(1)

6 0 00

(1)

الوافـد.

يا منزلاً أضـحى كـجسمي بـالياً

حـزن القـلوب وحسـرة للـنّاظـر.

لا تسعفني الكلمات لوصف ذلك الغريب.. إنه كان رجلا في مقتبل العمر، جاء راكبا على حصان أدهم حرون. رجل أسمر اللون، وتلك السمرة تميل قليلا إلى لون التراب، كما تراب البلدة. بلباس كامل البياض، إلا من نقع بأثر العرق والغبار هنا وهناك. كان يعتمر بعصابة مشرقية مزركشة بخيوط حرير مذهبة.

يبدو أن ذلك الغريب كان متعبا، ولعل ذلك من جراء سفرية بعيدة. وفي ذلك اليوم بالذات كانت حرارة شمس الظهيرة لا تطاق. ويبدو أن ذلك الغريب لم يعد يقوى حينها على متابعة مسيرته، لذا رأيته يتوجه نحو "الكرمة" ليحتمي بظلها. كان عليه فعل ذلك،لأنه لو استمر في مسيرته لنفق الراكب والمركوب من شدة حرالسمائم في تلك الساعة من ساعات القيظ وسط النهار.

من أول نظرة، ومن بعيد، كان ذلك الرجل من هيئته يبدو وكأنه غير معتاد على المشقات. ها هو يقصد ظل (كرمة جدي)، شجرة تين على مقربة من الخيمة. قيل بأن جدي هو من زرعها وكان يستظل تحتها كلما اشتدت الحرارة وقت الظهيرة.

بعد السلام على الغريب، طلب مني شربة ماء. يبدو أن الرجل كان شديد العطش، ولعل الحصان كان كذلك. بعد لحظات عدت ومعي الماء ولبن مخيض، ثم تركته لأتوجه نحو المطفية لإحضار سطل كبير مملوء بالماء لتوريد البهيمة لما رأيت الحصان يترنح من شدة العطش. بعد أن شرب الغريب اللبن واسترجع أنفاسه تنحى جانبا، توضأ بما تبقى من الماء. صلى ركعات الظهر الأربع، سلم وزاد ركعتين، وبعدها ورجع إلى مكانه في صمت. وجه نظراته إلى فوق، ففهمت المقصود. قمت لأجنيي له عشرة حبات من التين الأسود. بعد برهة ألقى علي السؤال، لم أجبه على الفور. حينما شرع في أكل التين، قال:"التين والزيتون وطور سنين.. سبحان العلي القدير". كان يتكلم دون أن ينظر إلي، كان يركز على تلك الباكورات يأكل بترو، وبين الفينة والأخرى يتطلع إلى المكان، ثم رأى بعيدا وقال:

—ما اسم هذا الدوار يا ولدي؟

—دوار أولاد العزة، أرد عليه.

—جئتُ من بلاد بعيدة، أبحثُ عن جامع بالقرب من الولي سيدي جابر. ظننتُ أنها تلك هي تلك القُبَّة، فقصدت هذا المكان. لكن، يبدو لي أنني لم أقصد المكان المرغوب!

صمت برهة وقال:" وتلك البناية الشامخة، لمن تكون؟"

أجبته بدون تردد بأن تلك البناية الشامخة، وكنت أقصد ذات المعمار الفريد في من حيث الشكل ومن حيث الفخامة والتي كانت ظاهرة للعيان والتي ظن أنها قبة سيدي جابر. تلك البناية الفاخرة هي في ملكية أجنبي عن هذاالبلد. لقد جاءوا به، من أجل ماذا؟ لا ندري..فتلك الإقامة حديثة البنيان، وبناؤها ليس مثل تلك القصور القديمة التي يبنيها القواد أيام زمان... أما بناية سيدي جابر فلم يبق منها غير تلك الأطلال..

—يبدو أن معمارها كان جميلا ومتينا، يقول الغريب.

—لا سيدي، لا مجال للمقارنة بين تلك الإقامة وبين أطلال سيدي جابر. أنظر مليا إلى فوق، فذلك الصرح العجيب يبدو أنه يراقب أنفاس تلك البيوت المتواضعة أسفل الوادي، أتدري لمن يكون؟ أنظر..أنظر إلى تحت، لترى جيدا تلك الأكواخ المحفوفة بأغصان الصبار الشائكة، وتلك المحلات الواطئة المتناثرة هنا وهناك في البراري، أتدري لمن تكون؟"

ثم قال:

— ألا يوجد بقبيلتكم رجال؟ !

لم أجبه.. وهكذاظل الغريب صامتا، ظل ينظر ويتأمل في المكان، ينصت بشوق لمعرفة المعالم، وكانت رغبته في أن أسترسل في الكلام..أحكي عن المكان أقصخبر أهله...

***

...هناك فوق تبدو شامخة وهائلة تلك الإقامة. نوافذ زرقاء، قرميد أحمر، والصباغة بالأبيض الفاقع! إنه لصرح بهيج، إنها تستأهل أن تتباهى برونقها وفخامتها. وكأنها تحفة بين الأشجار الخضراء الباسقة؛ أوكلبتوس، صنوبر، نخيل وأشجار لا أدري أسماءها. حديقة زاهية تحيط بالإقامة. أغراس جميلة، وأخرى غريبة الأشكال، ورود وأزهار رائعة المنظر. من بعيد من حول الأسوجة، أغصان البوكانفيليا تتلألأ بأزهارها المتعددة الألوان، بنفسجية، حمراء وبيضاء وألوان لاأعرف أسماءها..

—إنه حقا مدهش ذالك المنظر الرائع، أليس كذلك يا سيدي؟ وهل سمعت بالوافد؟ ههه ههه... قبة سيدي جابر! لكن، سيدي، قل لي، ما هو المقصود من زيارتك لسيدي جابر؟ قلت له.

— أحلم بالمكان كل ليلة في منامي. يقول الغريب، كل ليلةأحلم و أراه واقفا يلح علي بالزيارة، يقع لي هذا في كل ليلة يا ولدي.

لقد كان شكل الرجل غريبا وكذلك كان كلامه. لم يكن بهيئته وبعفويته كباقي الناس. كان يلح علي بأن أقول المزيد ، كان مصرا على معرفة المكان وأصحابه.

—سألتني قبل قليل هل أعرف صاحب الإقامة، فأنت تعرف بأني غريب. قل لي لمن تكون؟ يسأل الرجل.

كانا يجلسان في مكان من خلاله يمكن رؤية المشهد بكل وضوح مع رصد كل التحركات. وردا على سؤاله قال له بأنه لو سأل مثلا أحدا من بين هؤلاء، كزهرة مثلا زوجة فاتح التي كانت تسقي الماء من النهر، أو الولد ابن سيدي علي الذي يلاعب الفراشات بالقرب، أو والده هناك في ذلك الحقل الصغير(البحيرة) الذي يخطو بتأني من وراء محراثه الخشبي بعد نَثْرِ حبات قمح أو شعير، وبعدها يحرث تلك البقعته الصغيرة هناك تحت. فإذا كنت واقفا بالقرب من تلك الإقامة ستظهر لك وكأنها رسما إعداديا لمشروع لوحة فنية. كما تلك اللوحات التي يرسمها الوافدون. وقد تسألني أو تسأل أي كان من أهل دوار أولاد العِزَّة، من أجل معرفة صاحب تلك الإقامة الفاخرة وتلك المزرعة الكبيرة. سيردون عليك سيدي، وبكل عفوية —وبالمناسبة فلن يطيلوا معك الكلام : إن كل ذلك في ملكية "التاجر" الفرنساوي. ويقصدون بذلك ذلك الوافد، إنه لمستوطن غوستاف.

ثم أُحِسُّ بأنه تعب من كلامي ! أنظرُ من حولي، ثم إلى فوق ! فلا أرى شيئا ! "أين الرجل الذي كان قبالتي قبل قليل، يا ربي !؟ أسأل نفسي...لماذا اختفى الرجل فجأة ؟! باسم الله الرحمان الرحيم،أعود بالله من الشيطان الرجيم، كنت أقول.

كنت أتحدث مع شبح !..هل كنت أحلم؟ ...

لعلها ضربة شمس! قد يكون مفعول صهدها قد أثر على عقلي كما الآخرين، فأصبنا جميعا كل هذه المدة الزمنية بداء النسيان، الغريب في الأمر أن تلك الأحلام بدأت تراودني بين الفينة والأخرى وفي واضحة النهار!

قبل قليل كان هنا أمامي..كنت أحكي و كنت أسترجع تفاصيل الحكاية...نعم يا سادة، فكما قلت، لقد كان ذلك الرجل كالشبح، فمن أول نظرة أدهشني، وأنتم يا سادة يا كرام فبإمكانكم أن تتصوروا معي ذلك المنظر! نعم، من حقكم أن تسألوني. كنت سأحدثه عن تلك الفروق الواضحة التي كبرت مع الزمن. لكن، وحتى لا تختلط علينا الأمور بين الانبهار تارة، والحسرة ثارة أخرى، أسألكم يا سادة: " هل ما زلتم تحتفظون ببعض من ذكريات مجد أجدادنا ؟ قلت له كما سأقول لكم بأنه سينبهر لا محالة منذ أول وهلة. نعم يا سادة حينما تنظرون إلى تلك البناية الرائعة والشامخة هناك فوق الربوة. لعلكم ستحسون بالأسى عند إلقاء نظرتك إلى تحت. بالتأكيد، لو كنتم من أهل هذا البلد الشرفاء، وأنتم ترون أطلال الأجداد المهدمة بجانب تلك المساكن المتواضعة للأهالي، سيغمركم شعور بالذنب، بالدونية لا محالة، "الحكرة"... عفوا يا سادة، المعذرة، إن كنتم من أحد أبناء النافذين...فلا داعي لأن أصف لكم بالتدقيق أشكالها المتهالكة والبدائية، مقارنة مع فخامة تلك الإقامة المتباهية هناك من فوق الربوة. فإنها كما ترون مجرد نوالات، تخشيبات من القصب والقش، براريك أو شبه بنايات محاطة بأسوجة من صبار وأشواك السِّدْر الشائكة..

أنستَحِقُّ نحن أهل دوار أولاد العزة كل ذلك؟ لقد أسمونا بالأهالي: "ليزانديجان"، هكذا يقولون بالفرنساوية !

أما وأنتم تتخيلون وتُمعنون النظر من خلال إحدى نوافذ ذلك المنزل الرائع، و إذا لم يسعفكم الخيال، فلنقف معا فوق تلك الربوة المقابلة للإقامة الفاخرة؛ فحينها سننبهر حقا بروعة ذلك المكان وتلك المزرعة. نعم،إنها ضيعة الوافد، يسمونها (فيرمة) التاجر غوستاف. اخضرار ودقة في التنسيق، صفوف متوازية من أشجار البرتقال، الليمون والرنج، وإلى جانبها فضاء يغطي عشرات الهكتارات، بمختلف المزروعات: قمح، ذرة، برسيم وغير ذلك..ضيعة بكل المواصفات... الفيرمة مجهزة بكامل التقنيات الحديثة، ومن طراز رفيع. وعلى مقربة منها، إذا أمعنت النظر جيدا. سترى ما تبقى من أرض الأهالي..

وكيفما كانت الأحوال يا سادة، فلا يمكن نسيان طيبوبة أهل هذه البلدة وطبيعتها الخلابة. لو كان الفصل ربيعا لظننتنها زرابي مبتوتة تتباهى بكل الألوان، أصفر، أحمر، الأبيض وخضرة في كل الأرجاء ...بكل الألوان...تخيلوا أنفسكم بأنكم فنانون ورسامون، وأنظروا جيدا، فهناك سترون لوحة طبيعية لا مثيل لها..

تلك الطريق المعبدة التي تمر من هناك، التي تأخذ نهايتها إلى الإقامة فوق التل، لقد تم إنشاؤها مع قدوم التاجر غوستاف. كانت تمتد من الدار إلى المزرعة مع تفرع يؤدي إلى الطريق الرئيسية. لقد أعدت تلك الطريق خصيصا لتسهيل شحن البرتقال والمنتجات الأخرى إلى وجهة لا يعرفها الأهالي. إن تلك الطريق المعبدة، يسميها الأهالي "المنجورة". على طول تلك الطريق أغصان أشجار الأوكلبتوس الخضراء تتمايل مع هبوب الرياح الدافئة، تلك الأشجار كانت تنحني، وكأنها ترحب بذلك الوافد الجديد كلما مر ذاهبا أو راجعا إلى أو من المزرعة أو لقضاء مآرب أخرى في القرية أو المدينة. المجورة طريق ترتبط بالطريق الثانوية التي تؤدي إلى كل الأماكن البعيدة والقريبة، فعبرها يفد المزارعون الجدد بآلياتهم التي أبهرت الأهالي. فكثيرا ما سمعنا بأن جميع الطرق تؤدي إلى روما، عفوا، إلى مزرعة المستوطن غوستاف وزبانيته.

من أعلى تلك البيوت المتواضعة المحاطة بأسْوِجة الصبار الشائكة، بكل تَرَوّي يتصاعد دخان، تتغير ألوانه حسب حدة النار في الكانون، يتبدد كلما ارتفع عاليا في ذلك الفضاء الفسيح بلون أزرق سماوي. أكيد أن مصدر ذلك الدخان كانون مشتعلٌ، ومن ورائه نساء تنفخن على ناره الحمراء المتوهجة. أكيد أن ذلك من أجل تحضير رغيف أو خبز، عصيدة أو برْكوكَشْ، أو فوار كسكس بالبلبولة أو الذرة ومخيض اللبن من أجل إعداد صَيْكوكْ الظهيرة أو—كل ما سيسد رمق جائع وعطشان—قبل التوجه نحو الحقول يتم سد الرمق بما تيسر من الطعام، يظل المرء هناك في الحقول إلى أن تقترب الشمس من المغيب. تلك الشمس التي تغيب مساء ثم تشرق صباحا في موعدها وذلك منذ الأزل. تأخذ مسارها في السماء أو هكذا يخيل إلينا، تسخن الأجواء شيئا فشيئا، إلى أن تصل الحرارة ذروتها وسط النهار—خاصة في الصيف— فتكوي بأشعتها الحارة أجساد الأهالي التي تكد بين الحقول. وكلما اشتدت الحرارة تبحث الأجساد المحمومة لها عن ملجأ تحت الظلال، وفي تلك اللحظة قد تحلو شربة ماء وتحلو معها وجبة "صيكوك". بعد أن تمر ساعات قيظ النهار الطويلة، يفتر الجو شيئا فشيئا، فتفتر تلك الأشعة الحارقة مع هبوب رياح فاترة من الجهة الغربية. حينها تتنفس المخلوقات الصعداء، وتخرج مرة أخرى إلى حال سبيلها نحو الحقول، وبعدها تدب الحياة ويستمرالزمن وتستمر معه حياة المخلوقات منذ وإلى متى...لا أدري، فذلك يعلمه لله وحده...

على بعد ثلاث كيلومترات أو ما يقارب ذلك، يمر من هناك ذلك نهر، لعل مجراه هكذا منذ الأزل لم ولن يتغير... أما صبييه فنراه يتغير،و يتغير لونه وتتغير سرعة جريانه وذلك حسب الفصول. يبدو وكأنه حارس للزمن، يسجل مجريات الأحداث من حول ضفافه ومنذ الأزل، أو لعله هكذا يجري دون أن يلاحظ العبث. وعلى أية حال، فإن مياهه النقية تروي كل من يقصد ضفافه الرحبة...فكان ذلك النهر يفرض سلطته وهيبته، ليس باللفظ، لكن بلغته الخاصة. ذلك النهر له سلطة ضامرة لا يفهمها إلا حكيم متنور. إيه نعم، لذلك النهر هيبته ووقاره ! ..فهل بإمكان عاقل أن يواجه غضبه وكبرياءه وهو في أشد هيجانه؟ لا طبعا. فمن الممكن الاقتراب منه، قطعه للمرور إلى الضفة الأخرى، الصيد في مياهه، السباحة في أعماقه حينما يكون هادئا وديعا خلال الأيام العادية، لكن حذار من هيجانه، فذلك النهر لا أحد بكامل عقله وشجاعته يستطيع أن يتجرأ فيقترب منه وهو في أوج غضبه، فلا عذر لمن انذر !

أما الشابات، فكن دائما على حذر شديد، ما بين الرغبة في الاقتراب من الشبان وأخذ المسافة اللازمة، فمنهن من كانت تسقي الماء، تغسل ثيابا أو تفرز القمح في الشّواري بعد غطسه في الماء، وكانت إحداهن تغني بصوت رخيم:

مْزّينك ياذاك الواد

ملِّي تكون جايْ هُوَّاد

بين ذوكْ الدّْفالي

مْزّينك ملِّي تكون جايْ

شادّْ الرّْكْزَة

من فوق الجبالْ

مْحزّْم بمجدول حرير

وعيالات الدوار

شادَّات ليكْ الميزان

هالاَّواه سّيلاواه

هالاَّواه سّيلاواه

.......

ويصيح بصوت

عالي وفصيح

الواد جاي الواد جاي

ياناس لا تناموا

على مقربة من ضفة النهر الشمالية تم بناء السكويلة. في البداية كانت بقسم فريد، وبجواره على بعد عشرات الأمتار يقبع مسكن "الميسترو" (المعلم) وتحته المطعم المدرسي. قد تتخيلوا يا سادة بأن ذلك الفضاء كمطعم عصري في المدينة أو مطعم شعبي في إحدى القرى. لا.. إنه مجرد قاعة تحت أرضية ببضعة طاولات وكراسي طويلة. ومع ذلك فالوجبة كان لها قيمة كبيرة لدى التلاميذ، ويشتهونها كثيرا. إنهم ناذرا ما يأكلون العدس أو اللوبيا أو معلبات التونة في ديارهم، أغلبهم كان يأتي إلى السكويلة مسافة بعيدة من الدواوير الأخرى.

للسكون شجون ! وداخل ذلك السكون تتغير النبرات، نبرات تلك الأصوات الطبيعية التي تتناغم مع تعاقب الفصول. لكل فصل أحواله، نبراته. فنهارا خلال ساعات القيظ الطويلة يعم سكون رهيب في المكان. وخلال الليل، هنا وهناك يسمع النباح، تنبح عند مشاهدة مخلوق يمر جنب الدوار، وأحيانا تنبح بدون سبب، لعلها ترى ما لا نراه نحن البشر، هذا ما كانوا يقولونه لنا ونحن صغارا. وبين الفينة والأخرى تسمع صياح الديوك، عديد من المرات يمكن عدها. أحيانا أخرى يأتي دور البوم، تصدر صوتها القبيح في ظلمة تتناغم حدتها مع غياب أو حضور القمر ودرجة حجمه... إبان موسم الحرث، لا صوت يعلو على صوت اثنين من الجرارات في ملكية المستوطن غوستاف. واحد مصفح، ليحرث عميقا أرض "التِّيرْسْ" الصلبة، وجرار آخر بعجلات مطاطية. بالليل والنهار، كأنها تسابق الزمن لتطاوع أرض المزرعة. تلك الآلة العجيبة كان الأهالي يسمونها "التراكتور". تراكتور واحد يحرث مقدار ما تحرثه العشرات من المحاريث الخشبية! عاشت التقنية ! ولتمت المحاريث التقليدية! هكذا يقول هؤلاء المبهورون بالتقنيات الحديثة. لكن مهما قالوا، فالتقليدية حاضرة وستبقى زمنا طويلا ما دامت العقول تقليدية يا سادة. هكذا يقول المتنورون..

بنات الدوار كن يتساءلن: "من هي تلك المحظوظة التي ستسكن في ذلك الصرح الجميل، بعيدة عن متاعب البيوت والحقول تحت أشعة الشمس الحارقة.. يا ترى من ستكون؟" هكذا كانت تقول بنات الدوار اللواتي تكدن في المزرعة من أجل فرنكات التاجر غوستاف بين هؤلاء البنات كانت أيضا زهرة. فتاة رائعة الجمال. هي الوحيدة التي لم تكن تشاطر البنات في تلك الأماني البعيدة المنال. نعم، زهرة، كانت تقول ذلك، لأن أحلامها كانت بسيطة وواقعية أيضا. تلك الأماني الواهية والأبهة التي تتمناها كل شابات الدوار، فإنها لم تكن من اهتمامات تزهرة. لقد كانت راضية بشابّ شجاع، وفيّ للعهد، ففي ذلك كفاية، تقول زهرة للرفيقات الشقيات.

لم يدم الانتظار طويلا، شهور قليلة بعد استقرار غوستاف، وتتيسر الأمور بالضيعة. يبدو أن كل شيء كان مهيئا من قبل، من كيفية حصوله على الأرض إلى استصلاحها، ثم استغلالها كما يجب بغية الحصول على إنتاج جيد، وبالتالي إتاحة الفرصة للاغتناء، وتلك كانت الغاية من مغامرة ما وراء البحار. لا داعي للسؤال عن الكيفية والوسيلة التي امتلك بها المستوطن كل تلك الأراضي. أمر يشوبه الكثير من الغموض والالتباس بالتأكيد. كيف للمستوطن غوستاف، ذلك الغريب، أن يصبح بين عشية وضحاها صاحب ضيعة، مئات الهكتارات؟ هو ذلك الأجنبي الذي جاء إلى البلد بحقيبة صغيرة في صغيرة و"كَبُّوطْ" على ظهره! ...باختصار شديد، فإن الإدارة الاستعمارية سهلت عليه كل الأمور، بكونها هي صاحبة القرار.

وبالحرف ثم تقرير ما يلي: "حق الملكية للقبائل...لا يمكن تطبيقه إلا تحت وصاية الدولة". الوصاية المعنية لا تتعلق بإدارة تقنية كالفلاحة مثلا، لكنها كانت تعني وصاية مدير الشؤون المتعلقة بالقبائل ومصلحة الاستعلامات الأجنبية، والتي سمتها لاحقا بمديرية الشؤون السياسية. الحماية التي سعت مبكرا وضع الفرق ما بين نظام الجماعات التي لها نظامها العرفي الخاص بها، وبين الأراضي الخاصة للإفراد، وكانت تبحث عن السبيل الأنجع للحصول على تلك الأراضي الزراعية الكثيرة الخصوبة في السهول، بغية استثمارها من طرف المستعمر.

بتشجيع من سلطة الحماية في البلد المستعمِر عبر إعلانات كانت تشجع من يريد الاستثمار في الفلاحة في الأراضي الجديدة المغتصبة. كان يكفي للفرد أن يكون لديه بعض الطموح مع حب المغامرة فيما وراء البحار لكي يحصل على مراده. بالطبع كانت هناك إجراءات بوساطة شخصيات نافدة. كانت الفرصة متاحة لكل من كانت لديه الدراية بأمور الفلاحة. الضباط السابقون مثلا في المستعمرات يحظون بالعناية والأولوية. تمنح لهم أراضي شاسعة، فشكلوا الأغلبية التي استفادت من الأراضي الزراعية، نظرا لمعرفتهم بخبايا وأمور الأهالي. فالعديد من المستوطنين أخذوا الوجهة نحو المستعمرات، والغاية، كانت البحث عن الكنز المنشود..والآلات الحديثة ساعدت إلى حد كبير على إنجاح إنتاجية الضيعات العصرية الكبيرة.. اليد العامة كانت من بين الأهالي، ورهن الإشارة . فهناك استقر المستوطن غوستاف. لم يجد أدنى صعوبة في التكيف مع محيطه الجديد. كانت الأرض خصبة،و بالإضافة الى ذلك كانت اليد والتقنيات الفلاحية في المتناول. وكل ما تبقى هو حسن التدبير. كانوا يسمونه النصراني التاجر. وكلمة التاجر، يطلقها الأهالي على الأجانب منذ القديم، ربما لأن الكثير منهم دخل البلاد كتاجر أو بصفته كذلك.

هنا لا بد من الإشارة إلى أن هذا المكان، كان أرضا للأجداد، وذلك منذ قرون عديدة. تلك الأرض طبعا ما تزال، خصبة ومعطاء إلى غاية اللحظة. كان الأسلاف وما زالت ذريتهم الصالحة —وفي الصلاح قول —تتصف بميزة فريدة، ألا وهي القناعة والكرم. فمن العادة أن يحظى الزائر والغريب بحسن الضيافة، لأن الكرم من صفات العروبة. فالمكان رحب، يسع الجميع، له جمالية خاصة— ومن له حس شاعري— إذا ما تناسى لحظة العبث الذي أصابت الأهالي، سيتمتع لا محالة بتلك المناظر الطبيعية الخلابة. هناك الجبل، النهر، الوادي والفضاءات الفسيحة.

منذ القديم يحكي الأجداد كلاما جميلا. كلام تواتر من الآباء للأبناء، يقولون بأن تلك الأرض كانت على الدوام أرضا تحن بعطائها، والعاطي هو الله سبحانه كما يُذَكِّرون بعضهم البعض. أرض لا تبخل على القريب، ولا على الغريب بخيراتها. وبذلك فكثيرا ما سموا أبناءهم باسم المعطي. وقد يختلف العطاء عبر الزمان، لكن عطاءات المكان وإن كانت ناذرة في بعض الأحيان، فميزة القناعة كانت حاضرة على الدوام.. لقد كان ذلك أيام زمان..يتطلع البشر والكائنات إلى أمطار الخير، التي بدونها يجف الزرع الضرع. أول القطرات تصل مع رياح جنوبية، قوية أو هكذا أحيانا تكون. تغبر الأجواء بلون يميل إلى الاحمرار، بلون التراب، غبار تهزه الرياح إلى الأجواء معلنة قدوم الغيث. مع أول القطرات تستنشق رائحة الأرض حين تمتزج أولى قطرات المطر مع التراب، فيسري في الأرجاء تلك الرائحة الزكية التي ستظل في الذاكرة إنه عبير التراب.

لموسم الأمطار بداية ونهاية. فبعد الغيث تبتهج كل الكائنات، وتنشرح قلوب الأهالي بشآبيب الرحمة.. موسم الأمطار ينطلق عموما مع أوائل شهر أكتوب، و يستمر عادة إلى نهاية أبريل. أحيانا تهطل الأمطار دون توقف لعدة أيام، فيتوقف معها كل شيء. لا ليس كل شي، إلا الحناجر، وحركة النساء لإعداد الأكل، وبين الفينة والأخرى يخرج الرجال لتوزيع التبن على الماشية. والشمس التي عادة يُخشى من لهيبها خلال أيام القيظ صيفا، تصبح لحظتها كضيف عزيز ينتظر قدومه على أحر من الجمر. ومهما طال غيابها، ستظهر من جديد بعد أن تنقشع السماء وتتبدد الغيوم. تبسط ذلك الدفء المنتظر على سطح التراب، فيسرع الفلاحون للحرث ما استطاعوا من الأراضي قبل أن تعمر السماء من جديد بالغيوم التي لن تمهلهم كثيرا لتعود الرياح الجنوبية محملة بالأمطار. حقول الحبوب والقطاني تبهج الزارع، كما تغري الناظر تلك المروج الملونة بأزهارها. لكن في السنوات العجاف، فيجب أن يصبر الإنسان، وكذلك أن تتكيف مع الظروف كل أشكال الحيوان. فكثيرا ما يحتبس المطر لمدة سنة كاملة، وقد تليها سنوات أخرى من الجفاف. حينها تنفق المواشي من شدة الجوع والبرد. أما الأهالي، فيتدبرون أمورهم حسب المستطاع. فإذا نفذت مخازن الحبوب مع توالي السنوات العجاف، فإن بعض المحفورات كانت تسد الرمق، "الإيرني" مثلا، رغم مرارته التي لا تطاق فإنه أنقد من الهلاك الكثير من الأرواح البشرية. وكذلك المواشي، فرغم هُزالها فإنها كانت عوض أن يأكلها الكلاب كانت الأفواه الجائعة أولى...أما في السنوات الماطرة، فإن"الصَّابة" تكون طبعا جيدة. تشبع المواشي وتتوالد، تنمو المحاصيل وبشكل وفير. حينئد يبتهج الجميع بعموم الخيرات، فتقام الأعراس والمواسم والأفراح. ومع وفرة المحاصيل في الحقول، كان يتعين مضاعفة الجهود لجمعها، ولذلك فإن الأهالي يتعاونون فيما بينهم بالعمل جماعة ما يسمى بعملية التويزة. والتويزة موروث اجتماعي. عمل جماعي تميز بها الأجداد منذ قرون. التويزة مصطلح أمازيغي وتعني كل صور التعاون والتكافل والتضامن..الذي يهدف إلى انجاز عمل اجتماعي معين من أجل مصلحة فرد ما أو مصلحة جماعة ينخرط فيه الشخص الذي يرغب في المساعدة المادية أو المعنوية أو العضلية بكل تلقائية ودون مقابل، وهو مجال مفتوح لكل الفئات..نساء أو رجالا..صغارا أو كبارا.موروث أطاله النسيان في السنوات الأخيرة. كان أفراد القبيلة أو العشيرة أو الدوار يجتمعون حسب الأعراف، يتعاونون فيما بينهم للعمل جماعة، ولا أحد يخالف تلك الطقوس التي تقام باحتفالية وتناغم. فهي عادة من عادات الزمن الجميل.. ما زالت سائدة في عدة مناطق من المغرب العميق و خاصة لدى القبائل الأمازيغية. التويزة كفعل تضامني حضاري أصيل و متأصل بدرجات متفاوتة ما بين المناطق.

يحمل نظام «التويزة» باعتباره عملا تعاونيا دلالات اجتماعية عميقة بتحقيقه لأهداف كثيرة. فتلك اللقاءات والاجتماعات العائلية تساعد على رأب الصدع وحل المشاكل وتقوي ترابط العائلات ومن خلال تتاح الفرصة للشباب للتعارف ثم الزواج. كما إنها تحقق نوعا من الاكتفاء الذاتي للقرويين من خلال استغلال سواعدهم وطاقاتهم في العمل بجد ، والرفع من إنتاجية حقولهم بفضل تبادل الخبرات والمعدات الفلاحية بين المزارعين.

***

ها هي تلك الشِّعاب ما تزال على حالها، منذ الأزل، ما تزال ثابتة في مكانها قبالة الحقول،النهر،الدوار ومزرعة غوستاف الفرنساوي. مزرعة الوافد الذي برع في زرع أشجار تلك الاشجار الغريبة، غريبة في شكلها وبثمارها العجيبة، أكثرها أشجار البرتقال بأصناف مختلفة. وموازاة مع إنشاء المزرعة شاسعة الاطراف، تم حفر آبار هنا وهناك، هذا بالإضافة إلى تلك الإقامة الفاخرة التي تحير الناظر. ما يناهز مائتي هكتار حسب قياس الوافدين، أو ثلاثمائة خدام حسب قياس الأهالي، كانت هي مساحة تلك المزرعة. بعد تجهيزها، مباشرة بدأت الآبار تروي عروق تلك الأشجار الطيبة التي تحمل بين أغصانها الخضراء برتقالا لذيذا بمختلف الأصناف. ومع حلول الربيع، تبرز أولى أزهار البرتقال، فيفوح في الأرجاء عطر زهر الليمون والبرتقال. كم هو رائع ذلك المنظر ، تلك الرائحة الزكية التي تفوح من زهر الليمون، بهجة للمشاعر والنفوس!

بدأت المزرعة تعطي أولى الثمار وبدأ غوستاف يحصل على ريعها فحقق مبتغاه بخصوص العيش الكريم و(في الكرامة قول)، فمن يريد معرفة المزيد عن الكرامة فعليه أن يسأل الأهالي... كغيره من الوافدين كان غوسطاف يتطلع إلى البحث عن الثروة، وبأي طريقة وفي أي مكان، وكانت التقنية الحديثة حاضرة، وظهرت نتيجتها للعيان. نعم، يمكن اعتبار ذلك مغامرة شباب طموح، أو تعطشا للبحث عن التغيير ليس إلا، فتلك مسألة طبيعية كامنة في البشر؛ ولكن ليس على حساب شعب !...

من بلاد الأنوار كما يقولون—باريس— ستقدم إيزابيل مع ابنتها ماري لتلتحق بغوستاف. كان هذا الأخير ينتظرها بفارغ الصبر. لقد بقيت إيزابيل هناك في باريس لفترة من الزمن من أجل استكمال دراستها الجامعية كحجة لعدم مرافقته في المشروع الكولونيالي الذي أقدم عليه. ونظرا لكون الظروف قد تغيرت كثيرا، ومعها تغيرت أيضا وجهة نظر إيزابيل، لكن على مضض. لقد أضحت ظروف العيش في أوروبا لا تطاق. وحينما تأكدت ماري من نجاح المشروع واستقرار الأوضاع الأمنية في محيطه، ارتأت أن تقبل عرض الزواج، وما دامت الأوضاع مستقرة حول غوستاف، ارتأت أن تستقر بدورها فيما وراء البحار! نعم هي بالذات من تقول في نفسها ذلك، إنها تلك المتحضرة المثقفة ذات المبادئ الإنسانية التي سبق وأن اختلفت معه في شأن ذلك المشروع..كانت لحظتها تستشيط غضبا وهي تسمعه يعرض عليها بحماس فكرة مشروع الزراعة فيما وراء البحار. لقد كانت حينها غير متفقة بتاتا . وفي تلك اللحظة بالذات فكرت في قطع علاقتها به. لقد كان لديها حينها قناعاتها الخاصة. "أنا ضد الاستعمار والاستغلال" كانت تقول إيزابيل في كل مناسبة. "إنها مجرد أفكار، لعلها بقيت راسخة في ذهنك منذ زمن الجامعة يا حبيبتي"، كان يرد عليها غوستاف محاولا إقناعها.

تمر السنوات الثلاث.. غوستاف الذي رحل لوحده إلى ما وراء البحار فاقدا الأمل في إقناع إيزابيل.. فتغيرت الظروف، وكان للضرورة أحكام. عجيب أمر الإنسان ! في السنوات الأخيرة بدأت إيزابيل تفكر.. كانت تريد الالتحاق به فيما وراء البحار! دوام الحال من المحال! أليس كذلك يا سادة؟

كان غوستاف في حاجة إلى من يؤنسه في تلك الوحدة القاتلة في غربته. حينما بدأت تفكر في عودة علاقتها مع غوستاف، بدأت تفكر باستمرار في أمر نسب ماري، البنت التي ازدادت منذ سنتين في باريس. الاختلاف حول مبدأ الهجرة إلى ما وراء البحار، وكونه فكرة استعمارية كما تقول إيزابيل، وفرصة العمر، يقول غوستاف، كل ذلك أصبح في خبر كان...

في غياب إيزابيل التي لم ترافقه إلى ما وراء البحار، وفقدان الأمل في الالتحاق به، ارتبط غوستاف بالزايرية..وإيزابيل بدورها، في غيابه وفقدان الأمل في بقائه، التقت مع العديد من الشبان، أصدقاء الجامعة بالطبع.

حينما أخبرته بقرار التحاقها به، كاد غوستاف أن يطير من الفرح. لقد كان يحبها حقا، وهذا ما تحقق منه في وحدته القاسية بعيدا عن وطنه وأهله. لم يذهب تفكيره بعيدا، لم يتساءل عن الملابسات الغامضة بخصوص نسب الطفلة ماري. إنها حقا طفلة جميلة، هادئة كانت... ابنته.. فأحبها حب الأب لأبنته، وأحبته حب البنت لأبيها...

***

...أعود بالله من الشيطان الرجيم ! باسم الله الرحمان الرحيم...

—هل كنت أحلم؟ هل كنت أتحدث مع شبح؟

بقيت هكذا مشدوها أساءل نفسي.. ربما كنت أحلم... لا أدري لماذا يا ترى هذه الأحلام الملعونة تراودني باستمرار وفي واضحة النهار !...الحلم له بداية ونهاية كما هذه الحكاية. والحلم عادة يكون مقرونا بالليل والنوم والوسادة، لكن حلمي ليس ككل الأحلام يا سادة...حلم بالنهار، حلم بالأمل...بلا مقدمات وبلا أشعار ولا شعارات... نستحضر، نبكي الماضي. وأبكي إلى حد الانهيار، تنهمر دموعي على التراب، فيرسم صبري لوحة كبيرة، كبيرة بلا نهاية، من الخليج حتى المحيط حيث تراودني الأحلام. في أرضي تنبت زهرة وعشب أخضر، نحل وفراشات تنشد الأمل. أصحو، أبكي على طفولتي، على أرضي ...آه يا عروبتي...