سـعيـد بلمبـخـوت
عبــيــر التــــراب
روايــــة
إهـــداء
أهدي هذا الكتاب إلى روح الحنونة التي رحلت من هذه الدنيا وتركت هذا المخلوق، إلى أمي.. كما أهديه إلى روح من وارى الثرى بجوارها، إلى أبي...فهي كلمات يفوح منها عبير التراب.
"ها هي الجنة التي كنت أعيش فيها سابقا: البحر والجبل. إنها السعادة بمعنى الكلمة، قبل العلوم وقبل الحضارة والوعي. كم تمنيت العودة إلى هنا، وأن تكون آخر أيام حياتي في ذلك المكان.
ها هي الجنة التي كنا نعيش فيها أيام زمان: الشجر بين الصخور، وعميقا يغرس الجبل جذوره في أحشاء البحر. الأرض بكاملها، الإنسانية ضمنها، تروي حياتها بالماء. وعلى امتداد الجرف حتى القمم، المحيط يقتحم السماء، على امتداد أشجار الأرز الشامخة.
حصان أبيض، يركض متمايلا على الشاطئ، إنه حصاني. في الأفق، تحلق طيور النورس في السماء، تأتي موجة من أعماق الماضي، وبتأنٍّ تتدحرج على رمال الشاطئ، وبقوة تنكسر. وتفجر معها الذكريات كما تنفجر الكثير من الفقاعات في الرغوة البيضاء..
هي معاناة ومرارة في سبيل الكفاح من أجل—تقريبا— لا شيء: من أجل أن نكون و من أجل الحصول على شيء، عمل وإتقان الأشياء—الكل، نعم، كل شيء أباده صوت البحر. لوحدها، أحزان الأمس العميقة، من بقيت في مكانها عندما كان يتعين الرجوع إلى نقطة البداية لإعادة النظر. ميلاد للذات وميلاد للعالم.
ومن تحت، تأتي موجة أخرى بوميضها، وتتبعها الأخرى لتنكسر بدورها. شرارة ومجرى لحياة جديدة. بدون ظل، تفيض على ضفاف الزمن، من الأزل إلى الأزل أمواج أخرى تولد وتموت، تحجب وتتجدد، تزيد حياتها إلى الحياة. ومنذ ذلك العهد ونحن نسمع صوتها، دائما بنفس النبرة، يردد نفس الكلمة: سلام...سلام...سلام..."*
* إدريس الشرايبي،مقدمة رواية، الحضارة أمـي ترجمة: سعيد بلمبخوت، إبداعات عالمية، الكويت، 2014.
كانت الصورة تستوضح كلما اقترب ذلك الراكب، وكانت أيادي الحاضرين على قلوب تخفق أكثر فأكثر، وإلى جانبهم كانت تتغطى بإزار أبيض. لقد تسللت بين الحضور لتراقب ملامح ذلك الراكب. يقترب الفارس من الدوار، وها هو قد أصبح على مرمى البصر، وحينها تصرخ زهرة بأعلى صوتها:
—إنه هو...إنه هو.. زوجي، زوجي، زوجي..فاتح...فاتح...فاتح... !
من أعماقها تطلق زغرودة... وأيضا تشرع كل نساء وبنات الدوار في إطلاق ألسنتهن بالزغاريد" يو—يو—يو—يو...الصلاة والسلام على رسول الله...أجاه النبي...يو—يو—يو"
وكان الرجال يرددون جماعة:" ها هو الغائب قد رجع.. سوف يحررنا كلنا نحن ساكنة دوار أولاد العزة، وأيضا سيحرر كل البلد من الذل والهوان. الأرض المغتصبة ستسترجع لأهلها ومعها الكرامة المسلوبة..."
—ألم أقل لكم يا "لبْنَاتْ، يا لَعْيالاتْ" بأن رَجُلي فاتح سيعود؟ كانت زهرة تصيح عاليا مبهورة أمام الحضور في حالة هستيرية، كانت تشعر بفرح لا حد له...
ينزل الفارس من فوق الحصان، ويتوجه بخطوات ثابتة نحو الحبيبة من أجل معانقتها... نعم،لقد توجه نحو زهرة... إنها تلك الأنثى التي من شدة الفرح لم تعد تقو على الكلام، لم يعد باستطاعتها التحكم في نفسها حى تبقى واقفة لتعانق الحبيب الفارس البطـل. ذلك البطل الذي ظن الجميع بأنه مـات.. .:" فاتح لقي حتفه، "الله يرحمو" لقد مات في الحرب في بلاد الروم أو لاَلمْان"، كما كانوا يقولون..
في تلك اللحظة، استفاقت زهرة من الحلم وهي تبكي، كانت الدموع على خديها ويداها ممدودتـان إلى الفــارس البطــــل...