الفصل الثالث
الزيارات
بالرغم من مرارة المعاناة أثناء الزيارات
للأسرى والتي كانت تبدأ بعد الفجر وتنتهي قبل مغيب
الشمس إلا أن فيها بعض العزاء من إطفاء شوق بلقاء
الأسير أو التعرفِ على أشخاصٍ من مناطق مختلفة من
فلسطيننا المباركة والتحدث في الحافلة أثناء
السّفر الطويل انطلاقا ً من القدس من أمام الصليب
الأحمر وحتى الوصول إلى سجن الرّملة أو سجن عسقلان
، وتناول طعام الإفطار في الحافلة وخاصة الكعك
المقدسي المرافق دوما ً للفلافل ، وخاصة لمّا
يجلسُ ربيعٌ جانب صديقه سميرٌ الذي يزور أخاهُ
برفقةِ أمّه .
في إحدى الزّيارات كان ربيع يجلس قرب الحاجّ
جُمْعة ، وكان الأكثر زيارة للأسير زيد أبي ربيع
وكان الحاجّ جمعة متزوجٌ من أخت زيد ، ولم يُرزق
حتى مماته بالذّرّية لا من أختِ زيد ولا من
اللواتي كنّ قبلها .
اشتهر الحاج جمعة بمداواة الناس بالأعشاب ،
وخاصّة داء الحصْوَة ، فعند توقفِ الحافلة في
منطقة قريبة من الأحراش ليقضي بعض الركاب حاجتهم ،
أو للإستراحة وشرب الشّاي كان الحاج جمعة يخبىء
فأساً صغيرة تحت إبطه ويذهب باحثا ً في الجبل عن
عشبة ٍ معيّنة فينْبِشُ على جذورها ويقطعها
ويخبؤها في كيسٍ معه ، وكثيراً ما كان يفعل ذلك
دون اكتراثٍ من أحدٍ بما يفعل أو ماذا يفعل .
وكثيراً ما كان يتردّد ربيعٌ وصديقهُ إلى بيت
عمّتهم زوجة الحاجّ جمعة فتحتفي بهم أيّما احتفاءٍ
، وتعمل لهما كأسين من الشّاي بعناية فائقة ومحبّة
خالصة ، فيشاهدان جذورا ً مُعَرّضَةً للشمس في
باحة البيت ويسألان عمّتهم فتقول لهما أن زوجي
يعمل من هذه الجذور دواءً للحصوة ، فيُتابع الحاجّ
جمعة كلامها ويقول مفتخرا ً بأن الكثيرين يأتون
ويشترون الزّجاجة منّي بخمسة دنانير حتى أتاني
أحدُ الأطّباء واشترى منّي زجاجة ، وكل من اشترى
منّي زجاجة واستعملها شوفيَ بإذن الله ، وقد حكى
لنا مرّة حين زرناه أنّ اسم هذه الشجرة (العاقول)
وقال : إنّ لهذه الشجرة قصّة ؛ فقد كنت أعمل في
الأردن في أحد الأديرة وقلت للرّاهبة : هل أجدُ
عندك دواء للحصوة ؟ فقالت : سأنظر في الكتب التي
عند الرّاهب ، فلما وجدت الدواء أخبرتني عنهُ وهو
جذور نبتة العاقول ورأيت شكلها وحفظت اسمها وطريقة
استعمالها وهي بأن تغلى جذورها في الماء ثلاث أو
أربع ساعات حتى يصبح لون الماء كلون الشّاي ، ثم
تنتظر حتى يبرد محلول الجذور وتصفيه وتضعه في
زجاجة ، ويشرب المريض كأسا ً من زيت الزيتون
وكأساً من جذور هذه النبتة فتتفتّتُ الحصاة وتخرج
بلا ألمٍ مع البول .
ثم تابع الحاجّ جمعة : ولما علم الرّاهب أنّ
الراهبة قد أعطتني هذه الوصفة اغتاظ غيظاً شديداً
، وعَلِمْتُ أنه كان يبحث عني ، ومرّت الأيام
ونُسيَ الأمر .
وتستمر الزيارات وتمرّ السّنين والأحداث مرّ
السّحابِ ، وكلمّا زار ربيعٌ والده زيداً نما وكبر
شيئاً فشيئا دون أن يحسّ بالزّمن تماماً كما يغرس
الفلاح غرسته وينظر إليها كل يوم فلا يراها تكبر
لكن النّاظر الآخر والأبعد عن متابعة الحدث يرى
الفرق ويراها تكبر بوضوحٍ لتباعد زمن الرؤية ،
ويرى زيدٌ أبناءه يكبرون فيسعد بهم ويدعو لهم
ويظلّ يوصي زوجته بالحرص على تعليمهم قائلاّ : حتى
لو بعتِ البيت الذي تسكنين فيه لا تخرجيهم من
المدارس ، وكثيرا ما يردد لهم أبوهم قول الشّاعر :
العلم يبني بيوتا لا عِماد لها والجهل
يهدم بيوت العزّ والكرمِ
فَتوافقه الرأيَ وتطمْئنهُ .
تتوالى الزّيارات فمرّةً تبَشّرُ أمّ ربيعٍ
زوجها بفرحٍ حدث ، ومرةً بترحٍ حدث ؛ فالأخبار
التي كانت تتوالى على المساجين ذاتَ أهميّة كبيرةٍ
لهم ، وكأنهم يقتاتون عليها كالطّعام ؛ بل
ويتسابقون في الحصول على خبرٍ جديدٍ ، وذلك
لِشوقِهِمْ لمعرفة ما يجري خارجَ قبرِ الأحياء .
لقد ملّ ربيعٌ الأحزان منذ صغره وكم ارتوت
مخدّته ليلاً بدموع الشّوقِ لأبيه وهو يرتقي من
صفّ ٍ إلى صفِّ حتى أصبح في المرحلة الثانوية وكان
متلهّفاً لهذه المرحلة حيث سيتركُ مدرسة القريةِ
التي قضى فيها المرحلة الأساسية والإعدادية ليذهب
للدراسة في قرية أبو ديس ويصبح رجلاً .
أصبحت الأيام الصعيبة الطّويلة التي ما قبل
الثانوية – أيام الصّبر والألم – خلف ظهورنا
ومجرّد ذكرى ؛ لكنها مُلاصقةٌ لقلوبنا بالرّغم من
اجتيازها وتشبهُ الذي اجتاز امتحاناً ما ونجح .
وقف ربيع ينتظر قدوم الحافلة مُتمنِياً وصول صديقه
سمير قبلها فينظر إلى ساعته تارةً وإلى ملابسه
للتأكد من أناقته تارة ً أخرى، وإلى الطريق
الفرعية لعلّهُ يرى صديقه تارة ثالثة ، وبينما هو
كذلك إذ بصديقه يُباغِتهُ من خلفه مداعباً
ومُسّلِماً عليه ، فابتهج ربيعٌ به خاصّة مع وصول
الحافلة فصعدا وجلسا كالعادة في الكرسيّ الخلفيّ
ليتحَدّثا بحريّة .
فتحَ ربيعٌ نافذة الحافلة قائلا : كم أكره
مادة الرياضيّاتِ ومُعلِّمِها وأخاف أن أرسبَ فيها
.
قال صديقه : توكل على الله وعلى كل حال تدّرب على
بعض التمارين والأمثلة وليس بالضرورة أن تحصل في
مادة الرياضيّات على علامة ثمانين فعلامةُ ستين
تفي بالغرض على أسوأ الإحتمالات.
قال ربيع : مع قناعتي بالدّراسة إلا أنّني أعلم أن
معاش الموظّفين لا يكفي لتسديد فواتير المياه
والإنارة ومصروف الطلاب اليومي والأشياء الكثيرة
الضرورية للمعيشة البسيطة .
قال سمير : هل تعلم أن أحد أقربائي قال لي أنه عمل
في ورشة للبناء وأن كلّ الذين يعملون فيها حاصلون
على شهادات عليا أدناها الثانويّة العامّة ، وقد
سماها ورشة المثقفين .
قال ربيع : هذا شيءٌ جميلٌ أن يعملَ الإنسانُ أي ّ
عملٍ شريفٍ لكن بعدما يتعلّم ويتخرّج ، وللأسف
فَوَضْعُنا في هذا الإستعمار يجعل الحصول على
وظيفة أمراً صعباً ، فالحمد لله على كل حال ، ولن
يخسر الإنسان إذا تعلّم بل يكسب العلمِ ويتسلّح به
.
قال سمير : صدقت ، فالعلم نورٌ ونجاحٌ وفلاحٌ ،
وإن شاء الله يوفقك الله اليوم يا ربيع في امتحان
الرياضيّات .
قال ربيع : آمين وقد أنسيتني السؤال عن أخيك هل
زرته في الأردن وهل من أملٍ بعودته للضّفّة ؟
قال سمير: ليت هذا يكون يبدو أن الأمر محال ولا
حول ولا قوة إلا بالله.
أنهى ربيعٌ وسميرٌ المرحلة الثانوية بنجاحٍ
رغم أنّهما كانا يعملان في الوُرشِ والمطاعمِ
والفنادقِ أثناءَ العُطَلِ المدرسيّة لمساعدة
أهليهم ، وكذا حال إخوتهم وأقربائِهم فكأنّهما
يشقّان الطريق لأخوتهم الأصغر سِناً لِيَسيروا على
خُطاهم ، لكن وإن سرنا على نفس الطريق فكلّ منّا
يرى صورا ً تختلفُ ، وفي مخزونِ ذاكرته أحداثٌ
تختلفُ ، وكثيراً ما تأتلف بالمعاناة .
افترق صديقا الطّفولة والشّباب جسديّاً فترة
من الزّمن بعدما تجاوزا السّبعة عشرَ عاماً بسبب
سفر ربيع إلى الأردنِّ لإكمال دراسته واختيار
صديقه سميرٌ للعمل .
حين أصبح ربيعٌ في عمّان أخذ بيده جدّهُ
لأمّهِ وصال بِهِ وجالَ بين الجامعات ، لكنّ
الجامعات لم تقبلهُ بسبب حصوله في شهادة الدّراسة
الثانويّة على علامةٍ هي أقلّ من السّبعين بقليل ،
والجامعة الأردنيّة لا تقبل وقتذاك إلا من حصل على
معدّل تسعينَ فما فوق ، فلم يكن أمامه سوى القبول
في إحدى الكليّات هناك ، واختار المُحاسبة التي
يكرهها ، لكنّه أصبح تحت أمرٍ واقع ، فاضّطر إلى
المثابرة وإكمال دراسته والعودة بشهادة الدّبلوم
إلى بلاده ، وقد تبدّد حلمه بدخول الجامعة والتي
تمنى دخولها لدراسة اللغة العربيّة التي يعشقها
عسى أن يكون شاعراً أو كاتباً أو مدرّساً لها .
فقد كان منذ صغره ذكيّاً وحصل على الدرجة
الثّانية حين كان في الصّفّ الثاني الأساسي ، لكن
لما ترفعَ للصّفّ الثّالث وهو ابن ثماني سنوات
أعْتِقِلَ أباهُ ، فتراجعت علاماته كلّ سنة حتّى
توقفت العلامة عند 68 % عند تقديمه لامتحان
الثانوية .
نصف الشعب الفلسطينيّ في الأردن وكل عائلة
تقريبا في الضّفة يوجد مثلها في الأردن ؛ لذا لم
يشعر ربيع بالغربة هناك خاصّة وأنّ جدّهُ لأمّه
يعيش هناك وأخواله وكثيراً من أقربائه ، فلم يشعر
بالغربة طيلة السّنتين التي حصل فيهما على شهادة
دبلوم في المحاسبة إلا في أواخر السّنة الأخيرة
لاقتراب موعدِ العودة إلى بلده أرّقهُ الحنين
والشّوق ، فهو لم يزُرْ أهله أثناء الدراسة ؛ بل
كانت أمّه بين الفينة والأخرى تزوره في بيت خاله
وجدّه ، لذا لمّا عاد إلى فلسطين ووصلت به الحافلة
إلى منطقة الخان الأحمر فالعيزريّة كاد أن يطلب من
السّائق الوقوف لينزل ويسجدَ شكرا لله على إطفاء
نار شوقه للأرضِ المقدّسة .
وكعادة الخرّيجين يملّون من البحث عن وظيفة
فلا يجدونها وما لبث أن عاد إلى صديقه سمير وعملا
معا في الورشات والفنادق كما الحال قبل افتراقهما
واستمرّا سنين .
سأل سميرٌ صديقه مرة : كيف تتركني يا رجل كلّ
هذه الفترة وأنت في عمّان ؟ ألم تشتقْ إليّ ؟
أجاب ربيع : والله إنّني كنتُ أتضوّرُ شوقاً لكم
ولقريتنا الحبيبة لكن ما بيدي حيلة أريد أن
أنْجِزَ شيئاً بعد شهادة الدّراسة الثانويّة
العامّة فاكتفيتُ بالدّبلوم ، ثمّ كنتُ أعمل
نهاراً في مكتب مهندس مُراسلاً وأصوّرُ خرائط
البناء الشفافة على الماكينة منزعجاً من رائحة
المادة التي تخرج من تلك الآلة وربّما كان اسمها
مادة الأمونيا تُزكم الأنف والحلق ، كانت أيّام
الدّراسة في عمّان صعبة وجميلة وكنتُ أنام أسبوعاً
في بيت جدي مع خالي وصديقي الذي في مثل سنّي ،
وأسبوعاً آخرَ أنام في بيت خالي وكلّهم لي مُحبٌّ
ومرحّبٌ ، ومن الأشياء الجميلة خروجي صباحاً من
دار خالي فأمرُّ على ياسمينة مقابل مطعم (أبو
تيسير) الشعبي ، وكانت على مفترق الطريق قبل
الشارع الرئيسي بأمتار حيث كانت رائحتها تعبق
فتبعثُ في نفسي انشراحاً وتفاؤلاً .
بدت هذه الأعوام لربيعً وكأنها سباحةً عكسَ
التيار ؛ إذ ما زال أبوه والكثير من المناضلين
خلال كل تلك السنوات في سجون الإحتلال حتى تزوج
سمير وبعده بأشهر تزوج ربيع أثناء عمله في مصنع
للقماش قرب بلدة بيت صفافا وكانت زوجته حاملا
منتصف عام 1985 وكان حَمْلاً يحملُ شفاءً من شقاء
الماضي .