( 4 )

4 0 00

( 4 )

ومرة ثانية صافحت عينا العجوز وجه الصباح .

رقدت طويلا تنتظر الفجر بعينين مفتوحتين وقد قررت : أن تحاول الجلوس بمجرد أن تصبح الرؤية ممكنة ـ انتابتها آلام شديدة فى العظام الناتئة بظهرها وجنبيها ، وضوء الفجر قد اختفى فى مكان ما مثلما يحدث بالضبط فى ليلة عيد الميلاد . خافت العجوز أن تتحرك فى العتمة : خشية أن تقع ولا تتمكن من النداء على أحد . وأخيرا بدأ الظلام ينقشع عن النافذة الأقرب إلى جهة الشروق ، وصارت الرؤية ممكنة من خلالها . بعد ذلك بانت النافذة الأخرى فى مكانها . ومن خلال النافذتين اندلقت فى الغرفة غبشة صباحية مبكرة باردة قبل طلوع الشمس .

انتظرت العجوز ريثما يزداد نور الصباح ، ولام تحول عينيها عن لوسيا ـ هل هى نائمة ، ثم رفعت ظهرها قليلا عن الفراش . أخذت نفسا ، ثم اعتمدت على يديها وأنزلت قدميها إلى الأرض . دار رأس العجوز ، فاستندت إلى الفراش حتى لا تهوى إلى الأمام ، لا قدر الله . وحينما تماسكت ، اعترتها الدهشة وهزت رأسها : من كان يصدق ـ لا شئ لدىَّ أجلس عليه ، لا شئ غير العظام ، وها أنا ذا أجلس . شدت العجوز البطانية على قدميها كى لا يظهر نحولهما .

فرحت العجوز لتمكنها من الجلوس ، وشعرت بألم لذيذ يدب فى ظهرها ويديها وقدميها ، وتسرَّب الخدر الذى كاد يتحجر فى جسدها من طول الرقاد . كانت الرؤية من هذا الموضع أكثر راحة لعينيها ، فراحت تنظر إلى الأمام مباشرة بدون الحاجة إلى رفعهما : طوال يوم الأمس كادت عينا العجوز تنقلعان من محجريهما إلى أن أصابهما الإعياء تماما من كثرة الحركة هنا وهناك . سرعان ما أحست بالبرد فى قدميها الحافيتين على الأرض ، فمدت طرف البطانية تحتهما ـ ذلك يعنى أن قدميها لم تموتا تماما ، إذ أن الدماء ما تزال تصل إليهما .

لم تكن الشمس تقع على البيت فى الصباح ، ولكنها بمجرد أن أشرقت عرفت العجوز حتى من دون أن تنظر إلى النوافذ : بدأ الهواء يتحرك ويتلاعب من حولها ، وكأن شيئا ما نفخ فيه من جهة ما . رفعت عينيها ورأت ما يشبه الدرج النازل من السماء والذى لا يجوز المشى عليه إلا بقدمين عاريتين ، ومن أعلى تتساقط أشعة الشمس المتراقصة فى جنون وفرحة قبل وصولها إلى الأرض . شعرت العجوز فى الحال بالدفء وتمتمت :

ـ يا إلهى …

سمعت العجوز خوار البقرة ، ولكنها لم تناد ناديا : يجب أن تتعود النهوض بنفسها ، فهى على أية حال ليست خالدة فى هذه الدنيا . وإذا نادتها فمن السهل أن تستيقظ لوسيا ، وهى التى اعتادت أن تصحو متأخرة فى مدينتها تلك . إذن لتبق نائمة ، فلا حاجة لها فى القيام هكذا مبكرا . جلست ، وتناهى إلى سمعها ، كيف ترتدى ناديا ملابسها ، وبعد ذلك تعالى صرير الباب ، وعم الهدوء ثانية . إلا أن العجوز كانت تعرف أن البيت يشبه الإناء الموضوع على الموقد لتسخين ما فيه من طعام . وها هو يكاد يسخن ، ويتكلم .

وفعلا ، بدأ وقع أقدام أحد ما هناك ـ نينكا . بالطبع لن تخرج الآن إلى الخلاء ، فالقصرية هنا ، تحت سرير العجوز . مطت العجوز جسدها ونادت على نينكا بهمس قوى . فأقبلت هذه بخطواتها الصغيرة وهى ما تزال تحت تأثير النوم ، وبعينين مغمضتين تبولت ، ثم تسلقت إلى فراش العجوز ـ هذا ما كان يحدث فى الماضى … كانت نينكا تحب أن تركض فى الصباح إلى الجدة ، والآن تكاد العجوز تبكى : ها هى فرحة جديدة أخرى من أفراح حياتها لم تتركها بعد . نينكا لا تزال تذكر أين جدتها ، وتمتمت وهى شبه نائمة :

ـ ستموتين ، وسأنام أنا هنا على الدوام .

همست العجوز وهى تدس البطانية تحتها :

ـ نامى ، نامى . ستشعرين بالدفء هنا قرب الموقد . نعم ، فالشتاء على الأبواب . ستكونين هنا بلا مشاغل أو هموم . أه منك يا صغيرتى الطيبة ! لقد كبرت ، وأصبحت تفهمين كل شئ .

ران الصمت على البيت مرة ثانية بعد نينكا ، ولكن الأصوات كانت تتعالى من الشارع رويـدا رويدا . أرهفت العجوز السمع حتى تتعرف على بقرة من تلك التى تخور ، ومَنْ مِنْ الجارات تأخرت اليوم عن النهوض . أصاخت السمع إلى خوار بقرة ميرونيخا ، وربما لو أرهفت السمع أكثر لسمعت ميرونيخا نفسها ، فهى دائما تصرخ بالبقرة عندما تحلبها : ما هذه البقرة التى لا تقف فى مكانها . أ لم تمل ميرونيخا بعد من الركض خلفها مع مقعدها فى الفناء ، ومن الصراخ أيضا ؟ وهل من الصعب أن تستبدلها بأخرى غيرها ؟ أم أنها هى نفسها لم تعد تقدر بدون ذلك ؟

لا ، لم تسمع صوت ميرونيخا ، ولا خوار بقرتها ، وكأن هذه وتلك لم تتمكنا من البقاء حتى نهاية يومهما . لعل ذلك حقيقة ؟ وإلا فأين كانت بالأمس ، وكيف استطاعت ألا تأتى ؟ تعيش وحيدة ، ولا أحد يطل عليها . رفعت العجوز رأسها لرؤية باب بيت ميرونيخا ، ولكن بصرها لم يصل إلا إلى السقف ، وخشيت أن ترفع جسدها عن الفراش . ظلت تحدق نحو الشارع ، ولم تلحظ دخول فارفارا ، فأصابتها رعشة حينما سمعت صوتها .

ـ أ تجلسين ؟ ـ سألت فارفارا غير مصدقة .

تلاشى فزع العجوز وقالت فى فخر :

ـ كما ترين ، أجلس .

ـ وهل مسموح لكِ أن تجلسى ؟

استاءت العجوز حين لم تدرك فارفارا ما ذا يعنى الجلوس بالنسبة لها ، فقالت :

ـ وممن سآخذ الإذن ، مسموح أم ممنوع ؟ جلستُ ، وأجلس .

ـ إذن فاحذرى حتى لا تقعى .

ـ ما هذا الهراء ، ولماذا أقع ؟ لو كنتُ سأقع لوقعتُ بدونك ، ولكننى أجلس .

ـ هل نينكا هى التى رفعتك من الفراش ؟

ـ لم يرفعنى أحد . لا تخرفى . لقد جلستُ قبل مجئ نينكا .

كانت فارفارا لا ترى بوضوح لأنها ما زالت تحت تأثير النوم ، وكان شعرها منكوشا وكأن أحد ما قد اضطجع عليه ، قالت وهى تتثاءب :

ـ رأيتُ شيئا ما فى المنام ، ولكننى نمتُ بعمق فلم أعد أتذكره . شئ ما غير طيب .

ـ من أين تعرفين أنه غير طيب ما دمتِ لا تتذكرينه ؟

ـ صحوت وأحسستُ بانقباض ، فأسرعتُ إلى هنا معتقدة أن يكون شئ ما قد أصابك .

ردت العجوز فى قلق :

ـ حتى الآن لم يصبنى أى شئ . رتبى نفسك واذهبى إلى ميرونيخا . اذهبى ، وانظرى أ لم يصبها أى مكروه ؟ إنها وحيدة كالبومة العمياء ، ولو ماتت فسوف تظل راقدة فى مكانها مفتوحة العينين .

ـ ومن أى شئ تموت ؟

تقول من أى شئ ، من أى شئ يموت الناس ؟ يموتون من الفرح ؟ إنها تركض وتركض ـ ولكنها لن تظل تركض حتى المائة . وبقرتها اليوم لم تخر إطلاقا . جلستُ أتَسَمَّع طويلا ، ولكـن دون جدوى . إنها توقظ القرية كلها كعادتها بمجرد اقترابها من البيت ، ولكنها تبدو اليوم وكأنها ضاعت . لو أقدر لذهبتُ لرؤيتها بنفسى ، ولكن أين لى من ذلك …

ـ سأرتب نفسى وأذهب .

ـ اذهبى ، اذهبى ، فهى ليست غريبة عنى . طوال حياتنا لم نفترق عن بعضنا البعض . أما أن أذهب إليها ، أو تأتى هى إلىَّ . قلبى يوجعنى عليها .

استيقظت لوسيا ، ربما قبل ذلك : قبل دخول فارفارا ، ولكنها لم تتحرك أو تفتح عينيها إلا بعد خروجها .

قالت العجوز فى إحساس من الذنب :

ـ لقد أيقظناك بحديثنا . نامى إذا أردت ، سأبقى صامتة . وسأطلب منهم أن يسيروا بهدوء .

ـ شبعتُ نوما ـ كان وجه لوسيا حتى بعد النوم ناعما ، دون تجاعيد وانتفاخات ـ نمتُ اليوم جيدا .

ـ أ لم تر شيئا فى المنام ؟

ـ لا .

ـ فارفارا قالت أنها رأت شيئا غير طيب ، ولكنها لا تتذكره . لقد طلبتُ منها أن تطل على ميرونيخا ، فهل يكون الحلم عنها ؟ وتانشورا أيضا لم تصل حتى الآن . أخشى حتى التفكير فيها .

ـ ستصل ، لا تقلقى . ينبغى أن تصل اليوم بالتأكيد .

ـ لقد قلتم لى ذلك بالأمس أيضا ، ولكن أين هى ؟ لم تغمض لىَّ عين طوال الليل . وفكرتُ : كيف أغفو ، ربما تصل تانشورا وتدق الباب . بقيتُ أنتظر ، وأرهف السمع . فى المساء كان الناس يتحركون ، وكان هناك من يمكن سماعه . بعد ذلك جاء ميخائيل ، وبدأ يئن ويتأوه حتى غفا ، وكأن أحدا ما هناك كان يضغط على صدره . لم يكن هو الذى يئن ، بل الخمر فى داخله ، يبدو أنهما شربا كثيرا فى المساء . ثم ساد الهدوء والحمد لله ، ومرة أخرى بقيتُ وحدى ، لا أحد هناك يقرقع أو يتحدث . أرقد وأستمع إلـى نفسى . بدا الليل طويلا جدا ، وكأنه سنة كاملة ، حتى أنه لم يبق شئ لم أفكر فيه ! تحدثتُ إلى أمى ، وأخبرتها بأننى آتية إليها قريبا . صليتُ من أجل تانشورا كى يساعدها الرب على الوصول إلىَّ لو رآها فى مكان ما ، ليتها تصل اليوم ، أخشى ألا أستطيع الانتظار أكثر من ذلك . إننى أرى أن الحياة التى أعيشها الآن ليست حياتى ، وأن الرب يمنحنى مهلة إضافية من أجلكم ، ولكن لذلك نهاية أيضا . كيف لا ـ لكل شئ نهاية .

كانت لوسيا تصغى إلى العجوز وهى راقدة ، ولكن بمجرد أن تحدثت الأم عن المهلة الإضافية حتى همت بالنهوض . بدت العجوز مسرورة لكونها تستطيع الكلام ، فقد شبعت سكوتا طوال الليل .

ـ لم أكن آمل فى طلوع الفجر ، فقد كان الليل طويلا . فكرتُ فى أن الليالى الآن صارت تتوالى دون نهار ، وأنا لا أعرف أى شئ ، لا ، والناس نيام لا يستيقظون . تعبتُ تماما ، لم أكن أرغب فى النوم ، لقد شبعتُ نوما ، ومع ذلك فقد كانت عيناى تغمضان . لقد تعودتا ذلك ، فأى سلطان عليهما ؟ أحاول منعهما ، وأخاف : لو غفوت لن أنهض أبدا ؟ النوم أخو الموت . ثم أسمع : صياح الديكة ينبئ بحلول الصباح . إذن فقد حلت النهاية . عم ضوء الصباح وانتشر ، فنهضتُ وجلست . لم يكن أمامى أى حـل آخر ، لقد انبرت عظامى من طول الرقاد .

قالت لوسيا بنفاذ صبر وهى تطوى السرير المتنقل :

ـ اليوم جلستِ ، وغدا ستنهضين ، ستقومين وتمشين . عندها لن تقولى أنك تعيشين حياة ليست حياتك .

كررت العجوز :

ـ هى ليست حياتى .

لم تجادلها لوسيا ، بل وضعت السرير جانبا ، ووقفت أمام النافذة وهى تمسد جسدها . بدأ النهار صحوا ، والهواء مشبعا بالشمس ، والسماء صافية فوق القرية . لم يكن يتوارى منها أى شئ ، بل كانت مرئية كلها حتى آخرها ، وقد تلألأت مياه النهر ، وبدت الغابة التى ترتفع إلى أعلى النهر أقرب مما هى عليه ، ولكن خضرتها اللامعة بشكل غير مألوف فى مثل هذا الوقت من أوقات السنة كانت تخفف من حدة بريق الشمس . ساد المكان ألق هادئ ، ساكن ، وفى القرية كانت الظلال تبدو وحيدة بلونها الأسود لدرجة أن الكلاب كانت تبتعد عنها خشية أن تتعثر بها .

لم يكن مفهوما ، أو معروفا ، لماذا هبط الضباب بالأمس ، فى حين أتى اليوم هادئا ، ولم يعكر صفوه شئ . تذكرت لوسيا حديث الأمس عن الفطر ، وقررت أن اليوم هو أنسب وقت للذهاب إلى الغابة . ولكن عسى أن تبقى الأم بحالة جيدة .

حوَّلت فارفارا اهتمام لوسيا عن النافذة حتى قبل أن تدخل ، فقد صرخت وهى ما تزال فــى المدخل ، وكأنها تحمل خبرا سارا لا يعرف إلا الرب ما هو .

ـ تذكرتُ يا أمى ، تذكرتُ .

ـ ماذا تذكرتِ ؟

ـ تذكرتُ الحلم . حلم سئ فعلا . لقد قلتُ لك على الفور أنه غير طيب . وهو كذلك فعلا . كنتُ أعرف ذلك .

ـ ماذا ، ماذا ؟ ـ استنفرتها العجوز فى عجلة .

ـ كنا نساء نجلس فى دائرة . النساء غريبات ، لا أعرف ولا واحدة منهن . جلسنا نصنــــع " بلمينى "* ولكن احزرى بماذا كنا نحشوه ؟

ـ من أين لىَّ أن أعرف ـ لِمَ تسأليننى ؟

ـ بالوحل .

ـ بماذا ؟

ـ بالوحل . كان تحت أقدامنا وحل ، وكنا نحشو به بدلا عن اللحم . كنا فرحات . " بلمينى " محشو بالوحل . ونضحك من فرط السرور . كنتُ أقول : " لماذا تضعن الوحل السئ … أى " بلمينى " سيكون عندنا ؟ لن يكون دسما . لدىَّ هنا وحل دسم ، خذن منه " . وراحت النساء يأخذن الوحل مـن عندى . إننى بمجرد أن أتذكر ذلك يرتعد جسدى كله .

ـ وهل حدث شئ بعد ذلك ؟

ـ لا ، لا أذكر أى شئ آخر . ولكننى أرى البلمينى وكأنه أمامى الآن : مرصوصا على الصينية بلون أبيض ناصع ، واحدة وراء الأخرى فى إتقان . حلم سئ ، قلتُ لكِ منذ البداية أنه حلم سئ ـ وهزت فارفارا رأسها فى فزع وسألت :

ـ ماذا سيحدث ؟ يا لها من مصيبة ! لو كنتُ أعرف لِمَا نمتُ كى لا أراه . والآن ، ما العمل ؟

نصحتها لوسيا قائلة :

ـ كان عليك أن تحتفظى بأحلامك لنفسك .

ـ كيف أقول أننى لم أره ما دمتُ فعلا قد رأيته .

ـ ليتك أكلتِ وحدك ما صنعته من بلمينى . ألا تفهمين أن ماما ليست فى حاجة إلى مثل تلك الأحاديث ؟ فهى بدون ذلك تعتقد أنها تعيش حياة ليست حياتها ، وها أنتِ تأتين إليها بأحلامك . يا لها من تصرفات تدفع إلى الجنون .

خرجت لوسيا غاضبة ، ولم تغلق الباب خلفها حتى النهاية ، فراح ينفتح وهو يصر بشكل مزعج .

طلبت العجوز :

ـ أغلقى الباب ـ ولكن فارفارا لم تفهم ، وراحت تدمدم متشكية :

ـ كل ما أقوله لا يعجبها . لا يعجبها شئ أبدا . أوه ! فارفارا دوما مذنبة ، فارفارا وحدها ، ولا أحد غيرها . والآن ممنوع رؤية الأحلام . كيف لى أن أهرب منها إذا كنت نائمة . إننى أنام والأحلام تندس فى عينى . أنا لا أستدعيها ، فهل ينبغى علىَّ الآن ألا أنام أبدا ؟

ـ لا تصغى كثيرا إلى كل ما يقال ؟

ـ كيف لا أصغى ، إذا كانت تقوله فى حضورى ؟ أنا لست صماء . هى تقول ، وأنا أسمع .

ـ أوه ، يا فارفارا ، فارفارا ! لمن طلعتِ ساذجة هكذا . ـ رثت العجوز لحالها ، ثن تذكرت ، فقاطعت نفسها :

ـ طلبتُ منك الذهاب إلى مسرونيخا ، أ لم تذهبى إليها ؟

ـ لا ، لم أذهب بعد .

ـ ولِمَ لا تذهبين ؟

ـ سأذهب الآن .

ـ اذهبى يا فارفارا ، اذهبى . لا أستطيع أن أتوقف عن التفكير فيها منذ الصباح . هل حدث لها شئ ؟ ما عليك سوى عبور الطريق ، لن تسيرى طويلا . وإذا كانت لا تزال حية ، قولى لها أن تأتى إلىَّ ، لم أرها منذ فترة طويلة ـ بمجرد أن خطت فارفارا نحو الباب ، صاحت العجوز من ورائها :

ـ أغلقى الباب علىَّ ، الهواء يزمجر فى الخارج ، أخشى أن تبرد قدمىَّ .

تعبت العجوز من الجلوس ، ولكن نينكا تنام فى وسط الفراش ، فاضطرت العجوز أن تتحمل . كان يحز فى نفسها أن تقلق نينكا . غالبت الألم فى ظهرها ، وانحنت ممسكة بطنها بيديها ، فشعرت بتحسن حين صار ظهرها فى الأعلى . استراحت قليلا ، ولكنها رأت أنه من الخطر أن تبقى هكذا منحية على ثلاث طبقات ، فمن الممكن أن تقع . ارتدت إلى الخلف مرة أخرى وقوَّمت ظهرها . اهتزت فى مكانها وأخذت نفسا عميقا .

دقت فارفارا النافذة وصاحت من الخارج :

ـ أمى ، اسمعى يا أمى ، ميرونيخا ليست بالبيت . ناديا تقول أنها ذهبت إلى الطرف الآخر من القرية منذ الفجر .

حسنا ، حسنا ـ فهمت العجوز ، وقالت لنفسها بعد فترة صمت قصيرة : ـ بدأت تركض مرة أخرى ، أوه ، لمن طلعت هكذا تحب الركض ؟

سألتها فارفارا :

ـ تجلسين ؟

ـ أجلس ، أجلس .

بدأ ميخائيل يتحرك فى الغرفة الثانية ، ثم جر نفسه إلى المدخل وهو يتعثر متأوها ، وراح يقرقع بإبريق الماء . لم يغلق الباب خلفه ، طبعا ، وكأن لا أحد بالبيت غيره . تأوهت العجوز ، ولكنها لم تكن ترغب فى لوم ميخائيل . انحنت فى حذر وراحت تلف ساقيها بالبطانية ، ومع ذلك فقد تسرب إليها إحساس بالبرد . لعله لا يكون بالنسبة للآخرين بردا ، ولكنه بالنسبة للعجوز الآن برد حقيقى .

انكمشت ولم تتفوه بشئ .

ـ لعل رؤية الوحل فى الحلم ليست بالأمر السئ إلى هذا الحد ـ قالت العجوز لنفسها بدون ثقة وهى تتلفت حولها .

كان النهار قد طلع بكامله على الناس ، وراح يسير على نحو أكثر سرعة وانطلاقا .