( 2 )

4 0 00

( 2 )

بدأ ضوء الفجر فى الانتشار وأصبحت الرؤية ممكنة ، ولكن قبل شروق الشمس ارتفع من ناحية النهر ضباب كثيف غرق فيه كل شئ وتبدد . تردد خوار الأبقار خافتا فى أرجاء القرية ، وأطلقت الديكة صياحا قصيرا مكتوما ، وتناءت أصوات الناس مثل سمكة تتخبط فى المياه . التحف كل شئ بضباب أبيض كثيف لا يستطيع الإنسان أن يرى من خلاله سوى نفسه . أشرق نور الصباح الذى يتأخر عادة فى مثل هذه الأيام بينما سرق الضباب الضوء ، ولم يعد الناس يرون طريقهم .

كانت ناديا أول المستيقظين فى بيت العجوز . وكانت حماتها ، حتى فترة غير بعيدة ، هى التى توقظها بعد خوار البقرة . لم تكن ناديا تنهض إلى عملها ، حتى ولو كانت غير نائمة ، إلا بعد أن تسمع نداء العجوز من سريرها . الآن لم تنهض على الفور ، بل انتظرت كالعادة صوت العجوز رغم إنها تعلم جيدا أنها لن تسمعه . وفعلا لم تسمعه ، بل سمعت خوار البقرة الممطوط وكأنها تدعو أحد لحلبها ، فكان على ناديا أن تنهض . بينما كانت طوال الوقت تفكر فى العجوز وهى خائفة من معرفة ما إذا كانت قد ماتت أم لا تزال بعد حية . راحت ترتدى ملابسها فى صمت ثم خرجت من البيت متسللة ، وفى المدخل تناولت دلو الحليب المعلق على المسمار .

على أثرها نهضت فارفارا التى تعودت الاستيقاظ مبكرا . رأت أن ناديا غير موجودة فى حين أن الباقين مازالوا نائمين . تنهدت ما يقرب من الخمس مرات فى صعوبة وبصوت مسموع ، ثم ختمتها بأنين طويل لكى توقظ ميخائيل النائم على الأرض . ولكنه مع ذلك لم يتحرك . عندئذ تنهدت فارفارا ، على نفسها هذه المرة ، دون أن تلحظ ذلك ، واعتراها شئ من الخوف ، وكأن هناك من نَوَّم جميع الأحياء فى البيت عنوة . ذهبت فى تأن وحذر إلى القسم الثانى من البيت حيث كانت ترقد العجوز . حاولت ألا تكشف عن نفسها ، وتوقفت عند الباب . لم تكن للبيت أبواب أخرى سوى الباب الكبير بالمدخل الرئيسى ، وكانت هنالك فتحة فى الجدار الذى يقسم البيت إلى قسمين ، فوقفت فارفارا فيها تحدق بخوف فى الفرفة شبه المعتمة . لم تكن ترى وجه العجوز الذى كان محتجبا خلف ظهر السرير . فقط ، كان هناك شئ ما تحت الغطاء لا تعرف أ هو حى أم ميت . لم تجرؤ فارفارا على التقدم لتتأكد بنفسها ، تراجعت قليلا إلى الوراء وهى تفكر أنه من الضرورى الذهاب أولا إلى الفناء كيلا تضطر ذلك فيما بعد عندما لا يكون الوقت مناسبا .

عادت فارفارا وناديا معا من الشارع . بدأت ناديا بتصفية الحليب بقطعة من الشاش فى المطبخ ، أما فارفارا تراوح فى نفس المكان ، تارة تقترب من هذا الطرف ، وتارة أخرى من الطرف الثانى ، وماكينة الخياطة التى تركتها لوسيا ما تزال على المائدة .

سألت ناديا فارفارا فى همس :

ـ هل خَيَّطَتْ بالأمس ؟

ردت فارفارا أيضا فى همس :

ـ خَيَّطَتْ . لم تتمكن من إنهاء بعض الأشياء البسيطة ـ ولكنها لم تستطع التماسك أكثر من ذلك ، فقالت فى رجاء ـ هيا نوقظها ، لم أعد أحتمل .

ـ حالا ، ولكن سأخرج الحليب أولا .

خطت فارفارا إلى المدخل خلف ناديا وكأنها مشدودة إليها ، ثم تبعتها مرة أخرى وكان هناك برطمان واحد فقط ، لكن فارفارا لم تفطن لحمله ، بل راحت تسير خلف ناديا بدون حمل أى شئ . أخيرا فرغت ناديا من أمر الحليب ومسحت يديها بخرقة ، ثم اتجهت فى المقدمة نحو قسم العجوز .

لوسيا ما تزال نائمة . من الواضح أنها فعلا نائمة ، ولكن لم يكن هناك أحد يمكنه أن يقول ذلك عن العجوز . نظرت ناديا إلى حماتها ثم حولت عينيها عنها بسرعة . أما فارفارا فلم تجرؤ حتى على النظر إليها وأخذت توقظ لوسيا . استيقظت لوسيا على الفور ونهضت على عجل حتى أن السرير قد انزاح جانبا عن مكانه .

سألت لوسيا :

ـ ماذا .. ماذا ؟

استعدت فارفارا للبكاء :

ـ لا أدرى . أنا نفسى لا أدرى . انظرى أنتِ .

صحت لوسيا تماما . مسدت شعرها بيديها ، وارتدت الروب الذى كان ملقى بجانبها على المقعد ، ثم اقتربت من الأم . كانت قد تعلمت تمييز إمارات الحياة ، فرفعت يد العجوز ، ولكن سرعان ما أفلتتها وارتدت إلى الوراء مبتعدة : أنَّت العجوز فجأة بصوت خافت ، ثم جمدت بدون حراك . شرعت فارفارا فى النواح :

ـ أمى ، أمى ، يا أمى ، أمى ! آه ، افتحى عينيك ـ آى ـ آى !

ركض ميخائيل فى ثيابه الداخلية ولم يكن يفهم ما يجرى من تأثير النوم .

ـ استراحت ؟ أوه ، أمى ، يا أمى … يجب إرسال تلغراف إلى فولوديا .

أوقفته ناديا :

ـ ماذا بك ؟! لماذا تقول ذلك ؟

جسَّت لوسيا نبض العجوز وقالت فى ارتياح :

ـ إنها حية .

ـ حية ؟! ـ التفت ميخائيل نحو فارفارا وصاح فى وجهها : ـ لماذا تنوحين هنا وكأنك فـى مأتم ؟ اخرجى وإلا أيقظتِ نينكا أيضا ! عُدْتِ إلى نغمتك من جديد !

قالت لوسيا فى حزم :

ـ هدوء ! اخرجوا جميعا من هنا .

جلست لوسيا تحبك عروات الفستان الجديد وتخَيِّط الأزرار التى جلبتها معها من المدينة إلى أن انتهت ناديا من قلى البطاطس .

انصرفت فارفارا إلى الحمام دامعة العينين ، وهزت إيليا قائلة :

ـ أمنا حية ، حية .

رد إيليا بضيق وتأفف :

ـ إذن لماذا توقظيننى مادامت حية ؟

ـ أردتُ أن أقول لك ذلك ، أن أُفرحك .

ـ من الأفضل أن تتركيننى أشبع نوما ، وبعدها تقولين لى . لماذا توقظيننى فى مثل هذا الوقت المبكر ؟

ـ الوقت ليس مبكرا . إنه الضباب .

بقى الضباب طويلا ، حتى الحادية عشرة ، إلى أن جاءت تلك القوة التى بددته تماما . وعلى الفور انصبت أشعة الشمس قوية ساطعة كما فى الصيف ، وأصبح المكان كله طَرِبَا وصافيا . كان الوقت فى بدية سبتمبر ومع ذلك فلم تكن بوادر الخريف قد لاحت بعد . حتى أوراق البطاطس فى حديقة البيت ما تزال خضراء . وفى الغابة ، كانت تظهر فى بعض الأماكن فقط بقع صفراء متفرقة وكأن أشعة الشمس قد لفحتها فى يوم قائظ .

فى السنوات الأخيرة ، بدا وكأن كل من الصيف والخريف قد تبادلا أماكنهما : تهطل الأمطار فى يونيو ويوليو ، ثم يصحو الطقس حتى عيد الشفاعة الجيد هنا أن الطقس حار ، ولكن السئ فيه أنه فى غير وقته . فعلى النساء الآن أن يخمن متى ستجمع البطاطس : حسب المواعيد القديمة يكون الوقت قد حان ، ولكن طالما الطقس جيد فمن الممكن تركها لتنضج كما ينبغى ـ أى نضج فى الصيف حينما تسبح فى الماء مثل الأسماك . ولكن إذا تُرِكَت قد تسوء حالة الطقس فجأة وآنئذ سيكون من الصعب انتشالها من الطين . أمر محير ، ولا أحد يعرف ما العمل . الوضع ذاته ينطبق على جمع الأعلاف أيضا : أحدهم جمعها حسب المواعيد القديمة ، ولكنها تعفنت تحت الأمطار . والآخر تأخر بسبب كسله ، فربح الأمر . لقد أصبح الطقس مشوشا مثل عجوز خرفة تنسى تسلسل الأشياء ، والناس يقولون أن كل ذلك بسبب البحار التى أقيمت تقريبا على جميع الأنهار .

قلت ناديا كمية من البطاطس الطازجة التى تم جمعها للتو من حديقة المنزل ، ووضعت إلى جوارها فطرا مخللا فى طبق عميق . شهقت لوسيا لدى رؤيته :

ـ فطر مخلل ! فطر حقيقى ! لقد نسيت وجوده تماما ـ لم آكله منذ زمن بعيد . أنا لا أصدق .

أما إيليا الذى أخذ يتمطق فى شهية ، فقال :

ـ فطر . آى نعم ! ليس هذا بالأمر البسيط ، ولكن لو كان معه شئ من الشراب لكان الأمـر أفضل ـ آى نعم !

قال ميخائيل موجها اللوم إلى ناديا :

ـ لماذا لم تقدمى منه بالأمس ، فهو مزَّة رائعة مع الشراب ، وبدونه يضيع هدرا .

احمَرَّ وجه ناديا ، ولكنها مع ذلك كانت مسرورة لأنها استطاعت إرضاء ضيوفها :

ـ أردتُ أن أقدم منه بالأمس ، ولكننى ظننت‘ أنه لم يتملح كما ينبغى ، فلم تمض مدة كافية على تخليله . فى الصباح ذقته فأعجبنى ، وقررتُ تقديم بعضه ، لعل أحد يشتهيه . كلوا ، إذا كان يعجبكم .

ـ هل هناك مزيد منه ؟

ـ لا يوجد إلا قليل . لم يكن لدى وقت كافى لجمعه . الناس هنا يجمعونه بكثرة ، أراهم يحملون منه يوميا ، أما أنا فلا أجد وقتا لذلك ، دائما مشغولة . فى هذا الموسم خرجتُ لجمعه مرتين فقط ، ومن مكان قريب من طرف الغابة .

عندئذ تذكرت لوسيا :

ـ كانت تاتيانا تحب جمع الفطر وتعرف جميع الأماكن . ذات مرة خرجتُ معها ، كانت لا تزال صغيرة ، وسرعان ما امتلأ دلوها . سألتها : " من أين أتيتِ بكل ذلك ؟ " ـ " لا أعرف " . فقلتُ لهـــا : " لعلك خبأته فى مكان ما قبل مجيئنا حتى تثبتى شطارتك " . غضبتْ منى وتركتنى … وعدنا إلى البيت فرادى . كان دلوها طافحا ، بينما يكاد الفطر بصعوبة يغطى قاع دلوى .

قال ميخائيل مفسرا الأمر :

ـ لم تكن تقطف كل ما تراه ، إذا وجدت فطرا صغيرا تتركه ، ثم تأتى إليه فى اليوم التالى حتى يكون قد نما . كانت تتذكر أماكنه . كثيرا ما كانت تأخذنى معها ، ولكننى كنتُ أقطف كل ما أصادفه ، وأحمله إلى البيت . كانت تغضب منى إذا رأتنى أقطف فطرا صغيرا ، وذات مرة تشاجرنا فى الغابة . كنتُ أحب جمع الفطر الأحمر أكثر من أى نوع آخر ، فهو ينمو قريبا من بعضه البعض مثل الأعشاش .

قالت لوسيا ضاحكة :

ـ إيليا أفضلنا فى جمع الفطر . كان يملأ دلوه بالحشائش ويغطيها بقليل من الفطر وكأنه جمع دلوا كاملا .

اعترف إيليا فى ارتياح :

ـ آى نعم ، فعلا .

ـ أ تذكرون عندما كانت ترسلنا أمنا إلى ما وراء النهر العلوى لجمع البصل البرى ؟ كان هناك مستنقع ينمو البصل على أطرافه . كنا نتبلل ونتسخ حتى نجمعه ، وكان منظرنا مضحكا . نضع أكياس البصل فى مكان جاف ، ثم نأخذ فى القفز من عِلِّية إلى أخرى … كنا نتسابق فى الجمع أيضا ، ونسرق من بعضنا البعض ، ونسبح بالمركب إلى الجزيرة لجمع الثوم ، هناك أيضا مقابل النهر العلوى …

أكمل له ميخائيل :

ـ إلى يلوفيك .

ـ نعم ، يلوفيك . هناك كنا نحصد للكولخوز . وكان أهالى القرية جميعا يأتون وقت حصاد الحشائش . أذكُرُ كيف كنتُ أجَذِّف : كان الحر شديدا والعناكب لا تفتأ تلدغ ، والأعشاب الجافة تندس بين الشعر وتحت الملابس …

همهمت فارفارا :

ـ ربما ذباب الخيل ، وليست العناكب . العناكب تنسج خيوطها فى الزوايا ولا تلدغ .

ـ قد يكون ذباب الخيل ، الأمر سيان ، فلها تسمية أخرى . هنا فقط يسمونها هكذا . وذات مرة جمعنا الحشائش من جزيرة أخرى … سأتذكر اسمها الآن ، اسمها يعنى أيضا شجرة …

ـ ليستفينشيك . ما أكثر عنب الثعلب هناك ! كانت الأغصان تميل على الأرض من ثقل ثمارها . تأكل ، وتأكل ، وسرعان ما تشعر بالألم فى لسانك وتضرس أسنانك . كانت ثمارها كبيرة ولذيذة ، وكان الدلو يمتلئ بسرعة . ربما لا تزال كثيرة هناك حتى الآن .

ـ لا ، فماذا تقول ! ـ قالت ناديا ملوِّحة بيدها ـ لا ، حتى الأشجار نفسها لم تعد موجودة . لقد أتت تعاونيات قطع الأشجار بمجرد قيامها على كل شئ ، واليوم عليك أن تبحث طويلا حتى تجد ما تأكله منها .

ـ أوه ، يا للأسف !

ـ ما أكثر الثمار الزرقاء التى كانت تنمو على المرتفع ! لم تعد موجودة أيضا . داستها الماشية ، والناس أيضا لا يرحمون .

ـ لماذا يتصرفون هكذا ؟

ـ من يدرى ! يخطفون وكأنها آخر مرة فى حياتهم . إنهم يقطعونها كيفما اتفق ، بالأغصان والأوراق .

ـ وهل يوجد فطر ؟

ـ يوجد هذه السنة . الناس يجمعون منه كثيرا .

ـ هيا لجمع الفطر على الأقل .

عَقَّبَتْ فارفارا :

ـ كان من الممكن المجئ إلى هنا والذهاب لجمع الفطر دون تلغرافات .

أغضب ذلك لوسيا :

ـ الحديث معك لم يعد ممكنا يا لوسيا . كا ما نقوله غير مناسب ، كل شئ ليس على هواك . لا يجب أن تأخذى كل كلمة من كلماتنا على محمل آخر لكونك فقط أكبرنا سنا . لا تنس ، من فضلك ، أننا نحن أيضا كبار وبما فيه الكفاية ، وفى الغالب ندرك ما نفعل . فما هى الحكاية فى نهاية الأمر ؟

ـ لم يقل أحد أى شئ . لا أدرى لماذا تضايقتِ هكذا ؟

ـ أنا التى تضايقت !

ـ وهل أنا ؟

عندئذ تدخلت ناديا داعية الجميع إلى الطعام :

ـ هيا ، كلوا ، وإلا ستبرد البطاطس . فهى ليست لذيذة عندما تبرد . لقد أثنيتم على الفطر ولم تتذوقوه . كلوا كل ما أمامكم ، فلن نأكل حتى الغداء .

ـ ستصل تاتيانا ، وسنتجمَّع .

ـ ستلحق موعد الغداء ، آى نعم .

ـ إذا كانت الآن فى المنطقة فلربما تصل قبل الغداء .

تشكَّت فارفارا مسبقا وقالت :

ـ أخشى أن تكون قد قضت ليلتها فى فندق أو عند غرباء ومنعها تكبرها من المجئ إلينا .

رد ميخائيل :

ـ لا ، من الضرورى أن تأتى . تاتيانا بسيطة .

تمسكت فارفارا برأيها فى إصرار قائلة :

ـ كانت بسيطة ، ولكن سنرى كيف أصبحت الآن . فقد مر زمن طويل على غيابها عن البيت .

ـ هى أبعد الجميع ويلزمها وقت أطول ، فليس من السهل السفر من هناك .

ـ ومن قال لها أن تبتعد هكذا ؟ إذا كان ولابد لها من رجل عسكرى ، فهم الآن فى كل مكان . كان بإمكانها أن تختار واحد أقرب . هى الآن مثل اليتامى ، لقد تصرفت بدون عقل .

هزت لوسيا رأسها فى عجز وحيرة :

ـ من الأفضل ألا نناقش أختنا فارفارا . هى دائما على حق .

ـ أنتم لا تحبون سماع الحقيقة .

قالت لوسيا :

ـ أترون ؟ ـ ثم أضافت وهى تنهض من خلف المائدة موجهة الشكر إلى ناديا :

ـ شكرا يا ناديا . كان الإفطار شهيا .

ـ لم تأكلى إلا قليلا ، ليس هناك ما يستحق الشكر .

ـ لا ، هذا كاف لى . معدتى لم تعد معتادة على مثل هذا الطعام . أخشى أن أثقل عليها .

قالت فارفارا فى نبرة تصالح :

ـ الفطر لا يسبب إسهالا ولا يضر بالمعدة . أعرف ذلك عن تجربة . أولادى لم يتأذوا منـــه أبدا . ـ لم تفهم فارفارا لماذا تنهدت لوسيا وانصرفت ، فسألت أخويها : ـ ماذا بها ؟

ـ من يعرف .

ـ لم يعد الكلام ممكنا .

نصحها إيليا ضاحكا :

ـ تكلمى معها بلغة أهل المدينة ، بلغة المثقفين ، وليس كذلك .

ـ لا أعرف لغة أهل المدينة . لم أزر المدينة فى حياتى كلها إلا مرة واحدة . أما هى فأصلها من القرية وبإمكانها أن تتكلم معى بلغة أهل القرية .

ـ لعلها نسيت .

ـ إذا كانت قد نسيت ، فأنا لم أتعلم ـ والآن علينا ألا ننطق ولو حتى كلمة واحدة ؟

بعد تناول الإفطار جلس إيليا وميخائيل على سلم المدخل يدخنان . صار النهار صحوا ، وارتفع الضباب والسماء إلى أعلى فأعلى ، لم يعد نظر الإنسان يتسع لكل ذلك المدى السماوى الملون ، فصار يخشى هذا العمق الجميل ويبحث عن شئ آخر أقرب ، عن شئ يمكن أن يركن إليه ويرتاح . أما الغابة التى كانت تداعبها الشمس فزهت بالخضرة وصارت أكثر اتساعا ورحابة . كانت تحيط بالقرية من ثلاث جهات ، أما الرابعة فقد تركتها للنهر . وفى الفناء كان الدجاج يصيح على مرأى من الرجلين ويضرب بأجنحته فى بساطة ورغبة . وأخذت الكتاكيت تصوصو . وبسبب الدفء والرضى راح الخنزير المخصى يزعق وهو منطرح يتمرغ بجوار السور المائل .

خرجت نينكا . انبهرت عيناها ، بعد النوم ، بضوء الشمس فغطتهما براحتى يديها وضيقتهمـا قليلا . بعد ذلك ، حينما اعتادت عيناها الضوء ، انسلت إلى كومة الأخشاب وجلست عليها . شاكستها دجاجة محاولة المرور من خلفها . أخذت نينكا تهش عليها ، وبدون قصد دارت وانزلقت خلف كومة الأخشاب بمؤخرتها العرية . صاح ميخائيل :

ـ نينكا ، سأقرص لك أنفك مثل القطة . كم مرة يجب أن نقول لك ابتعدى من هنا !

اختبأت نينكا وقالت متعللة فى غضب :

ـ الدجاج يأكل .

ـ سوف أريك كيف يأكل الدجاج !

هدأت القرية بعد الترتيبات الصباحية : ذهب إلى العمل من كان مضرا إلى ذلك ، وانشغلت ربات البيوت الآن بعد الانتهاء من أمور الماشية بالشؤون المنزلية الهادئة غير المسموعة ، ولم يخرج بعد الصبية إلى الشارع ـ ساد الهدوء ، ولم تكن تسمع سوى أصوات متناثرة معتادة : صياح حيوان أو صرير بوابة أو صوت إنسان يصدر بالصدفة من مكان ما ـ لم كل ذلك للاستماع أو الرد ، بل لكى لا يحيط الفراغ والموت بالأحياء . وسيطر الهدوء ، الذى ساد فى الوقت الفاصل بين الصباح وموعد الغداء ، على الضجيج والحركة ، وتوافق الدفء الصافى المنير المنبعث من السماء المكشوفة . وراح ذلك الهدوء يسمو بالقرية دون أى صوت مزيلا عنها برودة الليل .

قال ميخائيل مأخوذا بالهدوء الساحر الرقيق :

ـ يبدو أن أمنا كانت طيبة . تأمَّل أى يوم جاء من أجلها . مثل هذا النهار ـ لا يمنح هكذا لمن هب ودب . رد إيليا :

ـ لقد استقر الطقس . آى نعم .

ـ ولكن علينا أن نرتب أمورنا ونشترى من " البيضاء " إياها طالما مازالت موجودة بالمحل . ، لأنه إذا وزعوا الأجور إذا فسوف تنفد عن آخرها ، وسنضطر للبحث عنها .

ـ أ تقصد الفودكا ؟

ـ طبعا . البيضاء . أما النبيذ الأحمر فلا أحترمه . وجوده أو عدمه سيان بالنسبة لى . هذا الوباء يسبب صداعا فظيعا فى الصباح ، ويترك الإنسان طوال النهار كالمصاب بالطاعون .

شعر ميخائيل بتشنج داخلى لدى الحديث عن الخمر .

ـ فى كل الأحوال علينا شراء نبيذ للنساء .

ـ سنشترى قليلا منه ، وهذا كاف . لِمَ الإكثار ؟ حتى النساء الآن لا يشربن منه كثيرا . إنهن يفضلن مشروبنا .

ـ المساواة مطلوبة فى كل شئ ؟

ـ طبعا .

ابتسما فى خبث حيث فهم كل منهما الآخر ، ولكن لم يكن لديهما متسع من الوقت لفتح حديث مسل عن المساواة ، فسكتا . قال إيليا :

ـ كم زجاجة سنشترى ؟

هز ميخائيل كتفيه :

ـ لا أدرى . ولكن ليس أقل من صندوق . سيجتمع نصف أهالى القرية ولا يجب أن نفضـح أنفسنا ، فأمنا على أية حال لم تكن بخيلة .

ـ لنأخذ صندوقا ، آى نعم .

ـ وهل معك أية نقود ؟

ـ خمسون روبلا .

ـ وأنا سآخذ من ناديا . هذا يكفى .

ـ وهل سنأخذ من أختينا ؟

ـ ليس مع فارفارا شئ يمكن أخذه . أما لوسيا فسنسألها ، فهى على الأغلب تملك كثيرا من النقود ـ لنأخذ منها ، فهى أيضا من لحمها ودمها وليست ابنة بالتبنى ، كيف يمكن تجاهلها ؟ ربمـا تغضب .

ـ لم الانتظار إذن ؟ سأعثر على ناديا الآن ، ونذهب . يجب أن نشترى اليوم ، وإلا فلن يبقى لها أثر إذا وزعوا الأجور غدا . أنا أعرف الوضع عندنا : إذا تمهلت قليلا فاتتك الفرصة وستضطر لشـرب الماء . كنا نستطيع الاستغناء عنها فى ظروف أخرى ، ولكن بما أن حالنا هكذا فلا داع للفضيحة . يجب أن نودع أمنا كما ينبغى فهى لم تسئ إلينا أبدا . ـ نهض ميخائيل قبل إيليا ، وراح يتابع حديثه ـ لنفعل كالآتى : سأذهب إلى زوجتى ، فمن الضرورى أن يكون قد تبقى لدينا بعض النقود ، أما أنت فاذهب إلى أختينا فليس من اللائق أن أطلب أنا منهما لأننى صاحب البيت . وبعدها ـ إلى المحل . من الرائع أننا تنبهنا إلى هذا الأمر يجب أن نشترى الآن ، لن ننتظر أكثر .

خرجا مسرعين . كانا مضطربين لأنهما سيأخذان كمية كبيرة من الشراب ، كمية كبيرة لا يستطيع حملها شخص بمفرده ، ويسيران بها فى الشارع . لم يكن المحل بعيدا . وكان خاليا من الناس كعادته قبل أيام استلام الأجور . لم يطل بهما الوقت هناك . عادا يحملان صندوقا يجلجل بزجاجاته ووضعاه فى عنبر المؤونة .

قال ميخائيل :

ـ عندما تكون مكانها لا يوجد أى سبب للقلق . لتبق ، فلن يصيبها شئ هنا . أما البورتفين فيمكن شراؤه فى أى وقت ، فلا يوجد عيه طلبا كثيرا .

فجأة تردد من داخل البيت صراخ نينكا . فتح ميخائيل الباب وهو ينوى نهرها . زلكنه رأى النساء الثلاث قد أحطن بها ، فأرهف السمع .

ـ هى بنفسها ـ قالت نينكا فى صوت ممطوط .

ـ ماذا نفسها ؟ ماذا ـ هزت لوسيا الفتاة .

ـ لست أنا . هى نفسها …

ـ ماذا فعلت هى ؟ تكلمى ، أ لم تتعلمى الكلام ؟

ـ هى ، فتحت عينيها ورأتنى …

ـ وماذا أيضا ؟

ـ رأتنى ـ قلدتها ناديا ـ ولماذا رأتك ؟ عما كنتِ تبحثين فى حقيبتها ؟ من سمح لكِ ؟ ماذا كنتِ تريدين منها ؟

صرخت نينكا :

ـ هى التى أشارت لى أن أفعل . أنتِ لم ترى فلا تقولى شيئا .

ـ سأريك كيف تتحدثين إلى أمك . ما هذه الموضة ؟ ممن تعلمتِ ذلك ؟

ـ انتظرى يا ناديا ـ أسكتتها لوسيا ، وانحنت ثانية نحو نينكا ـ إلامَ أشارت ؟

ـ إلامَ … إلامَ … إلى ما تحت السرير .

قالت ناديا موضحة :

ـ العجوز تحتفظ لها بكراميللا فى الحقيبة .

تابعت لوسيا أسئلتها :

ـ وكيف أشارت لكِ ؟ كيف حدث ذلك ؟ هه !

ـ نظرتُ إليها ولكنها لم تتطلع إلىَّ ، بعدها فتحتْ عينيها ونظرت إلىَّ ، ثم أشارت .

ـ أ لم تقل لكِ شيئا ؟

ـ لم تقل .

تنهدت فارفارا فى أسى :

ـ أوه … أوه … ماذا سيحدث ؟

هنا تدخل ميخائيل مدافعا عن نينكا :

ـ هى ليست خبيثة ، لم ألحظ عليها ذلك أبدا . ربما اعترت أمنا صحوة الموت وكانت نينكا قربها فى تلك اللحظة .

أثار ذكر الموت حذرهم وجعلهم يهدؤون لدرجة أنهم راحوا يتنفسون فى خوف وكأن الهواء قد أصبح مسموما بعفونة حادة لا يجوز أن يسمح الإنسان لها بالتسرب إلى داخله . بعدها اقتربوا فى هدوء من سرير العجوز محاولين العثور على أى تغيير يكون قد حدث للعجوز : لم يجدوا شيئا سوى أن الضوء ، الذى أصبح أكثر سطوعا مما كان عليه فى الصباح ، جعل وجه العجوز يبدو أقرب إلى الموت . ولكن قلبها كان ما يزال يخفق كما فى السابق حائلا دون ابتعادها عن الأحياء .

خرج ميخائيل إلى الفناء حيث كان إيليا يتسلى طوال الوقا بتفتيت الخبز للدجاج . قال له :

ـ نينكا تقول أن أمنا فتحت عينيها .

دُهِش إيليا قائلا وهو يطرد ديكا بحركة من قدمه :

ـ هكذا إذن … ماذا بها ؟

ـ لا أدرى ؟

ـ ألا تزال حية ؟

ـ حية . لقد تأكدنا ؟

ظل النهار على حاله وكأنما عن قصد من أجل العجوز بالذات ـ كان طريا ولطيفا وقد تلألأ فوق القرية كلها ، وفوق بيت العجوز أيضا . اقترب موعد الغداء ، ومر النهار بهدوء وسلام ولم يعكره شئ ، وكأنه يحرص على عدم إزعاج شخص ما . راحت السماء منذ الصباح تقترب من الأرض ، بدت مترددة وكأنها على انتظار . أيام سبتمبر أيضا لم تكون ساذجة ، فقد خبرت الكثير من أيام الربيع . ويبدو أن هذا النهار كان قد عرف كل شئ وأراد أن يساعد العجوز كى لا تبقى مدة أطول فى مكانها الصعب ، الأخير ـ كل ما كان عليه : أن يحركها خفية إلى الأمام أو إلى الخلف ، أن يدفعها قليلا عن المكان الذى جمدت فيه .

لم يعرف ميخائيل وإيليا بماذا يمكن أن يشغلا نفسيهما بعد أن أحضرا صندوق الفودكا : كل شئ عدا ذلك بدا لهما غير مهم ، بل ومثير للضجر ، فكان وقع كل دقيقة عليهما ثقيلا . تحدثا عن سبب تأخر تاتيانا ، وعن أنها كانت تستطيع الوصول عشر مرات حتى الآن . سأل إيليا ميخائيل متى عليه أن يذهب إلى العمل ، فأجاب ميخائيل بأنه طلب إجازة من أجل هذه الأيام ـ خرجت الكلمات تافهة ، دون أدنى حاجة لها ، ولم يعد من الممكن متابعة الحديث . أدرك الأخوان أن ليس عليهما سوى الانتظار ، ولكن للانتظار أشكال مختلفة . وتدريجيا تطرق إليهما القلق ، هل هما ينتظران كما يجب حقا ، ولا يضيعان الوقت عبثا . إن حالة الأم التى تحتضر لم تغب عنهما ، ولكنها لم تعذبهما بشدة : لقد\ فعلا كل ما عليهما ـ بلغ أحدهما الآخر ، وها هو الآخر قد وصل . وها هما أيضا قد أحضرا الفودكا معا ـ والباقى كله متوقف على الأم نفسها أو على أى أحد آخر ، ولكن ليس عليهما ـ هل عليهما أن يحفرا قبرا لإنسان لم يمت بعد ! دائما كان لديهما عمل ، وفجأة أصبحا بدونه ، فليس من اللائق القيام بأى عمل آخر قبيل وقوع المصيبـة القريبة ، ولكن المصيبة نفسها لا تأتى .

بدأ ميخائيل الحديث ثانية :

ـ قل لى ، كنا نعرف أنها لن تعمر إلى الأبد ، وأن الموعد قد اقترب . كان علينا أن نتعود ذلك الشعور ، ولكننى مع ذلك لستُ مرتاحا .

قال إيليا فى تأكيد :

ـ وكيف يكون غير ذلك . إنها أم .

ـ أم … هذا صحيح . ليس لدينا أب ، وستذهب أمنا الآن وينتهى كل شئ . سنبقى وحيدين . لسنا صغارا ، ولكننا وحيدون . منذ زمن بعيد لم يعد هناك أمل فى أمنا . كنا نعرف أن دورها هو الأول ، ثم يحل دورنا . كانت كأنها تحمينا ولم يكن هناك سبب للخوف ، أما الآن فعلينا أن نعيش ونفكر .

ـ ولم التفكير فى ذلك ؟ ما الفرق إن فكرنا أو لا …

ـ لا داعى للتفكير ، ولكننا نفعل ذلك مرغمين ، كأننا خرجنا إلى مكان مكشوف وأصبحنا عرضة للأنظار . ـ أدار ميخائيل رأسه الأجعد وصمت قليلا ، ثم تابع ـ والحال نفسه ينسحب على أولادنا . حينما تكون جدتهم حية يبقون صغارا ، أما أنت فتبقى شابا . والآن ، عندما تموت العجوز ، يبدأ الأولاد فى الحال بدفعك إلى الأمام . فهم كالوباء يكبرون ولا يمكن إيقافهم .

بمجرد انتهاء ميخائيل من كلامه حتى اندفعت ناديا مهرولة ، ودعت الرجلين بصوت واجف :

ـ يارجال ، تعالا بسرعة . بسرعة .

ـ ماذا جرى ؟

ـ الأم …

وما إن اقتربا حتى غابت العجوز ثانية عن الوعى ، ولكنها قبل ذلك نطقت فجأة بكلمة دون أن يفهما أحد . وحينما اقتربت لوسيا وفارفارا منها كانت ما تزال تنظر إلى الأمام ، ولكن كانت عيناهـا تنغلقان . كان شئ ما يجرى بداخلها رغم أن لم تتحرك بعد ذلك . شئ ما بدأ يدور فى داخلها ـ كان يبدو أن العجوز على وشك التحرك من المكان الذى راوحت فيه حتى أن وجهها قد تغير : أصبح أكثر تعبيرا ، وبدت عليه بوادر الشجاعة . ومن هناك ، من أعماقه ، راح يرتجف بفعل القوة القليلة الباقية ، فبدت وكأنها تغمز بعينين مغلقتين .

وقفوا حول الأم . راحوا ينظرون إليها بخوف دون أن يعرفوا بماذا يمكن أن يفكروا أو على أى شئ يعلقون آمالهم . لم يكن ذلك الخوف يشبه أبدا ما صادفهم خلال حياتهم بالمدينة أو القرية ، لأنه كان أشد وقعا وفظاعة ، ولأنه كان صادرا عن الموت ـ بدا الآن أنه لاحظهم جميعا ، نظر إلى وجوههم ولن ينساها أبدا . وكانت رؤية ما يجرى أمر مرعب : لعل ذلك ما سوف يحدث لهم أيضا فى وقت ما . كانوا يرونه هو نفسه ، ولم تكن لديهم الرغبة فى رؤيته حتى لا يبقى عالقا فى ذاكرتهم إلى الأبد . ورغم ذلك لم يتمكنوا من الابتعاد أو الإعراض عنه . لم يكن الابتعاد ممكنا ، لأنه كان مشغولا بأمهم ، وربما أغضبـه ذلك . لم يكن أحد يريد إثارة انتباهه إلى نفسه ، وهكذا وقفوا بلا حراك .

بدا شئ ما ينبض فى عينى العجوز ويحركهما . لم تفتحهما فى الحال أو بسهولة ، ولكنهما انفتحتا . حاولتا استيعاب الضوء ولكن دون جدوى . فجمدتا . سرى فيهما الهدوء عدة دقائق ، ثم تحركتا من جديد وانفتحتا بقوة أكبر هذه المرة . ومن خلال الوميض الأبيض الشاحب المتبقى فيهما تمكنتا من الرؤية . وكان كل ما رأته أيضا شاحبا وخابيا مثل الخيال . فظهر على وجه العجوز تعبير من الأسـف والألم . حاولت طرده برفة من عينيها ولكنها عجزت . ولعل ذلك كان برغبة منها ، لكن الشئ الذى تراءى للعجوز لم يتركها ، بل حثها على التأكيد ـ يبدو أن الذكريات عادت إليها ، فتذكرت أنها كانت تعيش ، وأرادت أن تعرف أين هى الآن ، وهل هى فى كامل وعيها . وَسَّعَت من فتحة جفنيها بعد أن تمكنت من التحكم فيهما ، ونظرت ـ لا ، لم يتركوها وحيدة ، لقد رأتهم بقربها وعرفتهم ـ لم تقدر على تقبل ذلك بصمت ، فخرجت من صدرها أصوات جافة واهنة تشبه الفحيح .

تأوهت فارفارا وضربت كفا بكف ، ثم رفعت يديها إلى حلقها لتكتم صرخة .

سكنت العجوز وكأنها استنفدت كل ما فيها من حياة متبقية . ارتخى الجفنان ، ولكن تنفسها كان قويا لدرجة أن جسدها كان يهتز . هدأت الأنفاس ، ولكنها لم تنقطع . وصار واضحا كيف كانت تتحرك البطانية فوق جسد العجوز .

راحوا ينتظرون وهم يشعرون جيدا أنهم أبناء وبنات العجوز ، واعتراهم شعور بالأسف عليها ، وبأسف أشد على أنفسهم لأنها ستترك لهم بعد موتها حزنا لن يزول بسرعة . انتاب كل منهم على طريقته إحساس غير مسبوق من الرضى والألم عن نفسه ، لأنه قرب أمه فى ساعاتها الأخيرة كما يليق بالابن أو البنت ، وبذلك استحق غفرانها ـ غفران آخر لا يشبه الغفران البشرى ، ليس له علاقة بالأم ، ولكنه ضرورى للحياة . كان ذلك مزيج من الخوف والألم . وأشد ما أخافهم وهم يرقبون احتضار الأم الطويل ، إدراكهم أن الناس يجب ألا يشاهدوا ما شاهدوه . ودون أن يصدقوا أنفسهم أخذوا يتمنون أن ينتهى كل شئ بسرعة .

ولكن العجوز ما زالت تتنفس .

لم يعد إيليا يحتمل ، فهمس لميخائيل ، وفجأة فتحت العجوز عينيها من جديد وكأنها استجابت للهمس . لم تغمضهما هذه المرة ، وإنما حدقت أمامها . أرادت البكاء ، ولكنها لم تستطع : جفت دموعها . هرولت فارفارا لمساعدتها . ناحت بسهولة وبصوت مرتفع ، ففعلت هذه المساعدة فعلها فى العجوز ، وحالت دون غيابها عن الوعى : فارقتها الكلمات ولكنها تذكرت الكلمات التى كانت أقرب إلى نفسها ، تلك التى كانت دوما على لسانها .

ـ لو ـ سيا ، إيليا ، فار ـ فا ـ را . نطقت اسماءهم بكثير من الجهد .

راحت لوسيا تشد من عزيمتها : ـ نحن هنا يا ماما . اطمئنى ، نحن هنا .

عادت فارفارا إلى النحيب : ـ أمى ـ ى ! …

وثقت العجوز بنفسها وبالأصوات . هدأت واطمأنت وهى تحت تأثير فرحها وألمها الأخيرين . نظرت إليهم ، وبدت كأنها تغوص أعمق فأعمق . وفجأة أوقفتها قوة ما خفية ، فعادت إلى وعيها . ازدادت تجعدات وجهها ، وراحت عيناها تبحثان عن شخص ما . كان بكاء فارفارا يزعجها ، فتنبهوا إلى إيقافها .

ـ تانشورا ـ نطقت العجوز الاسم فى توسل .

تبادلوا النظرات ، وتنبهوا إلى أن الأم كانت تدعو تاتيانا بهذا الاسم .

ردوا فى صوت واحد :

ـ لم تصل بعد .

ـ ستصل قريبا .

ـ إنها على وشك الوصول .

فهمت العجوز ، وأحنت رأسها قليلا . ارتسم تعبير من الراحة والطمأنينة على وجهها ، وانغلقت عيناها ، وسرعان ما غابت عن الوعى مرة أخرى .

انفضوا ـ كان من الضرورى أن يستريحوا قليلا . لم يبق قرب العجوز سوى فارفارا ، التى راحت تبكى بصوت منخفض . لم يكن بكاؤها يزعج أحدا ، ولو إنها كفت عنه ، لشعروا بالقلق .