الفصل الرابع
المذياع
حديث الناس عن صفقة تبادل للأسرى تردد كثيرا ،
لكن الناس من كثرة تردّد هذا الحديث لم يعيروه
انتباها لأنهم لا يصدقون مثل هذه الأخبار في هذه
الفترة من الزمن ، وبالرغم من هذا فقد حمل ربيع
وسمير المذياع بلهفة وشوق ؛ فلربما يصدقُ الخبر
هذه المرة ، وكم كانت المفاجأة عظيمة عندما سمعوا
عن صفقة تبادل للأسرى يشرف عليها الأمين العام
للجبهة الشعبية المناضل أحمد جبريل وهي صفقة كبيرة
يُطلق فيها سراح أكثر من ألف أسير ومنهم أسرى
محكومين مدةً طويلة فقد رقصت قلوبهم فرحاً هذه
المرة وأحسّا أن أبا ربيع وأخا سمير سيكونان من
ضمن الصفقة ، وقد كان ذلك ، ولا رادّ لقضاء الله .
تلك الفرحة التي أتت من المذياع ذكرتهما بمقتل
السادات في 6-10-1981 أي قبل حوالي أربع سنوات من
هذا التبادل .
بعد منتصف أيار عام الف وتسعمائة وخمس وثمانون
والذي يودعُ الربيعَ ، وما تزال عباءة ُ الربيعِ
الخضراءَ تتحرشُ به استقظت زوجة ربيعٌ بعد ساعة
الصفر على نقرات لطيفاتٍ على باب بيته الذي في
فناء ساحة البيت القديم لجده ، فنبّهت ربيعاً
قائلة : ربيع ربيع استقظ وانظر من يطرق الباب في
هذه الساعة المتأخرة من الليل .
صحا ربيعٌ وشعر بشيءٍ من الوجلِ متسائلاً : تُرى
من يكون الطارق في مثل هذه الساعة ؟
اقترب بحذر من الباب وسأل : من الطارق ؟
فأجاب الطارق : أنا أبوك يا ربيع .
فازداد ربيع ٌ ريبة وفضولاً وكان يخشى أن يكون
الطارق من المخابرات لأنهم كانوا يعتقلون أحيانا
لأسباب بسيطة ، فسأل مرة أخرى : من ؟ فرد الطارق
: أنا أبوك زيد افتح الباب لقد أطلقوا سراحنا .
فتح ربيعٌ الباب وخرج ونظر ؛ فإذا الطارق قد ابتعد
عن الباب عشرة أمتار تقريباً وقد وقف قرب البئر
القديمة التي على المدخل الرئيسي للبيت والمحاذية
للطريق وقد ارتدى لباساً أبيضَ وحذاءً رياضيّاً
أبيض َ.
اقترب ربيعٌ منه ليحدّق فيه فقال له أبوه : اقترب
أنا أبوك .
فظل ربيعٌ مبهوراً ثم قال : أبي ... أبي ، وسلمّ
عليه وتعانقا وقبّلا بعضهما وما زال ربيع في شبه
صدمة لا يستطيع تفسيرها إلا بالصبر وسأل أباه :
أين الجيش ؟ هل أنت وحدك؟
فقال أبوه : أطلقوا سراحنا في صفقة تبادل للأسرى
بواسطة أحمد جبريل .
فقال ربيع : كنا قبل أيام قد سمعنا في المذياع عن
هذا الأمر وفرحنا وقد تمّمَ الله فرحتنا الآن .
قال أبو ربيع : اهدأ الآن وادخل بهدوء ولا توقظ
إخوتك وكانت الساعة تقترب من الواحدة ليلاً .
دخل ربيعٌ ومشاعرٌ مختلفةٌ مضطربةٌ ممزوجةٍ بفرح
وعجبٍ وفخرٍ فطرق غرفة باب جده القديمة المُقببة
والتي تأوي داخلها الأم والأولاد والبنات والتي
تربّوا فيها جميعاً وطالما استمعوا فيها لحكايات
جدتهم فاطمة رحمها الله ، فتذكّرَ ربيعٌ جدته وقال
في نفسه : ليتها كانت هذه اللحظة بيننا لتزغرد
زغرودةً تُخرجُ بها إلى السماء كلّ سنين الهمّ
والقهر التي عانتها وانتظار معانقتها لولدها .
دخل ربيعٌ بعدما فتحت أمه الباب وكأنّ أباه قال له
: أدخل وأيقظ إخوتك ، فبعد أن وطأ للخبر بلطف مع
والدته حتى يخفّف صدمة الحدث البهيج استقبلت الأمّ
زوجها مدهوشة ً فرِحَةً وأعلمها بصفقة التبادل
وشكرا الله وحمداه وبكيا .
لم يتمالك نفسه ربيعٌ وبدأ بإيقاظ إخوته الأكبر
فالأصغر والكل يقوم من النوم مصدوما ومتعجباً ،
ولما أيقظوا الإبن الأصغر والذي وُلِدَ بعد دخول
أبيه السّجن ؛ صحا من النوم ورأى أباه وصار يصرخ
أبي ابي ويبكي بشدّة وهو يعانقُ والده ، وشرع كل
من بالغرفة بالبكاء لهذا المشهد المؤثر .
وكعادة ربيعٍ الذي لا يصبر ؛ فحين توفيت جدته
ليلا قبل خروج أبيه من السجن ذهب ليلاً وطرقً
أبواب أهل حارته وأقربائه ، فحضروا مسرعين وظلّوا
سهارى حتى الصباح وهي مُسجّاةً وهم حولها محزونون
يتأملون فيها سرّ الموت .
أما هذه المرّة فقد طرق أبواب أهل حارته ليلاً
وأخبرهم بالخبر السعيد وحضروا وظلوا سهارى حتى
الصباح حول أبي ربيع يحدثهم عن السجن والمساجين ،
وهم يتأملون فيه سرّ الحياة .
أكثر من شهر والناس يتعاقبون على بيت أبي ربيع
للمباركة والتهنئة بخروجه من مقبرة الأحياء والذي
مكث فيها أكثر من ستة عشرة عاما ، وأكواب الشاي
والعصير والقهوة تأتي بطاناً وترجع خماصاً بلا
توقف ٍ ، وقد حصر أناسٌ يعرفهم ربيعٌ خلال زيارته
لوالده وأناسٌ آخرون من غالب مدن وقرى فلسطين
المباركة ؛ إذ لم تسلم قرية ٌ أو مدينة ٌ أو حارةٌ
من شهيدٍ أو جريحٍ أو معتقلٍ أو منفيٍّ أو بيتٍ
مهدومٍ أو أرضٍ مصادرةٍ أو قلع أشجار زيتونٍ .
في إحدى زيارات التهنئة بخروج أبي ربيع من
معتقله ،وكان ربيعٌ يعمل في المُصلى المروانيّ في
االمسجد الأقصى المبارك مع الأوقاف نظراً لصعوبة
الحصول على وظيفة في تخصّصهِ وقد كان المُصلى
المرواني مهجورا فكانوا يعملون على إخراج الأتربة
منه لتهيئته للترميم من أجل التوسعة والصلاة فيه ،
وقد كان الحمام البري يُعشّشُ فيه ويُفرّخ ، وكانت
الأعشاش جاهزة ومنتظمة ، ولم يكن على الحمام من
عبءٍ إلا إحضار القش والبيض والتفقيس ، وقد فرح
ربيع وزملائة الستة الذين يعملون في المصلى
المرواني باصطياد سبعين حمامة وزغلول ، فحصل كل
واحد منهم على عشرة طيور ، كان هذا في اليوم
الرابع أو الخامس من خروج والده من السجن وقد عملت
أم ربيع من الطيور طبخة وحساءً لذيذين فسأل أبو
ربيع أصدقاءه الزائرين إن كان هذا الطعام حلالاً
أم حراماً ؟
وقد كانوا من الصّوفية وأنشدوا أنشودة جماعيةً
دينية مدويةً إحتفاءً بفرحة الخروج وسألوا ربيعاً
: هل الأطيار طليقة أم أن موظفي الأوقاف حبسوها
وهم يطعمونها ؟ فأجابهم بأنها طليقة وتدخل من
النوافذ القديمة للمصلى وتخرجُ منه وكان يطلق اسم
(الإسطبل) على هذا المصلى ، وقد كانت الأعمدة
الحجرية الضخمة محفورة حفرة بقطر إنشين تقريباً
وعلى ارتفاع مترٍ حيث كان الصليبيون المحتلون
وقتذاك يربطون خيولهم فيه . وفي سقف المصلى نوافذ
مربعة ربطت فيهن البكرات بالحبال لسحب الطمم
وإخراجه ويبلغ ارتفاع السقف حوالي عشرة أمتار ، ثم
يأخذ هذه الأتربة العمال الذين على سطح أرض المسجد
الأقصى ويفرغونها على أشجار الزيتون المغروسة هناك
.
فلما سمعوا إجابة ربيع بأنّ الطيور طليقةً
أحلوا الطعام وأكلوا منه.