( 3 )

6 0 00

( 3 )

هل حدثت معجزة ؟ لا أحد يستطيع القول . فما إن رأت العجوز أولادها حتى مالت إلى التحسن . غابت عن الوعى مرتين أو ثلاث وكأنها تنحدر بشكل غير ملحوظ إلى هوة مظلمة من تحتها . وفى كل مرة كانت تعود إلى وعيها بأنين ملئ بالخوف وتفتح عينيها : أ هم هنا ، أم إنهم تراؤوا لها ؟ وفى كل مرة كان أحدهم بقربها فيخف لدعوة الآخرين ـ كانت تتعرف عليهم فتطمئن وتحاول البكاء . وفى آخر مرة استطاعت أن تبكى ، وسمعت بنفسها صوتها الواهن الذى بدا وكأنه يصر على البقاء بداخلها ، ولذا خرج بمثل هذا العذاب …

شيئا فشيئا تحسنت حالة العجوز ، عاد إليها تدريجيا كل ما كان فيها ، وكل ما كان يجب أن يخضع لها . راح كل شئ يظهر وراء بعضه البعض كما لو كانت كل تلك الأمور ضرورية لإعادة الحياة إليها . قبيل المساء تحسنت حالتها لدرجة أنها دعت ناديا وطلبت منها :

ـ لو تطبخين لى عصيدة … من تلك التى تطبخين منها لنينكا . عصيدة جريش ، سائلة .

ـ تقصدين عصيدة سميد ؟

ـ آ ـ آ . سميد . أريد قليلا منها لأبل حلقى . وأن تكون سائلة .

هرع الجميع وانشغلوا بالأمر . ولحسن الحظ كان عند ناديا بعض السميد ، ولكن الموقد كان قد برد تماما حتى تلك الفترة التى أعقبت الغداء ، فقرروا طبخ العصيدة على الموقد الكهربائى . بحثوا عنه طويلا ، ووجدوه أخيرا ، ولكن تبين أن الكهرباء ما زالت مقطوعة . أرسلوا ميخائيل لإشعال الموقد الحجرى فى الفناء . اختلفت لوسيا وفارفارا حول الوعاء الأفضل لطبخ العصيدة . فارفارا كانت على استعداد لإطعام الأم طنجرة وعاء كاملا دفعة واحدة . أما لوسيا فأصرت على عدم إطعامها كثيرا ، لأن ذلك يضر بها ، ومن الأفضل الطبخ مرة ثانية فيما بعد . بقى إيليا قرب ميخائيل يتبادل الحديث معه :

ـ أ رأيت ؟ أمنا ـ هه ؟

رد ميخائيل مؤيدا : ـ نعن ، لا يمكن وضع أمنا بتلك السهولة فى التابوت .

ـ تقول : أريد عصيدة ـ آى نعم . أ رأيت ؟ أنا لا أصدق ، كنتُ أعتقد أنها النهاية . ولكنهـا تقول : أريد أن تطبخوا لى عصيدة أريد عصيدة . هذا يعنى أنها جاعت ، أ رأيت !

ـ العجائز عادة ما يعمرن طويلا . كلما كانت العجوز هرمة ، عمرت أطول . لا حظ ذلك . إنها تفنى تماما ولم يعد يبقى فيها موضع تتعلق به الروح ، ومع ذلك فلا تزال تتحرك . من أين يصدر كل ذلك .

أصر إيليا على رأيه وهو ما زال تحت تأثير الدهشة :

ـ ولكن أمنا ـ آه ، أمنا ! من كان يمكنه أن يخمن ! نحن نحضر الفودكا من أجل تأبينها ، وهى تقول : " انتظروا يا بناتى ويا أبنائى الطيبين ، أنا لم أشبع بعد من العصيدة " ـ أطلق ضحكة ، وكـرر : ـ " لم أشبع من العصيدة ، وبدون العصيدة لا أعرف شيئا " .

رد ميخائيل فى تحفظ :

ـ لقد أصابها الضعف والهزال . هذا طبيعى : منذ أيام لم تذق شيئا . هذا يصيب أى إنسان بالضعف .

أسرعت النساء بالأوعية والزجاجات ، وانهمكن حول الموقد وكأنهن يردن بأيديهن الست طبخ أكلة غريبة لا يعلم بها إلا الله ، وليس مجرد عصيدة سميد عادية فى وعاء صغير . اندست نينكا بين الأرجل ، فراحت ناديا تطردها ولكنها لم تستطع إبعادها بأية طريقة : أدركت نينكا أن شيئا هاما وغير عادى قد حدث ، وخافت أن تتخلف عما سيأتى بعده . أما فارفارا فقد غرقت تماما فى عرقها ، كانت طوال الوقت تركض بين العجوز والموقد ممسكة بطنها بيدها مثل الحبلى وهى تخفف عن أمها :

ـ اصبرى يا أمى ، احتملى ، سنطهو العصيدة حالا .

قدمت لوسيا العصيدة للعجوز دون ترك القدح خشية أن تسكبه الأم على نفسها . شربت العجوز جرعات صغيرة حذرة : كانت ترشف جرعتين ثم تستريح ، ثم ترشف مرة أخرى وتستريح . لم تشرب أكثر من طفل رضيع ، وارتدت إلى الوراء فى إرهاق . أشارت بيدها كى يبعدوا القدح عنها ، وبقيت طويلا تحاول استعادة أنفاسها .

ـ أوه ، لقد اختنقتُ تماما . هذا أشد إرهاقا من العمل . لقد انعقدت أحشائى تماما ، فكيف السبيل إلى حلها ؟

قالت لوسيا :

ـ لا عليك يا ماما ، لا عليك ، هذا أمر عادى . لا يجوز الآن إرهاق المعدة خوفا مــن المضاعفات . لتهضم أولا ما تناولتْ ، وبعدها يمكن تناول المزيد .

كررت العجوز فى سرور ومرارة :

ـ انعقدت أحشائى تماما ـ ثم أضافت : يا آنَّا ستيبانَّا ، نذهب إلى بيت جديد ، نذهب حاملين الجوز ـ كانت تحاول استرداد أنفاسها وتتطلع بعينين تائهتين إلى أعلى مما جعلها تبدو وكأنها تهذى ـ أما أنا فقليلة الحياء ، كنتُ أخدعها وأجعلها دوما فى المؤخرة ، والآن أهزأ بها وأدس فيها العصيدة ، ولكن هل ستتحمل ، كان علىَّ أن أفكر بذلك .

اضطربت أنفاسها وانتابها السعال ، فبادرتها لوسيا قائلة :

ـ لا داعى أن تكثرى من الكلام يا ماما ، فأنت ما تزالين ضعيفة .

ـ وهل علىَّ أن أصمت ؟ ـ ردت العجوز فى لهفة ـ أرى أولادى من حولى بعد طول غياب ، وعلىَّ أن أبقى صامتة ـ كان الجميع هنا من حولها . شملت العجوز أولادها بنظرة تائهة ، ولكنها كانت على أية حال نظرة فخر وكبرياء ، ثم واصلت حديثها بهدوء مدخرة قواها : ـ شعرتُ وكأن أحدا لكزنى فى خاصرتى منبها إياى إلى أن أبنائى قد وصلوا . فعزمتُ على رؤيتهم أولا ، وبعدها فليكن الموت . أنا لستُ فى حاجة لآى شئ آخر .

كانت تتحدث بصعوبة شديدة ، وتضطر إلى الصمت . لكن فرحتها برؤية أولادها لم تكن تسمح لها بالراحة كان وجهها ينتفض وتسيطر الرعشة على أطرافها وصدرها ، وتتقطع الكلمات فى حلقها . وكان الجميع حول الأم ملتزمين الصمت حتى لا يرهقوها بالرد عليهم ، وحرصا منهم على راحتها . حاولت العجوز البكاء أكثر من مرة . نظرتْ إليهم فى عصبية ونفاذ صبر ورأسها الصغير يرتجف وهى تنقل عينيها من وجه إلى آخر . عرفتهم جميعا : إيليا ، فارفارا ، لوسيا . كانت تميزهم بصعوبة ، ربما بسبب الدموع . لم تتمكن من رؤيتهم بوضوح ، ولعل ذلك ما ضاعف ضيقها من نفسها . وفجأة عاد إليها الشك فى أن ما تراه ليس حقيقة ـ ربما حلم أو خيال ، وربما ذكريات أخيرة من الحياة التى عاشتها ـ ولهذا يقف ذلك الحاجز الضبابى أمام عينيها .

هدأت العجوز وكفت عن الحركة فى محاولة لفهم ما يجرى .

كانت الغرفة ممتلئة بضوء خفيف لذلك النهار الصافى الذى قارب على الانتهاء . العجوز راقدة ورأسها نحو النافذة وأشعة الشمس تسقط على ساقيها . بدأ الجدار المقابل يفقد تدريجيا ما ادخره من حرارة الشمس التى أصبحت وكأنها تمسها من الطرف الآخر . الآن فقط رأت العجوز الشمس وفرحت حين عرفتها . شعرت العجوز ، بعد النوبات الطويلة من الظلام وفقدان الوعى ، بالدفء يتسرب إلى جسدها من خلال أنفاس بطيئة متأنية ، وراح يدفع الدماء فى عروقها . لم يكن حلما : فالشمس فى الأحلام لا تدفىء ، والصقيع لا يبعث على البرد . رن فى أذنى العجوز لحن جرس عذب بإيقاع هادئ وممتد ، وسرعان ما تلاشى كما ظهر فجأة . حاولت العجوز أن تعرف مصدره ، وقررت أنها كانت تحتفظ به منذ صباها ، فهى غالبا ما كانت تسمعه آنذاك ، ومن ثم حفظته ذاكرتها طوال الحياة . لم يكن بإمكانه أن يخدعها ، كان لحنا حيا . ودمدمت العجوز :

ـ يا إلهى ، يا إلهى .

استجمعت العجوز قواها ، ورفعت عينيها . كانوا بجوارها فى وضعهم السابق ، إلا إنه خيِّل إلى العجوز أنهم صاروا أكثر قربا . الآن تراهم بوضوح .

فى طرف الغرفة ، قرب الباب وقفت ناديا مثل الغريبة وإلى جوارها إيليا .

لم تستطع العجوز أن تعتاد على إيليا منذ زيارته السابقة لها ، حينما عرج على البيت فى طريق عودته من الشمال . كان وجهه إلى جانب رأسه الأصلع يبدو غير حقيقى ، أقرب إلى وجه مرسوم ، وكأن إيليا باع وجهه أو خسره فى لعبة ورق مع رجل غريب . كان قد تغير تماما ، أصبح أكثر حركة رغم أن عمره يفرض عليه أن يتحول إلى الهدوء والقار ـ يبدو أن المكان الذى عاش فيه ، كان يختلف كثيرا عن قريته مما أثر على إيليا .

نظرت العجوز إليه طويلا إلى درجة الحرج . بحثت فيه عن ابنها الذى ولدته وربته واحتفظت به فى ذاكرتها ، وكانت ما إن تجده حتى تفقده مرة أخرى . كان موجودا ، ولكنه بعيد . كم أصبح بدينا ، وكم رافقه فى دربه من إناس وهو بعيد عنها . لم تكن قادرة على أن تصدق ، أو لا تصدق ، أن هذا الشخص هو إيليا . بدا لها أن إيليا أشبه بسمكة صغيرة ابتلعتها سمكة أكبر منها وأكثر حركة وهما الآن تعيشان فى جسد واحد . إذا ناداه أحد ربما لا يرد فى الحال ، يبدأ فى تحريك رأسه باتجاهات مختلفة حتى يتأكد هل هو المقصود أو غيره ، ومن يناديه ، ومن أين . كانت العجوز واثقة بأن حياة إيليا لم تصبح أفضل فى المكان الذى سافر إليه . كان من الأفضل أن يبقى فى القرية … أما بخصوص لوسيا ، فالتفكير فى أن حياتها تشبه حياة إيليا غير وارد أبدا . لقد تمدنت من رأسها حتى أخمص قدميها حتى إنها تبدو وقد وُلِدَتْ من العجوز عن طريق الخطأ ، ولعله كان من المفروض أن تولد من أمرأة ما أخرى من المدينة ، ولكنها على أية حال غادرت القرية ووجدت الحياة التى تناسبها . إيليا أمره يختلف ، لم يكن يشبه القرويين ، ولا أبناء المدن أيضا . لم يكن غريبا أو قريبا . كان له وجه مرح ، ولكن العجوز كان ترثى لحاله عندما تنظر إليه ، ولكن لماذا ؟ : ذلك ما كانت تجهله ولا تعرف سببه .

كان وجه إيليا ، فى الواقع ، مرحا . فهو لم يتمكن من التغلب على الدهشة لكون أمه ما زالـت حية ، وهذا ما جعله يضحك بارتياح على نفسه ، وعلى ميخائيل ، وعلى أختيه : " أ رأيتم ماذا فعلت بنا ، أ رأيتم ؟! يا لها من أم ، عفارم عليها ! " قبل الغداء كان الجميع متأكدين من أن العجوز تعانى سكرات الموت ، ولكنها عانت لكى تعيش . كان إيليا يضحك من نفسه أكثر من ضحكه من الآخرين . فهو بالأمس عندما استأذن من العمل ، أخبرهم فى الجراج : بأنه مسافر لدفن أمه ، ولم يكن يشك فى ذلك . فماذا سيقول لزملائه الآن ؟ حيلة ليس إلا . كان إيليا على استعداد لتصديق أن الأم قد احتالت ، وتظاهرت بأنها تحتضر لكى تجمعهم حولها . ورغم أنه كان يعرف أن ذلك مجرد هراء اخترعه هو نفسه ، إلا إنه لم يتعجل فى التخلص منه ، بل راح يردده بينه وبين نفسه ويعبث به ويلاعبه لعبه القط والفأر . وكون العجوز قد طلبت بنفسها عصيدة ، وراحت تتعلم أكلها مرة أخرى مثل الطفل الصغير ، جعل إيليا يشعر بالفرح إلى حد الفخر . فأخذ ينظر إلى الأم باهتمام ويتساءل : " ماذا ستخترع أيضا ؟ "

أرادت العجوز أن تريح عينيها ، لكن نظرها وقع على فارفارا الجالسة عند قدميها . اشرأبت فارفارا بسرعة للقاء نظرات الأم . " أمى ـ ى ! هذه أنا . ابنتك الكبرى . جئتُ لرؤيتك ، ولكنك لا تنظرين إلىَّ " ، هكذا كانت فارفارا تندب بالأمس . والآن ها هى الأم تنظر إلى ابنتها الكبرى ، وتتحقق رغبـة فارفارا . رأتها ، تحرك وجه العجوز ، هزت رأسها ببطء وتنفست ، ثم أحنت رأسها ـ كأنها تبارك فارفارا وتتمنى لها شيخوخة هادئة كآخر سعادة يمكن أن تتحقق لها ، ولكنها تنهدت لأنها كانت تعرف أنها لن تحصل على ما تفكر لها فيه . كادت العجوز لا تمسك نفسها عن البكاء وهى تنظر إلى ابنتها . إنها لا تريد شيئا لنفسها . لقد تركت كل شئ وراءها : النجاح والفشل ، أما فارفارا فسوف تعيش ، ويا ليتها تعيش حياة خالية من العذاب والقلق .

لم تهمل العجوز ميخائيل رغم أنها تذكره أكثر من نفسها . تريد أن ترى كيف يبدو إلى جوارهم ، بين الجميع ، وليس وحده . كثيرا ما كانت تتذكر قول العجائز : " الابن الأول للرب ، والثانى للقيصر ، والثالث للنفس " ولقد أعطت الكثير للرب وللقيصر أكثر من المطلوب . وإذا ما أحصت ذلك الآن فلن تكف عن البكاء . والأحياء أيضا ، ما إن كبروا وأصبحوا قادرين على العمل حتى ابتعدوا واحدا تلو الآخر ، وكأن أحد ما انتزعهم ، مثل الجراء الصغيرة ، من أمهم وسلمهم لأيد غريبة . لم يبق سوى ميخائيل . وكان يحق للعجوز تماما أن تقول إنها ولدته من أجلها لكى تعيش حياتها إلى النهاية فى بيت الأسـرة العتيق ، لأنها لم تكن تتصور كيف يمكن لها أن تعيش فى مكان آخر . كانت لا تعتبر ميخائيل أفضل من الآخرين ـ لا ، هذا هو مصيرها : تعيش عنده وتنتظرهم كل صيف ، تنتظر وتنتظر …

إذا لم تُحْتَسَب السنوات الثلاث التى أمضاها فى الجيش ، يتضح أن ميخائيل طوال حياته بجـوار الأم . تزوج وصار رجلا ، ثم أبا ، ومثل كل الرجال صار كهلا ، وأمام أنظارها راح يقترب شيئا فشيئا من الشيخوخة . لقد ألِفَته وتحملته ، وكل ما طرأ عليه من تغير لم يكن ملحوظا لها . بالأمس كان ميخائيل ، واليوم لا يزال كما هو ميخائيل . أما إيليا فأمره يختلف : سافر إلى الشمال والشعر يغطى رأسه ، وعاد من هناك أصلعا ـ هذا واضح حتى للأعمى . وحتى فارفارا التى لم تنقطع عن زيارة البيت كل شهر ، كانت الأم تجد فيها تغيرا : ازدادت سمنة ، وأصبحت تلهث وتتباكى كالعجائز بمناسبة وبدون مناسبة ، وبدأ الشيب يخط رأسها . بدا أن إيليا ولوسيا وفارفارا وتانشورا قد سافروا بعيدا كى تلاحظ الأم فيما بعد كيف تغيروا ، وكانوا بزياراتهم يحملون إليها ذكرى عزيزة من الماضى ، وعن السنوات التى انقضت : منذ آخر لقاء تعود لتحسب كم مرت من السنوات ، وكم ، وكم … ومع كل عودة ، كانت العجوز تتذكر كم من السنوات مرت من عمرها . وهكذا كانت تكبر بالسنين التى يعيشونها هم ، وليس بسنين حياتها . أما هى فكانت تعيش ، ولا تزال ، فى مكان واحد دون أن تلاحظ ذلك حتى يحين أجلها . ولكن هل كان بإمكانها أن تفكر فى ذلك ؟ كانت دائما تنتظرهم حتى تكاد تختنق من طول الانتظار ، خاصة حينما أصبحت طريحة الفراش . أما هم فأصبحوا نادرا ما يأتون فى الفترة الأخيرة . لكل منهم أسرته ، ولكل حياته الخاصة . لم يعودوا صغارا ، والسنوات الآن لم تعد تدللهم ـ بل صارت تقسو عليهم . أدركت العجوز ذلك .

نظرت إلى لوسيا وسرعان ما حولت عينيها عنها . بعد ذلك أخذت تنظر إليها خلسة وبحذر وكأنها تتجسس عليها . كانت تشعر بالخجل من نفسها أمام لوسيا لأنها عجوز ضعيفة لا قامة لها ولا وجه . وكان يخيل إليها أن الابنة من الضرورى أيضا تخجل منها ـ فهى جميلة متعلمة ، بل وحتى تتحدث ليس كما يتحدثون هنا : الكلمات هى نفسها ، ولكن من أجل فهمها لابد من التركيز جيدا . ولديها لكل سؤال جواب : حيث سافرت كثيرا ورأت ما يكفى لعشرة أشخاص . فماذا رأت العجوز فى حياتها ؟ النهار والليل ، العمل والنوم . كانت تدور مثل سنجاب فى ماكينة ، وكل من عاش إلى جوارها كان يدور أيضا على هذا الحال معتقدا أن ذلك ما يجب أن يكون . كان للوسيا حياة أخرى ، غير مفهومة ، مجهولة بالنسبة للعجوز يجرى فيها الكثير بطريقة جديدة ، ولعل الموت أيضا يحدث فيها بطريقة أخرى مختلفة ، فالعجوز لا تعرف . لقد أصبح الوقت متأخرا حتى تغير عاداتها . ستموت كيفما كان ، وستبكى وقتما تريد كبقية العجائز . ولكن العجوز حرصت على أن تتماسك أمام لوسيا كلا لا تقول أو تفعل شيئا زائدا قد يغضب الابنة .

كانت تنظر إليهم وتتأملهم بنهم وعجلة واستحياء ، إلا إنها لم تكن تشبع قط من رؤيتهم .

قالت لوسيا :

ـ اهدئى يا ماما ـ اهدئى واستريحى .

رفعت العجوز يديها إلى وجهها وقالت وهى تخفى دموعها :

ـ لقد جئتم .

فأجابها إيليا بحماس :

ـ جئنا يا أمى ، جئنا . كل شئ على ما يرام …

ارتعشت فارفارا وقاطعته بهمس حاد :

ـ لا تصرخ هكذا بشدة ، ألا ترى ؟

هدأت العجوز وكررت فى نفسها :

ـ أتيتم . بعد طول انتظار ـ قالت هذه الكلمات بصوت صادق يريح النفس ، ويشبه ذلك الصوت الذى يتحدث به اثنان تخطيا سن الشباب ويعرفان بعضهما البعض منذ سنوات طويلة . كفت الأم عـن الكلام ، ولكنها بقيت متيقظة . ودون أن تغلق عينيها أو تغير من صوتها ، واصلت :

ـ صحوتُ ولكننى لا أستطيع أن أفهم شيئا ، أ هذه أنا أم إنسان آخر ، لم أشعر بنفسى إطلاقا ، لا بساقى ولا بيدى . بقيت الروح وحدها ، ولكنها تائهة . اعتقدتُ إننى متُ بدليل الظلام الذى يحيط بى . الحمد لله ، لقد انتهى عذابى ، وما إن فكرتُ هكذا حتى رأيتُ الضوء ، كما فى النهار . انفتحت عيناى وحدهما دون أن أدرى ـ فتحت العجوز عينيها ودون أن تنظر إلى أحد منحتهما فرصة لتعود الشمس . ـ كان الضوء يزداد . تساءلتُ من يشاكسنى بهذا اليوم المشمس اللطيف ؟ رأيتكم ولم أصدق . وهل كنتُ آمل فى ذلك ؟ كلكم هنا ما عدا تانشورا … تساءلتُ أيضا وأنا راقدة : " يبدو أن الإنسان لن يحرم بعد الموت من آخر فرحة ، أن يرى ماذا ترك فى الأرض بعد موته ويطمئن على وجود من قلق على مصيرهم طوال حياته " .

هز إيليا رأسه وقال فى مرح ودهشة :

ـ نعم ، عفارم عليكِ يا أمنا . كنتِ منذ فترة قصيرة غير قادرة على النطق بكلمة واحدة ، وها أنتِ تتحدثين وكأنك تقرئين فى كتاب مفتوح .

علَّقتْ لوسيا منبهة ، ولكن دون ثقتها المعتادة ، وكأنها تخشى شيئا ما :

ـ حقيقة ، لا تكثير من الكلام يا ماما . هذا يضر بك .

ـ لا ، دعيها تتكلم إذا كانت قادرة . إنما أردتُ القول أنها أتقنت الأمر بسرعة ، كما فـى الحواديت ـ آى نعم .

أوضحت العجوز ببساطة :

ـ هذا كله بسببكم ، بسببكم أنتم . كنتُ فى ذلك العالم هناك ، هناك ، أنا أعرف ، وأتيتم أنتم فجئتُ إليكم ـ كان صوتها يمتد كخيط رفيع متقطع يتبدد تارة ، وتارة يعود فى وضوح ـ ساعدنى الرب ، منحنى القوة لكى أكون شبيهة بالإنسان حتى لا تخافوا منى كثيرا ، وحتى تجلسوا بقربى .

ـ تفكرين بشكل رائع يا أمى !

ـ كيف لا تستعيد الأم قوتها بين أبنائها ؟ ولاسيما إذا لم تكن قد رأتهم منذ زمن بعيد … أريد التحدث إليكم قبل الرحيل . أنا أنتزع من يدىَّ وقدمىَّ آخر ما عندهما حتى أعطى للصوت . ولكنه يخرج وحده بدون مساعدتى . أنا أبدأ فقط ، وهو يستمر بعد ذلك إلى أن يتعب . البداية فقط هى التى تكـون صعبة ، مثل تسلق منحدر حيث اللهاث وضيق النفس … تمهلوا … الآن … الآن … انتظروا .

ارتاحت العجوز وهى تنظر طويلا إلى الجدار حيث تقف الشمس : صارت أرق وأوضح بعد وهج النهار . وتدريجيا ظهرت على وجه العجوز ملامح عميقة واضحة لذلك السكون الذى يضفيه المساء على المسنين أكثر من غيرهم . وبدا أنها نسيت نفسها وأولادها ، ولم تعد تشعر بشئ حتى بأنفاسها ، ومع ذلك كانت تتنفس بقوة خارجة عنها . لم تكن ترى شيئا سوى أشعة الشمس على الجدار ، وحتى هذه البقعة كبرت وامتدت لتصل إلى عينيها المفتوحتين ولا تفلتهما من تحت سيطرتها ـ كانت ما تزال حية رغم كل شئ ، تعيش بشكل أوضح وأشد انتباها من السابق ، لم تكن تجهد نفسها من أجل الحياة وإنما كانت فى حمايتها الحذرة .

راحوا ينتظرون وكان من غير الجائز أن ينفضوا عنها . بدا أيضا أن التحدث فيما بينهم أمر غير لائق ـ أخذوا ينتظرون الأم كما أمرتهم ، جاهدين ألا ينظروا إلى بعضهم البعض .

قالت الأم دون أن تنظر إليهم :

ـ أشعر الآن وكأن أحدا يحملنى بيديه ، كأنما لا شئ تحتى . ولكننى لستُ خائفة ، وكأن هذا ما ينبغى أن يكون .

صمتت الأم وبقيت دون حراك ، ولكن سرعان ما أفاقت من جديد . انغلقت عيناها فى تعب ، وبان على وجهها الجلد المألوف لدى الناس ، ولكنه تحول عندها ، حين رأت أبناءها ، إلى فرح هادئ ودافئ . ومرة أخرى لم تصدق العجوز نفسها ، وسألت لوسيا فى حذر :

ـ متى جئتم ؟

ـ أنا وإيليا بالأمس .

تمهلت العجوز قليلا ، ثم أضافت :

ـ أ لم تحضروا لى شيئا معكم ؟

ـ لقد كنا متعجلين يا ماما ، لم يكن لدينا متسع من الوقت ـ ردت لوسيا فى بطء وبشئ من الخجل ـ لحقنا بصعوبة ، حتى إننا اضطررنا للركض كى لا نتأخر عن المركب .

قالت العجوز :

ـ أنا لا أسأل من أجلى . لستُ بحاجة إلى أى شئ أردتُ شيئا من أجل حبيبتى نينكا ـ مدت العجوز يديها نحو نينكا التى كانت تقف قرب فارفارا ، ولكنها لم تصل إليها . ابتعدت نينكا بخوف عـن يديها ، ولكن العجوز لم تتضايق ـ أحتفظ لها بالحلوى فى الحقيبة ، ثم أعطيها واحدة بواحدة . هذا يسعدنى ويسعدها أيضا . وها هى قد بدأت تتشمم ، فتقترب منى وتقول : " تعالِ يا جدتى لنر مـاذا بالحقيبة " ، فأقول لها : " لا شئ هناك " ، لكنها تعود للسؤال مرة أخرى . ألعب معها وكأننى لا أفهـم شيئا ، مثل الصغيرة تماما . إنها فتاة جيدة وجميلة . أشعر بالراحة عند الحديث معها . هذا أمر معروف بين الكبير والصغير .

وعدتْ لوسيا قائلة :

ـ فى الصباح سأذهب إلى المحل لأشترى لها شيئا .

قالت ناديا فى استجداء :

ـ لا داعى لذلك . وهل هى جائعة ؟ كل ما فى الأمر أنها تعودت التدلل .

قاطعتها العجوز :

ـ اذهبى واحضرى لها شيئا . ولكن لا تعطيها كل شئ مرة واحدة . اعطيها قليلا ، واعطينى الباقى . سأخبئه ، ثم أعطيها إياه فيما بعد وكأنه منى . سأطعمها أيضا ، وربما للمرة الأخيرة .

قالت لوسيا متذكرة :

ـ ماما ، لقد أرسلت لكِ عنبا ، هل أكلتِ منه ؟

ـ تلك الثمار الخضراء ؟

ـ نعم ، هذا هو العنب .

ـ ليذهب إلى الشيطان . فيه بذر ، وأنا لا أملك صبرا على فصلها . لقد أطعمتُ نينكا . أكلتـه ببذره . وقلتُ فى نفسى ، لتأكله فلن يصيبها شئ . كيف لى أن آكل منه ؟ ولماذا أضيِّعه هدرا . أنا لستُ بحاجة إلى أى شئ يا لوسيا . انظرى أية فرحة منحنى إياها الرب : أن أراكم قبل الموت . هل أنا لا أفهم أو أقدر ذلك ؟

عادت ثانية إلى البكاء ـ كان بكاء هادئا قصيرا يخفف عن النفس ـ وسكتت ثم مسحت عينيها الجافتين .

قالت لوسيا :

ـ لا عليك يا ماما ، لا عليك . تعافى الآن وسيكون كل شئ على ما يرام .

لم ترد العجوز . نظرت ثانية إلى الشمس على الجدار ، حيث كانت تقف الذبابات الأخيرة . كان فى وضع العجوز كله نوع من السحر والفتنة والسكون غير البشرى ، يبدو معه أنها تستطيع أن ترى وتحتفظ فى ذاكرتها بما يعجز الآخرون عن فهمه . خيَّم الهدون على البيت ، لم يكن يُسمَع أى صوت من الخارج . ولحسن الحظ لم تصمت هذه المرة طويلا ، وإنما أخرجت صوتا رائقا ، بدا وكأنه يصدر هو بنفسـه ، تلقائيا ، دون مشاركة منها ، وقالت دون أن ترفع عينيها عن الجدار :

ـ لقد سمعت يا فارفارا كيف كنتِ تبكين بالأمس . كان صوتك ، صوتك ، أذكره . ولكننى فكرتُ أنك تبكين على بعد موتى . وفعلا ، قبل أن أفقد وعيى رقدتُ ورحتُ أفكر : " سأموت ، وستحضر فارفارا لتندبنى " . وهكذا كنتُ أعتمد عليكِ . وسمعتُ صوتك ، إلا إننى فكرتُ أنه آتِ إلىَّ من خلال الموت ـ وليس غير ذلك .

شعرت فارفارا بالخدر يسرى فى جسدها . هزت برأسها للأم وفمها لا يزال مفتوحا ـ لم تتمكن من قول أى شئ ، ولم تتمكن أيضا من البكاء . اقترب إيليا من ميخائيل وهمس مندهشا :

ـ أمنا غريبة الأطوار ، ألا ترى ذلك ؟

ـ من يعرف ، لعل الموت يسمعون أيضا ، من يعرف ؟ لا أحد يعرف . يغلقون لهم أعينهم ، أما آذانهم فتبقى مفتوحة .

سأل إيليا بصوت عال :

ـ ماذا تقولين يا أمى ؟ عم تتحدثين ؟

ـ ماذا أقول ؟ ـ عرفت العجوز إيليا من صوته ، ولم تتمكن من الرد ، خجلت ـ هذا من فرط السعادة لأننى أراكم ، لا أدرى ماذا أقول . أثرثر بشئ ما . لا تغضبوا منى ، من العجوز ، لقد فقدتُ عقلى تماما .

ـ ماذا يا أمى ! هل تعتقدين أننا غير مسرورين لأنك حالتك تحسنت ؟ عليك الآن أن تتعافى بسرعة ، وسنذهب لزيارة المعارف والأصدقاء ، آى نعم . ولماذا نبقى فى البيت ! سنذهب كلنا للزيارة . وإذا لم تستطيعى السير ـ سنحملك على أكفنا . عندك من يستطيع حملك .

قدمت لوسيا قدح العصيدة للأم قائلة :

ـ اشربى ثانية . هذا ممكن الآن ، فالمعدة بدأت تعمل وستهضم الطعام .

حاولت العجوز رفع رأسها ، وساعدتها لوسيا . فى هذه المرة ، شربت أكثر . ثم أخذت فتـرة راحة ، وقالت مندهشة من حالها :

ـ انظروا ! العصيدة نزلت إلى حفرة عميقة . صَدَقَ من قال : نحيف وأكول .

ـ الآن سيكون حالك أفضل ، ستشربين أكثر فيما بعد .

ـ أوه ، لن أستطيع .

ـ لا عليك ، سوف تستطيعين .

قالت العجوز متشكية :

ـ لو أستطيع فقط انتظار تانشورا … لماذا تأخرت هكذا ، ماذا حدث لها ؟

ـ ستأتى يا أمى ، لا تقلقى . رحلتها طويلة ، ولكنها لابد وأن تأتى .

ـ لا تسافروا وتتركونى . ابقوا معى قليلا . ستأتى تانشورا ، ولن أؤخركم . أعرف أنكم لا تستطيعون الغياب طويلا .

ـ لا ينوى أحد حتى الآن أن يسافر ويتركك .

ـ ابقوا معى ، لن أزعجكم . أنا أرقد ، وسأبقى راقدة . لا أستطيع السيطرة على نفسى من شدة الفرحة ، ولكننى سأصمت فيمت بعد . يمكنكم أن تفعلوا ما تريدون ، يكفينى أن أراكم مرة واحدة فى اليوم .

ـ قالت لوسيا فى عتاب :

ـ ما هذا الكلام … " أزعجكم " و " سأصمت " ؟ ألا تخجلين من ذلك يا ماما ، ماذا يدور برأسك ؟ أنتِ لست مطالبة بتبرير أى شئ أمامنا ، افهمى ذلك من فضلك .

تأوهت فارفارا :

ـ لا تتكلمى هكذا يا أمى ، لا تقولى ذلك ، وإلا سأبكى .

لم يحتمل إيليا أيضا :

ـ لا يا أمى ، لا …

سكتت العجوز وهى تشعر بالسعادة ، ولكنها لم تستطع أن تحتفظ بذلك فى داخلها :

ـ أفتح عينى ، فأراكم هنا بالقرب منى ، يخيل إلىَّ أننى أستطيع أن أحلِّق مثل الطير ، وأحكى للجميع … يا إلهى …

كان النهار يتناقص أكثر فأكثر ، ولكن الضوء ما زال كافيا والرؤية واضحة فى البيت . الشمس الغاربة راحت تضرب مباشرة فى النافذة التى ترقد العجوز تحتها . وصلت أشعتها الآن إلى السقف . وتوزَّع الضوء المنعكس من أعلى على كل الجهات . كل شئ هنا كان مألوفا لأولاد العجوز ، وبدا وكأنه يكرر الأم : كل شئ كان يتحدث فى وقت واحد معها ، أو يلتزم الصمت ناظرا إليهم بإصرار مفعم بالرقة والكبرياء ، أو يتجاوب فى انتباه وهدوء غير لحوح . كان من الصعب تصديق أن البيت يمكنه أن يعمر بعد العجوز ، وأن يبقى فى موضعه بعد موتها ـ من الواضح أنهما شاخا معا ، وأنهما ما زالا يتمسَّكان ببعضهما البعض ، من أجل بعضهما البعض ، وبفضل بعضهما البعض . كان يجب السير على الأرض بتأن كى لا تتألم العجوز ، فكل ما قالوه لها ما زال موجودا فى الجدران ، وفى الزوايا ـ فى كل مكان .

الهواء هنا هو نفسه الذى تنشقوه فى طفولتهم . كان يغريهم ويشدهم إلى السنوات البعيـدة الفائتة ، ولكن كانت تنقصه القوة ، مثل العجوز .

لقد هبطت النوافذ إلى أسفل وأصبحت مثل الكوى . كان لابد من الانحناء للدخول من الباب . كان من الغريب وغير المألوف رؤية الجدران الخشبية ، غير المشذبة وقد برزت منها العوارض المغطـاة بالكلس . وتحت العارضة السميكة فى السقف كانت تتأرجح كالعادة الحلقة التى كانت تُعَلَّق بها أرجوحة الأطفال التى لم تكن تفرغ أبدا فى الماضى . فما أن يكبر فيها طفل حتى يحل محله آخر .

وعلى جانبى النافذة ، التى تعلو المائدة ، ازدحمت صور فوتوجرافية داخل إطارين . كانوا جميعا هناك : إيليا وميخائيل وهما فى الجيش ـ مع التحيات من الأماكن التى خدما فيها . إيليا خلف مقود السيارة فى الشمال ، فارفارا مع زوجها ـ يطل الاثنان بعيون محملقة ووقفة منتصبة ممسكين بمسند المقعد وكأنهما يخشيان السقوط ، ولوسيا فى مكان ما فى أحد المنتجعات بين الأشجار الضخمة الغريبة المثيرة للدهشة ، وها هى تاتيانا ما تزال قروية ، بوجهها النحيل المذعور ، وكأن التصوير قد أثار فيها فزعـا مميتا .

على رف الأيقونات ، فى الزاوية اليمنى ، وضعوا مصباحا . كان ضروريا للغاية فى تلك الليلة رغم إنه لم يستعمل منذ أشهر طويلة . كانت العجوز تُصَلِّب دون أن ترفع عينيها . وإلى اليمين ، بالقرب من نافذة العجوز عُلِّقَت لافتة كانوا قد أحضروها من تعاونية قطع الأخشاب منذ سنتين ، رُسِم عليها طفل على خلفية الغابة يحمل فأسا ، وفى أسفلها كُتِب : " ازرع أشجارا أكثر ، تعش حياة أطول " . كانت الغابة فى البداية خضراء ، ولكن الذباب سرعان ما حولها إلى صفراء ، وبدا وكأن الطفل أيضا قد كبر على مر السنين . ومع ذلك فقط تعودوا الصورة ولم يقوموا بانتزاعها .

نظرت العجوز إلى أولادها بهدوء أكثر وقد تأكدت أنهم لن يفزعوا فجأة من دون سبب ، ولن ينفضوا عنها . فراحت تتحدث بيسر وسهولة دون عناء ، وعلى الفور وجدت الكلمات المناسبة . شعرت بالتعب من الكلام ، ولكنها سيطرت على نفسها : كانت بحاجة إلى الراحة ، فاستراحت . والآن تتعلم مرة أخرى كيف تدخر نفسها لما سيأتى ، وألا تستنفدها على ما هو موجود .

اقترب المساء الصحو من نهايته وحلت البرودة والعتمة فى البيت ـ وفى كل مكان . أخذت لوسيا تُعدِّل وضع البطانية على الأم . رفعتها قليلا ، وفجأة تباطأت فى حيرة ، ونادت :

ـ ميخائيل ، تعال هنا .

ـ ماذا هناك ؟

سحبت العجوز قدميها بخوف وخجل دون أن تفهم شيئا .

ـ انظر يا ميخائيل ـ أشارت لوسيا ضاغطة صوتها .

ـ أين ؟

ـ هنا ، هنا .

ـ وماذا ؟

ـ كيف " وماذا " ؟ وفوق هذا يسأل أيضا ! هل من المعقول أنك لا ترى على أى فراش تنام ماما عندكم ؟ فراش أسود ، ربما لم يتم تبديله منذ سنة كاملة . هل من المعقول أن ينام إنسان عجوز مريض ، أمك ، على مثل هذا الفراش ؟ ألا تخجل من ذلك ؟

ـ ولماذا أخجل ؟ وماذا ، هل أنا مسؤول فراش هنا ؟

ـ ولكن كان عليك أن تتابع ! أن تطلب منهم غسله ، أ لم يكن ذلك باستطاعتك ؟ … أم أن الأمر بالنسبة لك سيان ، فى أى ظروف تعيش أمنا ؟ أنت هنا صاحب البيت .

لم تر لوسيا ، ولم تلحظ ، كيف احمر وجه ناديا التى لم تعد تدرى أين يمكنها الاختفاء :

ـ لوسيا ! لوسيا ! ـ حاولت العجوز إيقافها ، وفى النهاية توقفت لوسيا ملتفتة إليها . لوَّحت العجوز بيدها فى ضعف : ـ تعبتُ وأنا أناديكِ . لماذا لا تسأليننى أنا ؟ لقد وجدتِ ما تتحدثين فيه ـ الفراش ! يا إلهى ، وما حاجتى إلى فراش أبيض ؟ طوال حياتى كنت أنام بدونه ، وكنتُ مع ذلك بصحتى . والآن يسيرون على موضة جديدة : يفردون الفراش الأبيض من تحتهم . إذن جربى غسيله ـ سوف تظلين بعد ذلك بدون أيدى .

ـ ماما ، أنا الآن أتحدث مع ميخائيل ، وليس معك .

ـ ولماذا مع ميخائيل ، أنا أتكلم معك ، وأنت مصممة على رأيك ؟ لا أستطيع رفع صوتى ، ولن أقدر على الصياح أعلى منكم . لقد أضجرتنى ناديا بهذا الفراش ، تلح دوما على تغييره ، وقد تعبتُ من قولى لها أن تتركه وشأنه . أنا أرقد ولا أحرك ساكنا . أرقد دون حراك ، فدعونى ، وعندما أموت سيغسلوننى على أية حال ، فمن دون ذلك لا يضعون الميت فى التابوت .

ـ لماذا تتحدثين هكذا ؟

ـ وتسأل أيضا ! لماذا تتحدثين … ـ قالت العجوز فى حسرة وصمتت . ولكنها لم تستطع الاستمرار فى صمتها :

ـ لقد أفزعتِنى ، وحتى الآن لا أستطيع أن أهدأ . فكرتُ ، ماذا رأت تحتى ، وهل فعلتُ شيئا ؟ هل أنا مسؤولة عن شئ ما الآن ؟ أنا أسوأ من طفل صغير . لا أعى حالى .

ـ ولكن كان على ابنك أن يعى حاله ، ويتذكرك ـ صممت لوسيا على رأيها فى عناد ـ فهـو ابنك . لا أستطيع أن أتصور كيف يمكنك أنتِ ، أمنا ، أن تنامى على مثل هذا الفراش ، ولا أحد يهتم بذلك . الجميع يعتقدون أن هذا ما ينبغى أن يكون ، قلة حياء !

ابتعدت ناديا عن الجدار حيث كانت تقف طوال الوقت . انسلت خارجة من الغرفة . ومن خلال الصمت المتوتر قال ميخائيل :

ـ وما شأنك بهذا الفراش ؟

هزت العجوز رأسها قائلة :

ـ كان من المفروض ألا تتحدثى أمامها بهذا الأسلوب ، فهى غير مذنبة فى ذلك . حاولت تغيير الفراش أكثر من مرة ، ولكننى لم أكن أرغب فى التحرك . لم تكن لدى رغبة ، كنتُ خائفة .

ـ ولكننى لم أقل شيئا .

ـ ليس لها ، ومع ذلك لها بالذات ، لمن إذن ؟ هى التى تعتنى بى ، وليس ميخائيل .

تنهدت فارفارا قائلة :

ـ إيه ، لا أدرى ماذا أقول .

ـ لا تدرين ، إذن اسكتى ـ انظرى أية مشكلة صنعتِ !

ـ ولكننى لم أقل لكِ شيئا

ـ وأنا أيضا .

سألت العجوز لكى تغير مجرى الحديث غير الودى :

ـ أ لم تأت ميرونيخا لرؤيتى وأنا غائبة عن الوعى ؟

رد ميخائيل :

ـ نعم . نعم على ما أظن .

ـ ستأتى . ضرورى أن تأتى عندما تعرف أننى تحسنتُ ، وستروى لى شيئا ما . لا أدرى كيف كنتُ سأعيش حياتى بدونها . كلامها يسلينى . ستأتى حتما ـ هزت العجوز رأسها ـ وستقول : " أنت يا فتاة لماذا لا يأخذك الموت ؟ " ، إنها تحب المزاح كما كانت دوما . انظرى ، هل بابها مفتوح ، يمكنك رؤيته من النافذة .

نهضت فارفارا واستندت إلى طرف النافذة .

ـ لا ، مغلق .

ـ لعلها ركضت إلى مكان ما ، فهى لا تبقى أبدا فى مكانها . دائما تركض من مكان إلى آخر . لتركض ما دامت قدماها تحملانها . ستشبع نوما فيما بعد . لو كنتُ أستطيع لركضت خلفها الآن . ولكننى لا أقدر .

ـ أمى ـ قاطع إيليا العجوز وهو يغمز لميخائيل ـ هل تعترضين لو شربتُ أنا وميخائيل احتفالا بشفائك ؟

ـ آه ـ آه يا رجال ، أه يا رجال ـ انتفضت فارفارا ـ لا تستطيعون بدون ذلك .

أجابها ميخائيل موافقا وعلى وجهه ابتسامة عريضة :

ـ لا نستطيع ، آى نعم .

قالت العجوز :

ـ اشربا طالما ترغبان . ولكن ليس هنا ، ليس بقربى . فأنا لا أتحمل رائحتها .

ـ طبعا ، يمكن أن نبتعد . سنشرب يا أمى فى صحتك كى لا تمرضى أكثر . آى نعم .

ـ اشربا فى صحة الشيطان ، فهذا يناسبه أكثر .

ـ يا له من اقتراح ، فى صحة الشيطان …

ـ نعم ، تشربان فى صحة الشيطان ولا أحد غيره . ماذا يجدون فيها ، أية متعة ؟ لو تزنوننى ذهبا فلن أذوقها أبدا . ويدفعون ثمنها أيضا ؟ كأنما ستسمعان كلامى إذا قلتُ لا تشربا … اشربا طالما تريدان ، ولكن لا تكثرا لدرجة السكر . أنا لا أذكر تبدو وأنت سكران . أما ميخائيل فيغدو سيئا . وناديا المسكينة تكون سعيدة إذا وجدت مكانا تهرب إليه من ميخائيل حينما يسكر .

فرح ميخائيل وقال بدون ضيق :

ـ أنتِ ، يا أمى تحرضين الجميع ضدى .

ـ أنا لا أقول ذلك عبثا .

ـ لا يا أمى ، سنشرب قليلا ، لفتح الشهية فقط .

تابعت العجوز بعد خروج الرجلين وهى تنظر إلى لوسيا وكأنها توجه كلامها إليها وحدها :

ـ لا أستطيع أن أتشكى من ناديا . إنه ابنى من لحمى ودمى ، وهى كِنَّتى . ولكننى لا أستطيع القول أنها أساءت لى يوما ما . العناية بى تحتاج إلى صبر . لم ترفع صوتها فى وجهى ولو مرة واحدة . لماذا أظلمها إذا لم تكن قد أساءت لى أبدا . إنها تسقينى ، وتحضر لى كيس الماء الساخن . عندما يكون الطقس باردا لا أستطيع الحياة بدون كيس الماء الساخن . فدمى قد برد تماما ولم أعد أدرى هل مازال موجودا بداخلى أم لا .

قالت فارفارا ناصحة إياها على طريقة الإنسان الفاهم :

ـ يجب أن تتغطى بشكل أفضل .

ـ وكيف أتغطى أفضل إذا كانت ناديا تثقلنى بكل ما لديها من أغطية ، لدرجى أننى لا أستطيع الحركة . أشعر بثقل الأغطية ، ومع ذلك ترتجف قدماى ، فأنادى ناديا أو أبعث خلفها نينكا . تحضر ناديا ، وتسخن الماء ، فأشعر بتحسن . لولا ناديا لكنتُ قد ضعتُ تماما . ماذا يمكننى أن أقول غير ذلك . إنه آدمى عندما يكون صاحيا ، ومن النادر جدا أن يرفع صوته ، ولكنه عندما يسكر يصير غير محتمل أبدا . يزعجنى ويزعجها ، ونتمنى لو نهرب منه إلى آخر العالم .

سألت لوسيا متحفزة :

ـ وكيف يزعجك ؟

ـ كيف .. كيف . يطلب منها المزيد من الخمر ، وهو نفسه لا يكاد يستطيع الوقوف على قدميه من شدة السكر . يطلب المزيد ، ولكن من أين ، من أين لها بالنقود ؟ يرسل بها إلى الدكان : " أنت تعملين هناك ، وسيعطونك " . ولكنها هناك تنظف لا أكثر . وليس لها علاقة بالمشروب . لو يفكر قليلا .. ولكنه يتعنت . وعندما أحاول منعه ، ينهرنى فى غضب : " أنت يا أمى ترقدين . فتابعى رقادك ، واسكتى " . فأسكت . صرتُ أخاف منه عندما يكون سكرانا . وعندما يبدأ العراك هناك ، آخذ نينكا لتنام معى .

علَّقت لوسيا فى تماسك :

ـ هكذا إذن ..

ثم قالت فارفارا فى استياء وهى تنظر نحو الباب :

ـ لا خجل لديه ولا حياء . منتهى الوقاحة أن يعامل أمه على هذا النحو !

أو يأتى إلىَّ ويجلس : " لنتحدث يا أمى " ، ولكن عن أى شئ يمكننى أن أتحدث معه وهـو سكران ، وقد اختلطت الأمور فى رأسه . " ألا تريدين أن تتحدثى معى ؟ أنا أطعمك وأسقيك ، وأنت تقرفين من الحديث معى ؟ " ، ولكن لماذا أقرف ؟ تعال وتحدث معى عندما تكون صاحيا ، وليس بهذه الحـال . أوه ، أوه ، كم هو لحوح !

وعدت لوسيا :

ـ سأكلمه ، سوف أتحدث إليه بما لا يسره . ما هذا الوضع ؟! " أطعمك وأسقيك " … لم يكن ينقصنا إلا هذا الكلام .

ـ ولكن لا تتحدثى إليه وهو سكران ، لا داع لذلك ، فهو لن يفهم ، وإنما سيثور غضبا . إنه فى غاية البشاعة عندما يكون سكرانا ، ولا أحد فى هذه الحال يثنى عليه . وبعد ذلك ينام ويصحو وكأن شيئا لم يكن . إنه إنسان آخر تماما لولا الخمرة . إنها تهلكه .

ـ لا ينبغى الشرب ـ قالت فارفارا .

فردت الأم موافقة بإيماءة من رأسها ، وتأوهت :

ـ ومن الذى يقول ينبغى ؟ فالإنسان الذى يشرب الآن ولا يفقد وعيه هو إنسان من ذهب . أما الذى لا يشرب إطلاقا فيجب أن نحمله ونعرضه على الناس فى مقابل النقود : انظروا .. انظروا أيـة معجزة . أما صاحبنا فبمجرد أن يشرب قطرة واحدة يصير مثل البرميل المثقوب ، مهما صببنا فيـه لا يمتلئ .

ردت لوسيا قائلة وهى لا تزال مندهشة :

ـ لم أكن أعرف ، لم أكن أعرف أن ميخائيل قد انحدر إلى هذا الحد .

قالت فارفارا مؤيدة :

ـ انحدر ، انحدر . أمنا لا تكذب .

أسرعت الأم قائلة فى انزعاج :

ـ ولِمَ أكذب ؟ ما حاجتى الآن إلى اختلاق الأكاذيب حول ابنى .

ـ هذا ما أقوله : أمى لا تكذب .

ردت لوسيا بلهجة حادة :

ـ ولكن ، لا أدرى لماذا تتحمل أمنا كل ذلك . إنه يهزأ بها كما يريد ، وهى تدافع عنه . " ينام ويصحو وكأن شيئا لم يكن " ـ قالت لوسيا مقلدة العجوز ـ والآن انتظرى حتى يشبع نوما ، انتظرى ، لعله يطردك من البيت .

ـ لم يطردنى ، لماذا هذه التخاريف .

ـ لم يطردك ، ولكنه سيطردك إذا كنتِ تسكتين له كل مرة . لم يبق غير قليل على ذلك .

ـ لم يطرد أحد فى عائلتنا أمه من البيت .

ـ وكذلك لم يعامل أحد فى عائلتنا أمه كما يعاملك ابنك .

وافقت فارفارا :

ـ لا أحد ، لا أحد . لم أسمع بمثله فى حياتى كلها . إنه وحده فقط الذى يفعل ذلك .

بعد فترة صمت قصيرة بدأت العجوز مرة أخرى :

ـ أنتما غاضبتان ، غاضبتان . لكن لو كنتما تعيشان معى ، إن العيش معى عقوبة ، ألا أعرف ذلك ؟ فتارة أحضروا هذا ، وتارة أخرى أحضروا ذاك ، وحينما ينتابنى السعال لا أستطيع حتى رؤية ضوء النهار : كح . كح . كح ، ولا أقدر حتى على الخروج وحدى لقضاء حاجتى . أ ليست هذه مصيبة ؟ كان يجب أن أموت ، كفانى عذابا وتعذيبا للآخرين . لقد تأخرتُ ، وأخشى أن أتأخر أكثر من ذلك . إنه يصبر عندما يكون صاحيا ، حرام أن أقول غير ذلك . ولكن من المعروف أن السكران لا يستطيع السيطرة على نفسه . فى البداية أغضب ، ثم أمعن التفكير : هل ثمة سبب للغضب ، وممن أغضب ؟ علىَّ أن أتحمل ما دمتُ قد شِخْت . لقد تحمَّل الرب وأمرنا أن نفعل ذلك .

بعد أن ارتاحت العجوز قليلا ، بدأت تتحدث بسهولة ، ويبدو أن ذكر الرب قد هدَّأها . تنهدت بارتياح وطلبت :

ـ لا تقولى له شيئا ، دعيه . أريد أن أموت فى هدوء ، وألا يذكرنى أحد بسوء . سيكون الموت فى هذه الحالة أسهل . ألا ترون ذلك ؟ لا تتخاصموا بسببى ، فسوف يكون الأمر أسوأ لى إذا تشاجرتم ، سأموت ، ولكن عليكم أن تعيشوا ، أن تروا بعضكم ، وأن تتبادلوا الزيارات ، فأنتم لستم غرباء ، إنكم من أم واحدة وأب واحد . أكثروا من تبادل الزيارات ، وعلى الأخ ألا ينسى أخته ، والأخت ـ أخيها . وترددوا إلى هنا ، فهنا أصلنا كله . وأنا سأكون هنا ، لن أذهب إلى مكان آخر . ستجلسون قرب قبرى ، وسأعطيكم إشارة بأننى أحس بكم ، وربما أرسل طائرا يبلغكم بذلك .

دخلت ناديا الغرفة فى حذر ، وخوفا من إثارة الإزعاج وقفت قرب الباب خلف سرير العجوز . رأوا ناديا ، فالتفتوا نحوها ، وعندئذ خطت نحو الطاولة وجلست واضعة يديها اللتين أثقلهما العمل علـى ركبتيها . تبدَّل حالها على الفور : فهى أثناء العمل تشع نشاطا ، ولكنها بمجرد أن تجلس ـ لا حس ولا خبر ، وكأنها نائمة بعينين مفتوحتين تترقبان موعد النهوض والركض من جديد .

سألتها العجوز كى تحمل ناديا على المشاركة فى الحديث :

ـ هل انتهيت من ترتيب كل شئ ؟

ـ انتهيت ، لم يبق هناك سوى أن أبيت البقرة .

ـ شاهدتِ الرجلين ؟

ـ إنهما فى الحمام .

ـ كم أتمنى ألا يسكرا .

ـ لعله يصبر فى وجود الضيوف .

ـ نعم ، هو ليس وحده ، معه ضيفه .

وأخيرا تحدثت ناديا عن سبب مجيئها :

ـ سنتعشى هنا ، أم بالمطبخ ؟ كل شئ جاهز .

ردت العجوز :

ـ اجلسوا هنا ، لماذا أبقى وحدى هنا ، سوف أشبع بعد ذلك من الرقاد وحيدة .

ـ عندئذ سأشعل الضوء .

ـ أشعليه ، ومن يمنعك . أى عشاء فى الظلمة ؟

ـ أ ليس من الضرورى أن أدعو الرجلين ، أم لا ؟

ردت العجوز بدون سخرية :

ـ وهل يشبعان من الشرب ؟ ولكن النبيذ لا يشبع كثيرا . صيحى عليهما فقط ، وبعد ذلك إذا أرادا فليأتيا .

ـ أعتقد أنه من الممكن إطعامهما فيما بعد .

ـ ولكن لماذا تقدمين الطعام مرتين ؟ وأنت هكذا مجهدة طوال النهار .

ـ هيا يا ناديا ، سأساعدك ـ قالت لوسيا ، ومن الواضح أنها كانت ما تزال تحت تأثير الخجل من موضوع الملاءات ، وأرادت أن ترضيها بطريقة ما .

ـ استريحى ، استريحى ، سأجهز كل شئ بنفسى . يجب أن أسخِّن الأكل مرة أخرى ، فلابد أنه قد برد . استريحى .. حالا ، حالا .

بقيت لوسيا .

جاء الرجلان أحمرين وكأنهما خرجا من حمام بخار فصار كل منهما أكثر شبها بالآخر . حتى الغريب يمكنه الآن أن يقول أنهما أخوان : فأين يمكن إخفاء هذين الفكين الناتئين ، والحاجبين الكثيفين الأشعثين على الجبين ؟ بينما احمرت رقبة هذا وذاك ، وصعد الدم إلى رأس إيليا الأصلع فبدا وكأنـه يتوهج .

جلسا إلى المائدة فى ضجيج ، وسأل ميخائيل بصوت عال :

ـ كيف الحال عندك ، هناك ، يا أمى ؟

رد عليه إيليا بعد أن اعتادا الحديث مع بعضهما البعض فى الحمام :

ـ كيف الحال ؟ أمنا رائعة ، خدعت موتها ، ولا شئ أكثر من ذلك .

نظرت الأم إليهما فى صبر وتأنيب ، وقالت متباطئة :

ـ لا يمكن خداع الموت .

ـ خدعته يا أم ، خدعته ، ولا تغالطى . حسنا فعلت ، ماذا ، أ لن يجدك غيرك ؟ من المؤكد أنه سيجد ـ آى نعم ، فالدنيا لا تخلو من الأبرار .

فقال ميخائيل ضاحكا :

ـ هذا صحيح .

وفجأة ردت فارفارا وكأنها قد تصيدته :

ـ أفضل لك أن تصمت يا عديم الضمير .

ـ ما هذا ؟

ـ " من الأفضل أن تكلسى ، وتخلسى خالص ، فالأمل لا يعنيك " ـ ردد إيليا متذكرا لعثمات الطفولة ، ودون أن يفهم شيئا حاول أن يأخذ كلمات فارفارا فى شئ من المزاح .

ـ عديم الحياء ـ قالت فارفارا مرة ثانية فى حدة ، والتفتت نحو لوسيا طلبا للمساعدة ، فكان على لوسيا أن تأخذ مهمة الحديث على عاتقها :

ـ لو كنتُ مكانك ، يا ميخائيل ، لسكتُّ بالفعل ـ قالت ذلك فاصلة الكلمات عن بعضها البعض وهى تنظر فى عينيه مباشرة ـ إن ما تسمح به لنفسك تجاه ماما أمر مرفوض تماما . وتذكر : لن نسمح بإهانة ماما ، ولن نسمح لك أن تهزأ بها .

ـ ماذا بكما ، هل فقدما عقلكما ؟ من يهزأ بها ؟

ـ أنت .

ـ أنا ؟ وماذا أفعل معها ؟ قولى ، قولى طالما بدأتِ .

عندئذ تدخلت العجوز فى توسل :

ـ لوسيا ، لوسيا ، لماذا تقولين ذلك ؟ لقد رجوتك باسم الرب المسيح . لا تتعاركوا ، ارحمونى .

ـ لا ، دعيها تتكلم .

رضخت لوسيا على مضض :

ـ حسنا يا ماما ، لن نفعل الآن . ولكن تذكر يا ميخائيل ، حديثى معك لم ينته بعد .

اتجه ميخائيل فى احتجاج مخاطبا إيليا :

ـ انظر إليهما . تنقضان علىَّ بهذا الشكل ، ويقولون أنهما شقيقتىَّ . أمر غريب .

ردت لوسيا متوعدة :

ـ سنتحدث معك عن ذلك فيما بعد .

ـ لا تخيفيننى ، فلا أحد يخاف منك .

قال إيليا :

أنت ، يا ميخائيل ، تغضب الأم . لا تجوز الإساءة إلى أمنا .

رد ميخائيل دون أن يختلف مع إيليا :

صحيح جدا ما تقول . لا يجوز الإساءة إلى الأم . هذا إثم . أنا لم أسئ أبدا إلى أمى .

ـ لقد وهبتنا الحياة .

واصل ميخائيل وهو يمسح دموعه من شدة السكر :

ـ كل ما تقوله صحيح . أفهم كل شئ . بل وأفهم أكثر منهما ـ وهز رأسه تجاه أختيه ـ هل تعرف لماذا انقضتا علىَّ ؟ لأنهما غاضبتان منى : أرسلتُ تلغرافا وجئتُ بهما من هناك بينما الأم لم تمت ، وكأننى دعوتهما عبثا ، خدعتهما . أنا أعرف .

هبت لوسيا غاضبة :

ـ هل تفهم ولو حتى ما تتفوه به ؟ أم أنك لم تعد تع شيئا ؟ أ لا تخجل من نفسك ؟!

مرة ثانية راح إيليا يُعَدِّل الأمور :

ـ هذا أيضا لا يجوز يا ميخائيل .

فرد ميخائيل موافقا :

ـ لن أفعل طالما لا يجوز . أنت أكبر منى وعلىَّ أن أحترمك .

ـ المسألة ليست فى ذلك .

ـ أفهم : المسألة ليست فى ذلك .

دخلت ناديا وأخذت تصب الحساء . الأمر سيان ، فقد اضطرت لإعداد المائدة مرتين : فى البداية أكل الرجلان ، وبعدهما جلست فارفارا ولوسيا . سكبوا للعجوز بعض المرق فى فنجان ، ورحن يأكلن فى صمت .

خرج الرجلان بعد أن أخذا المصباح من فوق رف الأيقونات . وتنهدت العجوز بثقل على أثر خروجهما :

ـ أ من المعقول أن يكون لديهما المزيد هناك ؟ هل هذا معقول . يا إلهى .. عطفك ورحمتك . ماذا يفعلان ؟! ماذا يفعلان ؟!