( 2 )

4 0 00

( 2 )

الرايات التي تهاوت

الخيول التي اندحرت

الوجوه التي غادرت

الورود التي استعصت على النسيم

أو التي اختلسها الندى

أوحشت الكسندر العظيم

فأغلق منافذَ الروح وارتحل

لم تَعُدْ حبيباً

لم تعُدْ أنيساً.. يا لكسندر

لكن رشفةً من حلمةٍ مغمسةٍ بالنبيذ

ستنعش غربتك

الغرباء المرميونَ على أرصفةِ التيه ، المحمولون على أجنحةِ الألم ، المشبعونَ برمادِ حرائقهم ، الغرباء المولعونَ بالقلق وفنون الهرب ، المشاكسون ، المقطوعون من صِلات أرحامهم ، الغرباء القذرون القادمون من صحاري الموت السوداء أومن وديان الهزيمة ، المُجْرَبونَ ، المنحدرون من أعلى لهاث الإمبراطوريات المنهارة المحروثة حدّ الخراب ، المستباحونَ في كلِّ الأزمنة ، الغائبونَ في العُزلةِ ، المستسلمون للذلِّ ، الغرباء المسكونون بالهمِّ والذين يسكبون الحنينَ على جسدِ المسافة والذين يغالبون الطعنات ، يمارسون خياناتِهم كلّما نطقتْ سُرَّةُ الوقت في مستنقع الندم وكلّما اكتملت صورةُ العالم في أحداقِهم التي لم ترَ وجهاً قمراً ولا صنماً عارياً . هنا على الكسندر بلاتس يقيمون وليمةً للرذيلةِ التي تستفز فحولتَهم وقداساً للإنحطاط الذي يذكي جمرةَ الرغباتِ المكبوتة . الغرباء المسعورون ينتظرون الوباءَ الداهم لنفوسهم الفزعة ، الوباء القادم مع الزحف الفجائعي لخيول أمراء الثكنات المعطوبة . الغرباء المجتمعون مصادفةً أو بميقات يسحقون جسدَ جابر المسحور حدَّ الكسرِ والإدماء ويتركونه مخضباً بحمرة قانية ، مغمياً عليه فوق بلاط الميدان دونَ أنْ يعرِف للأمر سرّاً .

فعلٌ لم يُغْضِبْ أحداً

لم يؤلم أحداً

لم يحتج عليه أحدٌ

فعلٌ بلا ردِّ فعلٍ

فعلٌ مجانيٌّ للفرجة

فعلٌ لانتشاء النفوس المُتعبة

للسلوى والقسوة

فعلٌ للهرب من أمام حصار الغربة

هذه برلين وجه المانيا المشطور ، شطرتهُ الجريمةُ نصفين ولأمته بعد أنْ جفَّ ماءُ وردهِ وضاعت الملامح ، فهل تبدي رأفةً ، رقةً ؟ هذه برلين مدينة الضَّياع والضِّباع ، مدينة الصراخ والنفاق والفخاخ ، مدينة مازال يصمُّ آذانَها دويُّ الجدار* ، مدينة هادرة ليلَ نهار ، مدينة الصخب والعنف والعداء ، حاضنة الأجناس ، مدينة السود والبيض والخِلاس ، مدينة الأعراق والطوائف والأديان والإلحاد ، مدينة العلم والتحضر والرذيلة ، المافيات واللغات ، مدينة الماء والخضرة والإسمنت ، مدينة الهجين والأصيل ، عاهرة طاهرة ، ظالمة رحيمة ، فاسقة ورعة ، كافرة تقية ، مدينة السموم والهموم واللهاث الذي لا ينقطع ، مدينة الخديعة والوقيعة ، الغواية واللذّة ، الحجاب والتعري ، مدينة لكلِّ شئ ، تمرح في عيونها الدنيا وتسرح في عيون الكون . هذه برلين ، استمالت شهرتُها جابر المسحور فترنّحَ على سُرّتها فاقدَ الوعيِّ دون أنْ يندى لها جبين ، وحين حُمِل بعد حين كان إلهُ البحر مفتوناً

بجلسته في قعرِ قوقعته ، مزهوّاً بفالته ، حالماً بأجساد حورياته ،سعيداً لطاعة كائناته ، فاجراً بنظرته ، مستهتراً في رميته ، عملاقاً مفتول العضلات لا يهاب المخلوقات ، صامتاً غير مبالٍ بالأحداث . لكن حوريةً ممشوقةَ القوامِ ، ضامرةَ البطنِ ، منحوتةَ الوركين ، كمثريةَ النهدين ، ساحرةَ العينين ، ألقت شباك صيدها وانزلقت عاريةً ، ثم تابعت رحلةَ جابر، قيل لها : كُسِرَ أنفُهُ ، جُرِحَ صدرُهُ ، نزفَ روحُهُ . ذرفت دمعةً سقطت على جبين جابر . مسّت آلامَهُ براحةِ الأنبياء . برئَ جابر . فتحَ عينيه . ذُهِلَ. نطقت:

لستُ سهام الخِلاسية .

تلعثم :

بل أنتِ سهام .

أصرت :

لست هي .

حملته بين ذراعين ملائكيتين إلى ميدان الكسندر ثانيةً . قالت : هذا ميدان الآلهة : هنا نبتون إله البحر بشموخه العظيم يرعى ملاعبنا ، هناك آلهة الطبقة بلحاهم الكثّة ونظراتهم المتحدية ، في الجوار ستجد نصبَ مصلحٍ ، ومن هنا سنفترق ، سنحمل آلامنا

ونمضي . أراد النطقَ لكن الحورية اختفت ، ربما عادت إلى البحر ثانيةً وانضمت لمجتمع الماء .

تساءل :

هل كانت سهام الخلاسية ؟

***

خَبلٌ في ثيابِ المسافة

خَبلٌ في عيونِ اللون

خَبلٌ في الظلِّ

ثم . . . . . . . . .

اخْتَبَلَ الليلُ وتساقطتِ الألوانُ في بركةِ الصيفِ ، وصيف برلين بين كرٍّ وفرِّ :

أغلقَ الأتراكُ أبواب الرحمةِ

عادَ الفيتناميون من رحلة التهريب

اصطخبت دُفُوفُ الاسبانِ على أبوابِ قُرطُبة

سكنت سرقاتُ الألبانِ

من قلب روما انطلقت موسيقى الطليانِ

توقفت غزوات الغجرِ

بدأت مساومات الروس

لاذَ الأمريكيون الجنوبيون بحاجاتهم ولعلعت مزاميرهم

تحول همسُ الأعراب زعيقاً

اهتزت أوْراكُ الأفارقة

تثاءب الإنجليز

تململ الألمانُ ضجراً

تنهد الشوقُ في صدر جابر ، ملأَ حُجرةً خَضْخَضَها فحيحُ أنثى برلينية وزئيرُ فحلٍ انغوليٍّ . كيف سينام ؟

سادَ الصراخُ حينما حاولَ رشق الجدار بأكفِّه . سادتِ البهجةُ في

ذروةِ التحليق . انهالت على رأسِه الأشياءُ كأن الأرضَ أنجبت زَلْزَلَةً . أعذرني يا سيدي ، قال الأنغوليُّ : إنها لذّةٌ عابرةٌ ربما لن تتكرر وإنْ تكررت سنزرع بذرةً سوداء تُخضِّب بياض وجه هذه الأرض ونسقي خمائلَ الأُلفةِ ، كنّا في الأوطان زائدةً تفرُّ منها البهائمُ وها نحن نفضُّ البكارةَ تلو البكارةِ كأننا الرحيقُ يمتصه النحلُ . صرنا أفيونَهنَّ ، خمرتَهنَّ وخشخاشَهنَّ . اعذرني يا سيدي على وقاحتي ربما كنتُ ثملاً ، ثرثاراً وأنتَ تنشد راحةً ، لكن شبحَ الأرقِ سيلازمك ما لم تلهب جوفَ امرأة ، ما لم تغترف من منهل النساء ، من صدورِهُنَّ ، من فروجِهُنَّ .ضحك جابرُ ، ترك الأنغوليَّ يقتلع السريرَ بِمَنْ عليه ، فهنا لا يرقص الصِبيةُ على قبر بهية ولا شكوى تصدر عن حليمة العذارية ، وهنا لا يُقتل زانٍ ولا تُرجم زانية . لقد رحلَ الإلهُ المتجبر إلى بحرٍ من الظلام دون رجعةٍ . خرج إلى الشارع ، تناهبتهُ الأضواءُ ، اللافتات ، العاهرات ، المقاهي ، الحانات .هتف بإصرار :

لن أعود إلى حجرتي إلاّ ثملاً .

دخل مطعماً يونانياً كابي الأنوار ، هادئ الأنفاس ، حلو النغمات . كان الإغريق يصنعون أوتارَ آلاتِهم من حبال التاريخ الصوتية فتنطلق الأصواتُ عذبةً ، عذوبةَ همس الحضارة ، رقيقةً كرقةِ نسائهم . أشرقت نادلٌ حلوةَ المُحيّا ، آسرةَ الطرفِ ، ثائرة الشعرِ ، هائلة الصدر ِ. تفرس جابر نضارتها ، توغلت عيناهُ في نهرِ محبتِها ، أرعشته قطرات العرقِ العالقة بقبتي الجرفين . تردد حائراً أمام تمثال إله من لحم ودم .

قال :

سأسكر من عرق أثينا أومِن نبع صباياها .

ارتشفَ من كأسٍ فتيةٍ خجولةِ الملامسة ، خمرةً مُبردةً متفجرةَ اللذّةِ، أنعشت روحَه وأتلفت صحوةَ الأشياءِ في دورةِ الاسطوانة . رقص الحضورُ . تعانقت أذرعُ وتداخلت سيقانُ . رؤوسٌ توسدت أكتافاً والتحمت أفخاذُ ، احمرّت عيونٌ وارتجفت شفاهُ ، تنهدت صدورٌ وزفرت أنوفُ . دعوة هادئة تعلنها الموسيقى للرقص . لن أرقص إلاّ معها ، قال جازماً ، هذه النادلُ ألهبت جسدي ، سأحرقها بناري وأجعلها تتلوى وجداً ، سأتوجها سيدةً للمكانِ ، للمطعمِ ، للحانةِ . تمنعت دلالاً . ألحّ ، كان ثملاً فطاوعته . رقصا على صوت نغمٍ هادئ . تمايلت بين يديه وتثنت ، هيجتها نفحةٌ من عطرهِ فتوحشت ، التصقت به ، تباعدت ممتلئةً ثم جرّته في رقصةٍ مجنونةٍ جعلت ميدانَ الرقص خالياً إلاّ منهما . صفقَ الحاضرون إعجاباً بلحظات سعيدة .

قالت النادلُ :

أنتَ أروع الراقصين .

أجابَ :

بل أنتِ روعة الرقص والجمال .

ثناءٌ مناسبٌ ،لباقةٌ نادرةٌ ،براعةُ راقصٍ أدهشت الخلقَ . نأى الخوفُ بعيداً ، تضاءل حتى تلاشى .

لم يكن منهكاً ثملاً ، كان منتشياً ، متلألئاً ، فاكتفى بدفقةٍ من وقودٍ سحريٍّ ، بشحنةٍ إنسانيةٍ دافئةٍ . عادَ فجراً ، طرباً ، حالماً ، طامعاً برؤيةِ الانغوليّ ، لكن الانغوليَّ غادر الوعي منذ انعدام التضاريس في بريقِ عينيه .

* * *

تلظّى شوقاً لسهام الغائبة ، الحاضرة ، حينما رنّت أجراسُ الذاكرةِ والتهمت المسافة . لم يجد سبباً جديراً لإزاحته ، سبباً يجعلهُ يغادر البصرةَ وسهام وتأريخ الألفة .

زفرَ حرقةً :

مَنْ لوّثَ عقلك أيتها المدينة الساحرة ؟

وقف ظهراً على مقربةٍ من مقبرة الأتراك . رأى طقساً للدفن بلا بكاء ولا عويل ، تساءل عن سبب الصمت . قيل له إنّ أباً تركياً ذبحَ ابنته لاقترافها خطيئة الزنا . صرخ من أعماقه : حتى هنا يا إلهي . إلى هنا تلاحقنا اللعنات ..! إنهم يضعون فرجَ المرأةِ بمنزلةٍ تفوق منزلةَ الربِّ وأيّ محاولةٍ للاقتراب منه تفضي للقتل بينما حالة السطو على ممتلكات اللّه لا تؤدي إلى غير الاحتجاج . صاح بأعلى صوته : دعوا هذا المهبل يتمطى حتى حدود الصراخ. دعوه ينطق بالحلم . اتركوه يسمُ في النعيم كما تركتم الملائكةَ تسموا في العلا . لم يفهم أحدُ . لم ينطقْ أحدُ . أهذه بهيةٌ أخرى ؟ تساءل متحسراً وأضاف : الموت هو الموت يا سهام ، يحملُ نفسَ الملامح ، نفسَ الأدوات ، نفس الأسلحة ، نفس الأخلاقِ ، هربناه في حقائبنا وبين طيّات ثيابنا ، هربناه في نفوسنا لنعرضه على الأمم المتمدنة وحين نادينا على من يشتري حفنةً من توحشنا ، عاد النداءُ خائباً فتقاسمناهُ بالتساوي على الرؤوس حتى صرنا وإياه واحداً . الموت هنا يا سهام مثل ما هو هناك ، أنه الملك السعيد المطلق الصلاحيات يجوبُ الأرجاءَ بحثاً عنّا وحين يصطاد ظلالنا ينقضُّ ملهوفاً ، بأدواته يمزق أجسادَنا ويعلن باسم السماء مسوغات قتلنا . سنجد في كلِّ صباح قبراً جديداً بلا شاهدةٍ ولن يكفهرَّ وجهُ برلين الحضاري ، لن تجُنَّ المدينة ، فعرباتنا تمضي محملةً بأشلائنا السمراء دون أسفٍ من أيِّ كائن ، دون رحمةٍ . مَنْ يدري لعلّ المصور الجوّال كان ضحيةً من هذا النوع . مَنْ يدري لعله أدمن رؤيةَ البشاعة حتى نفق روحه . مَنْ يدري لعل أشباح الريبة تابعته حتى ظفرت به و أجهزت عليه . مَنْ يدري لعلهُ ماتَ مقهوراً أو مقتولاً . مَنْ يدري يا جابر المسحور ، المركون في زاويةٍ مهملةٍ كيف ستؤول الأمور .

* * *

لاذَ بحجرةٍ تنفس الوحشةَ فضاؤها وعبثَ الإهمالُ بأشيائها . لاذَ فزعاً ، مخطوفاً بأجنحة الهذيان ، مثقلاً بغثيث الرؤى ، ملجوم السؤال .عادَ من جوفِ فقاعةٍ فجرتها الصدمات . أسفرةٌ هي الحياة..؟ فتح باباً لا تفضي إلى ماء المسّرة ولا طار عصفورُ الأُلفةِ في أنحائها . عادَ تاركاً شمسَ الصيف تشحنُ خلايا الجسد الفاني بزئبق الرغبةِ وتدهنُ ساقَ الوردةِ بزيت النّماء . عاد ببقايا صوت المغني صانع الشِّباك وهالة من وجه المصور الجوّال ، بحسرة من سهام الخلاسية لحظة الوداع ، وذكرى باهتة لصِبية اندفعوا في أزقة النسيان لعبوا (عُظَيمْ اللاح ). عاد بمشهدٍ متكاملٍ لانبثاقِ العماريات فجراً من كلل النوم ، يتجمعْنَ كالبجعات حول بحيرةٍ وهميةٍ ويتدفقنَ كنبعٍ صافٍ باتجاه ( الجراديغ ) على أصوات أهازيج داعرة . تنهد : آه ما أجملهنَّ حين يتوزعْنَ أثناء عودتِهنَّ ليلاً على شوقِ الأحبةِ وتمتصُّ لهفتَهنَّ سفوحُ القصب الغارقة في الظلامِ . تزاعقت الأعرابُ في الجوار . صُودِرَ الهدوءُ .

اهتزت حنجرتُه :

أيها الجيرانُ يا نتاج الصلوات الفاسدة ، يا مَنْ ضبّبَ وجهَ الظهيرةِ طغيانُكم ولم يدرككم ندمُ ، يا مَنْ قاءتكم الأرحامُ خطأً في صمت ليالينا ، ثم بارك الربُّ إيمانكم حتى عاشرتكم المهانةُ ، ارحموني فلستُ منكم ، ولستُ مبجلاً طرائقكم ولا مسترشداً بنور أحدكم .

أيها الأعرابُ لقد خلطتنا المدنُ في دورةِ أيامها كخلط التِّبر بالتّراب فانطفأ الوهجُ . أنا طفلُ الحكايات التي مضغتها الجداتُ مراراً بألسن العارفات ، أنا مَنْ أعاد للنهر عافيةً . أيها الجيرانُ لقد اُستلِبت خلوتي وجاوزت فظاظتكم ظلال صحوتي إلى هجعتي .

أيها الأعراب كان الأنغوليُّ نقيَّ الطويةِ ، صادقَ الرغبةِ ، من دكنتهِ تطفحُ خمرةُ الخجلِ في إناء الليل ويستنجدُ به السّحرُ دليلاً نحو تخوم الفجر . أمِن رقائق الذهب جُبِلَ الأنغوليُّ وجبلتم من رماد ؟ لم يسمع الأعرابُ ما أطلقَ جابرُ من شتيمة . مضوا في غيِّهم ومضى معتملَ الجائشة :

أركبتكم جنيةُ العقلِ وطافت بكم وديانَ المتاهةِ بعد أن عافتكم الديارُ ولفظكم الأهلُ ؟ المدنُ تتشابه يا أبناء جلدتي كما تتشابه الفروجُ . لِيَعُدْ إلى دارهِ مَن كان منكم في مأمنِ . سيأتي الليلُ وتقتلع أركانُ حجرتي فالأنغولي يجتاح المرأةَ اجتياحاً . إنه عاصفةٌ سوداء لا تسكن إلاّ إذا وضعت خِلاسياً يُدَبِّج نهارات برلين بسمرته أو تُلوى أعناقُ القرنفل في الصالات . هذه سليقةُ النطِّ . هذا رقيُّ الوطءِ . لا تحفل الأنثى إلاّ بالنطح . نُط ولط أيها الأنغوليّ فمنتهى الفسق عبادة .. لا تترك جسداً يتلظى شوقاً على أسرّة اللذّةِ ، أبحر في اللجّة ، في طولِ القامةِ ، فللألمانيات أجسادٌ ساحرةٌ .. لهنَّ أرشق قاماتِ الأرض على الإطلاقِ . أثداؤهنّ عصافير بريّة ، سيقانهن رخاءٌ فردوسي ، أنوفهنّ كبرياء ،شفاههنّ رقة . احرث أيها الأفريقي فهنا لا يرفّ جنحُ رقيب ، لا تمر سحابة كاذبة ، لا تموت نبتةٌ من عطشِ . سيأتي الليلُ حاملاً نعشَ امرأةٍ ذُبِحت فجراً ، دُفنت ظهراً ، سيدخل رواقاً مكتظاً بالأرواح ، سوف تتساءل تلك الأرواح عن سبب الذبحِ .

سيجيب الليلُ :

أدمنَ التركُ غسلَ العار ، حينئذٍ ستخرج عاريةً ، نائحةً ، لاطمةً . ستشق سترَ الظلامِ آكلة صدورها . حينئذٍ سيندلع لهبٌ ومن حولهِ ستحومُ ملائكةٌ ، أشباحٌ ، أرواحٌ ، وبراءة عارية ، سيحوم صِبية وصبايا . بعدئذٍ ستخرج من بين زرقةِ اللهب أجنةٌ ، ستردد أغنيةً متمردةً و قبيل انقضائها ستندفع من ذات اللهب سهام الخلاسية بثوب أزرق شفافٍ ، ستقود الكائناتِ عَبْرَ اللهبِ إلى مقبرةٍ بلا شاهدات .

* * *

مخيلةٌ توسدت ذراعَ الأرقِ وهامت في مَسَالِك الكونِ تبتغي شجراً شُلّت يدا طاعمه . مخيلةٌ تفجرت ينابيعها وجرت نهراً بآلاف الضفاف . نَفْسٌ انصلبت على بابِ الذهولِ هتفت باسم أحبابِها . نفحةٌ من نسمةِ الصبح بلورت أدمعَ الحنين ونثرتها على الوسائدِ . ضوءٌ فاض دفئاً وغمرَ جسدَ الشرفةِ التي باتت وحيدةً . سكينةٌ شعّت من عيون طفل غادر كنفَ أمّه ، المولعة برجالٍ خشني الطباع ، إلى الرصيف . جابر المسحور اكتشف رحيلَ النوم إلى

أقصى المجرات منذُ مجيئه برلين * . الأعراب في الجوار صرعى الأفيون . الإنغولي في الطابق الأعلى أنهكه التناسل . خرج جابر إلى شارع الآبار وقد تصلّب عودُ الصبحِ . تلقفته الأشياءُ والكائنات التي نادراً ما تستجيب لغريب : ببغاءُ رَبَضَت في قفصٍ تصدّر واجهةً لمحلات بيع الطيور داعبته برقةٍ : سهام .. سهام ، إله النخيلِ . جفلَ جابرُ ، فزع جابر ، تماسك جابر . طالبها بتكرار القولِ ،صمت الطيرُ . في المحل المجاور وقفَ بائعُ الساعاتِ حائراً أمام تعطل الوقت في عقارب ساعاته . امرأةٌ مرّت مروراً عابراً ، تفوهت سريعاً : وجدوا طفلاً خلاسياً ميتاً في أنفاق المترو. انتفض جابر ، تابع المرأة التي ولجت محلاً للزهور وارتدّت خائفةً ، صائحةً : ما قيمة الورد الذي نزفَ عطرَهُ ؟. في النفق مخمورٌ توسد قنينةً فارغةً ، فتاةٌ ملونة ُ الشعر ، موشومةُ الجسدِ ، انبطحت على الدركةِ الأخيرة تاركة تنورتها تنحسر إلى سرّتها ، متناسية أنها بلا لباس .

جاء المترو :

جوقة من غجر رومانيا تهزُّ العربةَ ضجيجا ً

رجلٌ تأفف ضجراً

صبيٌّ يُطعم أمه في كرسي المقعدين

طفلٌ يوزع النظرات بين الغرباء يلوذ بحضن أبيه

شابان يتعانقان بحرقة

شيخٌ يداعب كلباً

عجوز تحل الكلمات المتقاطعة

فتاةٌ تقرأ كفّاً

نازيٌّ يُلوّحُ للغجر بسكين .

أين المصور الجوّال ؟

تساءل في سرِّهِ :

لماذا متّ أيها المصور الجوّال ؟

أضاف :

برلين لا تهتم بالمصور الجوّال . لم أرَ واحداً في أيِّ مكان . توقف المترو . نزل جابر . وجهٌ أليفٌ أشرقَ في سمائه وشعّ فرحاً . سيدة المطعم رفرفت بجناحين ذهبيتين ، أخذتها الفجاءةُ وسلكت سلوكاً ملائكياً :

نسيتُ أن أطلبَ عنوانك ، انتظرتُ عودتك ولم تَعُدْ .

ما شأنك بعنواني يا ملكة الإغريق ؟

سؤالٌ حيرني .

ما هو ؟

بماذا تتطيب يا هذا ؟

بلا شيء فالماءُ أطهر من كلِّ عطور الدنيا .

لا أصدق !

لماذا يا ربةَ الرقص ؟

لأنّ رحيقاً فحولياً يتأرّج به جسدُك يغوي النساء حالما يلتصقن بك . هل أدركتكِ الغوايةُ ؟

أجل ولولا الحياءُ لأخذت وطري منك تلك اللحظة .

طأطأت خجلاً

لا تخجلي يا أميرةَ الحسنِ فأنا لم أُنَبّه إلى هذا من قبل ، وسهام الخلاسية عندما أحبتني حتى الموت لم تُفتِ بفتوتها .

لا تخجلي يا أغنية الهيام فأنا قادمٌ الليلةَ على براقِ انكساري .

ربما استمالتني النساءُ وأنكرني الرجال لكن لا دراية لي بهذا الرحيق الناضح الذي تحدثتِ عنه .

لا دراية لي بهذا الكمِّ الهائل من النفحِ العطريِّ واللفحِ الحراريّ المُتسرب من جسدي إلى جسدك .

لا تخجلي فالليلة سنشعل سماء المطعم بحطبِ الصندل والأبنوس .

أ أنتِ الصندل والأبنوس وأخلاطٌ من مطايب أخرى ؟

أتغادرينني ؟

أجل غادريني و أوقدي الشمعَ في صحون الليل لكي تلتمعَ ساعةُ البهجةِ أما أنا فسأكمم تحتي لئلا يصرخ لحظةَ العبادة .

وأنتِ ما أنتِ فاعلةٌ حين تنزّ مياهُ جوفك ؟

هذه برلين مدينة الغرابة والغواية ، أمواتُها يتوارون بصمتٍ ثم يُطلّون من رؤوس التماثيل مثل آلهةٍ خالدة . أحياؤها يُزَفون صبحاً بعد معاشرةٍ وإنجابِ ، يُزَفون مثل ورودٍ سُقيت بالأنخاب . مدينة الخليط من الأجناس . كلما اشتدتِ الشموس يتعرقُ صيفُها لآلئ على أعمدة النحاس *. شتاؤها مرايا للنفوس . متقلبة الهوى كأمزجةِ أهلها . غادريني يا سيدة المساء . تقطَّري وتشذّي في دورقِ الظلام فأنتِ حزمةٌ من عُروق البرِّ تتفوح كلما تندّى جبينُها وكلما تغمدت آبارُها بماءٍ مقدسٍ . إليكِ سأطيرُ يا فراشة الحاناتِ لكي تَصبِّي في كأسينا بلسماً من سحر اليونان أو سائلاً مكثفاً من عودِ الريحان أو دمعةً أُريقت في لذّةِ العناقِ فأسكرت كوناً أضنته الصحوةُ فأنتِ وربّ الخمرةِ مَن يسدّ منافذَ الجَفْوةِ ويطرد غولَ الغربةِ . غادريني يا أعذبَ صوتٍ وأحلى طلعة جلتها يدُ الخالقِ وأهدتها للبشرية على طبقٍ من ياقوت . غادريني فأنني مهما تغزلت ، أطنبتُ وصفاً وكلت مديحاً ومهما بالغت ثناءً فأنك لم تصمدي أمام صورةِ سهام ولن ترتقي شعرةً فوقَ ساقِها .

غادرت سيدةُ المطعم بأبهةِ الأميراتِ يجرُّ مركبتَها جوادٌ أبيض نحو الحلم . غادرت ولم يبقَ منها غير اعترافٍ فاضحٍ أدهشَ جابر وكلّله بهالةٍ من غرور . تساءل :

هل يُعقَل ما أدلت به اليونانية ؟

مضى مأخوذاً بنفسهِ ، مخطوفاً بالاعترافِ ، منتشياً ، متناسياً ما قاله الطيرُ ، ما فاهت به المرأة العابرة ، متجنباً حيرةَ الساعاتي،

منشغلاً برحيقهِ أو عبيرهِ الذي هيّجَ أُنوثةً ربما كانت خاملةً ، خامدةً ، أولم تستعدْ لنشاطٍ محموم . لامَ سهام التي صارت صَنْو روحهِ على إخفائها ما باحت به فتاة المطعم : آه يا سهام كم كنتِ قاسيةً معي . وجدها مخلوقاً سامياً لا يستحق اللوم ، فأكبر فيها عِزّةَ نفسِها وشموخها وتساءل :

هل أخفيتِ شبحَ اللوثةِ في عفّةِ القديسات وتلسعتِ بنارِ محبةٍ خالصةِ الوفاء ؟ فنساء الغرب لا يخفينَ شعوراً ، لا يكتمْنَ أنّةً ، لا يجاملْنَ في لذّتِهنَ ، عاريات الأجسادِ والسرائرِ ، لا يتواريْنَ خلف حشمةٍ زائفةٍ ، لا يتخمرْنَ لإله ، لا يرتجفْنَ أمام رجلٍ أو يسجدْنَ له ضارعات ، فتلك مصائب أودعها الربُّ في أرْدِيَةِ الشرقياتِ ونأى بكرمهِ نحو هذه التخوم . اغْرقي في رحمِ الفرقةِ وابحثي عن نطفةِ الخيانةِ ستجدينها متجليةً في حدقةِ المدينةِ . تمرغي بوحلِ الجذور ِ، فلأشياءُ تبقى ناقصةً ولم تبلغْ تمامَها . الكائنات مهما انتفخت لم تبلغ كمالَها وحين تذوبين في أنساغِ النخل سيطرح ثمراً خِلاسياً . تلك أُحْجِيَّةُ الخليقةِ ، سقطةُ الخلقِ ، نباهةُ الخالقِ . هاجرَ النومُ وفاحت رائحةٌ ،هذه خطوةٌ للمحنةِ طُبعت على طريقٍ شديدة الإنحدار ، صيحةٌ خلخلت خمولَ الوحدة ، دفعةٌ في ظهرِ الغفلةِ . ستمضي الليالي قاهرةً ، مرتديةً وبَرَ القتلِ . لا تلجمي خيولَ الشوقِ حين تشرع بالصهيلِ . دعيها تهرش ديدانَ رأسي ، تُحطِّم سقفَ صمتي ، تحرثُ أرضَ يأسي . دعيني أُلاقِها مجردَ اللحظةِ ، نافدَ الصبرِ ، تسبقني لوعتي ، لأشهر أمامَ الملأ وردةَ حتفي . أعتقي طيورَ الدهشةِ التي أغوتها المسافةُ وتوغلي في عمقِ الفيء إلى وطنٍ انتزعت حُروبُهُ حناجرَ البلابلِ وصادرت طربَ التيجان . توغلي عَبْرَ بوّابةِ البادية إلى وطنٍ لم تبقَ منه بقيةٌ أو تدخلي من فمِ النهرِ إلى جسدٍ مزقته نصالُ الطغاةِ . لم يبقَ سوى الموتِ على أبوابِنا هاتفاً ، لم نسمعْ غيرَ زئيرهِ . لم نشم غيرَ روائحه . فلتدخل أيُّها الموتُ المجحفل بالضجيج والفجيعة فنحن لا نحفظ غير نشيد الندم منذ أنْ غادرنا النخيلَ وظل باكياً .

* * *

قاءَ الألمانُ تحت وهجِ الشمسِ بعضاً من رغوةِ الحقدِ وغادروا الأرصفةَ إلى دورٍ سدّت بوجه الحروب أبوابَها واشرعت نوافذَها على المجهول . نزعوا إلى التطهر بأفياءِ السكينة في حدائقَ تعرت أجسادُها وترذذت بما أنتجهُ المسامُ . أشاعوا صقيعَ نسائهم لِمَنْ ينحته على الرخامِ أو على الجدار الذي هوى وظلّ في النفوسِ قائماً . هل يتعلم الألمانُ درساً في الحبِّ وآخرَ في السلمِ؟ حتى تخترق مُدنَهم جداولُ الصحوةِ وتحرس سماءَهم بذورُ الأُلفةِ ؟ فالغرباءُ النشطون قادمون من أقصى التضاريس لاقتلاع جذرِ الرغوةِ . الغجرُ قادمون من أعلى أكتاف التوحش بجوشن الغوايةِ ،

طعمِ التهتكِ ، جنونِ الضفائرِ وبرقِ عيونٍ جلاهُ الترحالُ . السلافيون من وهدةِ انهياراتهم قادمون بكلِّ الحطامِ الحلمي الذي بعثرتهُ العواصفُ . الفُرسُ قادمون بحفنةٍ من رمادٍ خلّفتها نيرانهم التي التهمت أجملَ الحضارات . الأتراك ينبشون في صناديقِ تواريخهم التي امتلأت مفاسدَ . اللاتينيون يعزفون على أوتارِ محبتهم جموحَ الرغبةِ ويمرون من تحت الأجفانِ ومضاً راقصاً ، محبباً . الهنود المعبأون في توابيت مهربةٍ يصدمون أُنوف الموانئ.

تدفقت نَفْسُ جابر :

أيها الألمانُ ما أسعدكم ! حيث لن تسعوا إلى خفايا الشرقِ بعدئذٍ فهو آتٍ برمتهِ ، حافياً ، ذليلاً ، خانعاً . سيصطافُ في حاوياتِ قمامتكم . ستأتي القارّاتُ زحفاً على بطونِها : تسفح أفريقيا دكنتَها في شوارعكم ، ويفلق عيونَ آسيا الذهولُ حين تتفرس في شقرتكم وتكتشف ثراءَكم . عندئذٍ ستحمل أثقالكم ، تُبخِّر ثيابكم ، وتمسح أحذيتكم من غبار تربتها . ستفجعنا الرؤيةُ أيها الألمانُ حينما نستيقظ على ضراعات الرشيد* في ساحةِ الكودام يستجدي رغيفاً . سوف ينسفُ أفئدتَنا الألمُ حين تقف شهرزاد على قارعةِ الطريقِ في شارع ( أورانين بورغر ) مع صفٍّ طويلٍ من العاهراتِ بعد أنْ تفرَّ من شهريارها في الليلة الثانية بعد الألفِ . عندئذٍ هل يطلُّ وجهُ

داود من خلف نجمتهِ المحفورة في صدر المعبد أم يتسلق القبةَ المذهبةَ ويبتسمُ شامتاً * . تراجع تدفقُ نَفْسِ جابر مع حلول ظلِّ المساءِ وحانَ وقتُ العودةِ .

صاحَ بصوتٍ مرتفعٍ :

إلى أين يا جابر المسحور ؟ أتذهب إلى سيدة المطعم حيث تعبث بالرحيقِ أم إلى حجرتك المسكونة بالزعيقِ ؟ وفي أيٍّ من هذه الأنحاء ترمى جثتك ؟ فهذه المدنُ لا يحل شكيمتَها انسكابُ دمعةٍ ولا يندى جبينها حين تغمره ببصقةٍ .

تعارضت الأسئلةُ في متاهةِ جابر . ظلَّ حائراً متردداً . ساعتئذ حَسَمَ نزفُ العبيرِ مسارَ خطوهِ .

* * *

في المطعمِ اليونانيّ أَنَّ النورُ من وهنٍ

وتلوّت ذوائبُ الشمعِ

في المطعمِ انتظرتِ المقاعِدُ روّادَها وتزينتِ الحانةُ :

ارْتَدَت حريراً أزرقَ وتكللت بطوقٍ من عيونِ القرنفل

في المطعمِ دقَّ الرقصُ خصرَ امرأةٍ وجرى الدفءُ في نهرٍ ارجوانيّ حتى اختمرت الضفاف .

في المطعم شبحُ إلهٍ أسبلَ جفنيه دلالاً

احمرّت وجنتاهُ خجلاً وتبتل

في المطعم كونٌ مخمليٌّ هيجتهُ الزفرات :

جسدٌ لم يُخلقْ للّمسِ

أُذنٌ تُخدش بالهمسِ

عينٌ إذا فاجأتك ، صرعتك النظرات

فمٌ قرمزيٌّ

إنْ أبحرت دهراً في طلبه أنكرته الجنّات

في المطعم طقسٌ للسوسن

في حضرةِ نبيٍّ تتلى عليه الصلوات

قالت :

سيدي ستسبح الليلةَ في بحر المخملِ

لكن أحذر فالموجُ خَؤُونٌ

لا تخرق قانونَ الأشياء

لا تهتك قاعدة الأسماء

فأنّ النهرَ الدافئَ ملكٌ للأحياء

قالت :

سيدي فلنختزل المسافةَ

إنّ الوقفةَ خلف الأحراشِ

تحيلك طيراً مذبوحاً

والصحوةَ فزّت منذ الصبحِ ودخلت جسداً مجروحاً

قالت :

سيدي فلنسكر

انتحر الشمعُ في قاع اللوعةِ وتبخر

رفسَ المقعدُ كأسَ الحانةِ وتعثر

ذابَ الحريرُ في صمتِ الطوقِ وتحجر

قالت :

سيدي فلنظلم

إنَّ الظلمَ في بعضِ الأحيانِ نشوةٌ

والنشوةَ في بعضِ الأحيانِ شهوةٌ

قالت :

سيدي فلنفعل

لامسَ الطلُّ وجناتِ الليل فتشجر

والجمرةُ صعقت تنوري فتَسَجَّر

قالت : سيدي فلنفعل

جابر يستجيب لنداء الروحِ ويغزو

يحتل جسداً مشبوباً

يُطوِقُ أفراسَ الإغريقِ ويروي أرضاً مهجورةً

فرسٌ تكسرُ طوقَ الأسرِ وتصهل

يرتج المطعمُ والنورُ الواهنُ يختلُّ

قالت :

سيدي روّضني ، فالغور العاصفُ يقتلني ، والحوت اللابط يهزمني . ساعةً تصحو الأشياءُ على حطامِها ، النادلُ على انسحاقِها وجابرُ المسحور ترجل .

قالت :

سيدي فلنرحل !

* * *

غبشاً خرجَ جابرُ مترنحاً ، مبعثرَ الخطوةِ ، مشلولَ الفكرةِ ، ومن أجلِ إطفاءِ جذوةٍ في الظلامِ أَهْدَر أريجَ العمرِ في طبقِ الغلطة . غبشاً خنقهُ حبلُ الصحوةِ . فهل يعودُ إلى حجرةٍ فتك بها الأرقُ وسامرت الأنجمَ ، حجرة أدمى الأعرابُ خاصرتَها وحطمت غِلمةُ الأنغوليّ هامتَها ؟

نبتةُ سوءٍ اعترضت ليلي

هتفت نفسُهُ

صيحةُ جنيٍّ خرمت رأسي . لن أعودَ إلى حجرتي بما تبقّى من الوقتِ سأجوب ما استطعت من أرض برلين . وحيداً سأنزفُ مرارة غربتي . وحيداً أتشظّى مثل غيمةٍ كاذبة . وحيداً أقيء خطيئتي ، ووحيداً أسمو على تفاهتي . سأرى القيامةَ بعين النزوةِ ، وبرلين هي القيامة ، حيث لا طارق يطرق بابي ولا امرؤ يخصني بالتحية . إنها الجفوّةُ إلهي وبرلين هي الجفوّة ، متجهمةٌ ليلَ نهارَ ، متوترةٌ صيفَ شتاءَ ، متحزمةٌ للشرِّ من الشروقِ إلى الشروق ِ. سأحملُ نعشي وأمضي وحيداً دون الأغرابِ ، فالأغراب بالوا على نظافةِ أوطانهم . سأزورُ حوريتي الساعةَ ، أسألها عن سببِ القتلِ ، عن طرقِ الدفنِ ، عن العفنِ المنقوش على السرائرِ ،عن الأرقِ الجلاّد لعيني . أسألها : هل أحجز نفسي كالجنين في الرحم ؟ سيأتي الباصُ الملعون ويحملني إلى نبتون فأنا بصقتُ على كلِّ التماثيل التي أُغرِقت أفكارُها في الطين ، سخرتُ من وجوهِها البلهاء التي لا تعرف للنطقِ سبيلاً ، هزِئتُ من قاماتِها الميتة . ماذا لو كانت كحوريتي التي جُبلت من نطفةِ العقل . ها قد جاء الباصُ. ستحملني أيها البليدُ إلى غايتي عَبْرَ الطرقِ المزروعة بالخيباتِ ، لأرى نصبَ النّصر لشعب لم يتذوق طعمَ النصر ، لامرأة تتجنح بالعهرِ . استمني أيتها الشعوبُ المغفلةُ بوتدِ النصر . امضِ أيها الباصُ الأحمق نحو قبعةِ القائد ، عجبي ! . . كيف شُيّد قصر الثقافات العالمية على هيئةِ قبعة القائد ؟ خسئت ثقافة مارست

لواطَها تحت القبعة وخسئ المثقفون . أُبحر أيها المجنونُ إلى بوّابة براندنبورغ * ، أسرعي أيتها الدابةُ إلى حجرِ العثرة ، ستبقى البوّابةُ تقضُّ مضاجعَهم . هنا رقص الألمانُ على جسدِ الغلطةِ . هنا بدأت الفرقةُ . هنا دقّ ناقوسُ الأسفِ وهنا تبددت كرامةُ المدن.

توقف الباصُ في ساحة الكسندر . نزل جابرُ ، هرع نحو حوريتهِ ، وجدها جالسةً بأبهةِ الحوريات . طوّق عُنقَها . وضعَ رأسَهُ على رأسِها .. بكى .. تزحزحت من مكانها .. مالت نحوَه .. عبثت بشعرهِ قالت :

ما بك ؟

أجاب :

أغيثي أيتها الحبيبة غربتي . لقد هجرني النومُ ، قاتلني الأرقُ وتعاظمت خطيئتي ، ثم نضحتُ رحيقي وتشظيتُ ، تحطمت ودختُ . ابتسمت الحوريةُ .. إلى حضنِها حملته .. قرّبت وجهَها من وجههِ .. قبلتهُ ، نطقت :

مازلتَ فتياً

جئتُ أسألكِ عن أسبابِ القتل ، عن سبلِ الدفن ، عن جيفِ الطويةِ. هدلت مثل حمامة :

هذا كثير يا جابر . لم يمضِ زمنٌ على لقائنا حتى طفحَ إناؤك ، طقَ روحُك ، ونفد صبرُك . لا تخف يا جابري ، سيأتي النومُ ليلةً ويذهب الأرقُ ، يلتئم جُرحُك وتنضمُّ أجزاؤك ، ستبرئ من الخطايا . فرِحَ جابرُ ، ضمَّ رأسَهُ في صدرها ، استنشقَ عطرَها ، مررّ يدَهُ على خدِّها .

قالت :

لا تقطع عني فأنا ساهرةٌ من أجلِك . نزل جابرُ عن حضنِها ، وقفَ أمامَها وكأنه لم يصدق حوّاسَه .

تساءلَ :

ألم تكوني سهام الخلاسية ؟

أجابت بهدوء :

ألا يكفيك حناني ، فأنا لستُ هي على أيةِ حال .

***