الأَشياء من كلِّ جوانبها ، وطلب منَّا عدم مناقشة هذا الموضوع حتَّى نصل إِلى الدَّاخليَّات ، وفى النُّور نرى ما حلَّ بإِصبع قدمي الوُسْطَى . سرنا صامتين وكأَنَّنا نحمل جنازة ناظر المدرسة. كانت ميادين المدرسة لكرة القدم المُخْضَرَّة بـ (النَّجِيْلَة) تُغْرِي بقعدة وسيجارة (خضراء). جلسنا فيها ودخَّنَّا عدداً من سيجارات البَنْقُوْ،و(سَطَل) بعضنا(سَطْلَة) تاريخيَّة، ونسينا كلَّ شيء عن إِصبعي الضَّائِعة . قريباً من الفجر صحوت ، وتحسَّست وأَنا تحت الملاءَة ، إِصبعي صاحبة المشكلة . ولعظيم دهشتي الممزوجة بفرح غامر ، وجدتها قد عادت إِلى صوابها ورجعت إِلى مكانها . تحسَّست بقيَّة أَصابع قدميَّ ؛ فوجدتها تنام مطمئِنَّة . تحسَّست جميع أَصابع يديَّ فأَلفيتها في أَماكنها .. فرقعتها واحدة واحدة ونهضت فى خفَّة وأَضأْت النُّور.. كلُّ إِصبع في مكانها ، وخاصَّة أَصابع قدمي اليُمْنَى ، وبخاصَّة الوُسْطَى منها. كان الأَخ (الكِلَيْتُوْن) ــ كما نطلق عليه مداعبة منَّا ــ زميلي بالفصل وبالعَنْبَر، فنَّاناً رقيقاً في نفسه وعلَى الورق ، وكنت قد رأَيتُه قُبيل خروجنا غيرالميمون من الدَّاخليَّة في طريقنا إِلى العِشَش ، وهو يعمل بجدٍّ في أَلواح كبيرة من ورق الرَّسم المُقَوَّى . أَسرعت إِلى مكان عمله فوجدت لوحاً كبيراً منها فارغاً وبجانبه قلم من أَقلام الرَّسم .. وضعت قدمي اليُمْنَى علَى اللَّوح وأَمررت القلم حولها مبتدئاً بأَصابعها ؛ فبانت القدم واضحة كاملة لم تنقص إِصبعاً واحدة . كرَّرت الأَمر نفسه مع قدمي اليُسْرى ، وأَخذت اللَّوح ووضعته داخل دولابي ، ونمت بتجرُّدِ مَن ليس في نيَّته أَن يستيقظ قريباً . ضحكت وضحك أَصدقائِي في اليوم التَّالي لمَّا رأَوا رسم قدميَّ علَى الـورق المُقَوَّى ، وعجبتُ وعجبوا مـن سيجارة كِنْجِسْ . تلك كانت ثاني وآخِر مرَّة أُدخِّن فيه البَنْقُوْ.