( 3 )
" اغْرقي في الطلِّ
أيتها العطشى
ثم تعلقي
بسويق الغيابِ
هل غادرتك الركبانُ
في صمتِ الوقتِ
وجاوزتك القدمُ
إلى طقس الوصول … ؟
أنتِ زهرةُ التوحشِ
غيبتها الرمالُ
أنتِ قامةُ النهرِ
أحنتها المعابِرُ
أفيقي إذن
على جانب الوصلِ "
* * *
مسٌّ أصابَ الشلهةَ حين خُلِعت تيجانُها وأُطفِئت زرقتُها ، فخرجت عاريةً تعترضُ مجرى الماءِ . حينئذٍ فرَّ كونٌ نضِرٌ خلف الأسوار .. حادت عنها السفنُ وغادرها الطيرُ .. رحلَ الأهلُ وسهامُ التي لم تكف عن النواحِ ، عن الصراخِ ، عن النحيبِ ، حتى إذا ما نزلت البصرةَ ، أقامت مأتماً للخلاسِ ناح فيه المغني صانع الشِّباك .. مأتماً للثواكل والأرامل ، للنادبات حظوظَهنَّ والمفارقات أحبابَهنَّ ، للمستباحاتِ على امتدادِ الوقتِ والمهتوكة أعراضهنَّ ، للمنكوبات بأعزائِهنَّ والمسلوباتِ من فرحتِهنَّ .. مأتماً لصبايا أفسدت بيوضَهنَّ الحاجةُ ، لعذراوات فضّت غلالاتِهنَّ الفجيعةُ ، لحاملات أجهضَ الخوفُ بطونَهنَّ .. مأتماً تؤمه خفايا الأنحاء وتُسْفَحُ في سواقيه دموعُ اليتمِ ، للبصرة التي خُربت للمرة الألف ، ذُبحت وأُبيدت أمام عينِ سهام التي صارت ناموسها . عصراً تفتح أبوابَ المأتمِ للقادمات بشوق البكاء ، المتلفعات بالصمت والسواد ، للجاثيات على جوعِهنَّ ، المتدرعات بالصبرِ وخيط الأمل . يتهدجُ صوتُ النائحِ في وحشةِ السكينة وتمتلئ جداولُ الدمعِ تحت أفياء أرواح معتملة بالصراخ والعويل . وحين يأتي الليلُ وتُسدل أستارُ ظلمته تخرج سهام عَبْرَ شعاب البصرة تطرق الأبوابَ باباً تلو البابِ ، تُضمِّد الجروحَ ، تزيل القذى من العيون وتجمع الصلوات للذي تاه في المسافة وتلاشى سحره .
لكن سهام شاهدت ذاتَ ليلةٍ طائراً أزرقَ ضخمَ الجثةِ ، طويلَ الجناحين لا يشبه كلَّ طيور السماءِ ، يهبط في قاعِ المأتمِ يشرب جداولَ الدمع ، ينتشي ، يقهقه ويقلع .
تقول بعد أنْ أكلَ الحزنُ حشاشتَها :
واللّه ما خفق جنحُ الطيرِ إلاّ على محنةِ العبادِ ، ولا شربَ الأدمعَ إلاّ إمعاناً في ذلتهم ، فما ولِدَ طفلٌ إلاّ وخنجر الموتِ في خاصرته ، وما مات شيخٌ إلاّ وكان روحُهُ ينزف دماً على مَنْ وِلِد . ظاهرةٌ ألغت الظواهرَ حتى سملت عيونُنا .
حين يندلعُ الدخانُ نتصاعد مع ذراتِ الرمادِ لنحتمي بها ومعنا كلّ المهود التي استقبلت الأجنةَ توّاً . نعود مع انحسار الدخانِ لنجد الأمهاتِ المرضعات جفّت ضروعُهنَّ وانزرعت رؤوسُ الرجال بين جذوع النخيلِ أو انكتبت على سطحِ الماءِ فجاءنا الهلاكُ من كلِّ مُنْقَذَفٍ ، خارجاً من ألسنةِ الدعاءِ :
جُعلت مدينتُكم خراباً ، أرضُكم يباباً ، ونحلتُكم هباءً . سَملت عيونُكم ، مُسخت وجوهُكم ، مُسّت عقولكم ، وانصبت عليكم اللعنةُ إلى يوم الدين .
لماذا تضافرت علينا الضغينةُ وتربصت بنا العداوةُ حتى صرنا : حطباً لحريقِ ، تراباً لطريقِ ، وسجناً لطليقِ . . ؟
صمتاً يا أهلَ الدارِ
صبراً يا أهلَ البصرة
فأنتم جوهرةُ الزمانِ التي ما انجلى أديمُها ولا شَعْشَعَ بريقُها . أنتم سرُّ الكوكب الذي يغري النفوسَ الباحثة وثمرةُ الجنةِ الوحيدة التي إذا ما أُنقعت أسكرت الربَّ وملائكتَهُ وطلبَ أرضَكم مهبطاً *. أنتم خمرةُ الخلودِ ، أيها الخلاسيون ، التي ما تُحتسى إلاّ من الصدور.
تسكت هنيهةً وتهتف :
دُفِنّا أحياءً وجُلدنا تحت وهجِ الهجيرةِ ، أُغتِصبنا حتى انفلقت أجسادُنا وزهقت أرواحُنا ، سُبيْنا ، بُقِرت بطونُ بعضِنا وفُقِئت عيونُ بعضِنا ، ثم تُوجِرَ بنا في سوق الرقيقِ ، حتى لم تَعُدْ منّا امرأةٌ بقفةِ العِفّةِ ، ولا رجلٌ يتحدى بنظرةِ ، ولا صبيٌّ يلهو كالصبيةِ . أيها البصريون امنعوا الرطبةَ من السقوطِ ، والنّفسَ من القنوطِ ، الفرسَ من الكبوّة ، والمرأةَ من الشَقْوَة . أيها البصريون ، لقد رأيتُ الطائرَ يملأ أرضَ المأتمِ فجوراً ، يشرب الدمعَ ويستمني فخوراً ، يتضاحكُ ، يتغامزُ وكأن النسوةَ استسلمْنَ عارياتٍ بينما لم تبقَ في المأتم غيرُ الروائحِ .
تصمت سهام ، تنتحبُ ، تشهقُ وتعاود الحوارَ :
ما قبل موت المصور الجوّال ، كانت البصرةُ رِئةَ النخل والماء ـ جابر مازالَ صغيراً ـ ومرتعاً للقادمين من أقصى السلالاتِ على ظهور البوم * . هاجمتنا ذات مساءِ طيورٌ كثيرةٌ غطّت وجهَ السماء . لم نتعرف على أشكالِها ولا أحجامِها ولا ألوانِها لكنها استنفرتنا تلك الليلة حتى الصباح وهاجرت . يومئذٍ لم تبقَ ثمرةٌ إلاّ وفسدت ولا نهرٌ إلاّ وتأسن ولا بكرٌ إلاّ وافتُضّت ولاهواءٌ إلاّ وصار خانقاً حتى نفقَ الدوابُ وهجّ الطيرُ الداجن . لكن الأمرَ لم يَدمْ طويلاً . وقتئذٍ طُلِب من جابر المسحور أنْ يَلمِسَ الكائنات أو يمرّ فوقَها وينتهي الأمرُ إلى ما كان عليه .
كبر جابر . .
رويداً ، رويداً ، صار يفقدُ من سِحره الكثير . .
رويداً ، رويداً ، نُبِذَ جابر . .
رويداً ، رويداً ، أُدخلَ في نفقِ الشقاء وكانت اللعنةُ نصيباً .
أين أنتَ يا جابري يا حدقة العين ؟
ناحت سهام :
طال ليلي ودُقَّ عظمي ، ومن فجوةٍ في مئزرِ السحرِ أُطلُّ ، أرقبُ السفرَ المخبول لعله يحملك أو يحمل صورتك . أقول سيأتي جابرُ
خلسةً ، أو أنه صمتَ يبغي الفجاءةَ . أحياناً أحتال على يقيني وأزعم : ربما لم يرحل ، فالسفر مازال مهتزّاً على وجهِ الماء.. مازال مربوطاً إلى وتدِ الرملِ .. مازال جاثماً على الإسفلت .. السفرُ أخّر سفرَهُ
بعدئذٍ أخرجُ من استغراقي لأدخل في الصدمة :
الواقعُ لوثة يا جابر
الحقيقة جنون يا جابر
الصحوةُ مُرّةٌ يا جابر
مَنْ يعيدني إلى غيبوبتي
مَنْ يدخلني جوف الحلمِ
مَنْ يا جابر ؟
* * *
كلُّ صباحٍ تستيقظُ على همسِ أكفٍّ يُهَدْهِدُ جسدَ الخلوةِ ويداعبُ غُرةَ البابِ . تخرجُ مُضمخةً بماء التوجسِ ، لم تجدْ للهمسِ أثراً ولا للأكفِّ ختماً ، لم تجد غيرَ عبيرٍ فوّاحٍ وجُلّةٍ مهرتها الحياةُ بثقل العطاءِ . تأخذها بصمت وتفرقها على الحاضرات كلّما حلّ الغروبُ وأزفت ساعةُ العودةِ بعد رحلةِ النشيج .
هذا الصباح لمحت صبياً أشبه الخلق بجابر ، يفرُّ من وجه الباب . نادته :
عُد يا جابر لقد أسرفت بالتخفي وغمرتني الريبةُ .
عادَ الصّبيُّ مثل نبيٍّ أسير . امتثل أمامَها . قال :
لست جابر المسحور .
مَنْ تكون إذن ؟
صمت طفلُ الصبحِ . عبث بخصلةٍ تكسرت على فودِها . قبّلها ، نطقَ :
ستجدينني في كلِّ ضائقةٍ .
مضى الطفلُ وظلت سهامُ ذاهلةً بعض الوقتِ . بعدئذٍ تذكرت إنّ جابرَ المسحور لم يعد صغيراً وإنّ سفراً ما أخذه بعيداً . لكن كيف استطاع طفلُ الصبحِ أنْ يحملَ جُلّةً مرصوصةً ، مليئةً حتى خياشيمها بالعطايا ؟
في تلك الأثناء كانت البصرةُ منفىً وبحراً من جوع . في تلك الفترة ذُبحَ النخيلُ ، نَهرَ الدمُ مخضِّباً جسدَ الخصبِ بحمرةِ الجدبِ . في تلك الفترةِ جفَّ الماءُ وانحنت هامات الرجال للسؤال . في تلك الفترة بالت السماءُ على عِزّة النفوس بولاً حارقاً ، مسعوراً .
قالت سهام :
لقد أهلككم اللّه أيها الكرامُ ، هتك أستاركم وطوّحَ بأعراضكم ، جففّ ضروعَكم واقتلعَ جذوركم ، أمات أجنتكم وعمّرَ مآتمكم .
مازالت تنظر في جُلّةِ الصبيّ بعينٍ باكيةٍ . مازالت ترد بابَ التفاصيل وتُبعِدُ جشعَ الذاكرة . مازالت تحاول حين خطرَ لها خاطرُ : تعلق جابر بخالتهِ البدينة عدوة السراويلِ .
يقول :
أُرسِلتُ إلى أمِّ قصر لكي أضعَ الطوبَ على حدودِ الماءِ * ، اجمعُ العشبَ في المفترقات ، وأقيمُ الحواجزَ لصدِّ هجمات الحيّات والعقاربِ . كنت صغيراً بدائياً وكانت أمُّ قصر بحراً من الرمل ، بحراً من الملحِ وبحراً من الوحشةِ . أُسجرُ العشبَ في تنانير الأرضِ وتحت الطوبِ أُشعلُ حطبَ البدايةِ في انتعاشِ الليلِ ، فتفرُّ الحيّات من أجيجهِ والعقاربُ تُحاصر وتنتحرُ . آنذاك لم تكف خالتي عن المجئ ،عن التواصل ،عن السؤالِ . تتنحى جانباً ، تفترش الرملَ وتقتعدهُ ومن ثقلها ، تنطبعُ عجيزتها الهائلة ، العارية ، على هشاشةِ الرملِ كتحفةٍ أثرية ، عندئذٍ يصرخ الحضورُ في حفلٍ بهيجٍ : اِختنقَ الرمل ُ.
أرفضُ مزحةً تطول خالتي وتُخْجِلُها ، وفي خلوتي أستغرقُ في ضحك طفوليٍّ يشقُّ شدقيَّ . أستحي من نفسي وأسدّ سبيل الذكرى. ضحكت سهام :
ما أخفّ ظلك أيها الفاسقُ ! فأنت الدعابةُ والمرحُ . أنت الطرافة والفرحُ . أنتَ رونقٌ لديباجةِ الكلام إذا ما انطلق وعذوبته إذا ما
استمر . أنتَ يا جابري ، يا مليك الغزل ، دفءُ المنامِ وسيدُ السَّمر. أنت يا أغنيّة الحمامِ إذا ما هدل وأمنيّةُ الأميراتِ إذا ما اشتهين العناقَ ، يا سحابة الحلم التي استعصت ، نأت عنّا وأبت وَصْلَنا وتأبدت . عبثاً أحاولُ افراغَ أيامي من شجونِ التفاصيل وعبثاً أنزعُ للتجلّدِ . عُد يا نشيدي الذي ما انقطع . عُد طيفاً ، نسمةً ، همسةً ، بريقاً ، عُد يا حبيبي ، يا نهاري وليلي ، يا صيفي وشتائي ، يا مطري وجدبي ، يا حياتي وموتي ، عُد حجراً يشجُّ رأسي ، دخاناً يفلق رئتي ، عُد شبحاً ، اسماً ، أو بطاقة بريد .
خرجت من حطامها متلفعةً بالسوادِ ،متورمة العينين ، تبتغي رجلاً نأى ، وطفلاً جرى ، ونهاراً يقيء الموتَ من بطونِ الشموس على حرير الجسد الذي بَليَ . خرجت إلى ملامحِ المدن التي انصهرت في مرجلِ الموتِ ولم يبقَ غير أنينها . لم يبقَ منها غيرُ رمادِ الأشياء متطايراً . لم يبقَ غيرُ وجه اللّه كالحاً خلف الفضيحة.
السلام عليك أيها الرمادُ ، أطلقت التحيةَ ، المتناثر
السلام عليك يا أجساد الشجرِ
يا أعناق النخلِ
السلام على الهاماتِ التي لم تَعُدْ هاماً
وعلى الأرحام التي لم تعد أرحاماً
السلام عليك أيها الماءُ الذي تطهرت بك الأجسادُ وارتوت منك الأرواحُ
السلام عليك أيها الرطبُ المخبولُ الذي تشظّى بالدويّ
السلام على القبور التي احتضنت شبّان الجنّةِ من إناث وذكور
السلام على الأحياءِ التي غادرتها الخرائط
السلام على مَنْ ثكلت ، ومَنْ ترملت ، ومَن تيتمت ، ومَنْ تعهرت ، ومَن انحرفت
السلام على مَن أُجهضت ، ومن حبلت
السلام على المعوقين والمعتوهين والضالين
السلام على المراكب حين جنحت وحين احترقت
السلام على الطيور حين أُزهِقت أرواحُها وحين تناثرت أرياشُها
السلام على الضروع حين كفّت عن وليدها
السلام على البساتين حين جفّت وقوفاً ، وعلى الطين حين تصخر
السلام عليكم يا أهلَ البصرة يا رئة نسفها الخردلُ
السلام على من تجرع العلقمَ
السلام على الآباء الذاهلين ليلَ نهارَ ، الغائرين في فجوات المتاهة
السلام على الأمهاتِ المصلوباتِ على دكاتِ الرجاءِ ، يستغرقْنَ في الدعاءِ
السلام على من ابتهل وتضرع
السلام على الصبح المحايد
السلام على الذاهبين لحتوفِهم ، والقادمين من دهاليز جهنم
السلام على الأجنة حين تشبثت بجدران الرحم ، تصارع من أجل المجئ
السلام على الدموع التي انهمرت وأمطرت حتى نضبت المآقي
السلام على الأفياء حين تكملُ الدورة ، وعلى الأنهار تحتوي السوْرة
السلام على المدن المذبوحة على مرِّ الزمان
السلام عليها حين تموت وحين تحيا وحين تذعن للأمان
فجاءةً تعطلت التحيةُ مع فجورِ الضحى وخروجِ الشمس عاريةً ، تميس في فضاءٍ غاضبٍ . تعطلت التحيةُ في إثر لفحةٍ من سمومِ لوّحت وجه سهام وطوّحت بفكرها بعيداً في الآفاقِ ، نحو انحناءاتِ المسافةِ ومختصر الهيام ، نحو تخوم الرؤى المستحيلة ومتاهِ القدم . تعطلتِ التحيةُ حين أصرَّ منبثقُ الدم على تلبيةِ رغباتِ المدن ، تاركاً لها مشيئةَ التعطشِ ، زفرةَ الإبادةِ ، تسلكات النهم . ذلك ديدنُ الوشم يتباهى بالتجلي . ستمضي سهام بصباها الأبدي ، حاملةً رايةَ التحدي ، مشعلَ الديمومةِ على رأسِ البصرة التي نُخِبت من جميع أنحائها وطعنت في الصميم ، ستمضي شِهاباً يَفُتّ كبدَ البلوى حتى تترنح . عندئذٍ ستنهض الكائنات من موتها ، تخرج الأرواحُ من استلابها ، والخلاس يغادر الأسر . سهام خفقة الوجود ، خريرُ الدفءِ ، لعبة الصبر ، صمت الرفض ، صرحُ الحبِّ وغدير الأُلفة
هتفت دخيلتُها :
هل يتطبع البصريون على بلواهم حتى يغدو غير المألوف مألوفاً ؟ تلك شهقةُ العبثِ للخروج من كفن الغيبوبة . تلك بداية الظهور. علائم التجرد من أستار الغبار . سيقيء النهرُ أحشاءَه . يسفحها على الأرصفةِ ليظهر الخرابَ جلياً في العيونِ .
اعترضَ خلوتَها صوتٌ حنونٌ :
ـ إلى أين يا جذوة الوفاء تسبقين الريحَ ؟
ـ لست أدري يا خالتي وخالة جابر.
أجابت وأضافت :
ـ ألقي التحيةَ على من لحِقَ به حيفٌ وأتسقط أخبارَ من حاق به الضياع ُ. خرجت يا خالتي أُصلي على قاماتٍ أسجيناها تحت جنحِ الظلامِ وتعطرت من أدمعنا . أسأل الصحراءَ عن شبحٍ أوهمهُ السرابُ أو طيفٍ مرّ في غفلتها . أسأل الماءَ إنْ تعثّر مجراهُ بقادم أسأل وأبحث حتى تكفّ عيوني : كان طفلُ الصبحِ أشبه الخلق بجابر .
اندهشت الخالةُ
ـ يضع جُلّته بخشوعٍ ملائكيٍّ ويمضي .
ـ مَنْ يكون ؟
تساءلت خالة جابر.
ـ لا أدري ، لكن جابراً ظلّ باحثاً عن خرقة المهد في فضاء الذاكرة الشاردة خلف التخوم .
قالت الخالةُ :
ـ أعانك اللّه على محنتك يا بنيتي .
ودعتها ومضت في وحدتها هادرةً :
سَلْ جفنيك المتورمتين اللتين طالهما الأرقُ ستجيبان عني أنني أوصلتُ الليلَ بالنهار . سَلْ رائحتك التي عبقت وتفاقمت ستجيبك أنني لم أَخُنْ ولو في المنامِ . سَلْ حوريتك عني ستعلمك سرّ التناسخ . سَلْ أَفروديت سيدة الحانةِ ستضرب إيقاع جنوني . سَلْ الأعراب عن وهدتي وجفاف نبعي . سَلْ الأنغوليَّ عن الترح الذي يلفني . سَلْ المقابرَ التي أحزنتك أنني لم أزنِ إلاّ بجابرِ . سلْ المرأةَ العابرة عن موتِ طفلٍ خلاسيٍّ ستجيبك : سقط من رحم سهام في محطة المترو . سَلْ الساعاتي عن انتحار الوقتِ سيجيبك أنني لست راغبةً بهدر الوقت بدونك . سَلْ غربتك عني ستنصحك بالصمتِ . لكنني ضيعتك يا جابري في لُجةِ السؤال واتعبتك بالترحال ، غمرك رحيقُ الشهوةِ وفاتك كبحُ الهفوةِ ، أطنبت وتماديت وأنا بحالِك عليمةٌ ، فارحم فديتك مهجتي ودفق نبضي .
زُلّت قدمُها على درجةٍ في سوق العقيل * . تلقفتها يدٌ صغيرةٌ ناعمةٌ . استقامت ، حدّقت في عينيه .
تساءلت :
ـ أنتَ ثانية يا جابري ؟
أجابها :
ـ لستُ جابر المسحور ! . .
اختفى طفلُ الصبحِ بين خيوط الظهيرة . مرّ زمنٌ ظلّت خلالهُ ساهمةً .. بعدئذٍ أفاقت من صدمتها .. تذكرت أنّ من بين تركات المصور الجوّال وجدوا صورةً لبهية بأبهةِ الحمل كانت أميرةَ
الحسنِ والدلالِ ، الغنجَ المُترّف وإله الإثارة وكانت المشتهى . تذكرت أنّ يدَ الغدرِ طالتها بعد أن وضعت صبياً كان أكثرَ الناس جمالاً وأحسنهم طلعةً . دوخٌ أصابَ سهام . حيرةٌ أفقدتها القدرةَ على التفكير . غشاوة أسدلت على عينيها . صرخت دخيلتُها : انسفوها ذاكرتي المتقدة . بددوا ماءَها هذه المتجنية حدّ الخبلِ ، فعلى سطحِها تتلاطم أمواجُ الحقيقة وفي غورها تجهش بنات التواريخ بالنحيب . اطعنوها رحمةً بما هو آتٍ . قاتلوها فهي تقاتلني كلّما عنّ لها ذلك . هذه ذاكرة أدمنت عهرها مثلما تدمن البغيُّ بغاءً . ارحموني بذرّة من نسيان أو رصاصة من رحمة . فهذا الصبيُّ ابن ابن بهية التي سلبت عقولكم ، خرّبت بيوتكم واستنفرت فحولتكم .هذا الصبيُّ فاضحكم ، مُقض مضاجعكم ومؤرق عيونكم ، أنه قادمٌ لا محال ، يسدُّ عليكم سبيلَ الخلوةِ ، يقطع وريدَ النزوةِ ، ويثلم ساعةَ الصحوةِ . هذا صبيٌّ خرجَ من نور العفّةِ إلى ظلمةِ النطفةِ ، يقتات من قحط الأرض أصنافاً ، ينزع عن جلودنا أصدافاً ويغيثنا في الشدّةِ . هذا صبيٌّ ينام في بوادينا ، يسهر على ضفافِنا ويدخل في أسرتنا . إياكم والزجرة ، فسوف ينتف لحاكم شعرةً شعرة ، ويطأ نساءَكم عنوةً . إياكم والجفوة ، فسوف يلعقكم من عارهِ لعقةً ، وتنالكم من غضباته غضبةٌ .
تضيف :
ضحكَ الليلُ في كوخِ بهية
حين تضمخت أَنفاسُه من مسك وبخور
وحين رقصت عيونُ الأقمارِ محييةً بائعةَ الطيبِ
ليل تندّى بالهوى وخدرٌ تأوّه أنيناً عَبْرَ وميضِ
انتظارٌ أطلقَ لوعتَهُ في أزقةِ الحيِّ فرنّت في الزوايا أجراسُها فاضَ الحيُّ بالترقبِ وانتهبَ المدينةَ صفيرُ
فضولٌ عانقَ الأبوابَ وتوزعت الأحداقُ غفلةَ السطوح
هلكت امرأةٌ تختلس ليلاً مترعاً بلمعِ الكواكبِ
قال الحيُّ
وهلك رجلٌ تملّك كوناً
بهية غير آبهةٍ بالنفير
تُبخِّر المدى وتُوقدُ الشمعَ لرجلٍ يمتشق البحرَ ويشقُّ وجه الظلامِ لرجلٍ يبعث السِّحْرَ ويقتلع الجذور
بهيةُ من فوَّهةِ التحدي ترسل بريقَ أُنوثةٍ وتصرع الرجال
وقتئذٍ كانت الغيرةُ تشرئب من أعناق القصب وتغلي في الصدور وقتئذٍ كانت اللذّةُ تتسلق جدرانَ العتمةِ وترتدّ إلى قعرِ الشخير
وقتئذٍ استسلمتِ الدرّةُ لملك الغوصِ
لرجلٍ أشبه الخلق بجابر
يُطلق خيولَ النسيم في جحيم المتاهة لتتبردَ أفرانُها
لكي يقول بعد غزوته :
هكذا اهتزت أركانُ المدينة السعيدة يا بهية يا بائعة الطيب
يا امرأة إذا أشرقت اختفت الشموس
يا امرأة من نار وعواصفَ وصهيل
يا امرأة من مخملٍ وأنين وهديل
وبهية تُشعل ليلَ الحيِّ حريقاً
تفلق سماءَهُ صراخاً وتتقطر ندىً من الشرفات
بعدئذٍ تتوزعُ في البيوت :
تدخل في ارتجاف الأسرةِ ، في ارتعاش الجسدِ ، في مسام العرق ، في مخيلةِ الخشبِ ، في لهاث البشر ، تتجلّى في الوجوهِ كلاماً غريباً لا تفهمه إلاّ الغيورات ، كلاماً يطحن الأفئدة ويعرّش على وثنِ الحقد نصلاً قاتلاً أو رصاصةً ممهورةً بالخلاصِ . تلك بهية اليتيمة التي لم ترَ أباً ولا أماً ، ترعرعت في بيوت الخلاس ، نمت على موائدهم وعاشرت روائحهم . تلك بهية الجنية ، الآسرة بلا حروب ، الفاتكة بلا سلاح ، المشتهاة بلا رائحة أو زينة . تلك بهية التي لم تكن طلبةً لأحد ، لقيةً لأحد ، ابنةً لأحد ، امرأةً لأحد ، خادماً لأحد ، لم تكن أحداً لأحد والتي صارت فيما بعد كلَّ شيءٍ للكلِّ .
ضحكَ الليلُ في كوخِ بهية وليته لم يضحك ، فمن نطفةٍ انسكبت من ظهرِ فحلٍ أشبه الخلق بجابر علِقت بهية ، كبر بطنُ بائعة الطيب . عندئذٍ عُزفَ نشيدُ الموتِ ، لعلعت هلاهلُ التشفي والغيرةُ قاءت نفسَها في حوضِ الصديد . وقتئذٍ أُلتقطت صورةٌ لبهية في أجمل لحظات تحديها قبل الوضع بليلة .
لامست بطنَها :
لا تزعل يا ولدي فغداً تشرقُ في الأحضان ، وغداً ألثمك في المهدِ
أحنو عليك وتكبر وستلعب كالصبيان . لا تزعل يا فِلْذةَ كبدي فالكوخ العامر تبسم ، والغول الغادر استهوته ضجةُ الركبان . لا تدمع يا جنة عيشي ونعيمي فغداً ستمتلئ الدارُ ويفيض نورُك للجيران ، ستشبّ ويهابك شبّانُ الحيِّ وتشبب بالنسوان . لا تزعل يا ولدي حرستك عيون الرحمن .
المدينة خيولٌ جامحةٌ ، طيورٌ كاسرةٌ ، ذئاب قاتلةٌ ، سيوفٌ فاتكةٌ ، كلاب سائبةٌ ، رياحٌ زائرةٌ ، دماءٌ فائرةٌ ، أفواهٌ متعطشةٌ جائعةٌ ، عيونٌ نافذةٌ ، أكفٌّ طاعنةٌ ، أدمغةٌ سكنتها الكراهةُ وتفتقت عن فنونِ إبادة جائرة . مدينة وارثة الأحزان ، صارعة الشجعان . مدينة موغلة بالسفك ، قاهرة ، ساحقة ، مدينة ككل المدن بلا ضمير بلا خجل .
صباحاً أفاقَ الصبيةُ والصبايا على بريق المُدّى تؤرِّب جسدَ بائعة الطيب بهية وتولغ في دمِها الطاهر . صباحاً لم يرَ الحيُّ خِلاسيةً فرّت برضيع . صباحاً تعالت زغاريد النساءِ ، ابتهاجاً بلحظة الذبحِ . صباحاً لم يبقَ من بهية شئٌ .
بترت أيديكم يا أبناء العاهرات . فسدت عقولكم يا أبناء الممسوخات . جفّت أرحامُ نسائكم وانقطع نسلكم . راح البعض ممن استنكر الموتَ في دعاءٍ طويل : اللهم اجعل إقامتهم هباءً ، بذورَهم تراباً ، وذريتَهم شتاتاً . اللهم اجعل قبورَهم عرضةً ، أعراضهم نولةً ، وسكناتِهم صرخةً . اللهم ارسل عليهم صعقةً ، وعلى أموالهم جشعةً . اللهم لا تضيع دمَ بهية .
صباحاً دفنت بائعةُ الطيبِ ، جمعت أجزاؤها إربةً إربةً ، وضعت في كيس ووريت التراب دون مراسيم دفنٍ .
ماتت بائعةُ الطيبِ بهية وبكى في كوخِها الليلُ
جُنَّ المسكُ لثيابٍ أليفةٍ
والأقمار تعطلت تحيتُها
ماتت بائعةُ الطيبِ
انتحر العودُ وتعاظم الأسفُ الخلاسيُّ
الموتُ ديدنُ القبيلةِ
الموتُ ديدنُ المدن التي تحطُّ على الماءِ وتُحكم من الصحراء
وقتئذٍ لم تعرف البصرة نوحاً لليمام كما عرفته في تلك الأيام
لم تعرف نحيباً للنخلِ كما عرفته في تلك الأيام
لم تعرف زمجرةً للماء كما عرفته في تلك الأيام
لم تعرف هجرةً للطير كما عرفته في تلك الأيام
لم تعرف عويلاً للريح كما عرفته في تلك الأيام
لم تعرف هولاً كما عرفته في تلك الأيام
ماتت بائعةُ الطيبِ
والشجر المونع تيبس
الماء السادر توقف
والحلم القادم تبدد
قتلت بائعةُ الطيبِ
بهية
* * *
عصرُ المأتمِ بلسمُ الجُرح الغريب . هدأةٌ لرمضاء القلبِ ، فُسحةٌ للطوارفِ الخضلةِ وروضةٌ لسكنةِ الدمِ الشهيدِ . تأتي النّسوةُ بفواتيرِ الرمادِ المُسْتلّة من رفوفِ الحروبِ كي يذوبْنَها في نهرِ الدمعِ . يأخذنَ من عطايا طفل الصبحِ ما تجود به عليهنّ الخِلاسيةُ التي لم تبقِ لنفسِها سوى الفتات ، ثم ينطلقْنَ في ذروةِ الثديِّ لرضعِهنَّ تاركات للطيرِ الأزرق نهرَ الدمعِ وروائحَهنَّ . أحياناً تبقى البطونُ فارغةً فتتوجعُ الأمهاتُ لِوَلْولةٍ تُصَوِّبُ نصالَها نحو القلوبِ . تتضَعْضَعُ الأمهاتُ ألماً فيُغِيْرَنَّ على الليلِ ، يفترسْنَ جسدَهُ بزنودٍ واهنةٍ وأفخاذٍ مشبعةٍ بالقهر ، مرتعشةٍ ، أما العَذارى فيُخَضِّبْنَ الأسرّةَ مرةً واحدةً ثم يَذْبُلْنَ تحت سخونةِ الذُلِّ بعدها لا ترى لهنَّ جبيناً ، لا رأساً مرفوعةً ولا عيناً مقرورةً .
هذا العصرُ وقفت سهامُ بين المحاجر لكي تسرَّ النّسوةَ بمصدر العطايا .
قالت :
يهبط بخيطٍ مندّىً ، طفلٌ من حرير ، لم ترَ عيونُ الخلقِ مثلَهُ . ترشقهُ النسمةُ نفحةً يعابثها ويرتدُّ خَجِلاً . لم تلد الأمهاتُ عوداً كعودهِ ، لا عيناً كعينيه ولا ثغراً كثغرهِ ، أنه سليلُ الفتنةِ والطيبِ ، سليلُ الرجولةِ والخصبِ ، أنه إلهُ الكرمِ .
من يكون ؟
هبّت حليمة العذارية للسؤالِ وكانت ما تزال شمساً مشرقةً ، جبنةً طازجةً ، عوداً نضراً ، ووجهاً تسجدُ له الفحولةُ خاشعةً لولا تضببه بغمامِ الحاجةِ .
أجابت سهام :
إنه من رحم بهية التي تضافرت عليها الشرور ، وتناوشتها النصالُ ، إنه من رحمِ الضياء الذي قبضنا عليه وأودعناهُ ظلمةَ القبرِ ، من ظهر رجلٍ أنزل جابر المسحور ولم تردعْه كبوةٌ .
أيتها النسوةُ هذا صبيٌّ تيهتهُ الأرضُ في فيافيها جاء يَغمرُ أرواحَنا بموجِ محبتهِ ويُطهرُ أجسادَنا من أدْران الفاقةِ ، فلنحتضن خصلتَهُ ، نباركُ شعلتَهُ ونُعَمدُ وردتَهُ.
اندهشت النسوةُ . غابت في الماضي مَنْ كانت على مقربةٍ من شجرِ الذكرى . أسفت من أدركتها المصيبةُ ، نحبت من رأت ثم أسنّت ، جفلت من نهدت ولم ترَ سبباً للقتل . انكسرَ الوقتُ وسهام ماضيةً في الخطابِ :
أيتها النسوةُ سيغادرُنا الطيرُ الأزرق ذات ضحىً من خللِ دويٍّ وزئير ولمّا يحترب الرعدُ سيمضي إلى حتفه بأجنحةٍ من رمادِ عندئذٍ سنرممُ نفوسَنا ، نُضَمّدُ جراحَنا ، نلمُّ بقايانا حتى يأتي الردُّ ، ينخلعُ بابُ المحنةِ والسورُ الجاثم ينهدُّ ، سيطوي الغائبُ كفنَ المسافةِ ، يغمرهُ الندُّ ، ويسترخي على جسدِ الموجةِ نهدُ .
تستدرك :
عُدْ يا جابري فالحلمة تهتف شوقاً لرضيع .. البصرة شقّت ثوباً لإله الحزنِ ما بين نارٍ وصقيع .. هربَ من الطفلِ المهدُ والليلُ الداكن يشتدُّ . عُد يا جابر فالمدن ما عادت تغضب لا في الصبحِ ولا في الهزيع .
تضيف :
سيجلبُ الخلاسيون عشباً بحريّاً يستنبتونه على أطراف الصحراء ، ما يخرج من رحمِ البحر يعانقُ الرملَ ، سيصبح شجراً والشجرُ غابةً ، والغابةُ حياة .
أيتها النسوةُ
باركْنَ صبياً من عينيهِ تنسكبُ خمرةٌ
ومن جسده تنطلقُ جمرةٌ
وفي طويتهِ تجدْنَ نبياً
***