- 3 -
هل الحياة تخلق أقدارنا ؟, أم أننا نزرعها بأيدينا ؟, فنجني حلوها, ونزدرد مرها, أطبقت جفوني, وأنتبهت للقص – في هذه الساعة المزدحمة بالزبائن - يناولني سيجارة أمريكاني ويسألني في حرص شديد :
- ناوي تعمل ايه؟
باغتني السؤال, وباغتتني بعينيها المعلقة بي وهي تتهادى في مشينتها نحونا, غازلها القص بنظرة وكلمة وهو يناولها بعض الحاجات, وتأملت عينيها ونظرتها المختلسة وهي تقلب صفحات مجلة بين يديها, ربما رأيت عيني قمر, دفعت ثمن الحاجات ورحلت وهي تبتسم, فطارت بي ابتسامتها من الجدب إلى حديقة غناء.
غمز القص كعادته وهو يبتسم في خبث :
- البنت عينها منك , سألتني عنك من ساعة.
تظاهرت بعدم الاكتراث وأنا أقلب صفحات جريدة يومية, أخذتني العناوين والمانشتات الحمراء, "أول استفتاء للإنتخابات الرئيسية بعد أن قام الرئيس محمد حسني مبارك بتعديل المادة 76من الدستور للسماح للأحزاب السياسية بخوض الانتخابات الرئيسية ", وغيرها من العناوين التي تخص فلسطين والعراق, وتذكرت أشياء مضت فأزحتها من أمامي, طويت الصحيفة وألقيت بها جانبا, فضحك وهو يقول في حسرة هذه المرة وهو يشير لسيجارته :
- أنا قلت لك الأمريكاني يكسب.
في نهاية اليوم لم نأخذ وجهتنا ناحية عين شمس,وإنما أخذني من يدي إلى نهاية شارع مكرم عبيد, ثم إلى حارة ضيقة في شارع آخر, ومنها إلى ميدان كبير, وأخذ يشير ويثرثر وأنا لا أملك سوى أن أومئ بذقني على الموافقة بعد أن ضغطت على نقود قليلة في جيبي, بعدها سرنا و ثمة أسى يلازمني من الأيام القادمة.
- السلام عليكم يا عم مدبولي.
- أهلاً يا محمود يا ولدي.
عم مدبولي رجل يبدو في عنفوان شبابه, وخاصة وهو يشير بذراعيه, ويزعق في صبيانه الذين يلتفون حوله, أو في نقاش مرير مع زبون على رزمة جرائد, على الرغم من الشعر الأبيض الذي يفرش رأسه الغليظ وذقنه المدببة, أيقنت من جلبابه الواسع ولهجته مع القص أنه من بلادنا البعيدة المنسية الساكنة في حضن الجبل, رحل عنها وعمره خمسة عشر عاماً, لم ترضه الحياة أن يكون ابنا لأم في عصمة رجل غير أبيه, ولأب يرقد في حضن امرأة غير أمه, مل من زيارتهما, وضجرا منه, ولم يسعه حضن عمه, ورفثه زوج خالته, فتركهم جميعا, وترك البلدة مع ابن عم, وربما ابن خال, وقد يكون ابن جيران, ورمى خلفه درجات نهائية في الحساب, وتفوق ملحوظ في العلوم والتاريخ, ليحط في تلك المدينة, وليزاحم ستة أفراد من بلدته في غرفة عطنة في مدخل ما يشبه عمارة, يصحو معهم فيحمل الفأس فوق كتفه, والمقطف في يمينه ويردد معهم " رزقي عليك يا رب ", ويسير حتى ينتهي به المطاف إلى جبال من الزلط والرمل وكل ما يخص مواد البناء, فإذا ودعته الشمس يرنو إلى تلك الجبال فلا يراها, ويظل يلهث ويمسح عرقا يبلل شعر رأسه, عند العودة يلقي بماء قليل ساخن فوق جسده وينام, ربما تناول عشائه, وربما لا, فلا يشعر معهم بقطرات الماء التي تتساقط فوقهم من اثر تصدع وربما تسريب من الطابق الذي يعلوهم, أسابيع وربما شهور في هذه الدائرة, إلا أن خفت حركة البناء في البلاد لحدث هام يخص السادات وربما اسرائيل, هو لا يعرف, كل ما يدركه جيدا تهافت الناس علي بائع الجرائد, فسأل عن ثمنها بالجملة, وراح يجمع ويطرح ما باعه الرجل ففتح فمه وعينيه في آن واحد, ولم ينتظر, آتى ببعض ما يدخره وعرف الطريق, وانطلق يزعق ورزمة تحت إبطه, أهرام, أخبار, جمهورية, في اليوم الثاني أجهز على الرزمة في وقت مبكر وأتى بالثانية, ومرت الأيام وكثرت الرزم, حتى استقر به الحال أن يقف في وسط كشك من الخشب يحوي السجائر والحلوى ومن أمامه رزم الجرائد والمجلات, والكشك تمخض عن كشك آخر, زينهما ببيت من خمسة طوابق بجوار العمارة التي كان ينام في غرفتها العضنة, ثم بيت آخر وزوجة وعيال حتى همس له طائر في أذنه باسم بلدته, فعاد يقبل رأس أمه, ويلثم يد أبيه, ويحتضن أخوة له منهما, حتى وراهما التراب, فاقتصرت زيارته على أداء الواجب.
قدمني القص إليه, إنني فلان بن فلان, من البلدة المجاورة الساكنة في حضن الجبل, جئت إلى تلك المدينة طامعا في حضن يضمني ويقيني شر الليالي الباردة, فمال للوراء وهو في كرسيه الخيزران, وارسل إليّ دخان شيشته وهو يتفرس وجهي بعينين, إحداهما بها رمد خفيف, والأخرى لمحت فيها طيبة وتودد واشفاق نحوي.
- مرحب يا ولدي.
- مرحب يا عم مدبولي.
- أخبار أعمامك ؟
وراح يسترسل في ذكر أعمامي الموقرين, الواحد تلو الآخر، عمي حمدان, وعمي عتمان, وعمي حسين, وكان لابد من ذكر عمي عبد الكريم, وأخذ يسرد لي قصته معهم, بدأها "الله يبارك لهم ", أراد أن يسترد أرضا من مغتصب, فأرسلوه أولاد الحلال إلى سلاحهم, وأنهى قصته وهو يبتسم "الله لا يبارك لهم, أخذوا نصف ثمنها".
- لكن أنت أبوك رجل طيب, قابلته مرتين, وسمعت عنه الكثير.
وقبل أن يسرد قصتهم قدمت صبية حلوة - تحمل الكثير من بلادنا – وتمسك بيدها الصغيرة طفلا, احتصنه وقبل وجنتيه ودس يده في جيبه وأخرجها وبها بعض النقود التي أخذتها الفتاة , بعدها عاد ليسرد القصة وهو يحاول وضع قطع الفحم المتوهجة فوق حجر الشيشة التي تطاير دخانها مع حكيه.
أعمامي الله لا يبارك لهم, لسانهم سلاحهم, من وقت لآخر يأتي أغراب إلينا, يأكلون ويشربون الشاي, ويدخنون الحشيش في باحة صغيرة خلف الدار, وينصرفون في الهزيع الأخير من الليل, وفي الهزيع الأول من ليل اليوم الثاني يخرج أعمامي والسلاح على أكتافهم, إلى أين يذهبون؟, أيسرقون أم يقتلون؟ كما حكى العيال في الحارة الضيقة التي نرتع فيه, ارتاب جدي في الأمر كثيرا, وبفضل ريبته نشب عراك استمر طويلا بينهم, انهاه سلامة بتفويض أمرهم لله,
أخوهم سلامة – والدي – مع جدي أبو سلامة لصلاة الفجر جماعة, بعدها جدي فوق الحمار, من أمامه ذاد اليوم الذي أعدته جدتي, وبيده حبل مربوط في البقرة اليتيمة, بجوارها عيلها, وسلامة من خلفهم, فأسه فوق كتفه, وعصى صغيرة بيده يحث بها البقرة ومولودها على مجاراة الحمار في السير, وبذكر العصى في يد سلامة, يجتمع لها الناس من كل الوديان, وذلك حين يرقص على قرع الطبل ونغمات المذمار, ويتشتت من حولها الناس حين يبطش بها, ألم ينزل بها الضابط من فوق فرسه حين أراد أن يأخذ جدي بدلاً من أعمامي الذين يختفون بعد كل فعلة يفعلونها؟.
ضحك عم مدبولي – ونحن معه – ملئ فمه وهو يركن شيشته جانبا من الضابط الذي أقسم ألا يبيت ليلة في مركزنا بعد سقوطه من فوق الفرس, ثم ابتسم للقص ودار بينهما حوار لم أعيه جيدا, كل ما فهمته أنني من الغد سأكون من صبيان المعلم مدبولي علي حد قوله.