- 4 -

5 0 00

- 4 -

في الصباح جذبني محمود, وحثني على الركض – ومعنا الكثير من الرجال والنساء والصيبة – نحو أتوبيس يسير في خطى متمهلة, باكورة الشمس شاهدة على ذلك, لم أدر كيف وضعنا أقدامنا على أول درجة من سلم الباب الخلفي, وتركنا أنفسنا للموج الذي ورائنا, كنا كنتف القطن التي يحشرها جدي في الأكياس, من أمامي امرأة بدينة وقصيرة وصغيرة بعض الشئ, ومحمود من أمامه امرأة أيضا بدينة, ولكنها طويلة ومليحة وتزداد بياضا عن التي امامي, رعشة في جسدي وأنا أتململ يمينا وشمالاً حتى أصنع مسافة بيني وبينها كي تمنعني من الالتصاق بها , من العبث, بل يزداد الالتصاق, ويزداد معه الدفع من الخلف رغما عني, لحظتها خلت كل الناس تبحلق في, وأن المرأة سترفع حذاءها في وجهي وتلطمني به بعد أن تستدير وتبصق في وجهي, لكن شيئا من هذا لم يحدث, بل كانت المرأة تتململ من أمامي, وتحثني على الالتصاق أكثر, ومرق الأتوبيس ومحمود غافل عني حتى وصلنا مكرم عبيد.

كان يتلذذ في تدخين السيجارة, ويسكت عن الكلام.

قابلنا حمادة الأقرع بعينين كليلتين, أسلمه درج النقود, وأخبره برزم الجرائد, ورزم المرتجع , وأشياء أخرى وانصرف.

ترجاني محمود في البقاء لعشر دقائق, لمحته خلالها يروح إلى دورة المياه لا تبعد كثيرا عن الكشك, ثم رأيته يخرج منها وبين يديه إناء كبير, سكب فيه ماء ساخن من صفيحة فوق أسطوانة بوتجاز في نصبة شاي لشاب أسمر, وسمعت خلالها محمود يضحك بصوت عال, ويومئ برأسه للشاب الأسمر, ويعود لدورة المياه مرة أخرى.

أنتبهت لرجل عجوز, يطلب علبة سجائر مستوردة, وصحيفة الأخبار, ناولته علبة السجائر, وتناول هو الصحيفة من فوق الرصيف, أشعلت مثله سيجارة, وهفت نفسي إلى تصفح الجريدة, والتطلع إلى عناوينها, "انهيار عقار سكني مما أسفر عن مقتل أكثر من خمسين قتيلا", " وزير التعليم يتفقد الأبنية التعليمية ويطمأن علي حالة الطلاب ".

عاد محمود ضاحكاً, وهو يدعك صدره, وبتلذذ بسيجارة أخرى, مع الشاي الذي أخذه من الشاب الأسمر, ثم يشير إلىّ حيث كان, ويقول:

- دورك..

وجمت, وأستنكرت فعلته, فقال:

- كلما اشتدت عليّ وطأتها بحثت عنها في الأتوبيس, أخف الأضرار.

وأعاد على مسمعي ما قاله المعلم مدبولي, وأخبرني بما يجب فعله, وأحثني على الذهاب بعد تناول الشاي.

لاقاني المعلم مدبولي بوجه بشوش وضاحك, أسلمني رزمة الجرائد, ودعا ليّ بالتساهيل, ولم أجد مشقة في الوصول للميدان.

خرجت الكلمات شحيحة الحروف واهنة, أهرام, أخبار, جمهورية , ثم ماتت, لكن انتصابي كعمود إشارة المرور الذي أستند إليه, وأنا تحت إبطي الأيسر رزمة الجرائد, وبيدي اليمنى ألوح بجريدة منفردة كان كافياً, تركن العربة عند الإشارة الحمراء, ويشير السائق, فأهرول إليه, يعطيني ورقة صحيحة, قد تكون عشرون جنيهاً, وأحياناً أكثر من ذلك, يأخذ الصحيفة, و قبل مناولته ما تبقى من الورقة الصحيحة, تلمع الإشارة الخضراء فيمرق, بضع ساعات مرت, خف معها الحمل تحت إبطي, وامتلأ جيبي بالنقود, ولمعت الإشارة الحمراء, ولمع معها الورق الأحمر والأخضر, حتى نفدت الجرائد إلا واحدة, قررت تصفحها في طريق العودة.

ادركني ثلاثة من الشباب, وضع أحدهم يده اليسرى فوق كتفي, والآخر المطواة في يمنه, والثالث يسأل عن المكان والجرائد التي كانت معي, تفرست وجوههم دون خشية, وأنزلت اليد التي فوق كتفي, وانتبهوا إلى جسدي الفارع وذراعيّ القويتين, فلانوا في الكلام بعد أن ذكرت اسمي محمود القص والمعلم مدبولي.

أحصى محمود النقود, ودس في جيبي أكثر من عشرين جنيها, وأخبرني خبر الشباب الثلاثة:

- هم من صبيان المعلم مدبولي, والمكان ملك لواحد منهم يأتيه في الليل, وطامعا أن يأتيه أحد أصحابه في النهار.

فسألت في قلق :

- وماذا لو آتاه وأنا أبيع الجرائد ؟

- لم يأت أحد والمعلم مدبول كفيل بذلك.

اطمأن قلبي فقررت أن يكون العشاء في هذه الليلة سمكا من النقود التي أكتسبتها.