10

7 0 00

10

مقدمة

الصبا الحلوة العذبة المنبعثة من كل موجود في الأرضأو في السماء، والتي تتغنى بأهازيج

الحب والوجد كما يعرفها الصبا، خالية من كل ما يفجع، طائرة على أجنحة من الأمل إلى

جنات فيحاء كل ما فيها ورد وريحان وحور عين. بل إن لفجائع الشباب لشعرًا له روعته

وموسيقاه. هذا وغيره من صور الصبا المرسومة في زينب يمثل شبابي، ولذلك أحن اليوم

إليه حنين القلب إلى مثوى محبوب ذهب ولن يعود.

ولعل الحنين وحده هو الذي دفع بي لكتابة هذه القصة. ولولا هذا الحنين ما خط

قلمي فيها حرفًا، ولا رأت هي نور الوجود. فلقد كنت في باريس طالب علم — كما ذكرت

من قبل — يوم بدأت أكتبها. وكنت ما أفتأ أعيد أمام نفسي ذكرى ما خلفت في مصرمما

لا تقع عيني هناك على مثله. فَيعاودني للوطن حنين فيه عذوبة لذّاعة لا تخلو من حنان،

ولا تخلو من لوعة. وكنت ولوعًا يومئذ بالأدب الفرنسي أشد ولع، فلم أكن أعرف منه

إلا قليلًا يوم غادرت مصر وبضاعتي من الفرنسية لا تتجاوز الكلمات عدٍّا. فلما أكببت

على دراسة تلك اللغة وآدابها رأيت فيها غير ما رأيت من قبل في الآداب الإنكليزية وفي

الآداب العربية. رأيت سلاسة وسهولة وسيلًا، ورأيت مع هذا كله قصدًا ودقة في التعبير

والوصف وبساطة في العبارة لا تواتي إلا الذين يحبون ما يرون التعبير عنه أكثر من

حبهم ألفاظ عبارتهم. واختلط في نفسيولعي بهذا الأدب الجديد عندي بحنيني العظيم إلى

وطني، وكان من ذلك أن هممت بتصوير ما في النفسمن ذكريات لأماكن وحوادث وصور

مصرية. وبعد محاولات غير كثيرة انطلقت أكتب »زينب «. وبدأتها وأنا أحسب أني سأقف

منها عند أقصوصة صغيرة كغيرها من الأقاصيص التي كتبت يومئذ. لكني رأيت نفسي

أفسح أمامها مجالها، ورأيت مصر تطوى وتنشر أمام خيالي مناظرها، ورأيتني أشعر

بلذّة دونها كل لذة كلما سطرت صورة من صور هذا الوطن الذي أحنّ إليه، ثم راجعتها

فرأيتها تترجم عن الحقيقة المرتسمة في نفسي. ولم تمضأسابيع على بدئي الرواية حتى

رأيتني اعتزمت إتمامها كما تمت، لأصور فيها حياة الريف المصري أصدق تصوير كنت

أستطيعه. والعجيب أن شهوة ملكتني لم أكن أستطيع تفسيرها. ذلك أني كنت أفضل

الكتابة في القصة في ساعات الصباح على أثر يقظتي، وكنت إذا بدأت أكتب أسدلت أستار

نوافذي فحجبت ضوء النهار، وأضأت مصابيح الكهربا، كأنما أريد أن أنقطع عن حياة

باريس لأرى في وحدتي وانقطاعي حياة مصر مرسومة في ذاكرتي وخيالي. أما حين

كنت في سويسرا فكثيرًا ما كنت — إذا بهرني منظر من مناظرها الساحرة — أسرع إلى

كراسة زينب، فأنسىإلى جانبها منظر الجبل والبحيرة والأشجار تتسرب من خلال أوراقها