( 4 )

4 0 00

( 4 )

" مَسّني البردُ

على الطيفِ أطبقتُ الجفنَ

ومضى الطيفُ حزيناً

مسّني الدفءُ

والذكرى انسربت ماءً

في رملِ الوحشةِ

مسّني المسُّ

حجارةٌ ثقبت رأسي في سماءٍ غريبةٍ

هل عادت المراكبُ بأشرعةٍ بالية

أم أُحتِجزتِ الربابنةُ

على أيدي القراصنةِ وذرفت دموع التيه ؟

مسّني الليلُ

وضعتُ في بحرٍ من نشيج "

* * *

دقّت الأعْرابُ البابَ

وجابر يمنحُ للحُجرةِ ضوءاً

يكتبُ لُغزَ الحوريةِ في صمتِ الدارِ

افتحْ يا جابر فالضحى قَبَّلَ وجناتِ الوردِ

هتفَ الدفءُ في السيقانِ

وانعتقت أجنحةٌ أسيرةٌ

افتح أيها المسحورُ

بللٌ أهلكَ الشعاعَ من عَرقِ الرقصِ ، فتمردت شعورٌ وطحنتِ الصبايا صخورَ العفّةِ برحَى التهتكِ . أخرج يا جابر يا بئرَ الأسرار وكهفَ المتاهةِ ، فالمدنُ أفرغت ساحاتِها لصلاةِ الحبِّ .

جابرُ يخرجُ برؤىً مثقوبةِ السطحِ ليرى القارّةَ تحتلبُ الشمسَ بولهٍ غريب وتلامسُ أثداؤها أفواهَ المخملِ . ففي أعظم مهرجانٍ للحبِّ * ، أغلقَ شبّانُ أوربا وجه المدى بلهيب الجسد العاري حتى أدمنتِ العيونُ بريقاً . جابراً تحفُّهُ الدهشةُ ويفرُّ ، يرتقي عمودَ النصرِ ليشرفَ على بحرٍ بشريٍّ متلاطم الموجِ ، بحر من كتلٍ

لحميةٍ مُتدافعةٍ ، تُطلقُ إلى الفضاءِ ملايينَ الأذرعِ ، فتتمايل مثل رؤوسِ سنابل تداعبها الريحُ ، وإلى المحاجرِ كوناً من قِبابٍ مذهبةٍ* يسفُّ في الأحداقِ ويكتسحُ الذهول . فتياتٌ وفتيانٌ ينجزون في شارع السابع عشر من يونيو ما عجزت عنه العقولُ المنخوبةُ منذ انبعاثِ الخليقةِ ، يطمسونَ تحجُّرَ القرون برقيِّ البدائل الأليفة ، حيث انشغلتِ التواريخُ بالقتلِ والسبيِّ والإبادة في حروبٍ لا خاسر فيها ولا رابح ، يهزمونَ الكوابحَ التي مدّتِ المسافةَ وأتلفتِ الرؤيةَ عند حدودِ البواباتِ ** ، يحاصرون الأحقادَ بِريّا الشفاهِ وارتجاجِ الصدور ، ويزيحون مساراتِ الرياح السود برقصاتٍ متمردةٍ ، علنيةٍ ، صاخبةٍ ومباركةٍ ، ثم يملأون الفراغَ ببذور الودِّ ونفحات الطيبِ . إلهي إنهم يهبّون إلى غايةٍ مُثلى كما هبَّ الخلاسيون ، يهتف جابرُ ويضيفُ منكسراً :

مع فارق الهدف ، فهنا يعززون هيبةَ المحبةِ ويُبارك مسعاهم وهناك نشدوا عدالةً ضائعةً فأكلهم الرصاصُ ودفنتهم السجونُ حتى صار الضيمُ ديدناً لهم يصطبحونَ عليه ويمْسون فيهِ .

يصرخُ :

تعالي يا سهام لتري أيَّ أبعادٍ مجسمةٍ للجنون تجلّت على رقائقِ الهواءِ ، وأيَّ تحدٍّ تستبطنه النفوسُ التي انتزعت بالمطلقِ حريتَها . كلُّ الأرواحِ صافيةٌ الساعة حيث اغتسلت بالنبيذ المُنقّى ، المقدس وتطهرت ، فلانت الأجسادُ وتترّفت الحناجرُ ، وزُقَّ مصلُ الفرحِ إلى النسيم ليشملَ الخلقَ ويعمّهم حتى تمسي برلين مهرجاناً والمهرجان هي .

تناسلت الشمسُ على صفائحِ النحاسِ وتكاثرت الأجنةُ في تقعر البطونِ لؤلؤاً زئبقياً ينحدرُ من سفوحِ المرمر إلى أجماتٍ مرويّةٍ بنهرِ المسيرةِ الخالد ، ثم يعبرها إلى أكفِّ الأرض حاضنة الحياة . أما بحرُ البرقِ هذا والذي لا قرار له سيظل هائجاً ، مائجاً ، يُطلِقُ طيورَ نارهِ إلى اللامنتهى ثم تعودُ وتحطُّ على الرؤوس .

يتساءل :

هل جفّت ضروعُ الخلاسيات ؟

مازال طفلاً مصلوباً على العمودِ ... جبيناً يطرقه الحرُّ ،

عيناً يتخطفها الومضُ ، وكياناً متشوقاً يستدرجه الجوعُ إلى اللحم المعافى ويُنْتَهرُ . تَمسّك يا جابر . هاجمهُ صوتٌ :

فهذا الطحنُ زوبعةٌ تمرُّ ، والعنبر المسفوح ستطوي الريحُ بقاياه وينحسرُ . تصلب يا جابري ، سيمسي الهزُّ هباءً . ستغدو الزحمةُ خلاءً ، وستدرُّ ضروعُ الخلاسياتِ من وَجْدِها ماءً . هتف من أعلى العمودِ خاشعاً :

هذا صوت حوريتي .

نزل عن عمودهِ ، تلفّت ، لم يجدْها ، شقَّ طريقاً في زحمةِ المهرجان . اِبتعد تاركاً العالم في حومةِ جنونهِ ينفلقُ ، وعلى بعضه ينغلقُ ، ابتعد تاركاً الأسئلةَ في رأسهِ تنزلقُ ، وعلى ضفافِها يُستعبد المرءُ وينعتقُ .

قال :

سأصلك أيتها الحوريةُ النبيلةُ المسترخيةُ على حافةِ الكلام ، مطروداً من الجنان ، مرفوضاً في اللمّة ، وتلك محنةٌ توالدت عن محنةٍ ، وأسرٌ زُجّ في الأسر . يا حوريتي الممعنة في صمتي تنحي عني واطلقي أفراسك في الأمداء البعيدة ، ربما أصابت جذري . فحينما أبحرتُ ، صبوتُ إلى غُرّةِ الحرية بعدما انثلم خطوي ، ولفظني من دون العباد رحمي ، وتنادى إلى قتلي صحبي .

سأسبح في عينيك متى ما دعتني الزرقةُ ، أتوسدُ يديك حين تدنو النزعةُ ، وأشرقُ في وجهك كلما سنحت فرصة . تطربينني بالتلاوةِ وأنا عليمٌ أنّ هؤلاء القوم نزعوا للتطهر من أدران الماضي ، خرجوا للتلاقح الإنساني بعدما أرسلوا بذورَهم في الشتاتِ وتشربتها الأبدانُ . .

أيتها الحوريةُ مازالت النفسُ تهفو إلى الأمانِ ، والعين تسعى إلى الإكتشاف ، والقلب يهوى امرأةً في سماواتٍ بعيدة تقارعُ الظلمَ . فليس من خطيئةٍ استوُجبَ دفنُها أوعورة تطلّب سترها أو جشعة ينبغي زجرها . سأصلك منكفئاً على بعضي ، قاطعاً حبلَ الزحام إليك ، ممسكاً بهامتي التي أتلفتها الوصايا ، حاملاً تفكيري وقد أثخنته المواعظُ . سأتحدثُ إليكِ عن مأتمٍ نُصبَ على بحيرةِ الموتِ ، شرِبَ الطيرُ الأزرق نصفَ مائها والنصف الآخر يجفُّ ، عن ثاكلاتٍ ، جائعاتٍ ، مفارقاتٍ ، أرامل دقَّ الجوعُ عظامَهنَّ وصرْنَ رقيقاً ،عن طفلٍ يُغيْرُ ليلاً ويأتي بالغنيمةِ صبحاً ، عن سهام تتصبّر بقشرةِ كمأةٍ حين أفرزها الرملُ جوفاءَ خاويةً ،عن وجوهٍ جرى الأسى في أخاديدِها ، عن أطفالٍ يموتون بعد الصرخة الأولى ، وصِبيةٍ جعلوا القدرَ دليلاً إلى طريق جهنم ، عن صبايا نثرْنَ جدائلَهنَّ في الخلواتِ لِمَنْ يبادل رغيفاً بجديلةٍ ،عن شيوخٍ طردوا الإباءَ خارجَ النفوس فتمرغت شيخوخاتُهم في وحل العار. سأتحدث إليك يا حوريتي عن كلِّ شئ لكي لا أنسى ولست ناسياً ، فلم تبهرني أنهارُ الجنةِ ولا طحنُ المهرجان . لكن أين أنتِ في هذه الساعة وقد غادرت المكان ؟. . أين أنتِ يا بنت صدري وصوت صداي ؟. . أين أنتِ يا مزة لخمرةٍ حين تُجلجلُ علقماً ، يا واحة لمتعبٍ أدمت قدميه الأسفارُ ؟ هل غضبَ إلهُ البحرِ لعلاقةٍ مع بني البشر فاجتمعَ وصوّت ثم طردتِ من مجتمع الماء أم جننت وسكنتِ الأعماق ؟ . أيتها الهديلُ الجميلُ المطوقُ وداعة ، رعديد هذا العالم لا يحكم إلاّ بالطلقاتِ ، كافرٌ هذا الغمرُ لا يؤمن إلاّ بالآفات ، سافلٌ زماننا لا يخطو إلاّ بالعثراتِ . أيتها البديلُ النبيلُ يُداهمني الخوفُ حين يُحكى عن مدينةٍ أغرقها الرملُ ، وفاتناتٍ ابتلعهنَّ الليلُ ، وأجنةٍ التفَّ على رقابها الحبلُ . أيتها الدليلُ الأصيلُ ، يا حوريتي التي ما نكثت عهداً ولا برحت ركناً ولا أغمضت عيناً ، أين أنتِ ؟ هل أغواك طلٌّ أم فضحك النهارُ واستدرجك ظلٌّ ؟ ربما ففي بعض الأحيان ينتابنا خبلُ .

جابرُ يناجي مكاناً خلواً إنطفأ نورُهُ حين برحته مليكةٌ وغابت عنه حيناً ، لعلها ذهبت إلى غايةٍ أو انصلبت قمراً في سماء المهرجان . لكن جابراً يئس بعد أنْ طال به المقام ، فانحدر من شقِّ خيبته نحو جدول الهموم الذي لا يتوقف ، مردداً صوت حوريته : ستدرُّ ضروعُ الخلاسياتِ من وَجْدِها ماءً ، معترضاً بحسٍّ منكسرٍ : متى أبعد أنْ أهلكت المدنُ تلك الأثداء وانصهر الوليدُ في فرنِ التيهِ ؟ متى يا مرشدتي تجفُّ دمعةٌ انسكبت وصارت نجيعاً ازدهرت على متنهِ أشنات الألم ؟ متى يا سيدتي يندحرُ الوأدُ وينبجس في أرضنا ودُّ ، ويأتي على قهرِ الحسناواتِ مَدُّ ؟ تلك نبوءةٌ ترددت على ألسنةِ الأنبياء منذ الأزل ومازلنا يحصدنا الحقدُ . فهنا تتخضل الدنيا حلماً وفي أجوائنا على الحُلم يُبتنى سدُّ . عركتني الشدّةُ يا فرسَ النهرِ الجامحة الماضية عبر الجحيم إلى صهيل الأعماق . عركتني الشدةُ وتمعك على جسدي البعدُ . عبرني النحيبُ وكنتُ أخيط ثيابَ الرهبنةِ للأثم القادم ، ونحيبُ سهام يصفقُ البابَ بأكفٍّ مغدورةٍ وحشرجةٍ منطفئةٍ .عندئذٍ التفّت الخيوطُ على أصابعي حتى انبثقَ الدمُ نزيفاً لوّنَ رجسي وخضّبَ ثيابَ الوقيعةِ لتنجرد عنقُ الحقيقةِ وتتجلى بيرقاً يستقطبُ القادمين في زحمةِ الخوفِ . وصلني الردُّ وعلمتُ أنك عليمةٌ يا مَنْ لم تدمنْ رائحةً غير رائحةِ التراب ، فانحنيتُ وانكسرتُ وسهرتُ ومتُّ ، ثم فقدتُ من سحري الكثير ولم يبقَ سوى عبير ، قاتلتني من أجلهِ سقطةٌ ، وسكنتني حرقةٌ ، وداهمتنا فرقةٌ . سأدفنهُ دون أسفٍ إذا ما تجمهرت التوابيتُ من حولي وإذا ما استعذبتني الحفرُ . سأدفنهُ يا سهام ولو أدركتني الندامةُ وجاهرت بي الملامةُ ، ولوّحت بنارها القيامةُ . سأدفنهُ يا سهام الغارقة بفيض الحنين ، إلى جوار بحيرةٍ ، ترتشفُ منهُ كلما فسدَ ماؤها ، وتُراشقُ الطيرَ بالرحيل كلما هدد بعدم أداء الطقوس ، وبالقربِ منه سنمرّ ُ، نضع عليه إكليلَ غارٍ أو نرجمه بحجر .

* * *

حينما أنَّ المساءُ في حُجرةِ جابر ، جاء الانغوليُّ متوسلاً خلوةً قال : أما أوجعتك وحشةٌ يا نجم القوافل وضاق صدرُك ؟ أفلا ترى مشهداً مسائياً مغرياً للمحادثةِ أم غيبتك التفاصيلُ عن كوثر اللذّة وتطامنتَ لبذرةٍ استسقت من مياهك ونبتت خلف التخومِ ؟ لا تصرخ ذلّةً يا صديقي أو تطفح وجوماً فالعالم لن يُمحى ببصقةٍ ، سيبقى رافلاً بديباجه المنحوس .

ضحك جابرُ .

أضاف الانغوليّ :

أنا هكذا ما طرتُ على ريبةِ جدول ولا غاصت مياهُه في تربتي ، وفاتحةُ السؤالِ أن تدومَ الغلظةُ مثلما هي الآن ، نقاتلها بالدعاء الأبيض حتى تنبجسَ المودةُ من عيون الصخورِ ، عندئذٍ لن تصمتَ قيثارةٌ على قمة جبلٍ ولن تُهتك زريبةٌ في وادٍ ولن ننتظر في غياهب الوداعةِ . انهض واخترق هذا الشؤم المؤبد لكي لا تحترق أوراق الصداقة ، فللأحزان شاهدٌ وللبهجةِ شاهدٌ آخر . استفز وتوعد ولُم وابرز وجاهر وقاتل حتى تندحرَ الملائكةُ خلف شياطينِها ، فأنَّ الإله كريه اللسان منذُ نطفةِ الكلام حتى آخر الختام. أحياناً يأمرني السؤالُ اللجوجُ بارتكابِ الحماقةِ ، وإتيان الوقاحةِ ، وتخضيب الفداحة ، وكأن رؤاي تنساب من بين أصابعي ، أنهرُهُ وأتشوقُ لامرأةٍ ستأتي مرفرفةً مثل نسائمَ هاربةٍ عَبْرَ سجود الجبال ، وحانيةً مثل أمهاتٍ تواردت أخبارُهنَّ في بطونِ الكتب ، وصافيةً مثل ينابيعِ الجنانِ . امرأةٌ فاضحةٌ لجليدي المُبتز ، ملامسةٌ لخيبتي المؤججة ، عندئذٍ أنثرها كما أنثرُ ورودي على اشتياقِ الطاولاتِ ، لأقمعَ ما نبضَ في الشريان . انتهِ يا صاحبي من هذا الألم المشرئب في عنقك لكي تختفي المحنةُ وتمرُّ الدنيا بسلام .

قال جابرُ :

وحيداً سألهو بموتي تاركاً العالم في حومةِ اللعبِ ، اتركه لاهياً عني بعيداً مني ربما مارس عملاً بلا قيمةٍ على أبواب الفرجةِ . وحيداً سأقول لامرأةٍ ، أنا يا حبيبتي مَنْ انتظر أعواماً ، وأعواماً كنتُ ملتاعاً للقاءِ ، فلِمَ منعتِني اللذّةَ بصمت وجحود وأمرتِ وارثات الظلام بالنسيان ؟ يا حبيبتي يا قدري المؤطِّر لظلي لن تنامَ برلين كما البصرةِ في شدقيّ أرنب سافل ولن ينام ضفدعٌ نقَّ لعطشٍ جنسيٍّ ، فحينما وصلت راحلتي الحدودَ المنسوبةَ لعالم النسيان ، سكتت القرى عن التقحل . وقتئذٍ كان عليَّ أن أعبرَ غاباتٍ وبحاراً ، طرقاتٍ ووديان وصحارى صعب اجتيازها على الأذهان. عندئذٍ صرخت : أنا هنا منذ مجيء النواطير أمزقُ رقائقَ الأرقِ في غفلةٍ منك ، وقلت :

جسورٌ هذا الليلُ راودَ في قلب الضجة صمتي

عذبٌ هذا النسيمُ إلى قارّةٍ أخرى نقلَ حُلمي

نقيٌّ هذا الشرابُ أسلمني كأساً مُرّةً

شقيٌّ هذا الطقسُ لم يسجد خلفي

قال الطقسُ :

غاربٌ هو العمر فديتك نفسي .

تعثرتُ بالدهشةِ التي تلبستني في شارع فردرش ، حينما رأيتُ انتفاخَ أوداجِ الطيش قبيل مرورِ الأوغادِ على حلم المدينةِ ، حاملين شاهدةَ الفكرِ على عربةٍ وهميةٍ كانت قد مازحت ما تبقّى من الجدار ورشقته بضحكةٍ صفراء * ، وفي شارع فردرش رُفِعت راياتُ المساءِ المتأخر لنساء يأتين من صميم المواخيرِ ليطعنَنّ كبدَ الظلامِ ببريق الأفخاذ . سيبقى الشارعُ محتلاً وسطَ المدينةِ ، وسيبقى الوسطُ مستعمرةً للساميين طالما بقيت برلين في ذاكرةِ الأحفاد ** إذن سنوغلُ في الدهشةِ بغية تحققها التام ونُقيم حفلاً على مشارف برلين ، تحتلُّ النساءُ نصفَ مقاعدِه والنصف الآخر نودعه العتمةَ ، ثم ننتظر . ستأتي سهامُ على الحفلِ مقتحمةً رئةَ الأشياء وتنطلق بأبهة المنصور. فمن آدابِ الدعواتِ أن تنالَ جسداً أسمرَ ، ثم تسهر على ضفافهِ في ليلةٍ مقمرةٍ بموجب فرضيةٍ أثبتتها الألسن في غمرةِ المدام .

ماذا ترى أيها الأنغوليُّ الأخرق في غرّة الكلام ؟

ماذا ترى أيها الطيب لو فاجأتنا سيدةُ المطعم بِطلّةٍ من رخام ، واغتصبت ليلتنا بأنوثةٍ صارخةٍ من الهامِ إلى الهامِ ؟

أتراني أهجسُ بنأمةِ صدٍّ

أم أُرخي لجامي في المنامِ ؟

يا سيدي الأسود الوسيم

قطرتك امرأةٌ على شقِك الآمن وغابت في الزحام .

يا سيدي النحاسي المرصع باللازورد

انهدت قصورُنا وصرنا من البدو أقرب للخيام

امتلأت ساحاتُنا بأعناقِ مآذنِنا وأشرقَ الدمُ على الركام .

يا سيدي المهذب الجميل

على أسطحنا لا يحطُّ الحمام على موت الحمام

وإلى كنفنا تسعى الطريدةُ إذا ما اشتاقت للسلام .

غادرتك أفعى السقوفِ

نزعت جلداً من الرملِ وتدرعت بالشفوفِ

غادرك شيطانُ الغوايةِ

فانقر لملاك اللوثةِ على حلم الدفوفِ .

سيدي الأنغولي لم تعُدْ النادلُ صيدي

لا همها همي

لا عطرها عطري

ولا ثوبها ثوبي

والليلة سأمضي حثيثاً لكي ألوي عنقَ الأرقِ ، لأحقق نبوءةَ الحوريةِ التي زهدت بالعرشِ وتسكعت في أروقة النسيان . الليلةَ سأرى طفلاً يحمل جُلّةَ عطاياه نحو أبواب المأتم ، أنه أشبه الخلق بجابر . سأرى خلاسيةً ، مازالت فتيةً ، ترشقه بالقبلات وتتحسر : احترس يا جابر . سأرى خالةً كوّمها القهرُ على بعضها . سأرى حليمةَ العذارية وقد اندثر همُّها الذاتي تحت ركام الهموم . سأرى نسوةً يتوزعهنّ الليلُ بين زواياه . سأرى صِبيةً عفّرت وجوهَهم التربةُ وهرّأت ثيابَهم الطرقاتُ ، يتسولون على الكورنيش ويختلسون الرغيفَ متى لاح لهم . سأرى فتياتٍ بصقت في بطونِهنَّ الحاجةُ ونَمَتِ الأجنةُ في أرحامٍ لم تكتمل بعد . سأرى غشاءً عذرياً ممزقاً بحجم السماءِ ينزف دماً . سأرى المصورَ الجوّال ممسكاً بكاميرا عجيبة الصنع ، يحملها بفرحٍ غامرٍ ، وابتسامة لم تفارقْ شفتيه .

أسأله :

هل بُعِثت حياً ؟

يجيب :

لا تنخدع بموتي يا جابر ، لقد شُلّت الأصابعُ التي حاولت خنقي . سأرى بهيةَ بقامةٍ رشيقةٍ ووجهٍ نورانيٍّ ، تحملق بأنصالٍ صديئةٍ . نقشت عليها وجوهٌ منشطرةٌ . سأرى النخيلَ يرمم تيجانَه ويعيدها إلى الرؤوس . سأرى الجداولَ تزيح ما اعترضَ سَيْرها . سأرى البصرةَ زاحفةً إلى ذراعي تتوسدهُ . أيها الأنغوليُّ النبيل ، سأنام الليلةَ وليغمرك روحٌ آخر بمحبتهِ وامرأةٌ أخرى بعطرها . أيها الأنغولي ابحثْ عن رحمٍ لا ينتج إلاّ خلاسياً .

* * *