- 1 -
شئت أم لم أشأ, لملمت أغراضي في حقيبة صغيرة, ألبوم صور, شهادة ميلاد, شهادة الإعفاء من الجيش, شهادة ليسانس, وخمسة وعشرون عاما ما بين صور وأوراق سطورها باهتة, وذكريات بعيدة, وحزن تقاطر مع الدمع وأنا محشور في طرقة القطار, ليت وحيد معي ليحمل همومي كما اعتاد ويشفق عليّ, آه.. ما أجمل أن يحس بك شخص فيظهر الاهتمام بأمرك, ذلك هو الأخ الذي قيل إنه ربما لم تلده أمك.
- مدينة نصر, مكرم عبيد, إياك والنسيان.
أنا لا أملك يا محمود القص سوى الذكرى, لا أنسى مكتبة الكلية, هناك بحثت عنه في كل الأركان, أخيراً كان في يدك, أستسمحتك فيه, قلت إنك في قسم التاريخ, وتحتاج إليه مثلي في كتابة البحث, خرجنا ومعنا المرجع, طلبت لك شايا, ومددت لي سيجارة, فأعتذرت, ومع انقضاء الأيام كنت أنا من يعطيك السجائر, أخيرا معتصم الهادئ الوديع, ومروان اليتيم مثلنا, جمعتنا الصداقة واليتم والفقر معاً.
- لو سمحت, مدينة نصر ومكرم عبيد ؟.
- هناك أخر الميدان, اركب عباس العقاد.
القاهرة زحام في كل شئ, أنحشرت بين رجل سمين وامرأة بدينة.
- الأجرة يا أستاذ.
- كم من فضلك؟
- جنيه وربع.
غياب الدفء مع غياب الشمس, ولسعات البرد أُبعدت عني الحزن وإحساس الغربة, نعم الغربة, أنا في هذه المدينة غريب بلا شك. أشعلت سيجارة, دفئت بها أطراف أصابعي وسعلت, ثم سألت عن مكرم عبيد, فأشار البعض إنه هناك, ترجلت مسرعاً حتي صادفني أول كشك سجائر.
- السلام عليكم.
- وعليكم السلام.
- محمود القص لو سمحت؟
تريث, ثم ناول شاب نحيل بعض الصحف وقال :
- أخو حمادة الأقرع ؟
إن كان هناك الملايين من حمادة الأقرع, فليس هناك سوى واحد محمود القص, أجبت:
- هو.
- هناك يا أستاذ عند مئذنة الجامع.
اطمأن قلبي بعض الشئ, سحبت ما تبقى من السيجارة, ثم عدلت من الحقيبة وسرت.
كان بالفعل أصلعا, والبعض ينادونه حمادة الأقرع, وتشعر أنه تائه بين هذا وذاك, استمع إليّ, وانشغل عني بقضاء طلبات الزبائن.
جسدي المنهك, عيناي المتعبتان, وحقيبتي التي ترقد بجوار قدمي توسلوا إليه, فدعاني للجلوس بجوار الكشك, ورفع سماعة التليفون بعد أن سأل عن اسمي كلمات قليلة, فيها الكثير من الاعتذار عن المجيء, والجهل من الذهاب إليه, وانتهت المكالمة باستضافتي فوق مرتبة تختبئ خلف الكشك, مع بطانية خفيفة وإن أشعرتني بالدفء, ووسادة متسخة تتسلل بعض أحشائها, تجاورهم صناديق الزجاجات الفارغة.
في الضحى لسعتني شمس الشتاء وأيقظتني ضوضاء النهار فرفعت الغطاء.
تبينت وجهه, أبيض منتفخ الأوداج, ظننته أخا آخر لمحمود لولا مباغتته لي "نموسيتك كحلي يا عيسى يا عوام".
عيسي العوام, لا أحد يناديني به سوى محمود القص, دعكت عيني ولم أجد سوى أن أرفع الغطاء وأجد نفسي بين أحضانه.
- وحشني يا ابن اللذين.
بعد السلام, والعناق الطويل, والنظرات المتأملة, أسلمني إلى صبي, قادني إلى حمام متهدم, قضيت حاجتي, وغسلت وجهي من صنبور مهمل, أغلقته بصعوبة وعدت إليه.
يسألني عن أشياء كثيرة, والماصي البعيد ألمحه في عينيه, هناك أيام رحلت, ورحلت معها إلى تلك المدينة ,هل تعود في رؤية أصحابها, حتى لو للحظات, ربما, لكني أرى بعضها وهو يسألني عن الصحاب:
- أخبار مروان ؟
- مروان لا أثر له.
- ومعتصم ؟.
تعجبت له وهو يداعب صغيرة تطلب نوع خاص من البسكوت, فسكت, ظاناً بهجرته عن الوطن كما كان يحلم, لكنه فاجأني بعد مداعبة الصغيرة وأشعال سيجارة :
- هو يعمل مع أخيه في الكهرباء في ضواحي الجيزة, وأنت؟
ثم تاه بين طلبات الزبائن, وتهت أنا مع سؤاله الأخير, وأنت؟ .
القدر وحده هو الذي يعلم عني كل شيء, ألقيت السيجارة وأسندت كوب الشاي الفارغ جانباً, وأنتبهت إلى فتاة في بنطلون جينز ضيق, و"تي شيرت", وشعر أصفر مسدل فوق كتفين, وعينين خضراوين, تمسك بمجلة وتبحلق في غلافها, تسألني :
- أنا أحلى منها صح؟.
كانت بالفعل أجمل من صورة الغلاف, وكنت مبهوتاً من حور عينيها, فيهما أري بلدتي البعيدة الساكنة في حضن الجبل, ومن بين أهدابها تنبعث أيامي القادمة, ربما رأيت فيهما عيني قمر اللتين أبحث عنهما, وربما رأت فيّ ما لم أره, أخذت ما ابتاعته ورحلت وهي تبتسم, غمز محمود بعينه نحوي :
- تتجوزها؟
لم أنطق, وإنما نظرت إليه في غيظ.
- عرفي يا أخي, دي خدامة, بس بنت.
بعدها قضى محمود ما تبقى من اليوم بين طلبات الزبائن, وقضيته أنا في تدخين السجائر, وتأمل البنايات العالية, والسيارات الفارهة, ونساء تلك المدينة, ومن وقت للآخر يعود محمود بي للوراء وتتبع أيام رحلت مع ناسها, وسؤال يأتي إلى خاطري, ماذا سيكون في المستقبل ؟. حتى قاربت الشمس على الغروب, فقدم حمادة الأقرع, دار بينه وبين محمود نقاش طويل, لم تكن فيه ابتسامة, بعدها أشار إليّ فحملت حقيبتي, وعدّلت هندامي, وأستقلينا أتوبيساً إلى ضاحية عين شمس.