المهلة الأخيرة
رواية : فالنتين راسبوتين
ترجمة : د .أشرف الصباغ
مقدمة حول فالنتين راسبوتين
فالنتين راسبوتين هو أحد الروائيين القليلين فى الحقبتين الأخيرتين الذى على الرغم من خطبه الأدبية الاجتماعية وأحاديثه الصحفية ودفاعه الضارى عن تلوث البيئة وانحيازه تماما إلى الدفاع عن الأرض وآرائه المتشددة، يحوز على مساحة واسعة من الساحة الثقافية الروسية ويعرفه القراء الروس والأجانب كأحد أكبر الكتاب الروس، وكذلك طلاب المدارس والجامعات الذين يدرسون أعماله ضمن برامجهم الدراسية. وعلى الرغم من اختلاف راسبوتين مع العديد من الاتجاهات السياسية والأدبيـة والنقدية، إلا إنه يحظى بسمعة جيدة فى الأوساط النقدية والأدبية ويحوز على احترام كبير من الصفوة السياسية والثقافية والفكرية فى روسيا.
القوة التعبيرية لدى راسبوتين فى أعماله الأولى-المبكرة تعكس مدى الحزن والأسى والمعاناة الروحية، أما قوة أبطاله فكانت دائما تكمن فى ضعفهم. لا يوجد لدى راسبوتين منذ بداياته أبطال جدد، حيث ركن إلى نموذج البطل الذى مهما بلغ حافة اليأس والضعف تبقى لديه قوة ما لقول كلمة تعاطف أو انحياز بعيدا عن الشعارات البراقة. ومع ذلك فالموت يسيطر دائما على أعماله وأبطاله. ذلك الموت الموت يأتى على الدوام بدون قتال أو استخدام سلاح. إنه يأتى كظاهرة طبيعية ما تزال خارج الوعى والإدراك، ظاهرة لم يصل إليها العقل البشرى بعد. من هنا تحديدا يبدو الموت عند راسبوتين استمرارا لحياة ما.
أما المرض، وحالة ما قبل الموت ، حالة لفظ الأنفاس الأخيرة ، وعملية الاحتضار ذاتها، فهى أكثر انتشارا فى أعمال الكاتب بداية من قصصه القصيرة الأولى فى بداية الستينات ، وحتى روايته القصيرة "فى المستشفى" عام 1995 مرورا برواية "نقود لماريا" و"عش وتذكر" و"وداعا ماتيورا". إن المرض عند راسبوتين يأخذ أشكالا كثيرة : المرض العضوى فى قصتيه ("فى المستشفى" و"ناتاشا")، مرض الشيخوخة فى ("العجوز" و"المهلة الأخيرة")، مرض الإدمان فى (لا أستطيع). ومهما انفعل البطل أو سب وشتم، أو هاج وماج وتهور، فهو دائما مريض. المدهش أن مجمل هذه الحالات تم توصيفها جميعا بأنها حالة روسيا الفعلية، وحالة المجتمع الروسى فى الأزمنة الأخيرة. إن أولئك الأبطال رغم مرضهم يفهمون كل شئ، ولكنهم فى الوقت نفسه لا يستطيعون إيقاف أى شئ، ولا يستطيعون أيضا مقاومة أسباب المرض . والمهم لدى راسبوتين أنه يعلن دائما على لسان أبطاله أن هناك محاولات معالجة وشفاء ربما كانت صحيحة لأنه من المستحيل أن يكون كل شئ غير صحيح. إن راسبوتين لا يوجه أسئلة حول الأسباب أو المتسببين فى الأمراض الروسية: أمراض روسيا كدولة، وأمراض المجتمع الروسى كمجموعة بشرية، لأنه ليس فيلسوفا أو عالم اجتماع، فهو ببساطة أحد الفنانين المخلصين للكلمة فى الفترة الأخيرة. إنه يستطيع التعبير عن كل شئ تقريبا، ولكنه فى ذات الوقت لا يعطى إطلاقا تفسيرا لأى شئ. فمن الممكن مثلا أن تكون مصائب روسيا كلها جاءت من تحت رأس القيصر، وربما بسبـب البلاشفة، أو بسبب السلطة "الديمقراطية" الحالية وممارساتها، وربما تكون حالة انتحار جماعى يقوم بها الشعب كله. ولكن الحقيقة تبقى دائما حقيقة، وهى أن جميع مؤلفات راسبوتين فيها تلك النبرة الحزينة، والمرارة، ولوعة الفراق: فراق الوطن الذى يبحث عنه الأبطال رغم أنهم يعيشون فيه.
من هنا تأتى تلك القدرة العجيبة على "الإبكاء"، وعلى انتزاع الدموع . على جعل روح القارئ تتعذب وتنتحب وتتمزق ليس على البطل، وإنما على أوضاعه الغريبة، وعلى قيوده الوهمية وهو قابع فى مصيدة وهمية أيضا ولا يمكنه أن يفك تلك القيود أو يتخلص من هذه المصيدة. فالنتين راسبوتين لا يختلق أبطالا، ولا يأتى بهم من الواقع كما هم، وإنما يصنعهم من تلك الحالة الوسط بين الاختلاق والواقع، فيجعلهم يتحدثون إلى القارئ، ويجعل القارئ يتحدث إليهم متخذا مكان أحدهم. إنه يكسر كل حدود الاتجاهات والنزعات الأدبية القديمة والحديثة: فالواقعية موجودة، وكذلك التقليدية والواقعية الاشتراكية وما بعد الحداثة وما بعد الكتابة-كل تلك "الموضات" موجودة بكثافة لدى راسبوتين ، ولكنها تجتمع فى بوتقة واحدة لتتشكل من جديد وتأخذ شكلها الراسبوتينى المرتبط بما يسمى بـ "الرواية الروسية". الروسية فقط، وبدون إضافات أو توصيفات.
لقد وصل راسبوتين إلى مستوى عال جدا من القدرة على التوغل والتأثير: وصف حالـة الغيبوبة، تلك الحالة التى تقع بين اليقظة وغياب الوعى، ولكن يبقى الإنسان فيها واعيا على نحو ما، يتحرك، يفعل ، يطير، يسبح. إنه يذكرنا بقدرة ماركيز على الانتقال من الواقع إلى الخيال والعودة مرة أخرى ليكتشف القارئ أنه يعيش تلك الحالة بوعى يختلف عن وعى الأبطال ، ولكنه بين واقع خيالى وخيال واقعى. من هنا يعتبر راسبوتين أقدر كاتب روسى يجسد هذه الحالة.
* * *
ولد فالنتين جريجوريفيتش راسبوتين فى 15 مارس عام 1937 فى قرية "أوستا أودا" على نهر أنجارا بمقاطعة إرقوتسك بسيبيريا. بدأ حياته محررا صحفيا، وفى مطلع الستينات صنفه البعض، بعد نشر قصصه الأولى، بأنه فتحا جديدا فى الأدب الروسى. ذلك الأدب الكونى الصعب الذى ما يزال يحافظ على ملامحه الخاصة وخطوطه العريضة وقاعدة انطلاقه-بالرغم من تعدد المدارس والاتجاهات وتشابكها أحيانا، وانفصالها فى أحيان أخرى-فى علاقته بمجمل الأدب الروسى منذ القرن التاسع عشر، الأمر الذى يجعل عملية الفرز والتصنيف غاية فى الصعوبة، بل ويجعل عملية نسب العمل الأدبى إلى مدرسة-نزعة-بعينها ضرب من العبث ، وربما الاحتيال . فقط يمكن أن ننسبه إلى اتجاه ما يستند، مهما كان اسمه، إلى التربة الروسية الأدبية مميزة الملامح.
أنهى فالنتين راسبوتين دراسته بجامعة إرقوتسك عام 1959 فى كلية الآداب والتاريخ. وفى الفترة من عام 1958 حتى 1966 عمل بالصحافة فى كل من إرقوتسك وكراسنويارسك: فى عام 1958 عمل مراسلا لجريدة "الشباب السوفيتى"، وفى عام 1959 بدأ العمل بالتلفزيون، ثم مراسلا لصحف أخرى. وفى عام 1961 صدرت له أولى مجموعاته القصصية بعنوان "نسيت أن أسأل ليوشكا". وصدرت مجموعته الثانية "إنسان من العالم الآخر" عام 1965. وفى عام 1966 صدرت له ثلاثة كتب دفعة واحدة تضم مقالاته عن سيبيريا وحياة الجيولوجيين وعمال البناء. فى نهاية الستينات بدأت الملامح العامة لكتابات راسبوتين تظهر بوضوح، وأصبح أحد أهم الكتاب الذين يكتبون عن القرية الروسية. فى ذلك الوقت-فى نهاية الستينات-ذاعت شهرة فالنتين راسبوتين فى أنحاء الاتحاد السوفيتى بعد روايته الأولى "نقود لماريا" (1967)، وبعد ذلك خرجت إلى النور روايته الثانية "المهلة الأخيرة" (1970)، ثم رواية "عش وتذكر" (1974). وفى عام 1976 كتب روايته "وداعا ماتيورا"، ذلك العمل الذى وضعه على درجة واحدة مع العديد من الأدباء الروس الذين كرسوا حياتهم وأعمالهم وعالمهم الإبداعى للقرية الروسية مهضومة الحقوق فى كل العصور والأزمان. بهذه الرواية تحديدا وضع راسبوتين اللمسات الأخيرة على طريق شهرته ليصبح أحد أهم الذين يواصلون التقاليد الأدبية للواقعية النقدية فى روسيا، وبذلك نال جائزة الدولة عام 1977.
إن شهرة راسبوتين لم تتأت فقط من إبداعاته الأدبية، ولكن إلى جانب كل ذلك أكدتها مؤلفاته الأخرى، ومقالاته وكتبه التى وضعته على طريق أجداده المشاكسين الذين كانوا يحشرون أنوفهم فى كل شئ مما كان يغضب قياصرتهم ورؤساءهم على الدوام. ففى عام 1969 ظهر كتابه "مصيرى سيبيريا"، ثم "ذكريات عن نهر" (1971)، وفى عام 1972 ظهر كتاب "إلى أسفل وإلى أعلى مع التيار". وربما يكون عنوان كتابه "مصيرى سيبيريا" هو الذى يمكنه أن يوضح واحدة من أهم الركائز التى يستند إليها الأدباء الروس فى إبداعاتهم وفى حياتهم الشخصية. إن راسبوتين فى هذا الكتاب يتناول سيبيريا من ناحية أيكولوجية، وليس من سمعتها المنتشرة كمنفى. ومع ذلك فتسمية الكتاب بهذا الشكل تدفع إلى التداعى بصورة أو بأخرى. إن سيبيريا تشكل إحدى أهم المعضلات وأخطرها فى حياة روسيا منذ ما قبل بطرس الأول ويكاترينا الثانية، وذلك من حيث موقعها وأهميتها وثرواتها التى لم يتم الكشف عنها حتى النهاية. وهى من ناحية أخرى تشكل فى وعى الإنسان الروسى مظهرا من مظاهر النفى الذى يمتلك فى مخيلة الإنسان العادى والكاتب-على حد سواء-أبعادا مأساوية يمكنها ببساطة أن تحيلنا إلى العديد من التداعيات الخاصة بمصائر الكتاب الروس. إننا نعرف مصائر مأساوية لكتاب كثيرين فى العالم، ولكن عندما يدور الحديث عن مصير الكاتب الروسى نجد المأساوية صفة عامة، أو ركيزة أساسية تجعل هذا الكاتب موصوما بها حتى النهاية. وإذا كانت علاقة الكاتب بالسلطة تشكل معادلة صعبة ومعقدة منذ بداية الكون، فهى فى روسيا، وبالنسبة للكتاب الروس تشكل حجر الزاوية. فهناك من ارتبط أو تماس مع السلطة وتقاطع معها فى الطريق ، ثم انقلب عليها بصورة كانت، وما زالت تحير القائمين على هـذه السلطة. وهناك من لم يكن له علاقة مباشرة معها، ولكنه مع ذلك كان يتحرش بها ليس من أجل الشهرة أو الحصول على مكاسب أو تفويضات، ولكنه المصير المأساوى، العبثى، الذى تذكرنا به التراجيديات اليونانية القديمة. لم يفلت أحد من الكتاب الروس من هذا المصير بداية من بوشكين وحتى راسبوتين وغيره فى عصرنا هذا. ولكن فالنتين جريجوريفيتش يتميز فى وقتنا الراهن بمجمل هـذه الصفات، أو على نحو أدق بهذا المصير. فهو كاتب غزير الإنتاج، وإنسان ذو طبيعة نشطة يمتلك طاقة داخلية جبارة متدفقة تدفعه دوما إلى الحركة والخوض فى كل ما يهم الإنسان بوجه عام، وعلى الأخص ما يهم روسيا والإنسان الروسى، وما يرتبط بتاريخهما وهمومهما وقضاياهما ، الأمر الذى دفعه منذ عدة سنوات إلى تأجيل العمل الأدبى والخوض فى السياسة، بل واتخاذ مواقف حادة ضد السلطة الحالية فى روسيا. وهنا لا يمكننا أن ننسى أو نتجاهل أنه كان أيضا ضد السلطة بدرجة ما فى المرحلة السوفيتية، وهو على المستوى الفكرى-النظرى، وربما الواقعى أيضا، ضد المرحلة القيصرية. أما الجانب الآخر فى طبيعة فالنتين راسبوتين فيظهر فى الهدوء والدماثة اللذين كان يتميز بهما أنطون تشيخوف رغم السخرية المرة والحزينة التى لا تتعارض أبدا مع هاتين الصفتين بما تمتلكان من عمق واتساع، حتى أنهم يشبهونه فى روسيا بمسيح يعيش منفيا فى صحراء. وإذا كان الترحال والسفر والتحرك الدائب والمستمر من صفات الكاتب عموما سواء كان شاعرا أو روائيا أو فيلسوفا أو مفكرا، فتلك الصفات على وجه الخصوص تمثل للكاتب الروسى الطريق الأول والأوسع فى الحياة من أجل عملية الاكتشاف والتتبـع والرصد . فبداية من بوشكين وجريبويدوف وتورجينيف وجونتشاروف وديستويفسكى وشيدرين وجوجول وليرمنتوف حتى يسنن ومايكوفسكى وآخرين كان السفر والترحال وأحيانا الهجرة أو المنفى أو الإقامة خارج روسيا طريقا للاكتشاف، وقد استطاع أنطون تشيخوف-على سبيل المثال-أن يضيف بعدا أكثر أهمية فى هذا الطريق عندما ركب "الكارتة" وذهب مجازفا بحياته إلى جزر سخالين، ثم كتب كتابه الرائع الذى أغضب القيصر كثيرا. هنا يأتى دور فالنتين راسبوتين على هذا الطريق بالذات، فنجده موجودا فى كل أنحاء روسيا فى وقت واحد تقريبا، وخصوصا فى تلك المناطق التى تعانى من المشاكل بكل أنواعها ، بداية من المصاعب الاقتصادية حتى كوارث الانهيارات والحرائق. وهو يفعل ذلك ليس فقط من قبيل الواجب والمبدأ أو التحيز للفقراء والمهمشين، ولكنه يقوم بذلك وقبل كل شئ لأنه الطريق-المصير-الحقيقى للكاتب الروسى الذى يمثل له قدرا لا مفر منه، والذى سار عليه أعظم الكتاب الروس فى القرون الماضية، ولا يزال بعضهم يحافظ-ربما بدون قصد، أو حتى بقصد-على هذا النمط، وذلك تحديدا ما يجعل راسبوتين أحد أهم الأصوات العالية إذا ما دار الحديث عن روسيا، والطبيعة الروسية، والإنسان الروسى، ووحدة روسيا. إضافة إلى كل ذلك، ففى جميع أعماله الإبداعية، وحتى فى كتبه، يوجد عالم روحى خاص حيث تتشكل نماذج أبطاله أساسا بكينونة محددة، الأمر الذى يجعل فيها الحكم الأول والأخير لضمير الإنسان. وعموما فهذه الخصوصية بالذات موجودة بوضوح فى أعماله "المهلة الأخيرة" و"عش وتذكر" والتى تممها بروايته الانتقادية الحادة "الحريق" عام 1985 ونال بها جائزة الدولة للمرة الثانية.
* * *
إن فالنتين راسبوتين أحد أكثر الكتاب الروس الذين تعاملوا مع نماذج الشخصيات العجوزة ، وبالذات السيدات . المرأة بشكل عام عنده تشكل حجر الزاوية ، تمثل حالة الفعل واستمراريته وديمومته وقوته النشطة المحفزة . ولكن المرأة العجوز هى الحكمة / الذاكرة ببعديها الروحى والفيزيولوجى . فلديه عدد هائل من العجائز اللائى يحملن ، ويحفظن فى آن واحد العادات والتقاليد الشعبية والصور الشخصية والطبائع الروحية والنفسية . وهن فى نفس الوقت يرتبطن بموضوع الحياة / الموت / الذاكرة الحية ، حيث نكتشف أن الموت لدى راسبوتين ليس موضوع رحيل وفناء بقدر ما هو موضوع تفكير وتأمل فيما تبقى ، وعما تبقى ، وذلك من أجل إعادة تشكيله وتفعيله كموضوع فى مقارنة هائلة ومتشعبة مع ما رحل . والمقارنة هنا ـ وتحديدا لدى عجائز راسبوتين ، ولدى راسبوتين ذاته ـ ليست من أجل الخروج بنتائج سريعة ، وإنما من أجل فتح آفاق جديدة للآتى الذى لا يعرفه أحد ، ولكن يمكن تخمينه / تحديده فى احتمالات كثيرة ، وبأوجه متعددة . تلك هى خبرة عجائز فالنتين راسبوتين . العجائز / السيدات البسيطات الممتزجات بكل شئ حتى بالأرض وبالسماء وبالمياه والثلوج، بالذاكرة الحية، بالأحفاد الذين رحلوا ، وبالأبناء الذين سيأتون، وربما العكس. لأن عجائز راسبوتين يتميزن بذاكرة أرضية حية ترمى بظلالها على الفلسفة والروح والذاكرة. فإحدى عجائزه تناى الأحفاد بأسماء الأموات، تخلط الأزمنة لتصنع زمنا جديدا خاصا يتواصل فيه كل شئ ويتشابك على نحو يجعله متغلغلا وراسخا فى الذاكرة. وتفعل ذلك ليس بحساب الأيام والسنوات، وإنما بالخلط بين الأحياء والأموات : بين أسمائهم ، وبين زمن الحياة وزمن الموت . ولكن حياة وموت مَنْ؟ ومَنْ هم هؤلاء الأموات والأحياء بالنسبة لها؟ أما العجوز الأخرى فهى على فراش الموت، لم تعد ساحرة كما كانت فى الماضى بل أدارت ظهرها منذ زمن بعيد لأعمال السحر. الجميع يعشقونها لأنها تعشق العمل والصيد وتربية المواشى . ولكن ما الذى يعذبها ويضنيها قبل الموت؟ إنها لا تخشى الموت إطلاقا لأنها نفّذت واجبها الإنسانى، ولأن ذريتها استمرت وستستمر. ولكن هذا التواصل البيولوجى غير كاف بالنسبة لها. ورغم أنها ترى أن السحر لم يعد وظيفة، إلا إنها فى ذات الوقت مؤمنة تماما بأنه جزء من الثقافة، من التراث، من الموروث الشعبى إذ أنها كانت تعالج الناس أيضا بالأعشاب، كانت تمارس التطبيب بوسائل شعبية من الطبيعة الحية. ولذلك ينتابها الخوف ويتلبسها عذاب شديد قبل الموت. ففى رأيها أن الإنسان الأخير فى ذريته، الإنسان الذى تنتهى به الذرية، إنسان بائس وشقى. ولكن الإنسان الذى اكتسب من شعبه ومن ناسه ثروتهما التاريخية ثم حملها معه إلى القبر دون أن ينقلها إلى الآخرين هو.. ؟؟؟ إنها تعجز عن وصفه فى القصة!!
وفى رواية "المهلة الأخيرة" يطرح راسبوتين نموذجه المحبب العجوز "أنَّا": امرأة عجوز تحتضر، ومرضها هو الشيخوخة، تقيس الزمن بعمر الأولاد وعددهم، يعذبها الانتظار وليس الاحتضار أو الموت، انتظار الأبناء الذين حضروا جميعا ماعدا تانيا أو تانشورا. ويطرح أيضا نموذج العجوز "ميرونيخا" التى ملت الانتظار، ولم يعد فى حياتها سوى بقرتها، لأن الأولاد فى سن معينة لا يسألون عن الأمهات والآباء إلا إذا ساءت أحوالهم: أحوال الأبناء. فى خضم الاحتضار والذكريات وتفاعل الطبائع البشرية تتكشف أحط وأسمى ملامح الروح الإنسانية. هنا يجمع راسبوتين بين التحليل النفسى عند ديستويفسكى وبين السخرية المأساوية لدى تشيخوف حينما ينفعل "ميخائيل" أمام إخوته مثلما انفعل-منذ قرن تقريبا-"الخال فانيا" أمام البروفيسور "سريبرياكوف" ليظل الإنسان كما هو مهما اختلفت المراحل الزمنية أو الأماكن، وليظل يفعل دائما ما يخجله ويجعل الآخرين يخجلون منه، ولكننا نكتشف أن بسطاء الناس هم أقدرهم على تسليط الضوء على أعتم البقع فى الروح البشرية، وأقدرهم على فضح الطفيليات التى تسير على قدمين وتأكل وتشرب وتتحرك بيننا ولا نلاحظها إلا فى مثل تلك الحالات التى يضعنا فيها راسبوتين كما وضعنا فيها من قبل ديستويفسكى وتشيخوف، إنه إحساس فظيع بالخجل يواجهنا به ميخائيل مثلما واجهنا به من قبل الخال فانيا!