- 2 -
شقة صغيرة لكنها جميلة, غرفة وصالة ومطبخ صغير, ومثله الحمام, وتكثر بها أصص الورود, خاصة الشرفة التي تطل على الشارع.
لم أدر كم من الوقت أمضيت في النوم؟ ولم أعلم في أي ساعة نكون حين شد الغطاء من فوقي لتناول العشاء؟.
أغتسلت, تذكرت أن يومين لم أسجد فيهما لله, فتوضأت, وسجدت ودعوت الله أن ينير الطريق.
بعد العشاء شربت الشاي في مقهى على ناصية الشارع, وأحتسى هو البيريل مع تدخين الشيشة, ثرثر كثيراً عن ألم الكلى والحصوات والأملاح, ونصيحة الطبيب له بإحتساء الشعير والبيريل, ثم حمادة أخوه الذي يعربد مع الراقصات بمال الكشك, ولذلك يبقيه ليلاً في العمل, وهناك شكوى مريرة تأتيه من زوجته, وابنائه الذين يتوقون لرؤيته ولو يوم في الأسبوع, وعدم السؤال عن أمه وأخوته الصغار القاطنون في بلدة قريبة من بلدتنا الساكنة في حضن الجبل, وأشياء أخرى لمحتها في عينيه لم يبثها وإن كنت أحسست بمرارتها, ثم عرجنا إلى ذكرياتنا, حلاوتها, ومرارتها, وذكرى الصحاب, كان حديثنا كأمواج بحر صاحبة, ترمي بنا فنرتطم بأيام كنا نحسبها دائمة, ثم جلنا في شوارع المدينة, ومعالمها الليلية, حكى لي عن الشجرة التي استظلت بها ستنا مريم وعيسى عليه السلام, والحارة التي لم يختمر لها خبز, كنا نأخذ من كل ميدان حارة, ومن كل حارة رجل وامرأة وطفل, ونسأل عن المصري القديم, فيبتسم في سخرية كعادته, " فربما تجده في زحمة الأتوبيسى ", "وربما يكون راقداً في مسستشفي أثر مرض مزمن ", " أو تحت أنقاض بيت مهدم, أو في طرف المدينة يتسول غذائه", وربما غطاه التراب مع قمر وسلامة وجدي وجدتي.
في الصباح لم يكن بجواري, فقط ورقة صغيرة, "إن شعرت بالملل أنا في انتظارك ", طويت الورقة, وشددت الغطاء, ورحت أمارس عادتي القديمة , تأمل الأشياء, وتخيل ما لا يمكن تحقيقه, هوايتي المفضلة منذ الصغر, في غبشة الصحيان ألمح جدي بجوار الكانون فوق كرسي خشبي صغير, منحسر الجلباب, والجوزة بين فخذيه, أعود لأسأل نفسي, لماذا ينادونني بابن النصرانية دون الصغار؟, يدب اليأس إلى قلبي, أرفع الغطاء, وأنط من فوق المصطبة, فيبتسم جدي ويحتضني بين فخذيه بدلا من الجوزة التي يركنها جانباً, تأتي جدتي بين يديها إناء اللبن.
- صباح الخير يا جدتي.
تقبل وجنتي الصغيرتين وتحتضني :
- صباحين يا غالى يا ولد الغالى.
مع احتساء اللبن أسأل جدي من الذي أسماني محمد؟, فيقول والدك, ومن الذي أسماني عيسى؟, فترد جدتي وصية أمك, وما معنى محمد وعيسى؟, تضمني جدتي إلى حضنها, وتقبل جبهتي العريضة, وتقول المحبة والسلام يا ولدي.
أطير إلى وحيد في الشارع, وحيد الوحيد الذي لا يناديني بابن النصرانية, كل يوم تشرق الشمس وتغيب ونحن معاً, معي في كل لعبة نلعبها, بجواري في كل عركة, حتى مع أولاد أعمامي, افتقدته في يوم وحيد, أنتظرته حتى سكنت الشمس كبد السماء, جرى إليّ وأخبرني بدخوله المدرسة, جريت إلى جدتي وبكيت حتى بلل الدمع شالها الأسود, ربتت فوق كتفي, وأصر جدي أن يلحقني بوحيد, السعادة كادت أن تذهب بعقلي ومقعد واحد يضمني أنا وهو, مع الأيام علمت في حصة الدين لماذا ينادونني بابن النصرانية, بكيت, وظللت أبكي حتى أسكتني جدي بقوله "أمك كانت تعبد الإله الذي نعبده".
شعرت بالملل, رفعت الغطاء, أغتسلت, وأشعلت سيجارة, ورحت أبحث عن المواطن المصري القديم في زحمة الأتوبيسات, وأطراف المدينة حتى وصلت إلى محمود القص.