الفصل الأول

6 0 00

الفصل الأول

وأحاط بالمكتب جماعة من العمال أمسك »التملية « منهم دفاترهم بيدهم، وانحنى الآخرون

يسألون عن عدد أيام شغلهم، وعلى شباك الغرفة وقفأولاد وبنات وشبان يعلوهم الصمت

ساعة، ثم يتكلمون جميعًا بين أسنانهم، يظهرون حنقهم على هذا الكاتب الذي يضايقهم

ساعة أخرى. وبعد أن طال بهم الوقوف صدر قرار بأن الدفع سيكون في السوق.

هنالك عم الاستياء وصرت تسمع من جوانب شتى: واللي مش رايح السوق؟

وتكررت هذه الكلمة وسواها من مثلها. ثم بلغ الاستياء أن صمم بعضالعمال على

الذهاب إلى المالك نفسه لتقديم شكواهم إليه. وفي تلك اللحظة مر أحد أقاربه المحبوبين

عند العمال، ومن لهم بعضالجرأة عليه، فأحاطوا به، وجعل كل يشرح له عذره، فيرضي

خاطرهم بكلمات تسرّهم ولكنها لا تفيدهم شيئًا.

انصرف الأكثرون منهم مقتنعين أنهم في صباح الغد سيقبضون، وآخرون رجعوا

إلى الكاتب يسألونه عن قيمة ما لهم، فإذا لخليل أبو جبر ستة أيام، أي ثمانية عشرقرشًا.

أما عطية أبو فرج فقد أمضىأكثر أيام أسبوعه مريضًا، فخرج منه بستة قروش، وهو

يعول امرأة وبنتًا صغيرة، ويساعد أمٍّا له دقتها الأيام، ولم يبق لها من أبنائها من يعينها

سواه. بالرغم من الخلق المرقوع الذي يلبس هو وبقية أفراد عائلته فلم يكن من سبيل

لغير هذا ما دام الأجر على ما هو عليه من ضعف. وإنه ليحمد لله على كل حال، وعلى

أن جاموسته لم تمت كما حصل لجاره مبروك أبو سعيد، فتضطره لأن يبقى في المصيبة

شطرًا من عمره.

في الصباح حضرالكثيرون منهم من جديد إلى الكاتب. ومن جديد عبس في وجههم

قائلًا أن ليس معه »فكة «. وبالرغم من إلحاح بعضهم وإقرار الآخرين عملهم فقد خرج

المالك وهم لا يزالون يناكفون الشيخ علي، والشيخ علي لا يسمع كلامهم. فذهب منهم من

يشكو للسيد محمود أمره، وإن كان يعلم أن السيد يعيرهم في الغالب أذنًا صماء. ولكنه

في هذه المرة نادى كاتبه، وأخذ بنفسه أمر إرضاء هؤلاء المساكين الذين بشّت وجوههم،

وافترت بالسرور ثغورهم، وجعلوا كلما رأوا الكاتب خارجًا من عند السيد ينظرون إليه

ويتغامزون. وأنسى الشيخ علي أمرهم ما هو فيه من كرب، إذ أخذ عليه سيده غلطة في

الحساب، فهو يعنفه من أجلها. وأخيرًاصرف العمال بعد أنصرف لهم أجورهم، وذهب

الكثيرون منهم وهم أشد ما يكونون فرحًا، خصوصًا وأنهم رأوا الكاتب صغيرًا أمامهم.

ذهب الكثيرون منهم إلى السوق. ولقد كان هناك أبو زينب منتظرًا أن يرى الكاتب

فيأخذ منه أجر أبنائه. ولم يبطئ الشيخ علي، بل ما لبث أن تلقى أوامر السيد حتى ذهب

هو الآخر للسوق، وصرف لهؤلاء الآخرين استحقاقهم بعد أن حصل على »الفكة .«