( 1 )
توغلي في النشيجِ يا ربةَ الشبق ِ، فأنتِ الفتنةُ حاضرةٌ على امتدادِ مائدة الليل ، عابثةٌ بأبهةِ الرغبة ِ. اجهشي من فرحٍ حين يُخمدُ لوعةَ طفل الأرضِ أنينُ الذروةِ . أنتِ سجدةُ العناقِ المهيب ، فردوسُ الصبا الممتلئ لبناً مملحاً . تهتكي على رمقِ الظلامِ أفعىً رهيفةً مكتنزةً بشديد سمِّها . هرهرتِ دهراً لثورةِ الجسدِ حتى مزقتِ أسْجاف الذلِّ التي حالت دون التحامِ حلمين .
تصرخين :
انهض يا جابر لقد غادرَنا البحرُ ولم تبقَ غير سفينةِ الوجدِ غارقة . أُهَمْهِمُ :
دعينا على شفا الهَجْعةِ الأخيرة . دعيني أختلس من غفلةِ السَّحر لحظةً ، من الكأسِ رشفةً ومن سهام الخِلاسية قبلة ً. سهام يا سهام يا رحيق الغابةِ السوداء وعنبر الهور ، يا امتداد الصهيلِ ونزق الطفولة ، يا منبثق الشهدِ وعطر الكلام . أمن شاهقٍ حُذِفتِ إلى كرمتي أم أنبتتك الأساطيرُ في جَوْسق الماء ؟
سهام يا سهام يا مسكَ الأميراتِ وسيدة حمام البرِّ ، أهو النخلُ أهداكِ بعد سكرةٍ أم فارقكِ السِّربُ و تشظّى بك المكان ؟
غيبوبةُ جابر هذيانٌ ساحرٌ ، حلمهُ لذّةٌ مطلقةٌ ، سؤالهُ دفقُ ينابيع آسر وأجنحةٌ واثقة . لكن الصبحَ قادمٌ ونطق الشفاهِ همسُ قطراتٍ من ندىً خجول :
انهض يا جابر لقد فضحنا الصبحُ وحاصرنا الوقتُ . انهض يا حدقةَ العين قبل أنْ تمحقنا الطوائفُ ، يشبّ علينا الشعاع ، تنهشنا العيونُ وتعصف بنا العواصف .
أفاقا على بعضيهما
مالا على جرحيهما
هي قطعةٌ من رئةِ الأرضِ التي أتلفها الحنين ُ ، هي البجعةُ التي أنشأها الربُّ من كأسِ نبيذٍ وصيّرها جسداً مسكراً ، صلّى عليها وأطلقها نحو دهاليز الهباءِ المظلمة . حامت قرناً من الزمانِ قبل أنْ تختزل شساعة المسافةِ ، قرناً داعبها قهرُ الرياحِ وقرناً لفحها غيظُ الشموس حتى استرشدت بخيطِ الدهشةِ الموصل إلى جزر النماءِ . وقتذاك انتصبت فارعةَ الطول ، ممشوقةَ القوام ، نافرةَ النهدين ، مزمومةَ الشفتين ، بَحْرِيّة العينين ، همجيةَ الردفين ، غجريةَ الشَعْرِ، بركانيةَ الأنف ِ، ثمرةً وحشية ً، فاتكةً ، تمخضت عن سهام الخلاسية ، القاتلة بحبها ، فتاة المراكب المبحرة نحو المجهول ، الخارجة من سلالة القصب والفيء واللوثة ،فرس الجحيم المغيرة على بلاد الهديل والعويل ، الغازية بعدة الأباطرة والملوك والآلهة ، المزوّدة بالنّدِّ والعود والدروع والعقيق والمرجان ، الهائمة بالشوق ، الطافحة بالشهوةِ . سهام اللُجّة التي لا تمارى ، الصهوة التي لا تُمتطى ، الباب التي لا تُطرق .سهام الجسد المُحَيِّر للقلوب والبريق الذي يسلب الألباب ، الغيمة الثقيلة ، العصيّة ، الظبية الجبلية ، شوكة البرِّ النافحة عطراً التي لم يهتدِ إليها البشرُ ، الطيب والندى والزهر والرؤى العجيبة ، الحبيبة ، النبتة التي إذا ما أثمرت أنقذت أمةً من قحط وجوع ، الفاتنة ، الساحرة ، العفيفة حد الفجور ، الفاجرة حد الطهر ، العاقلة حد الجنون ، المجنونة حد رجحان العقل ، تلك سهام الخلاسية الواقعة بحب جابر المسحور . أقامت ليلةً في كنفهِ ومارست أبشع المقدسات .
***
" أيها الخلاسيون
تنفسكم شجرُ الواحةِ
وتلاعبت بأطرافكم الريحُ "
أصرَّ البصريون على إحياء تيجانهم * ، انتشلوا من الأعماقِ ما كان غارقاً ومن السطحِ ما كان عائماً وكللوا الرؤوس . مضوا في مسيرةٍ طويلةٍ يستنطقون النهر َ، الذي أوشك على النضوبِ ، عن أصل جابر . نطقَ النهرُ ومن فمهِ خرجت حوريةٌ قيل إنها سهام الخلاسية التي لا تشيخ ، لفّت جابراً برداءٍ أزرق وجذبتهُ نحو الأعماق . يومئذٍ عادت للنهر عافيةٌ وكُتب له الخلود ، ومن حينها كُنّي جابر بالمسحور وطافوا به البصرةَ مدينة الثبور والنذور ، مدينة الموت والحبور ، مدينة تلهبها سياطُ الجنِّ والخرافة ويتقاذفها ذِكرُ النشورِ . مدينة الملحِ والرمادِ ، مدينة النخيلِ والصهيل والشموس ، مدينة الصمت والهدير ، مدينة المرافئ المفتوحة على الرحيل والمفتوح عليها الرحيل ، أبوابها مشرعة للأبناء والغرباء ، شناشيلها مسكونة بلوعة الأجداد ، أرضها مكسوّة برعشة الأحفاد ، وَلُود ، مذكار ومئناث ، أغرت الغزاةَ ضخامةُ فرجِها فحبسوه في شرفات الملوك قبل أن يُقدد ويقدم وجبةَ غداءٍ على شرف الجنرالات ، ومن ذات الفرجِ انطلق نسلُ جابر الذي مازال يتغنّى بعظَمته رغم انقراض النّسل واجتثاث الجذور ، مازال عائماً في
فضاء الذاكرة الشاردة خلف التخوم يبحث عن خرقةِ المهد التي تقادمت عليها الدهور .
يقول جابرُ حين أمسك بعصفور الذاكرة :
ترفسنا الأمهاتُ ليلاً متى ما عنّت لهنَّ فحولةُ ، فنفرّ مذعورين تحت جنح الظلام . نتوجس السبلَ المؤدية إلى الخرائب . نجد العفاريت نائمةً ومن جوعنا نرضع أثداءَهنّ المثقلات . نتعب ؟ جنبَهنّ نهمدُ ، فتعفر التربةُ وجوهاً ما خلق اللّهُ مثلَها . نعود صباحاً ، ومازلنا صغارا ً ، نرى الأمهاتِ يتلمظْنَ مصلَ الأُلفةِ. إلهي أحبلهنَّ الرحيقُ .
نتساءل : ما أحبلكنَّ ؟
يجبنَ :
صريرُ الليلِ وهمسُ النجومِ .
كنّا الفطامَ فلا الماء بلَّ شفاهَنا ولا ارتوى ظمأُ . كنّا بطوناً خاويةً لا تشبعها كلُّ الضروع .
مازلنا صغاراً ننحت في تضاريس الأرضِ إذا ما انسدت الطرق ُ، ويأخذنا حرُّ الشموس غير مدركٍ أنّ جلوداً على أجسادِنا تحرشفت ولم نهن .
بينما الآباءُ في سفرٍ .
بينما الآباء بالهمِّ انشغلوا وبذاتِ الخلاخلِ توهموا حتى تورمت أسافِلُهم وأخذتهم الغوايةُ بعيداً عن مداركنا .
ومازلنا صغاراً ، أتقدم الِصِبيةَ الذين لم تختلط مياهُ آبارِهم في قعرِ الرجولةِ ، أقودهم حتى عتبات الكفرِ ويشطُّ بنا الخيالُ الفاجر ، عبثاً ندغدغ صدرَ صبيةٍ وعبثاً نسفح بذرَنا في أرضٍ عاقر .
اذهب يا ولدي ـ هكذا قال أبي ـ استعر لي ربطةَ عنقٍ من خليل كي أحضر الجنازة . لم أطرق باباً ، انتظرت فضولي ينفذ من وراء اللوح ، رأيتُ خليلاً مرخياً ساقيَّ امرأته على كتفيه ويدخل جسدها الممتلئ مراراً . كان جسداً فتياً ، بضّاً ، ليناً ، بينما الصراخُ ينطلق على شكل رشقات مختلفة الوتيرة . لم أطرق باباً . أقسمت ألاّ أطرقه ولو ذهب أبي بدون ربطةِ عنق حتى تتم الطقوس . فهمت ، لكنني لم أفهم صراخَ المرأة إلاّ عندما قبلتهُ وخمدت . بعدئذٍ فهمت أنّ للعبةِ أصولاً لم يرتقِ إليها وعيي .
ومازلنا صغاراً نقف على بابِ المأتم * نعدُّ الداخلات ، كنَّ بالعشرات . قطعان من غزلان البرِّ تسفُّ في أحداقِنا .نساءٌ بالهاشميات لم ألتقِ بهن في حياتي ، فتيات لم يخطرْنَ على بالي خُلقْنَ من عاج ومرمر ورياحين . صدورٌ ظلت تصرخ في وحشتي : اعتقونا أعتق اللّه بريقكم ، تنتفض تحت الشفوفِ مثل عصافير أسيرة .
لم نكتشف تلك الكنوز إلاّ بعد فوات الأوان .
ما أجملهن بتلك الثياب السود !
وقتذاك أحسُّ بدفق ينبوع دافئ يخنقني ، اجتياحٌ لجسدي المغمور حرّك فيَّ أشياء مهملةً ، مندثرةً . تخرج فاطمة تنادي :
تعال يا جابر قُم بدور القاسم *.
لماذا أنا .. ؟
لأنك أجملهم .
وهل كان القاسم جميلاً ؟
لم تجب .
أقبل العرضَ . أدخل بين تلك الأجساد المتفجرة . براكين تنفث غيظها دون رقيب . تلتهمني عيونٌ إذا انطفأ الليلُ يغترف من سوادها ظلاماً . أتزين بأيدٍ ناعمةٍ وسط ضحكاتٍ صافيةٍ ، نقيةٍ ، وخارج غرفة الزينة كانت الشعورُ نافحةً .
أسأل بسذاجة :
مَنْ ستكون سكينة ؟
يأتي الجوابُ قاطعاً :
سهام الخلاسية .
نخرجُ في ساحةِ المأتم ، يبدأ العويلُ وكأن التاريخ يعيد نَفْسَه كمأساةٍ هذه المرة أيضا ً. تندلق كلُّ الصدور على كتفيّ وكل الدموع على هامتي .
ما أجمل اللحظات !.
ينتهي دوري .
أعلم أنّ النساء تستميلني وينبذني الرجال .
يصرخون :
ابعدوا جابر المسحور عن صِبيتنا لقد أفسدَ ما في نفوسِهم . أُبْعَد ولم أدرِ ما ذنبي . لعل اللّه خلقني على قدرٍ كافٍ من السحرِ فاستثار غيظهم وألهب غيرتهم . أهرب إلى بيت خالتي التي تمنحني قدراً من الحنوِّ ، أجد عندها حليمة العذارية . كانت أجمل ما يكون وأطرى ما يكون وأنفس ما يكون . امرأة يافعة جُبلت من زبدةٍ ممزوجةٍ بالطيبِ : شعرٌ نُسِجَ من حرير ، فمٌ عقيقي ، شفتان ناريتان زُمتا على هيئةِ كرزة ، عينان زمردتان تسبحان في قاربي جُمّار ، بطن ضامرٌ على قامةٍ رهيفة ، حليمة طلّ الصّباحِ ، فارقها زوج قبل حين . رأيتها تكشف عن حِرِها ، تلطمهُ وتندب باكيةً : انظري إليه كم هو جميل ، لقد بات محروماً .
أقسمُ إنه كان جميلاً ، عشاً هائلاً لم أرَ مثله فيما بعد . كم أسفت على صغر سني حينذاك . لو أطلقت شكواها الآن لطالبتها بفك أسرهِ وليذهب الخجلُ إلى الجحيم .
مازلنا صغاراً تغرينا التفاصيل وتعترينا رعشةُ الفرحِ حين يموت المهرُ من بطشٍ . نفتُّ كبدَ الطيرِ بين شراكنا ونلوي رقابَ الفواختِ في الأعالي . نُجمّر النخلَ حتى شخيره ونهتف بالسائلِ حتى يجن .
ما أبشعنا .. !
ما أتعسنا .. !
وما أقسى قلوب الصِبية حين تجلمدت .. !
من الحرِّ يأخذنا الرُعافُ غفلةً وبظلِّ النخلةِ التي قتلت نحتمي .
ما أنذلنا .. !
نغطُّ تحت البطِّ وهو سابحٌ نحزُّ رقاباً ونرمي أشلاءً للقوارب .
ما أبخسنا.. !
نردحُ على قبرِ بهية وننعتها :
يا العاهرة ..
وبهية قبل مولدنا بنصف قرن دفنت . اغتيلت غدراً . لم نرَ بهيةَ لكن نصال الغدر لاحقتها إلى القبر . قالوا كانت من الحسن فاشتهاها كلُّ الرجال ولم تزنِ إلاّ بواحد . قتلت بهية أمام الخلقِ دون رادعٍ . لكن بهيةَ المغدورة قتلتها الغيرةُ ، ذبحها الحسنُ لا الزنا .
ما أنجسنا.. !
ما أسوأ انفلاتنا حين نعمقُ لدى المجنون جنونه ولدى المعيوه عاهتَه . نرمي المحصنات بالشرر ونلهو بالنميمة حتى تتفجرَ الفتن ُ. أتلك براءة الطفولة ؟
أيُّ براءة يا إلهي هذه فلا تقدم على أفعالِنا الجنُّ ؟
***
" إذا نسفنا جسورَ السكينة
زمجرت الفجيعةُ على أبوابِنا
وصرنا للموتِ رهينة "
***
أفقنا صباحاً على موتِ المصور الجوّال
كان ملقياً وسطَ ساقيةٍ خلف مدرستنا
قيل انتحر وقيل قتل
لكن المصور مات وبقي التجوّال
فزع الحيُّ عن بكرةِ أبيه :
المصور مات ..
المصور مات ..
مات المصور الجوّال
كان جميلاً مثل طيرٍ فردوسيٍّ
هادئاً كالنبعِ
دافئاً كشمس الشتاء
حُمل على خرقةٍ سوداء . في الدارِ اجتمعَ الناسُ وغصَّ الشارعُ بالمعزين . لم أرَ في حياتي أباً ينتحب على ابنه كنحيب أبيه . بكى بكاءً دامياً انفطرت له قلوبُنا .. صورة لا تفارق مخيلتي مادمت حياً هي صورة الأب . رجل في الستين جفَّ واقفاً خلال ساعةٍ ولم يبقَ لديه سوى النحيب . عصراً حُملَ على الأكتاف .
رحل المصور الجوّال وبقيت الكاميرا
لم يترك صورةً واحدة ً لشوقِ الشريطِ الأسود
ودّعَنا المصورُ الجوّال
ودعنا الذي لم تكتمل صورته بعد
ودعنا في ضجيج الدهشة وذاب
غادرنا محملاً بالأسرار
فجعنا موت المصور الجوّال
صدمنا موتُ المصور الجوّال
أفزعنا موتُ المصور الجوّال
أيقظنا موتُ المصور الجوّال
أفقنا . . . . . . . . . . .
ربما كبرنا
سهام غارقةٌ في بحرٍ حريريٍّ من الانتظار تهادنُ الليلَ ، والليل اقتلعه موّالٌ حزين ، فحين استوحش النخيلُ ضاقَ ذرعاً بتيجانه ، عبَّ من كأسِ مجدهِ التليد جرعةً وغادر الوقارَ . غادرَ هيبةً وثمل. ثمل النخيلُ وغنّى . أطلت الشرفات ، التي نَحَتَ الظلامُ أعناقَها ، بقمصان نومها . تعثر النهرُ وأوعز لجارياته أنْ يتقنَّ درساً في الغناء . ذلك ديدنُ النخيلِ الذي توّجه البصريون مليكاً للطربِ . أتظن سهام أنَّ الليلةَ ستضيع من جابر المنذور لصهوتها وهي انسياب الخمرةِ في ربيع العيون ؟ ، هي الدرةُ التي انكشفت أسرارُها وضيعت مغاليقها ، وهي المهرةُ التي انتظرت فارساً يتدلى من الثريا ويمتطيها . رُفعَ سجفُ الوحدةِ . جاء جابرُ ، عانقها . نطقت :
انتظرتك يا إله الغوايةِ تستدرجني إلى رحم المعصية ندور في أفلاكه . فلولاك لهلكت نضارتي واعتصرتني غربةٌ ولولاك لهجّت ظبائي من جدب ، فأنتَ ضعفي وقوتي ، أنت الهدير إذا ما سكنت مياهي وأنتَ السكون إذا ما عصفت رياحٌ بواحتي ، أنت فردوسي المرتجى وحنيني إذا غابَ الأهلُ والصحبُ . خذني يا جابري إلى تخوم الغيم فقد لهث جوفي ونكئ جرحي ، خذني واسلمني للغبش الزاحف خلف أسوارنا ، مضمخةً بالشهد .
قبّلته ، نمت وردةٌ على الثغرِ وانتصبَ غصنُ . أطلقت سمرةُ الأجسادِ فحيحها في طقس دافئ مكللٍ بالندى . قبّلها ، نما العقيقُ على التينِ . اضطرمت نارُ الشوقِ في غابةٍ وحشيةٍ سعت إلى تمزيق الوسائدِ . أخذها ، انعتق الصدرُ من قيودهِ . قفز النهدان إلى الضفافِ وتبرعما . زفرَ الأنفُ دفعةً من لهبِ نفذت إلى مخملِ الجسدِ . بحث في نهر الصلاةِ عن جوهرةٍ أدمنها خيالُ الخلقِ ولم يباركها خالقُ . دبّج الحريرَ بمياسين وهجه . كان ا جتياحاً وكانت مدينةً تداعى حصنُها . جسَّ فيها نبعَ الحياةِ فكان رقراقاً . تنهدت ،
ارتجفت شفاهٌ وأطلقت الحناجرُ أنيناً مُبخراً . توغلا إلى أعماقِ الغابة العذراء . أطلا على حافة الانطفاء . انزلقا في همهمةٍ وساد ارتجاجُ . بعدئذٍ أفاقت ، نظرت إلى عينيه السوداوين الكبيرين ، إلى جسدهِ الفتي ، وجدته غارقاً في الصمت . رددت :
أيها الخلاسيون أخشى أن تكتب عليكم اللعنةُ وتنالكم الذلّةُ . بكت .. بكت سهام بكاءً حارقاً . أفاق جابرُ من غيبوبةٍ لذيذة . تساءل : ما أبكاك ؟ أجابت : لن أتركك في رحلة العمر . قال : مازلتِ خائفةً وقد كبرنا وكبر معنا الحلمُ . قالت : نعم فكلما مرّ وقتٌ أدركْنا حطاماً ويدركنا بعد حينٍ زوالُ يأتي على الوشائجِ . رحل في صمت مهيب ، تأفف . تساءلت : ما بك ؟ أجاب : ذاكرتي تؤلمني ، ذاكرتي تقاتلني ، ذاكرتي تستدعي المدفون ، الغابر ، المنفيَّ والمهاجرَ. لا أدري كيف يكون المرءُ سعيداً إنْ عاش بذاكرة . ؟ هنا المقتلُ هاهنا ، فحين مات المصور الجوّال استوقفنا التواريخَ وفصلّنا المراحل : مرحلة ما قبل موت المصور الجوّال ومرحلة ما بعد موت المصور الجوّال . وقتذاك رحلتِ يا سهام عَبْرَ الخليجِ ، أخذتك المسافات ، نأى بك الموجُ وضجيج الهنود . وجاءت الأخبارُ : قيل تحطمت سفينةٌ وماتت خِلاسيةٌ لم تُنتشل من الأعماقِ أسرارُها ، وقيل بل نهبت من البحرين تاجراً أجنبياً ، وقيل عادت إلى الماء حين جنَّ جنونُها في خليج عُمان . وقتذاك كانت البصرةُ سجناً كبيراً سياجه القحط وآلاف الجنائز. هاجمنا الجرادُ الزاحف الطائر* . أتى على زرعِنا وجفَّ ضرعُنا . نضع أكياساً
من الخَيْش بوجه الهجوم فتمتلئ بلمح البصر . نقتات على الجراد و علينا يقتات الجرادُ . وقتذاك صارت البصرةُ أضيق ما تكون ، أمست النَّفْسُ أوحش ما تكون .
لم أهجع لحظةً ، أخرجُ مع الأسْحار أترقبُ السفنَ الوافدة ، أسأل عمالَ الموانئ عن امرأة عادت في المخيلة علّها تعود على ظهرِ سفينةٍ عمياء . وقتذاك سخرت مني أرصفةُ الموانئ ، ضحك العمالُ وتجهم بوجهي الداكير*. وقتذاك قالت الملأ جنَّ جابر المسحور لفقدانه الخِلاسية ، وانفضَّ عني الصحبُ . أصرخُ في الهزيع الأخير : تعالوا يا أصدقائي السفلة .. تعالوا يا أحبائي الذين تقذرت وجوهُهم وسملت عيونُهم ، يا أبناء الملاّيات ، العاهرات ، الشيوخ ، والمهربين . تعالوا فأنا ثملٌ الليلةَ وبابي لم تطرقْها بغيٌّ .
تعالوا يا أيتام جلاّد وآباء قتلة ، أُبصروا في وجهي المغادر حمرةَ نسائكم . اسمعوا في أُذنيّ أنفاسَ بناتكم ، تعرّفوا على دمي الشهيد في شرايين أبنائكم . تعالوا يا أصدقائي القتلة . امضوا إلى حجرتي المقفلة ، ستجدون رأسي من أعلى السقف متدلية .. تستجوبكم ؟ نعم . تعالوا أبصروا روحي وقد تضرجت قدماهُ بعشق الرحيل فأنا منذ الشفق أحتسي من قعر بئر مودتكم بياضَ عيونكم . يا أحبائي المُنْفَضين عني ضموني إليكم ، إلى نحلتكم ، لكي أعلن أمامكم :
أنا ضالتكم .
ثم اكتشفت أنني لم أكن ضالةً لأحد . لم أكن لقيةً لأحد ، لم أكن أحداً لأحد . لم أكن شيئاً سوى نار الجوى تلتهمني .
مرَّ عامٌ عَبَرْنا الموتَ بأعجوبةٍ وعَبَرَنا الموتُ إلى جهةٍ أخرى بعدما حَصَدَ منّا ما كان في نفسهِ . مرّ عامٌ ومازلت هائماً ، قلت ستخرج من بين أصابع الدخان إنْ ضيعت سبيلَ الماء . انتظرتُ وانتظرتُ و انتظرتُ . وذات هاجرةٍ التهمت النارُ سوقَ المقامِ * ، تصاعدت ألسنةُ اللهبِ إلى السماء . فرحتُ . مَنْ يصدق ؟ فرحتُ لمشهد النار وانتظرتُ ظهورَك من أعلى قبةِ المسجدِ ملفعة بالأزرق المائي . الناس تسعى إلى إخمادها وأنا أسعى إلى أجيجها ، أتت على كلِّ شئ حتى لم يبقَ في السوقِ سوى الرماد ، لكنك لم تظهري . خزي هذه الذاكرة اللعنة علّها تنجبُ وحمةً تشوه الجبين وتكفّ عن اللهاث . اطعنيها حتى تنطفئ ، فبريقها يعذبني . وقتذاك أوقدتُ الشموعَ حتى أحنى الانتظار قاماتِها . سكنتُ الشرفات التي بايعت الليلَ مليكاً وخذلتني مراراً . سامرت الليلك على كأسٍ ملأى فملّني ولم أمل . جاورت نزيفَ السكونِ حتى ملّني وهجرني ولم أََمُل . في غيابك غادرتني المراكب ، أقفل البحرُ بابَهُ والموجُ شدّ
رحاله . ملّني ، ملّني ولم أَمُل . وقتذاك جعلتُ من السواقي نديماً لكنها سلكت سبيلاً قاتلةً .. جاوزتني ، خلعتني ولم أَمُل .
اقتربت سهام ، احتوت رأسه بين ذراعيها، همست :
لكنني عدتُ
كيف وبعد ماذا ؟
عندما لم أركب البحرَ
. . . !
* * *
فجرُ البصرةِ نشقةُ العاشقِ لنحرِ الحبيبة ، يأتي ضيفاً خفيف الظلِّ لأداء التحية وفي عينيه دمعة . غلالةُ عذراء لا تمكث لحظةً إذا ما اجتاحتها نسمة . يزفُّ النخلَ للريح ، يُسلم الأجسادَ للماء فيغويها وتستعذبه . فجرٌ إذا أطلّ تفوّه الندى عذوبةَ النعناع وتنفس الحنينُ في صدور الفواختِ ، مخضبٌ بزفيرِ الوصلِ وخشخشةِ الأقراطِ . مفرود الجناحِ للقادمات من أعلى أكتاف السهر. فجرُ النواطير وذوات الحجول الذاهبات إلى آثامِهنَّ يتضوع من ثيابِهنّ العطرُ . فجرُ الطقوس التي لا تشيخ والنداءات التي تُطلقها الأمكنة. فجرُ الصِّياح ، النّكاح ، النّباح ، النّهيق ، الثغاء ، الرغاء ، البغاء ، الهمس ، البكاء ، الزقزقة ، والهديل ، فجرٌ خِلاسيٌّ لمدينة الخِلاسِ . فجر سهام التي تستقبل قرعَ الطبولِ بطول لسان ولم
ينفع مع الزعيق الذي شقّ عنانَ السماء :
أخرجيه أيتها الزانيةُ ، اخرجي جابر المسحور .
ترد بغيظ :
يا أبناء العاهرات ، لن أطرد مَنْ صار عقلي وروحي ولو تزلزلت أرضكم وانقلب عاليها سافلها . ينفضّ الحشدُ بينما جابر يتوسد ذراعاً واثقةً ويهمس :
شهوة ستهلك جسدَ الفجرِ
سينجب صبحاً عبوساً
ليس ككل الأصباح
ستُقتلع عيونُ الأشياءِ
تفوهتِ المدينةُ حجارةً طائشةً رشقت بريقَ الحُجُراتِ وتناثرَ حطامُ الزجاجِ على المزهريات المسالمة ، تجرحتْ وجناتُها وغمرها النزيفُ . زفرت ريحاً مغبرةً تنادت من أعماقها . اختطفت صياحَ الباعةِ ، جلبةَ الأطفالِ ، لغطَ المارّةِ ، أنينَ العرباتِ ، وضاع في أدراجها الضجيج . لم تعُدْ سويةً حين لفظت أحشاءَها وأدركها الخبلُ . لم تَعُدْ بتولاً حين أُججت شهوتُها وفارقت شروطَ كمالها . لم تعد صمتاً مبجلاً حين أدلت بدلوها :
للعذارى الافتضاض ، للأمهات الحاملات الإجهاض ، للأعناق البريئة القطاف ، للهمس الصمتُ ، لجابر المسحور المصادرة من جوف الفرحة . اندلعت الفتوى في إثر الشهوة ، من صدر المدينة التي جُنّت آخر الصبحِ وكان الصبحُ حزيناً . تفتق الذهنُ عن بلوى وطغت في حالةٍ فريدةٍ من حالات غضبها . هل هي البصرة ضيعت ياقوتةَ العقلِ في بحرٍ من دخان أم هي الصرح الذي تلوّى ألماً أمام جدار التحضّر ؟ تلك بدايةُ الفتكِ . ستدخل نفقَ القتلِ ، ماخورَ العهر . سيدةُ النهرِ ستغادر عرشاً ممتشقة نصل سكين ، ستكف عن التلويح للأحبةِ بأكفٍّ مخضبةٍ ، لينةٍ ، ستهبط من عليائها استعداداً لخوض حرب ضروس . ضد مَنْ ؟ ربما سئمت ترنيمةَ ( الهيّالة ) عند الفجر ، ربما ضاقت ذرعاً بهمس العشاق
عند الشاطئ ، ربما كفرت الشرفاتُ ، ربما أغاظها توالد الأشياء ، ربما أغواها إلهُ الذبحِ . لكن كيف ستمنح للأبناء موتاً جماعياً مطلقاً وتتساقط الأسماء من على جدار الرحمِ . هل هي البصرة ارتقت سلم الجحود وفقدت إحساس الأمومةِ أم هي القارةُ ، البلد ، المدينة ، القرية ، السلطة ؟. قطعاً ليست البصرة جسدَ الحنين المرتعش ، الناثر رحيقاً على الهام ، هي الملاذ الذي أُستلِب توّاً وشُوّه توّاً فنفخ ببوق التخبطِ أصواتاً حاقدةً . باغتت العقلَ رجةٌ أفقدته الصواب فأعلن طغيانَ الموت ، جعله يتجحفل أمام ضعف الخلق ، جعله يمسح الشوارعَ ، الأزقة ، البنايات ، جوف الغابات وأعماق الأنهار ، يخترقها بموسىً حاقدةٍ وقدرة جحيمية ، يتابع الخطوات حتى إتلافها ، النّفس حتى إغراقها ، والموجة حتى تشتتها . هو الموت يختطُّ جدران الإبادة أمام صمت الزمن الكالح . هو الموت يُطلق زفيرَ الفجيعةِ حتى مقاربة أجنحة التخوم أملاً في إرضاء الشهوة . هو الموت يصفر في رأس جابر الذي فرَّ من قافلةِ الضحى الماضية نحو الهاوية ، تقودها الخِلاسُ * إلى أبوابِ الهجيرة ، ووارثات الظلامِ يخرجْنَ عارياتٍ ، يتصدين لبريقِ
سيوفٍ بغيظةٍ في غياب الباصرة . وارثات الظلامِ يدكنّ اسفلتَ الهجيرةِ بأقدامٍ حافيةٍ . ظباءٌ متوحشةٌ هجّت من أحراشها حين طاردتها الحرائق وملأ رئاتها دخانُ العداوةِ . خلاسيات نشرنَ ظلالاً حين تمايلنَ كغابات خَيْزُران بوجه الشمسِ ، أَعلنَّ النّفيرَ وتقدمْنَ يشققن السماء صراخاً رافضاً . أثداءٌ سمراء اندلعت متمردة تاركة الحلمات لأزيز العيون . أجسادٌ برونزية غمرت الطرقات بطوفان العرق الناضح من أقصى المسافة . رجالٌ أغوتهم الترانيمُ حتى امتلأت محاجرهم دمعاً انضموا خاشعين لثورة النحاس**. صِبيةٌ وصبايا اختطفهم اللمعانُ وأججت شهوةُ الرفضِ فيهم نارَ صدورهم . بيوت أُفرِغت من سكانها بعد غزوة الخجلِ الذي ضمّخ جباهَهم . أوكار أوحشها الطيرُ الذي داهم عينَ النزوةِ المحرقة وسدَّ فوّهتها . زحفٌ مجنونٌ مباركٌ اِنطلقَ فجأةً . سهام الخلاسية الغاضبة تتصدر هذا الزحف حتى يتجلى اجتياحاً بعد انحسار الغبار . أصنام المدينة تمترست خلفَ هلعِها وأطلقت ناراً همجيةً نحو الصدور .
اندفعَ النزيفُ : نهدٌ تمرغ بوحل الطريق ، وهوت قامةٌ . خرَّ صبيٌّ وزعقت طفلةٌ . نزَّ جرحٌ وخُلِعتْ جبهةٌ .. تبخر النهرُ .. جفَّ النخيل ُ. الويل للمدن الخائنة ..!
تشتت الجمعُ . أُخليت الساحاتُ . لم يبقَ سوى النشيج ، سوى اللهاث ،سوى النكوص ، الارتداد .عمّ المساءُ ، نعق البومُ ، والخلاسيات عُدنَ بأفخاذٍ داميةٍ ، نفوسٍ منكسرةٍ وعيونٍ متورمةٍ . ـ عوقبنا على فعل الزنا
قالت سهام في غمرةِ الألم ، وكان المساءُ ينأى بالأشياء بعيداً نحو جوفه ، احتضنتُ جابرَ المسحور ليلة البارحة فطار عقلُ المدينةِ ، أُستُفِزت وأحالتنا للشرائعِ ، تلك أسباب المحنةِ . لا أحد يسمعُ سهام. تشرذم القومُ بعد أن عصفَ بهم الذهولُ . التفتت من حولِها ، لم تجد أحداً . أجهشت بالبكاء وراحت تهذي هذياناً مرّاً :
سوف تأتي المراكبُ من أعالي البحار ، من أقصى الدُنى . سوف تأتي وقد أتعبها الثقلُ ، أنهكتها المسافةُ ، حينئذٍ تبحث عن مرسى ، تتوجس سبيلَها إلى الشلهة وهناك تعانقُ غابةً زرقاء ، زرقتها داكنة ، ربما أدمنت الزرقتين مثلما أدمنت قذارةَ المهربين ورائحةَ البضاعة . ستخرج أشباحٌ ، أنتَ لا تعرفها يا جابر، من عمقِ
الظلمةِ وتطلع سطحَ المركب ، تفرغ حمولتها الممنوعة ، تُخفيها بين الأدغال ، عندئذٍ سترتعد خوفاً يا جابر. لا تخف يا جابر فالجزيرة آمنة ، أنا أعرفها لا تمرّ في سمائها نسمةٌ غريبة ولو تضافرت ضدها كلُّ الدُنى مافرّطت بدخيل . لقد أُبِدْنا يا جابر والبصرة لم تَخُنّا لكنها المدينة أرادت أن تُجهزَ على أحلامِنا الراقصة في الشرفات ، أحلامنا التي مازالت تتوالد منذُ البارحة ، مازالت تتلذذ بعبق روائحنا ، مازالت في انتظارنا . ما أجمل البارحة !.. ما أرق أحلامنا !..يا جابر لا تستعجل الرحيلَ فأنا قادمة . أَعِدك أنني قادمة . سأنتحل رشاقةَ الغبش وأرفُّ بين جفنيك . سأسمع منك حكاياتٍ لم تقُلْها عن دروشةِ المصور الجوّال. أعِدُك أنني قادمة . لقد آخيتُ الطيرَ الذي يحملُني إليك . الآن إنْ شئت ، لكنني أخشى فزعك ، أخشى يقظتك ، أخشى الدمعةَ تصلب في بحر عينيك تعبيراً عن غربة محتملة . يا جابر لا تستعجل الرحيلَ ، فتمر الجزيرة لا ينضب ، ماؤها وفير ، سكونها مطلق وحضنها دافئ كحضن هؤلاء الذين عادوا خاسرين من معركةٍ غير متكافئة خاضوها من أجل حريتهم . أعِدُك أنني قادمة فلا تستعجل الرحيل .
***
" طفلٌ عبثَ بكبدِ الحوتِ
عندما كان الماءُ رقراقاً
قال الكبدُ :
ستُغضِب الأعماقَ"
في كوخٍ صغير يحطّ مثل طائر غريب على بطن الشلهة مكث جابر . بات ليلةً مترعةً بالقلق والخوف والترقب .
في كوخٍ رماديٍّ لا يعرفُ النورَ ولا اختلجت في فضائهِ ذؤابةُ شمعةٍ ، قيل لجابر تَوَحّد والظلمة فمِن قلبها تنتزع الخطى الغريبة ولمّا يأت الصبحُ تحوّل إلى ظلٍّ من الظلال ، فهنا لا تسمع سوى أنين أزليٍّ من صرير الليل ، عزف النخيل ، إيقاع الماءِ ، نواحِ اليمامِ ، طرب الطيور ، وبعض من أصواتٍ ستألفها مع الوقت . وقيل له لا تبتعد خطوةً أكثر من مبتغاك لكي لا تزرع الشك في قلب الجزيرة أو تهتك سترَها، فالشلهة تتجول عاريةً عادةً . تمضي إلى النهر كلَّ صباح ، ترتمي بين أحضانه زمناً ، ترتوي ، تتطهر ، ثم تعود منتشيةً وقد علِقت منه أثماراً وجداول . تلك الوصايا حفظها جابر. تلك الوصايا أينعت في ذاكرتهِ . تلك الوصايا ، القيود ،هزمت صبرَه ، ثلمت قطعةً من فؤاده . تلك الوصايا تحولت صيحةً في أُذن سهام ، التي راحت تستنشق طيبَ الرقبةِ وتلثم الشفاه :
لن تصبح الجزيرةُ سجناً آمناً ولو ازدحمت بأشلائنا الأرضُ وبأرواحنا السماوات .. سنبرحها في الحال ، فنحن لم نأتِ فعلاً نستحق عليه العقاب َ، والمدينة تقتص منّا لأننا نشرنا الحبَّ على أسطح المنازل فأغاظتها الرائحة . تباً للمدن التي لا تحرس نطفةَ أبنائها وتباً للأرض التي تضيق بنبتِها . من هنا أستوجِبُ الخلاصَ غير نادمٍ على بعثرة التفاصيل ، فحينما ارتقت إلى كتفي البصرةُ وقاربت أنفاسُها أنفاسي سلبوني أنفاسَها . هل اختزل موت المصور الجوّال تاريخَ البصرة ؟ ربما . سكت فجأةً . أنصتَ إلى صوتٍ شجيٍّ ، رخيمٍ قادم من البعيد ، من عمق الغابةِ .
تساءل :
أتسمعين ؟
أجابت سهام :
إنه صوت صاحب الكوخ صانع الشَّباك .
قال :
ما أعذبه وواصل الكلام :
سعى المصور الجوّال إلى وضع البصرة وتأريخها في صورة واحدة . يخرج ليلاً يترصد نموَّ الأشياءِ وضمورَها . يصور أحياءَ تنهض فجأةً لتختفي قبل طلوعِ الصباح ، لم تعلق في ذاكرةِ أحدٍ لكنها علقت في ذاكرة الكاميرا . يدخل الحدائق ، يلتقط حمرةَ العيونِ والهمس الممنوع . يلج الحانات يسجل أجمل تهويمة ، يختطف من دور السينما ما يجود به الظلام . يقتحم الملاهي لتتنفس
العدسةُ زفرةً من أنفِ فرسٍ جموح أو تختلس رعشةَ فخذٍ ورديةٍ . يجوب الخرائب ، لا يترك لوطياً كان قد غمرهُ الليلُ ببللٍ ثقيل ، أو خارطةً على جدارٍ متداعٍ رسمتها مثانةُ سكران . يراقب الأنهارَ ، لا يفوته جنوحُ زورقٍ أو هامةٌ بريئةٌ سدرت مع التيار . كان المصور حاضراً على امتداد الليل ، وكان حَذَرٌ من كاميرته قد عمَّ المدينةَ إثر التقاطه لحظة لشرطيٍّ اغتصب طفلةً في سن السابعة على كورنيش المدينة بعد أن زاغت من ذويها . لا تسرحي بعيداً . ففي حدقتي المصور الجوّال ازدحمت الأسرارُ منذ واقعة الجمل حتى انشراخ النهر ، لكن المصور مات وماتت الأسرارُ . سكتَ ثانيةً . استمع لصوت المغني صانع الشِّباك . قال : أشجاني صوتُ الرجل ، وتابع الكلامَ :
فجراً يعودُ بضجيج العدسات
فجراً يُسمَعُ على الرصيف وقعُ خطاه
فجراً تقرعُ الأبوابُ
ها قد عادَ المصور الجوّال وفي عينيه شفّت الأنحاء :
هاهي صورة لحريق اندلعَ في بيت الرخام
صورة لبغيٍّ طاردها الليلُ
صورتان لضالٍّ مزقه الرصاص
صورة لبائعة القيمر تلوكها العجلات
بضع صور لأنثى تلتصُّ ذكراً في الظلامِ .
عشرات أخرى عانقتها الفجيعة .
الليالي تمرّ وساعاتها تَمور . صباحاً يهجع المصور الجوّال ، تتناوشهُ الكوابيسُ :
عادَ الغجرُ بقتيل
غابة هجرها النخيلُ
جنازةٌ تبحثُ عن رمسِ
موكبُ عرسٍ يتخبط في شرنقة من حرير
أمهات يقفْنَ على أبوابِ السجن طابوراً يحسبْنَ السنين
مرضعات أرامل ُ، يتوزعْنَ الأرصفةَ يَسْتَجْدَينَ الرغيف
يتامى يتزاحمونَ على وهم المأوى
أموات يحلمون باستنشاق الرياحين
أب يبيع طفلَه لقاء قوت يومه
الفاو يُصلبُ على أبواب الخليج فوق سارية
الزبير يرحل عَبْرَ الصحراء إلى جهةٍ مجهولةٍ
القرنة تتخلى عن الملتقى بعد مرضٍ عضال
الملحُ يزحف إلى وجه أبي الخصيب الذي لم يَعُدْ خصيباً
التنومة أعطت عجيزتها لأعجميٍّ قبل صلاة الفجر مقابل صمته عن زندقتها
طوائف من جميع الأديان فرّت من المعقل والجبيلة والطويسة والخندق باتجاه غيمة في السماء . زحف أهل الأصمعي والصبختين وحي الحسين والنظران والقبلة والسيف وباب الزبير نحو البحر لابتلاعه فابتلعهم البحر.
هل مات حقاً المصور الجوّال .! ؟
ينصت ثالثةً لصوت المغني صانعِ الشِّباك قال :
لقد فجرت مرارتي يا هذا . تنهد وواصل الكلام :
تلك الكوابيس كانت صوراً ومن أسراره المودعة لدى الكاميرا . مات السرُّ
اصطفاه اللّهُ فتياً ليعطيَ فتيانَ الجنّةِ درساً في النبل .
كفّي عن النّواح يا سهام .
قالت :
لن تبرح الجزيرةَ فهي آمنةٌ .
أجاب :
بل أتركها في الحال فلا أمان مع المحذور والمحظور .
***