الفصل الثاني
أبو ربيع
تَرَعْرَعَ على تِلالِ قريةِ صورباهر أبناؤها
وأبناءُ الحاج عبد اللطيف وأصدقاؤه رحمهم الله ،
وكان ترعْرُعُهم متوازيا ومُتزامنا ً مع ترعرعِ
تلالٍ من المؤامرات والخيانات والوعود الكاذبة
التي ملها الأبناءُ والأحفاد على مدى سنينَ خلتْ .
وكم أشرقت الشمسُ وكم غربت ، لكن ذات مرّة في
منتصف آذار كان شروقُها غروباً على دار زيد ابن
الحاج عبد اللطيف حين استيقظ أحفاد الحاجّ عبد
اللطيف على بكاء جدّتهم وأمّهم وزوجة أبيهم، وكان
ربيعٌ بن زيدٍ أكبر إخوته في الثامنة من عمره سأل
والدته بدهشةِ الطفولة البريئة والمُكللةِ بالخوف
من مجهولٍ مشؤومٍ : لماذا تبكون ؟ وما هذه الفوضى
في البيت ولِمَ الفراشُ مبَعثرٌ ؟
أجابت أمّه وقد ازداد نحيبها : لقد حضر اليهود
ليلاً وأنتم نائمون فأخذوا أبيك ، وبعد حين من
الدهر علم أن اليهود وجدوا سلاحاً في المغارة
الملاصقة للبيت .
تجمّدَ الحزْنُ عند هذا الحَدَثِ في قلبِ هذا
الحَدَثِ .
ودونما معرفة بما جرى ومن هم اليهود وما هي
أسباب ُ سَجْنِهم لأبي ربيع فقد اختفى من البيت
رُكنٌ كاد يميلُ بالبيت نحو التّهادى لولا تدارُك
العنايةِ الإلهيّة ولُطْفِها .
ثمّ عَلِمَ ربيعٌ أنّ اليهود كانوا سيهدِمون
البيتَ إلا أن جدّته فاطمة قالت لهم أنّ البيت ليس
لربيعٍ وهو مسجّلٌ باسمي وأحضرت لهم الأوراق
الثبوتيّة بهذا الخصوص حتى عدلوا عن هدمه .
أضحت الزّياراتُ النّصف ِ شهريّة عادةً
روتينيّة طوالَ فترة الأسْر ، وكانت تُوزّع بين
أهل أبي ربيع وأقرباءه ، والكلّ ينتظر دوره
للزيارة بفارغ الصّبر ، وكأن لسانَ حال أهل أبي
ربيع يقول :
( أعِدّ الليالي ليلة ً بعد ليلة ٍ وقد
عِشتُ دهراً لا أعدُّ اللياليا )
بل هذه حال غالبيّة الشّعب الفلسطينيّ المُرابط ؛
كالأطيار بجناح واحد ويجب عليهم التّحليق
والإستمرار في الصبر والصمود .
لم تجد أمّ ربيعٍ بدّاً من أن تبحث عن عمل
لإعالة صغارها والّذين سيزداد عددهم بعد ولادتها ،
وقد يسّرَ الله لها بلطفه العمل في مدرسة قريبة من
بيتها ، فبقيت في العمل طيلة فترة أسر زوجها وحتى
بعدها بقليل .
ولمّا شبَّ ربيعٌ وكبر صارت الذكريات ُ
القليلة له مع أبيه تراوده بين حين وحين في لحظات
الصّفاء والتأمّل والحنين والظمأ والشوق للدفء
الأبويّ حيث كان أبوهُ يوصِلُهُ إلى المدرسة صباحا
ً ويُسلّمَ على المعلمين المناوبين الواقفين أمام
البوّابة الرئيسية للمدرسة مقابل الطريق العام
فيدخل ربيع إلى باحة المدرسة ويتابعُ أباه طريقهُ
إلى عمله .
وحين يلتقي ربيعٌ مع إخوته يتذكرون كيف كان
يجمعهم أبوهم
لينشدوا معا ً أمام أقربائه أنشودة :
يا معهداً علمني وبالهدى جمّلني
حليتني من صغري بكل خلقٍ حسن ِ
كم فيك من معلمٍ برّ ٍ كثير المنن ِ
بعلمه زودني بنصحه أرشدني
تحية ً يا معهدي يا أصل عيشي الهني
أنشأتني مباركا ً لأمتي ووطني
فقد كان أبو ربيع محبا ً للعلم ِ ومحثا ً عليه .
لكن من الذّكريات التي كانت تحْزن ربيعاً بكاءُ
جدّته كلّ عيدٍ حين يَصْطَفُّ وإخوتهُ حولها وهي
جالسةً أمام صندوقها الخشبيّ الأثريّ لِتخْرِجَ من
صدرها مفتاحاً مربوطاً بِخيْطٍ قويٍّ لتفتحَ
بتئودةٍ الصندوقَ وتعطيهمُ بضعةَ قروشٍ وهي باكيةً
عليهم وعلى أبيهم ، ومحزونة النفس ، وكم تمنّت أن
يخرج ابنها من السّجن قبل وفاتها ، ولكن الله لم
يشأ أن ترى ابنها ؛ فقد توفيت وتوفي معها الأملُ
والشّوقُ اللذانِ كانا يُداعِبانِ قلبها ، وقد
عزّى المساجينُ أبا ربيع وبكى عليها في السجن
بكاءً كثيرا فقد كان يحبّها وكانت تحبّه حبّا
شديداً .
كما وتعود الذكريات بربيعٍ إلى حرب عام 1967 وهو
ابن ستّ سنوات حين تركوا النوم في البيت وصاروا
ينامون في المغارة المُلاصقةِ لبيتهم لأنها أكثر
أمنا ً ، وجاء للإختباء في هذه المغارة الكبيرة
عمّاتُ ربيعٍ وأزواجهن وأبنائهنّ مع زوجات وأبناء
أبي ربيع وجدّتهم الحاجّة فاطمة قبل وفاتها .
تلك من الذّكريات التي ما زالت تطفو على سطح
الذّاكرة ، وكيف تُنسى ، ويقال أن الأسى لا يُنسى
فقد كانوا ينامونَ على أزيز الرصاص الذي ينقُرُ
على الأبواب كزخّات المطر، ولمّا هدأ النقر خاف
الناسُ العُزّلُ من ازدياد الأمر فقرّروا
الهروبَ إلى منطقة أكثر أمنا عند أنسباءٍ للحاجّ
عبد اللطيف في منطقة العبيديّة الشرقيّة قرب دير
ابن عبيد ، والذي يرى من قرية صورباهر مع أفقِ
الشّرق ، وكان الملجأ مغارة كمغارة الحاج عبد
اللطيف ، ثم ما لبثوا بعد أن هدأت الأمور أن عادوا
إلى بيوتهم في القرية ، وحمدوا الله أن بقوا في
قريتهم ولم يحدث لهم ما حدث عام 1948 في قرية دير
ياسين وغيرها من القرى المهجرة ، خاصةً وأنّه لا
صريخَ لهم .
هذه بعضُ ذكريات ربيع التي كانت تراوده بين
حينٍ وآخر وخاصة بعد عودته من زيارة أبيه الطويلة
السفر والقصيرة المُحادثة.