( 1 )
كانت العجوز آنَّا ترقد على سرير حديدى ضيق قرب الموقد الروسى . راحت تنتظر الموت الذى آن على ما يبدو أوانه : كانت تقارب الثمانين من عمرها . كم تحاملت على نفسها طويلا وتماسكت ساعية على قدميها ، ولكنها استسلمت ورقدت بعد أن خارت قواها تماما منذ ثلاث سنوات مضت . فى الصيف شعرت وكأن صحتها قد تحسنت قليلا ، فأخذت تزحف إلى فناء البيت لتستدفئ تحت أشعة الشمس ، بل وكانت أحيانا تعبر الشارع على مراحل متقطعة تستريح خلالها فى الطريق إلى بيت العجوز ميرونيخا ؛ مع اقتراب الخريف وقبل نزول الثلج فارقتها آخر بوادر قوَّتها حتى إنها لم تكن تقدر على تنظيف القصرية التى آلت إليها من حفيدتها نينكا . وبعد أن سقطت مرتين أو ثلاث متتالية على سلم المدخل فرضوا عليها عدم النهوض بتاتا ، فلم يتبق لها فى حياتها كلها ما تفعله سوى القعود فى الفراش أو الجلوس على حافته مدلية قدميها نحو الأرض ، ثم تعود ثانية للاستلقاء والرقاد .
أنجبت العجوز خلال حياتها الكثير من الأبناء ، والآن لم يبق منهم بين الأحياء سوى خمسة بعد أن زارهم الموت كما تزور العِرسة قن الدجاج ، ثم نشبت الحرب . ومع ذلك فقد نجا خمسة : ثلاث بنات وابنان . عاشت إحدى البنات فى نفس المنطقة ، والأخرى فى المدينة ، أما الثالثة فقد كانت تعيش بعيــدا جدا ـ فى كييف . انتقل الابن الأكبر من الشمال ، حيث استقر بعد الخدمة العسكرية ، إلى المدينة أيضا . أما العجوز فقد استقرت عند ابنها الأصغر ميخائيل ، الوحيد الذى لم يترك القرية ، وراحت تبذل كل ما بوسعها حتى لا تعكر بشيخوختها حياة أسرته .
فى هذه المرة سار كل شئ فى اتجاه أن العجوز لن تبقى حتى نهاية الشتاء . فمنذ الصيف ، وبمجرد أن بدأت صحتها تتدهور ، صارت تنتابها نوبات إغماء . وكانت حقن الممرضة التى تركض نينكا فى استدعائها هى التى تعيدها من العالم الآخر . وحينما تعود إلى وعيها تظل تئن فى ضعف وبصوت غريب ، والدموع تطفر من عينيها ، ثم تتمتم :
ـ كم مرة قلتُ لكم : لا تلمسونى ، دعونى أرحل بهدوء . أين كنتُ الآن لولا ممرضتكم هذه . ـ ثم تُعَلِّم الصغيرة : ـ لا تركضى بعد الآن إليها ، لا تركضى . إذا أمرتك أمك بالذهاب ، اختبئى فى الحمَّام ، وانتظرى قليلا ، ثم قولى لها : إنها غير موجودة بالبيت . وسأعطيك مُلَبَّسَة ـ فى غاية الحلاوة …
فى بداية سبتمبر هبطت على العجوز مصيبة أخرى : استحوذ عليها نوم متواصل . لم تعد تأكل أو تشرب ، وإنما راحت فى نوم طويل . يلمسونها ـ تفتح عينيها ، تتطلع بنظرة خابية من دون أن ترى شيئا أمامها ، ثم تعاود نومها من جديد . وكانوا يلمسونها كثيرا ـ لكى يعرفوا : حية أم ميتة . تيبس جسدها ، وفى النهاية اصفرت ملامحها ـ صارت جثة هامدة وإن لم يغادرها النفس الأخير .
عندما صار من الواضح تماما أن العجوز سترحل إن لم يكن اليوم فغدا ، ذهب ميخائيل إلى البريد وأرسل تلغرافات إلى أخيه وأخواته ـ للحضور . بعد ذلك هز العجوز موقظا إياها ، وابتدرها قائلا :
ـ انتظرى يا أمى ، سيأتون سريعا . يجب أن يروك وترونهم .
فى صباح اليوم التالى ، كانت فارفارا الابنة الكبرى للعجوز أول الحاضرين . لم يكن حضورها من منطقتها صعبا ، فالمسافة لا تزيد عن خمسين كيلومترا ويمكنها أن تستقل أية سيارة بالطريق . فتحت فارافارا البوابة الخارجية ، لم تلمح أحدا فى الفناء ، وبمجرد أن تنبهت للأمر انفجرت فى الصيـاح والعويل :
ـ أمى ، يا أمى … !
وثب ميخائيل نحو السلم :
ـ تمهلى ! فهى لم تزل حية بعد . إنها نائمة . لا تصرخى ، على الأقل فى الشارع . وإلا ستجمعين علينا أهالى القرية كلهم .
دخلت فارفارا دون أن تنظر نحوه وسقطت على ركبتيها بجوار سرير العجوز ، ومرة أخرى راحت تهز رأسها وتنوح :
ـ أمى ، يا أمى … !
لم تستيقظ العجوز ، ولم تسر فى وجهها نقطة دم واحدة . ربت ميخائيل على خدى أمه اللذين تقعرا . عندئذ فقط تحركت عيناها تحت جفنيها . حاولت فتحهما ولكن دون جدوى .
ـ أمى ـ هزها ميخائيل ـ هذه فارفارا قد حضرت . انظرى .
ـ أمى ـ جاهدت فارفارا ـ هذه أنا ، ابنتك الكبرى . جئتُ لأراك ، وأنت لا تنظرين إلىَّ ! يـا أمى !
اهتزت عينا العجوز ، ارتجفتا مثل كفتى ميزان ، ثم تصلبتا وانطبقتا من جديد . نهضت فرفارا وابتعدت لتبكى خلف المائدة ـ حيث الوضع أكثر راحة هناك . بكت طويلا بينما أخذت تدق رأسها بالمائدة . انهمرت دموعها غزيرة ولم تعد قادرة على إيقافها . بالقرب منها راحت نينكا ذات الخمس سنوات تروح وتجئ وتنحنى حتى ترى لماذا لا تجرى دموع فارفارا على الأرض ؛ أبعدوا نينكا ، ولكنها ـ تلك الماكرة ـ تسللت مرة أخرى واحتلت مكانا خلف المائدة .
فى المساء وصل إيليا ولوسيا من المدينة على ظهر مركب اتضح أنه لحسن حظهما يتناسب مع الظرف الطارئ على الرغم من أنه يبحر مرتين فقط فى الأسبوع . استقبلهما ميخائيل على الرصيف وقادهما إلى البيت الذى ولدوا جميعا فيه وكبروا . ساروا فى صمت : لوسيا وإيليا على الرصيف الخشبى الضيق المتضعضع ، وميخائيل إلى جوارهما على الوحل المتيبس . راح القرويون يلقون بالتحية على لوسيا وإيليا دون إيقافهما ، وبمجرد أن يتجاوزونهما يلتفتون مرة أخرى ويطالعونهما فى اهتمام . وأخذ العجائز والأطفال يتطلعون من النوافذ إلى الزائرين ، وكانت العجائز يرسمن إشارة الصليب علــى صدورهن .
لم تتمالك فارفارا نفسها حين رأت أخيها وأختها :
ـ أمنا ، يا أمنا … !
ـ تمهلى ـ أوقفها ميخائيل ثانية ـ سيكون لديك ما يكفى من الوقت لذلك .
وقف الجميع بالقرب من سرير العجوز ـ ومعهم ناديا زوجة ميخائيل ، وفى المكان نفسه نينكا أيضا . كانت العجوز راقدة بدون حراك ـ تبدو وكأنها فى نهاية حياتها أو فى بداية موتها . تأوهـت فارفارا :
ـ لقد ماتت !
لم يهدئ من روعها أحد ، وإنما اهتز الجميع فى أماكنهم برعب . مدت لوسيا كفها بسرعة نحو فم العجوز المفتوح فلم تشعر بتردد أنفاسها . قالت متذكرة :
ـ مرآة ، إعطونى المرآة .
اندفعت ناديا نحو المائدة ، تناولت بقايا مرآة ، مسحتها على عجل بطرف ثوبها وأعطتها للوسيا التى قرَّبتها بنفاذ صبر من شفتى العجوز المزرقتين . ظلت ممسكة بها للحظة ، وعندما تجمع البخار على سطحها تنفست فى ارتياح قائلة :
ـ ما زالت حية ، أمنا ما تزال حية .
انخرطت فرفارا فى البكاء مرة أخرى وكأنها سمعت العكس ، أما لوسيا فذرفت دمعة وابتعدت . وقعت المرآة فى يد نينكا . أخذت تنفخ على سطحها وهى تنتظر ماذا سيحدث لها بعد ذلك ، ولكنها لم تجد ما كانت تتوقع أن يروق لها . وفى غضون ذلك انتهزت الفرصة ودفعت بالمرآة نحو فم العجوز كما فعلت لوسيا منذ برهة . لمحها ميخائيل ، فضربها على مرأى من الجميع وطردها من الحجرة . طغى صياح نينكا وبكاؤها فاضطرت فارفارا إلى قطع بكائها ، وتنهدت قائلة :
ـ آه ، يا أمنا أنت …
سألت ناديا عن المكان الذى يفضلون فيه تناول الطعام ـ هنا فى الغرفة أم بالمطبخ . قرروا أن يتناولوه بالمطبخ لكى لا يسببوا أى إزعاج للعجوز . أحضر ميخائيل زجاجة فودكا وزجاجة نبيذ . صب الفودكا لنفسه ولإيليا ، ونبيذا للأختين والزوجة . ثم قال :
ـ لن تأتى تاتيانا اليوم ، ولن ننتظرها .
رد إيليا موافقا :
ـ أى نعم . لقد انتهى النهار ولم تعد هناك وسيلة نقل . فإذا كانت قد استلمت التلغراف بالأمس ، فسوف تركب الطائرة اليوم إلى المدينة ثم تستقل وسيلة نقل أخرى . لعلها تجلس الآن هناك بالمنطقة والسيارات لا تسير فى الليل ـ أى نعم .
ـ وربما تجلس منتظرة بالمدينة .
ـ ستصل غدا .
ـ من الضرورى غدا .
ـ لو غدا فسوف يكون بإمكانها أن تلحق .
رفع ميخائيل الكأس الأول باعتباره صاحب البيت :
ـ هيا ، لنشرب نخب اللقاء .
ـ أ ليس بإمكاننا قرع الكؤوس ؟ ـ تساءلت فارفارا فى فزع* .
ـ ممكن ، ممكن ، فنحن لسنا فى حفل تأبين .
ـ لا تتكلم هكذا .
ـ الكلام الآن مثل عدمه ، لا فرق …
قالت لوسيا فجأة فى حزن وقلق :
ـ منذ زمن طويل لم نجلس هكذا ، لا تنقصنا سوى تاتيانا . سوف تأتى ، سنصير مرة أخرى معا وكأننا لم نفترق أبدا . كنا نجلس دائما حول هذه المائدة ، ومن أجل الضيوف فقط كنا نعد المائدة فـى الغرفة . إننى حتى أجلس فى نفس مكانى ، أما فارفارا فليست فى مكانها .. وأنت أيضا يا إليا .
قاطعها ميخائيل فى غضب :
ـ ماذا تقولين .. لم نفترق ! لقد افترقنا ، وافترقنا تماما . فارفارا هى الوحيدة التى تطل علينا .. عندما تكون فى حاجة إلى بطاطس أو أى شئ آخر . أما أنتم فكأنكم غير موجودين فى الدنيا .
ـ فارفارا قريبة من هنا .
لم تتماسك فارفارا :
ـ كأنكم تأتون من موسكو نفسها . الأمر كله مجرد يوم واحد على المركب وتكونون هنا . من المفترض ألا تتحدثوا فى تلك الأمور طالما لا تتقبلون حقيقة أننا إخوة . لقد صرتم من سكان المدن ، فهل ستشغلون بالكم بقرويين مثلنا !
ردت لوسيا فى انفعال :
ـ ليس لك حق ، يا فارفارا ، فى هذا الكلام . ما شأن سكان المدن والقرويين هنا ؟ فكرى قليلا فيما تقولين .
ـ أى نعم . فارفارا ليس لديها حق طبعا ، ليست إنسانا ، فلماذا التحدث معها ؟ ليس لها وجود ، وليست أختا لأختيها وأخويها … وأنتِ إذا سألناك : كم مضى منذ هذه اللحظة على غيابك عن هذا البيت ؟ أما فارفارا فليست إنسانا ، وهى التى كانت وما زالت تزور أمها عدة مرات فى السنة رغم أن أسرتها ليست كأسرتك ، وإنما أكبر . لقد صارت فارفارا الآن متهمة .
ثم أضاف ميخائيل مؤيدا فارفارا :
ـ أنت لم تأت منذ زمن بعيد .. ولكن ما فائدة الكلام الآن ! كنتِ عندنا آخر مرة قبل ولادة نينكا . أما آخر مرة كان إيليا فيها هنا ـ عندما انتقل من الشمال ولم تكن ناديا قد فطمت نينكا بعد . أ تَذْكُر .. كيف ضَحِكْتَ عندما دهنوا ثدى أمها بالخردل ؟
هز إيليا رأسه متذكرا بينما قالت لوسيا فى غضب :
ـ لم أقدر ، ولهذا لم أحضر .
ردت فارفارا غير مصدقة :
ـ لو أردت لحضرت .
ـ ماذا تعنى لو أردت ، إذا كنت أقول لم أقدر ؟ فى حالتى الصحية هذه ، إذا لم أتعالج خلال الإجازة ، فسوف أدور بعد ذلك طوال السنة على المستشفيات .
ـ كل شئ وله عندك الحجة المناسبة ؟
ـ أى شئ وأية حجة ! ما هذا الخلط ؟
ـ لا شئ . لم يعد هناك من يمكنه أن يقول لكم ولو حتى كلمة واحدة . لقد أصبحتم من ذوى الشأن .
تدخل ميخائيل قائلا :
ـ حسنا ، لنشرب كأسا ثانيا ، فلماذا نترك الخمر تفسد ؟
قالت فارفارا محذرة :
ـ من الأفضل أن نكتفى بذلك . أنتم الرجال ليس لديكم هَمُّ سوى السُّكْر . أمنا نائمة تحتضر وهُم هنا يتسلون . فإياكم أن تغنوا أيضا ..
ـ ليس هناك من ينوى الغناء ، أما الشرب فممكن . نحن نعرف متى نشرب ، ومتى لا نشرب ـ لسنا صغارا .
ـ أوه ، الاحتكاك بكم مصيبة ..
جلسوا يتبادلون الحديث حول المائدة الخشبية الطويلة التى صنعها المرحوم والدهم منذ ما يقرب من خمسين عاما مضت ، وقد صاروا لا يشبهون بعضهم البعض منذ أن أصبحوا يعيشون منفصلين . كانت ملامح فارفارا تجعلها تبدو وكأنها أمهم على الرغم من أنها تجاوزت الخمسين فقط فى العام الماضى ولكن مظهرها بدا أسوأ بكثير من هذه السن ، صارت تشبه المرأة العجوز ، وخلافا لبقية أسرتها كانت بدينة وبطيئة . شئ واحد أخذته عن أمها : أنجبت كثيرا هى الأخرى ، الواحد بعد الآخر ، ولكنهم فى زمنها كانوا قد تعلموا حماية الأطفال من الموت ، أما الحرب فلم تكن معروفه لهم فسلموا جميعا وعاشوا أصحاء ما عدا واحد فقط كان قابعا بالسجن . لم تر فارفارا سعادة كبيرة فى أولادها : قاست معهم وتشاجرت قبـل أن يكبروا ، ومازالت تتعذب وتتشاجر معهم بعد أن كبروا . وبسببهم شاخت قبل الأوان .
بعد فارفارا أنجبت العجوز إيليا ، ثم لوسيا فميخائيل ، وأخيرا تاتيانا التى مازالوا ينتظرون مجيئها من كييف . ظلوا يطلقون على إيليا ، لقصر قامته حتى التحاقه بالخدمة العسكرية ، بإيليا القصير . والتصقت به التسمية على الرغم من عدم وجود أى إيليا آخر طويل بالقرية . وبسبب معيشته لأكثر من عشر سنوات فى الشمال سقط شعره ، وأصبح رأسه مثل البيضة أجردا يلمع فى الطقس المشمس وكأنهم قاموا بصقله . هناك فى الشمال تزوج ، ولكن زواجه لم يكن موفقا تماما . بدون عناية : اختار لنفسه امرأة معتدلة الطول وعاشا معا حتى صارت أضخم من إيليا بمرة ونصف المرة الأمر الذى زادها جرأة وفظاظة ـ وحتى قد وصلت إلى القرية أخبار تفيد بأن إيليا يعانى منها الكثير .
لوسيا أيضا تجاوزت الأربعين ، ومع ذلك لا يمكن التكهن بذلك أبدا : تبدو شابة ، وأصغر سنا على غير العادة هنا ، بوجه رائق وناعم كما لو كانت فى صورة ، ولم تكن ترتدى ملابسها كيفما اتفق . تركت لوسيا القرية بعد الحرب مباشرة وخلال تلك السنوات تعلمت طبعا من نساء المدينة كيف تعتنى بنفسها . بل ويمكن أن نقول : أية هموم يمكن أن توجد لديها وهى بدون أطفال ؟ أما الأطفال ، فلم يرزقها الله بهم .
لم يكن ميخائيل شبيها بإيليا . كان شعره كثيفا ومجعدا مثل الغجر ، حتى لحيته كانت مجعدة وملفلفة الشعر فى حلقات . كان وجهه أيضا أسمر ، ولكن تلك السمرة لم تكن طبيعية بقدر ما كانت بسبب الشمس والصقيع ـ يعمل بالتحميل على ضفة النهر صيفا ، وشتاء يقطع الأشجار بالغابة ـ ، كان يحيا فى الهواء الطلق على مدار السنة كلها .
هكذا جلسوا يتحدثون خلف المائدة الخشبية الطويلة بالمطبخ حتى لا يزعجوا أمهم المحتضرة ، التى من أجلها اجتمعوا لأول مرة منذ سنوات طويلة فى بيتهم . كان لدى ميخائيل وإيليا ما يشرباه بعد . أما النساء فقد أبعدن كؤوسهن ، ولكنهن لم ينهضن ـ جلسن فى استرخاء بتأثير اللقاء والأحاديث ، وكل ما حمله لهم ذلك اليوم ، متوجسات مما سيأتى به الغد .
قال ميخائيل :
ـ كان علىَّ أن أرسل تلغرافا على الفور إلى فولوديا أيضا . ولربما كان جالسا هنـا الآن ، بجوارنا . كم أود رؤيته ، وما آلت إليه أحواله .
ـ أين هو ؟ ـ سأل إيليا .
ـ فى الجيش ، سيكمل عامه الثانى قريبا . فى الصيف وعد أن يأتى فى إجازة ، ولكن يبدو أنه تحت العقاب ـ لم يسمحوا له بالانصراف . لقد كتب أن أحدا ما من مجموعته ترك مركز الحراسة ، فعاقبوه هو بصفته الرئيس . وربما أن يكون هو نفسه قد ارتكب شيئا ما ، فمثل تلك الأمور كثيرة الوقوع هناك . ما رأيك ، هل سيسمحون له بإجازة ، أم لا ، ولو حتى من أجل جدته ؟
ـ يجب أن يسمحوا له .
ـ كان يجب علىَّ أن أرسل إليه فورا بالأمس . لقد ارتكبت حماقة . والآن أفكر : ماذا أكتب لكى لا يتصلَّبوا فى رأيهم ؟ فهو على أية حال حفيد وليس ابنا .
قالت فارفارا فى لهجة نصح :
ـ عليك أن تكتب هكذا : جدتك فى حالة سيئة ، ننتظر وصولك بأقصى سرعة .
اهتزت ناديا من السعادة المفقودة التى لو تحققت الآن لرأت ابنها أمام عينيها .
ـ هذا ما قلته له . فهل من المعقول أن يسمع الكلام ؟!
فقالت لوسيا :
ـ انتظروا قليلا .
ـ أى نعم ، من الأفضل الانتظار وإلا من الممكن إفساد كل شئ . وبعد ذلك : كيت وكيت ، وعندئذ فمن الضرورى أن يسمحوا له بحضور الجنازة .
تأوهت فارفارا :
ـ أوه ، أوه ، يا إلهى . لم نفكر أبدا فى كل ذلك ، أم واحدة للجميع ، وهكذا ينتهى الأمر .
ـ وكم تحتاجين ؟ ـ قال إيليا ساخرا .
قالت فارفارا فى استياء غضب :
ـ أنت بالضبط مثل الغريب ! كل شئ لديك بالغمز واللمز . تريد دوما أن تجعل منى حمقاء ، ولكننى لست أحمق منك ، فلا تغمز أو تلمز .
ـ أنا لا أعتقد أنكِ أكثر حمقا ، ماذا جعلك تفكرين هكذا ؟
ـ أى نعم ، لا تعتقد .
سألت لوسيا ناديا فى همس :
ـ لديكم ماكينة خياطة ؟
ـ لدينا ، ولكننى لا أدرى هل تعمل أم لا . لم أُشَغِّلها منذ فترة طويلة . أوضحت لوسيا قائلة :
ـ بحثتُ اليوم فلم أجد لدىَّ ، لسوء الحظ ، ولو فستان أسود واحد . أسرعتُ إلى المحل واشتريتُ قماشا ، ولم يكن هناك طبعا متسع من الوقت لخياطته فقمتُ فقط بتفصيله ، وعلىَّ أن أُخَيِّطه هنا .
ـ لن تلحقى اليوم .
ـ سألحق ، أنا أُخَيِّط بسرعة . سوف أعمل هنا فى المطبخ بعد أن يناموا .
ـ حسنا ، سأحضرها وافعلى كما تشائين .
قبل الذهاب إلى النوم اجتمعوا مرة أخرى بالقرب من الأم ليروا فى أى حال تنام . جربت لوسيا جس النبض ، وقاسته بصعوبة ـ كان ضعيفا للغاية . نفد صبر ميخائل فهز أمه من كتفها . عندئذ سمع فجأة كيف يخرج من مكان ما من داخلها أنين ليس كالأنين ، وشخير ليس كالشخير ، كأنه ليس أبدا صوت أمه . كان صوتا غريبا ، وكأن الموت وهو يؤدى مهمته قد كشر عن أنيابه . أشاروا إلى ميخائل بالصمت ، ولكن ذلك الصوت أفقدهم جميعا السيطرة على أنفسهم ، حتى نينكا التصقت بأمها وجمدت .
ـ ليتها تبقى حية حتى الصباح ـ تمتمت فارفارا ناشجة بهذه الكلمات ، ثم صمتت .
بدأوا الاستعداد للنوم . كان البيت كبيرا ، ولكنه كان يتكون على النظام القروى من قسمين فقط : فى أحدهما كانت العجوز تستلقى ، وفى الآخر ميخائيل وأسرته . فرشت ناديا لنفسها ولزوجها على الأرض وقدمت سريرها إلى لوسيا . وجدوا لفارفارا سريرا نقالا فنصبوه لها فى القسم الذى تنام فيه العجوز ، ومن أجل أن تعتنى أيضا بأمها . أرادوا أن يفرشوا لإليا بالقرب منها ، ولكنه فضل النوم فى الحمام . كان الحمام فى بيت ميخائيل نظيفا ، ليس فيه سخام أو رائحة عفنة ، وكان يقع فى حديقة البيت . أعطوا إيليا معطفا من الفرو وصديرى ليفرشهما تحته وبطانية قطنية ليتغطى بها . ذهب إليا لينام بعد أن طلب منهم إيقاظه إذا حدث شئ .
أطفأوا المصباح الكهربائى عند العجوز ، وأشعلوا لمبة الكيروسين ، وقرروا الإبقاء على الضوء طوال الليل .
أخرجت ناديا ماكينة الخياطة ووضعتها على نفس المائدة التى كانوا يجلسون حولها . فى البداية جربتها لوسيا على خرقة فوجدتها تعمل جيدا . قالت لوسيا لناديا :
ـ ارقدى . نامى طالما هناك فرصة ، فلا أحد يعلم أية ليلة ستكون هذه .
انصرفت ناديا . سألها ميخائيل عن شئ ما هامسا ، فأجابته هى الأخرى بهمس .
بدأت ماكينة الخياطة فى الصرير . ذُعِرَت لوسيا نفسها وأفلتت الذراع ـ بدا صريرها عاليا مثل صوت طلقات الرصاص . هرولت فارفارا مذعورة ، ولكنها هدأت قليلا حينما رأت لوسيا .
ـ الحمد لله ! فكرتُ أن أحد هنا … لقد زلزلنى الرعب . ولكن ما هذا الذى لا يمكن تأجيله ؟
لم ترد لوسيا وتابعت الخياطة .
ـ تجهزين الأسود ، للحداد ؟
ـ لا أفهم : هل من الضرورى الاستفسار عن ذلك أيضا ؟
ـ وماذا قلتُ لكِ ؟
ـ لا شئ .
ـ استمرى ، فلن أنطق بأى شئ . سأجلس بجانبك قليلا ثم أذهب . لن أعطلك .
جذبت فارفارا المقعد الخشبى وجلست عند طرف المائدة . لم تخلع ملابسها وإنما اكتفت بفك جواربها فتهدلت إلى ما تحت ركبتيها .
فى مكان ما من النهر أطلق مركب صفيرا بعيدا مكبوتا ، ثم كرره عدة مرات . رفعت فارفارا رأسها مرهفة السمع ، ثم قطبت جبينها فى توتر :
ـ لماذا يصفر هكذا ؟
ـ لا أدرى ، لعله يعطى إشارة لأحد ما .
ـ لم يجد مكانا آخر لإشارته هذه ، لقد تمزقت أحشائى .
جلست فارفارا قليلا ثم نهضت بدون رغبة .
ـ سأذهب . هل ستبقين هنا طويلا ؟
ـ إلى أن أنتهى من الخياطة .
ـ كان علينا ألا ننام اليوم ، أوه ، لم يكن من الضرورى ـ هزت فارفارا رأسها ـ لو جلسنا نتحدث لكان الأمر أهون . قلبى يحدثنى : كل ذلك غير مُطَمْئِن .
انصرفت فارفارا ، ولكن ما لبثت أن عادت . استندت إلى الجدار لتبث الرعب فى نفس لوسيا التى سألتها بفزع :
ـ ماذا ؟
ـ أما إن هذا يخيل إلىَّ ، أو إنه حقيقة . اذهبى وانظرى . اذهبى .
لم تصدق لوسيا ، ولكنها لم تستطع أن تقول إنها لا تصدق . ذهبت إلى الأم . أمسكت بيدها ، ولكنها سمعت من وراء ظهرها أنفاس فارفارا ثقيلة مختلطة بصفير : إى ـ آ ، إى ـ آ ، إى ـ آ . اضطرت إلى إبعادها ، وعندئذ فقط استطاعت بصعوبة بالغة التقاط نبضها الذى بدا هادئا وضائعا وكأنه آتية من على بعد عدة كيلومترات . خيل إليها أنه أضعف من المرة السابقة ، لم يكن متتاليا وإنما تتخلله فترات توقف .
قالت لوسيا مشفقة على أختها :
ـ نامى أنت . فأنا بعد مازلت أعمل ، وسوف أعتنى بها . سوف أوقظك فيما بعد .
شرعت فارفارا تبكى على طريقة الأطفال ، وقالت :
ـ وهل أستطيع أن أغفو ؟ إليا ماكر ، خرج من البيت وترك الهم لأصحابه . أ من المعقول أن أنام الآن ؟ سأظل أفكر طوال الوقت عن هذا وذاك . من الأفضل أن أجلس إلى جوارك .
ـ اجلسى إذا كنت تريدين .
ـ سأبقى هادئة .
مرة أخرى جلست بجوارها . تنهدت ولمست القماش بيدها . راحت تراقب لوسيا وهى تعمل ، ثم سألتها :
ـ ستأخذين هذا الثوب معك فيما بعد ؟
ـ وماذا فى ذلك ؟
ـ كنتُ أود أن أقول إذا لم تأخذينه معك ، فيمكننى أن آخذه .
ـ وما حاجتك إليه ؟ إنه ليس بمقاسك .
ـ لن آخذه لنفسى . عندى ابنه فى نفس مقاسك ، وسيكون مناسبا لها بالضبط .
ـ وابنتك ، ليس عندها ما تلبسه ؟
ـ يمكن القول لا شئ . لديها بعض الملابس ، ولكنها تهرأت كلها من كثرة الاستخدام . والفتاة ، كما تعرفين ، تحب أن تتباهى .
ـ تتباهى فى الأسود ؟
ـ هى ليست متكبرة . تلبسه ولو حتى فى أيام المطر ، فهى لن تلبس فستانا ملونا .
وعدتها لوسيا :
ـ سأعطيه لك قبل السفر .
فرحت فارفارا :
ـ سأقول لها : من خالتك .
ـ قولى ما تشائين .
حينما لفهما الصمت وأوقفت لوسيا الماكينة ، تناهى شخير أحد ما من قسم البيت المخصص لميخائيل . أرهفت فارفارا السمع :
ـ مَنْ هذا ؟
وعندما علا صوت الشخير بعد ذلك ، قالت غاضبة :
ـ عديم الضمير ، وجد الوقت المناسب . لم يعد هناك حياء أو ضمير . ويقولون ابنها من لحمها ودمها ـ صمتت قليلا ثم طلبت فجأة من لوسيا :
ـ لنذهب إليها مرة أخرى ، فأنا أخشى بمفردى .
كانت العجوز لا تزال على حالها : حية وغير حية . كل شئ فيها مات . قلبها فقط ، الذى تحلل خلال حياتها الطويلة ، هو الذى بقى يتحرك بالكاد . وكان من الواضح أنه يتحامل بصعوبة ، ولعل ذلك سيستمر فقط حتى طلوع الصباح .
بينما كانت لوسيا مستمرة فى الخياطة ، ظلت فارفارا مستيقظة ولم تذهب للنوم . وفى نهاية الأمر كان على لوسيا أن تترك لها سريرها وتنام على السرير النقال ـ وإلا ، فالأمر سيان ، لن تدعها فارفارا تنام .