(4)

7 0 00

(4)

حكاية البوهالي

حكاية البوهالي،لعلها حكاية لا تستحق النسيان ،من أرشيف الذكريات زمن الطفولة نحكي الذكريات. كنت سأتركها ما بين ملفات الطفولة، لكن ارتأيت أن احكيها في هذه المناسبة قبل أصاب بالخرف فتنسى إلى الابد. تلك الأغنية التي سمعتها عبر الأثير هي التي أعطتني الخيوط الأولى للحكاية. إنها حكاية "البوهالي" بو دربالة، التي أتذكرها كلما سمعت أغنية البوهالي للفنان الكبير عبد الهادي بلخياط...

حينها كنا أطفالا. كانت ضفة النهر مكان لقاء يومي وقت الظهيرة. كان ذلك الرجل لا يفارق المكان، أصبح وجوده مألوفا بين الأهالي. كان في أول الأمر مصدر إزعاج لكل الأطفال، وبدونا كأطفال كنا نخاف التقرب من البوهالي...البوهالي لا يكلم أحدا. يبيت في الخلاء في حفرة في جبل صغير بين الصخور على مقربة من ضريح سيدي جابر. يبدو أنه وجد ضالته في ذلك المكان، قريب من القرية على ضفة النهر. كل أهل القرية يعرفونه، ونحن الأطفال رفقة بعض الشبان أكبر منا ،كنا ننادي عليه "البوهالي"، والآخرون يطلقون عليه "بوشعكاكة". كان أشعت وطويل الشعر، دوما يتجنب الاقتراب من هذا أو ذاك. فلا أحد يعرف من أتى ومن يكون. ومع كل ذلك أصبح يعتبر فردا من أهلها، الكل يعرفه ولا أحد يعرف قصة ذلك الرجل الغريب المشعت الشعر، ومن تم كانت تسميته البوهالي، أي صاحب الجعادة . كان بعض الأطفال يتجرءون، فيتقربون منه، بغية قراءة ملامحه عن قرب. لقد كان غير عدواني، هكطا كان طبعه، فهو لا يتكلم ألا لماما وفقط عند السؤال. في خلوته تلك، ليلا تسمعه ينطق ويتكلم لوحده جهارا، ربما ليخيف عابري الطريق حتى لا يقتربوا منه أكثر، وربما السبب غير ذلك، أو لعله كان يتحدث مع من لا نراهم نحن، أما هو فلعله يرى من يتخاطب معهم في خلوته، هكذا كانوا يقول لنا الكبار، فنشعر حينها بالشعريرة من شدة الخوف من تلك الأشباح التي لا نراها نحن. وبذلك فالكثير من الأطفال كانوا يخافون من الظلام.

مع حلول النهار، يهبط البوهالي إلى ضفة النهر لصيد سمكتين أو ثلاث، كان يكتفي بما يشبع جوعه، حيث يشعل النار ويشوي صيده. ونادرا ما تراه يستحم. كان يكتفي بغسل إطرافه، يغرف من الماء بيديه ويشرب. ومع الغروب يقصد القرية من أجل طلب الخبز، وأحيانا يطلب الخيط وصنارة من صاحب الدكان الوحيد في القرية.

قصة هذا البوهالي تذكرتها وانا أستمع لأغنية البوهالي، كلمات أغنية أتحفنا بها الفنان المغربي عبد الهادي بلخياط حيث يقول:

يا لبوهالي بودربالة قلتي ليا دير النية

درت النية و راني محروم يا البوهالي

بحور هادي حايطة بيا وعجاجها كوا عينيا

وكي النار الحايطة بيا ويا البوهالي

لو كان تعرف قصة حبي يا البوهالي

و شحال قاسيت من صغري يا البوهالي

شفتها تم تكويت وما عرفش باش تبليت

والعقل و القلب مشالي

درت النية و صارحتو واللي جرا جرا لي

أنا قاسيت و هو ما رفق من حالي

وحتى نا ثاني تايه هايم في الصيف وليالي

إمتى نرتاح إمتى يتهنا بالي

آش ندير وا ش نعمل يا البوهالي

يالبوهالي........................

جيتك قاصد وصغا لي و سمعني يا البوهالي

الكية عميقة وانت وحدك عارف عارف مالي

نشكي لك همي والهم سبابو لحبيب الغالي

عشقتو وكواني و رماني للثلث الخالي

وش مكتوب عليا لهبال كلو يا البوهالي

ولا كان هبال ما ينفع لا طبيب و لا والي

ولا بوهالي يا لبوهالي...

في أحد الأيام اقترب من ذلك البوهالي أحد الفضوليين راغبا في التقرب منه، كان يريد أن يؤكد للجميع شطارته عندما كان البوهالي منهمكا في صيده. النهر من أمامه، ولا يبالي بمن حوله. فيقترب الفضولي أكثر فأكثر، ثم يجلس على صخرة بجوار البوهالي، يشعل سيجارة. اشتم البوهالي رائحة الدخان، الفضولي يمد له سيجارة. بدأ يدخن،لا يهمه شيء آخر غير صنارته. لكنه لمّ الصنارة وتنحّى بضعة أمتار بعيدا عن الفضولي، ثم طوح بخيط صنارته من جديد في النهر. بدأ الفضولي يحس بالحرج أمام زملائه، لم تنجح خطته لاستدراج البوهالي حتى يتكلم على مرأى من أصحابه، فيتبع البوهالي.

—أريد أن أسالك، يقول الفضولي، إنه مجرد سؤال بسيط!

في تلك اللحظة، ينحني البوهالي، فأخذ حجرا، ولوح بها في اتجاه الفضولي. لكن حسب ما لوحظ، فلم تكن لديه نية إصابته، لقد تعمد تفادي إصابته حيث كان بمقدوره ذلك. لقد كان الغرض هو تخويف الفضولي ليس إلا... فهرع بين أشجار الطرفاء والقصب والصخور، ثم جلس يتنفس الصعداء، وكان أصحابه يضحكون.

أكيد أن الرجل ليس من طينة المختلين. كل من يأخذ كامل وقته بتأني صيده، نعم أنه يفعل ذلك بتأني. يظل بجانب النهر لساعات طوال، أكيد أن الرجل ليس بمختل أو معتوه أو شيء من هذا القبيل. لكن انزوائه هنا بعيدا عن مرأى البشر، قد يكون هروبا من ماض قاتم، من ناس لا يريد البقاء بجوارهم. ولعله وجد ضالته هناك، في وحدته، على الضفة نهارا و في المغارة ليلا. على أية حال، فهذا هو حال البوهالي...

لعل كل ما زال يتذكره البوهالي من أيام الغربة، البعض من الذكريات لأيام جميلة قضاها في بداية مشواره في بلاد المهجر.. هاجر للبحث العمل، أي عمل للعيش. حتى لا يرجع خاوي الوفاض إلى قريته كان يجب عليه أن يعمل ويكد للحصول على المال. وكلما وجد عملا كان يقوم به على أحسن وجه، فأثار جده في العمل انتباه مشغلته. لقد كانت تراقبه عن بعد، رأت تفانيه في العمل، كانت تسرق النظرات لترى تضاريس الجسم الشاب القوي. فتزوجت صاحبة المشروع بالرجل الذي سيسمى فيما بعد بالبوهالي. أكيد أنها لن تتركه يقوم بالأعمال الشاقة كما كان يعمل في السابق، حيث يجب على البوهالي أن يوفر قوته لمآرب أخرى. كان لها ما تمنت فطاوعها البوهالي. أصبح رجلا آخر، الثياب أنيقة، سيارة جديدة وزوجة شقراء، الحياة بلا مشاكل. لكن البوهالي كان يريد زيارة البلد والأهل كالعادة مع حلول الصيف، أما كاترين فكان لها رأي آخر. وكان البوهالي يريد أن يصوم رمضان أما كاترين فكانت لا تساعده على ذلك... وتمر الأيام، يصحو البوهالي فجأة من غفوته، وبدأ يراجع حساباته.

—كيف لي أن اتبعها واترك ديني ودين أجدادي؟ يقول في قرارة نفسه.

لم يرق لكاترين ذلك التغير سلوك البوهالي بين عشية وضحاها. في السابق كان طيعا يفعل كل ما تقوله دون اعتراض. وكيف لهذا الأفريقي أن يتمرد على كاترين؟

في الأيام الأخيرة أصبح البوهالي بمثابة نائب مديرة المشروع التي هي الزوجة كاترين، لكن بعدما لاحظت تمرده طلبت منه أن يرجع إلى عمله الأول داخل المصنع، فلم تطاوعه كرامته للقيام بما أمرت بغية إذلاله. هكذا ترك الجمل بما حمل. ترك العمل في المصنع وترك كاترين.. رجع البوهالي إلى القرية.

دون سابق إشعار، كان يحفر بكل ما أوتي من قوة، كان يحفر الأرض، الأرض كانت أرضه، التي عمل بكل تفاني وجهد في بلاد الغربة من أجل اقتنائها. كانوا يراقبون حركاته عن بعد، إلى أن أصبحوا يقولون: "لا أمل في رجوع البوهالي إلى حاله السابق، أصبح مجرد رجل معتوه أو هكذا كان يبدو لهم. لقد تغير سلوكه بين عشية وضحاها، ومنذ عدة شهور وهو على حاله، يستخرج التراب من الحفرة العميقة دون انقطاع. المهمة كانت جد صعبة، أن يحفر ويستخرج التراب من الأعماق ويرفعه من الحفرة...هذا عمل يتطلب القوة هذا شيء أكيد، ولكن كيف للمعتوه أن يقوم بذلك العمل وبإتقان، ينزل ويحفر وينكس التراب والأحجار دون أن يصيبه مكروه.

هناك من قال انه مسكون، مسكون بالجن، والجن هو الذي يدبر حركاته. وللنساء رأي آخر: "إنها جنية، التي تزوجته وتسكنه، يا للمسكين. وأنتم يا سادتي أسألكم هل" الجن في أزمة سكن، ولم يجد مأوى إلا بداخل الرجل المسكين!

قبل أن يصاب البوهالي، كان من أحسن الرجال، كان يعمل في الخارج، يعود كل عطلة في سيارة جميلة محملة بالهدايا، وكان الجميع ينتظره بلهفة المشتاق. كان يعرف الجميع والجميع يتوق لمعرفته، وكان يحب الجميع وكانوا جميعا يحبونه أو هكذا كان يبدو. كان يرجع لوحده في السنوات الأخيرة، من قبل كانت زوجته الفرنساوية كاترين تأتي معه، كان ذلك في السنوات الأولى من الزواج، لكنها بدأت تعتذر له في السنوات الأخيرة، ثم بعد سنوات كان الفراق.

لاالجميع بأن البوهالي رجع بدون سيارة وبلا هدايا تلك السنة، فقالوا : انتهى زمن عز البوهالي. كان يحاول أن يفسر لهم السبب بطريقته، لكنهم لم يفهموا شيئا مما كان يقول. كيف له أن يترك النعمة في بلاد الإفرنج ويعود خاوي الوفاض، وهاهم أبناء البلد ما زالوا يحلمون بالإلدورادو. فما زال الكثير منهم يتحملون المخاطر للمرور بحرا على متن القوارب، التي قد تتعطل بهم وسط الامواج أو يغرق القابل بما حمل في البح، كل ذلك من أجل الوصول إلى الضفة الأخرى من البحر الابيض المتوسط. تلك البلاد التي أبهرت الشباب والتي توجد على مرمى البصر. إذا كان الجو صحوا فمن من الممكن رؤية تلك الارض ، أوروبا، التي يعتبرونها الالدورادو !

يحز في نفسه نكران الجميل، لقد تنكر له الأهل والاصدقاء بعد ان هجر بلاد المهجر بمن فيها، بالاخص كاترين التي لم تحترم مشاعره، ولهذا فإنه يحفر عميقا تحت الارض لكي لا يرى الوجوه وتلك النظرات. الكل اتفق على مقاطعة البوهالي، ولذلك، لم يستطع مقاومة قراره، الابتعاد مرة أخرى عن تلك النظرات بعد الخلوة بالقرب من النهر، والتي طالت لعدة سنوات ، قبل أن يعود إلى أرضه ليحفر.

كلما حفر عميقا كلما شعر بالارتياح أكثر.. وكلما وجد القليل من الثرى يزداد الامل، إلى وصل إلى الماء. لقد شعر بفرح لا يصدق حينما نبع الماء بين الصخر، فشرب منه جرعة، بالرغم من أنها كانت مزيجا من الماء والتراب ،لكن مذاقها بدا له كالعسل، لم يكن ماؤه مالحا وذلك فأل خير.

بدأ يفتش بتأني في المتلاشيات، في تلك الخردة التي كان يحضرها معه من الغربة. كان يدري بأنه سيجد فيها لا محالة ما سيلزمه. همه الوحيد هو تشغيل المحرك والمضخة. لم تكن تنقصه الخبرة التي اكتسبها في بلاد المهجر بالتأكيد. هناك حيث يجب تعلم الأشياء وبإتقان." أريني ماذا تتقن عمله وبعدها نتكلم عن الشهادة"، هكذا يفعلون. ليس مثلنا نحن، الشهادة وما أدراك ما الشهادة، بلا إتقان. كراكيز بشهادات عالية في مكاتب مكيفة وفي سيارات فارهة!

البوهالي يسقي أرضه التي أصبحت جنة خضراء وسط الحقول الجرداء والعقول الصماء، يشرب من مياهها العذبة الآتية من الأعماق. وكان أهل البلد يراقبون البوهالي. يذهبون بعيدا لجلب الماء ولا أحد سنحت له نفسه من شدة الكبرياء أن يطلب ماء من البوهالي.

كانت الوحيدة التي لا تخاف من البوهالي هي الغالية، لكن أهلها منعوها من الاقتراب منه، وقالوا لها بأنه مسكون، لكن الغالية كانت لا تزال متعلقة بخطيبها وكانت الوحيدة التي يمكن أن تكلم البوهالي، فتحت له الغالية من جديد قلبها وفُتح باب التواصل من جديد مع أهل البوهالي.

تزوج البوهالي بالغالية وأصبحت سيدة محترمة، أما البوهالي فداع صيته خارج القبيلة. لم يعد أهلها يبحثون عن الماء بعيدا لأن البوهالي جهز لهم صهريجا وصنبورا يكفي فتحه ليتدفق منه الماء، فيرتوي العباد والحيوان.

أصبح الكل يدعو بالخير للبوهالي، والجميع يتقرب من البوهالي ومن ماء البوهالي.

توالت السنوات والفصول وكانت للفصول إثرها كما لأثر السنوات، لكل فصل طعمه ولكل سنة وقع على الذكريات. وكما تجري الفصول والسنوات كانت قرية البوهالي تجاري بدورها الزمن والأحداث. لم تكن أحداثا كبيرة لتملأ صفحة من التاريخ لأن قرية البوهالي لم تكن ساحة للصراع على الأرض، التراب هنا شبه مشاع، الغبار يتطاير كلما انحبست قطرات المطر على الحقول، تصبح جرداء كلما عم الجفاف. هكذا توالت سنوات القحط تباعا ولم يتبق من خضرة إلا الصبار وتلك الشجيرات المتناثرة هنا وهناك بجانب الخيام. أماالصبار فكان ينمو بالرغم من الجفاف، له قدرة التحمل كما يتحمل البوهالي. كانت أوراقه الشائكة تطل كل ربيع وتليها أزهاره الصفراء، ثم تنضج الثمار مع حلول الصيف. أهل القرية بحكم تجربتهم يقولون بأن الكَرْموس الهندي ينمو بكثرة في سنوات الجفاف. وكان ذلك صحيحا. فعلى الأقل سيجدون في الصيف ما يسدون به الرمق، لكن يتعين الحذ ا إكثار من الكرموس، فلحلاوتها عواقب أخرى، لا داعي لذكرها. ومن يريد المزيد من المعلومات فعليه الاتصال بأحد الأطباء، وخصوصا من سبق له أن قام بفك نَهِم الكرموس الهندي من محنته بمعنى آخر، من "وحلته". فالرجل لا تفك وحلته إلا من طرف أخصائي أو أخصائية في فك "الويحايل"، أحيانا قد تسعف الوسائل المحلية من مغزل وصابون .

تحن القلوب كلما قل الزرع ونشف الضرع، والجميع يتضرع إلى الله من أجل الغيث. وكان البوهالي من بين الحاضرين في "التاغنجة":

"التاغنجة" حفل يقام في البادية المغربية من أجل الاستسقاء." تاغنجا" كما يحكى هو اسم لعروس خرافية، كلمة أمازيغية معناها المغرفة المصنوع من الخشب على شكل فزاعة. وقد تشكل الفزاعة من قصبتين أو غصني شجرة يلبسون فوقه ثوب امرأة حتى تصبح على شكل مجسم عروس، وتربط بقصبة طويلة، تحمل من طرف طفل صغير يتجمهر حوله بنات وأولاد الحي، يجولون من خيمة إلى أخرى مبتهجين بهذا الموروث، مرددين الأرجوزة الشهيرة :

تاغنجة.. تاغنجة..

يا ربي تصب الشتا

السبولة عطشانة غيتها يا مولانا..

يمشون والأعين إلى السماء طلبا للغيث أو يرششن الماء على بعضهن البعض وعلى الأطفال، يفعلن ذلك على طول المسافة من الدوار إلى حيث ضريح أو مسجد تقام فيه "الصدقة" التي هي عبارة عن ذبيحة يشتركن مجتمعات لشرائها، ويطفن على الضريح أو المسجد بعدها يشرعن في تناول لحم الذبيحة في أطباق من الكسكس، وأحيانا قد يكون ذلك محض الصدفة، ما يكاد هؤلاء الصغار يكملون جولتهم حتى تمطر السماء! فهل هي الصدفة؟ أم أنه القدر قد شاء؟

كل الناس تطلب الغيث. كان حقله لا يعاني من الجفاف كما هو الحال في باقي حقول أهل القرية، كانت مياه البئر كافية لسقي مزروعاته، وخصوصا الكلأ الذي أصبح نادرا في باقي الأماكن. وما بقي على قيد الحياة من المواشي كان بفضل الصبار. كان الأهالي يقطعون أوراقه الشائكة بعد إزالة الأشواك ويقدموها للأبقار. هل رأيتم فوائد الصبار؟ إنه علف للأبقار وثمار للإنسان أيام الشدة، لكن مع القليل من الحذر: الحذر من الأشواك وتفادي الإكثار من أكل "الكرموس"...

يقوم البوهالي بمساعدة كل من سأله من أهل الدوار، كان لديه ما يكفي من الخيرات وليس له أولاد. اشترى المزيد من الأراضي التي هجرها أهلها الذين عمَّروا الأحياء الهامشية في المدن. من بقي كان يعمل بأجرة يومية عند البوهالي. وكانت الغالية تحسن إلى أهل إلى أهلها والجيران لأن الخيران كانت متوفرة بفضل البوهالي وبئر البوهالي.

وتستمر الحياة. الرجل ظهر عليه الكبر والعجز أيضا. أما الغالية فما تزال في ريعان شبابها. لم يرزق البوهالي بالأولاد. يقولون بأنه عاقر، وهناك من يقول بأن المشكل ربما يكون من الغالية. كان البوهالي يتوق أن يترك خلفة، وكذلك كانت تتمنى الغالية. البوهالي أصبح عاجزا، الوحيدة التي تعرف حقيقة عجزه هي الغالية. فتأخذ المشعل للقيام بشؤون المزرعة. كانت تأمر وتنهي، وتختار من يصلح للعمل وتطرد الكسالى. وكان الجميع يريد أن يشتغل عند الغالية.

داع خبر حمل الغالية، والجميع يتعجب، الغالية حملت بعد كل تلك السنوات. قالت لهم بأنها كانت تحمل "الراقد" تعددت الأقاويل، هناك من صدق وهناك من تعجب.

***

في الحفل البهيج بمناسية ولادة الغالية، كان البوهالي تحت الصيوان يرحب بأهل الدوار، كا يشير إلى هذا وذاك مرحبا بالجميع. بنظراته الحزينة كان يتأمل في المشهد والحاضرين. بلا كلام، كان يكتفي فقط بالنظرات. ربما كان في تلك اللحظة يأمل في الهروب بعيدا، إلى مكان لا يعرفه فيه أحد لكي يشرع في الحفر من جديد. لكن فهو يدري اللحظة بأن لا حول له ولا قوة . لقد أصبح عاجزا بالكامل منذ سنوات. كان يتمنى لو بقي في خلوته على مجرى نهر، هناك وحيدا ليصطاد من جديد سمكه ثم يصعد إلى خلوته في الجبل...

كان الجميع يأكل ويشرب من خيرات البوهالي. وتزغرد النساء فرحا بولد البوهالي. كان في جلسته جامدا بلا حركة، ولا كلام. كان ينظر في اتجاه الحفرة والبئر. لقد شبع القوم بما لذ وطاب،و بعدها انتبهوا إلى أن البوهالي كان لا يتحرك. "سبحان الله، مالك يا سي البوهالي، يقول أحدهم مذهولا". العينان مفتوحتان، لم يجب ،لقد كان كان جامدا كالصخرة...جاءت الغالية صحبة "الخماس" علال ولد الطاهر...بدأت تولول وتبكي..كان علال يشد بيدها... لقد مات البوهالي.