(1)
كل شيء ينذر بالهلاك..
الصحراء تئن من أديمها المتصدع، والسماء نازفة دماً وصديداً، والعيون تدور في محاجرها هلعاً ورعباً من الفجيعة، واليباس ينثر على الوجوه الصدئة غبار المصيبة..
حنت (ريمة) على أخيها (ضاري) تجفف بمنديلها عرقاً متصبباً من وجهه.. وكان ضاري يئن من الحمى، لم يستطع نقيع السعتر أن يخفف من وهجها الذي ألهب جسده.
الأنين يتصاعد، والزفرات حرّى، واعتكار الطبع من وله المجاهل ينتضي ألماً يرمّد العيون.. نعيق الغربان يرفد افتراءات السراب، ويلطي الآذان عزفاً على متارف النزف ليكون أغنية بحنجرة النشيج، وصرخة بفم الأنين..
اليدان الناعمتان ترتفعان بارتعاش، والعينان الدعجاوان تحملقان في أوشاب السماء كمن تملكها الغثيان، والشفتان الراجفتان تتضرعان:
ـ يا رب.. خفّف آلام أخي.. يا رب..
المنديل اكتوى بنار وجهه، والدموع اللزجة تنساب بتثاقل، والفزع جعلها تصرخ عندما سكن وجهه فجأة، واختفى أنينه..
ـ أخي.. أخي..
فرّقت شعرها، وشقّت جيبها، ودارت كالمجنونة حوله، وألقت وجهها عليه تشبعه لثماً وتقبيلاً، ما لبثت أن هدأت عندما سمعت خفقات صدره الخافتة، فرفعت رأسها تناجيه بحرقة:
ـ أخي ضاري.. لا ترحل وتتركني وحيدة..
ضاري.. يا أخي وأبي وأمي.. أنا بحاجة إليك..
تململ ضاري، وتمتمت شفتاه طالباً الماء..
رفعت ريمة رأسه بيسراها، وباليد الأخرى كانت تسقيه الماء، ودموع الفرح تنهمر دون بكاء..
ـ حمداً لله على سلامتك يا أخي.. ماذا أصابك؟
شرب ضاري قطرات من الماء، ورنا بعينين ناعستين إلى أخته الذاهلة، وغطّ في نوم عميق..
أصلحت ريمة غطاء أخيها، ولملمت رداءها بهدوء، وراحت تستطلع الأفق لتستشرف آفاقه.
الشمس دامية مهزومة، وجحافل الظلام تزحف مسرعة..
ـ أين أنت الآن يا أبي؟ كلما احتجت إليك افتقدتك..
أواه لو أن الريح تشاطرني الأسى لكان لخطواتي نحوك أجنحة الإعصار.. تعال يا أبي، فما أنا الآن إلا فراشة تحوم على سياج من نار.. أواه يا أبي ما زال بيني وبينك هوة عميقة دفنت فيها أمي منذ ولادتي.. تعال يا أبي الآن أرجوك، فإن أموراً أفدح من غاشية الموت، وأقسى مما في الذاكرة ما زالت تتماوج بالأنين.. الوجوه المغبرة تلطم كل آونة بحصباء اليباس، وهذا فارس القبيلة يصارع ألماً لا حدود له.. قبل ساعات يا أبي انتزع ابنك البسمة من شفاه التحدي عندما عزفت سنابك جواده الأدهم لحن الانتصار.. أما الآن.. بكت ريمة طويلاً، ورفعت يديها إلى السماء قائلة:
دارت ريمة حول الخيمة بوهن ما عرفته طوال حياتها، استوقفها صوت جزاع، رمقته عن بعد، كان يدلق القهوة المرة من وعاء إلى وعاء، معتمراً كوفية رقشاء خبا لونها، وتناسلت خيوطها، يروح ويجيء حول النار كأحد عبدتها، ثم يقف فجأة، ويضع كفيه على رأسه.. هذه عادته عندما يبدأ بالتفكير بأمر ما.. ترى بم يفكر الآن هذا الرجل الطيب الذي يخدم أباها منذ عشر سنين، وما اشتكى يوماً، ولا تأفف لحظة؟!
ما زالت يدا جزاع فوق رأسه، الأمر الذي أدهش ريمة، وعندما بدأ يضرب كفاً بكف من فوق رأسه. ذعرت ريمة، فتمتمت:
ـ أي أمر خطير يجعله يولول؟
اقتربت منه، وتنحنحت بقوة، فارتجف عندما أدرك أن ريمة كانت تراقبه، ما لبث أن حمل قهوته المرّة وفنجاناً يقطر ماءً، وهرول نحوها قائلاً:
ـ اشربي يا عمتي..
ـ جزاع.. ماذا كنت تفعل بنفسك؟
ـ هي عادتي والله عندما أقول شعراً.
ـ بمن كنت تتغزل؟
ـ أنت تعرفين أنني لا أقول شيئاً ولا أتغزل إلا بالقهوة المرة.
ـ اسمعني أيضاً إن كنت صادقاً.
ـ أحسنت يا جزاع..
ـ اشربي يا عمتي لا أحد يعرف ماذا سيكون غداً.
ـ الله وحده العالم بكل شيء..
غيّبت ريمة بضع قطرات من القهوة في حلقها، وأمسكت بيدها الفنجان.. مد جزاع يده، فلم تعطه ريمة الفنجان..
ـ أريد أن أسمع مزيداً من الشعر يا جزاع.
ـ أقول يا ريمة:
ـ الله يا جزاع الله.. والآن صارحني بالحقيقة ولا تخف.. من هي التي تحن إليها وتذكرها؟
ـ يا عمتي.. إنني أقصد أهلي البعيدين..
ـ جزاع.. سأكتم سرك، لا تخف.
ـ العنود يا عمتي.. العنود.. هي والله كل حياتي..
ـ ابشر يا جزاع، لن تكون العنود إلا لك..
أخذ جزاع يرقص فرحاً، يرفع دلة القهوة عالياً، ويهز الفنجان، ما لبث أن خلع كوفيته، وأخذ يهزها تارة، ويقذفها في الهواء تارة أخرى، ثم هرول راقصاً..
نادته ريمة ضاحكة، فعاد راقصاً..
ـ أتعرف أين ذهب أبي؟ ومتى سيأتي؟
ـ لست أدري والله، لكنني سمعته يقول: يجب أن نصالح الأخوين.
ـ ومن ذهب معه؟
ـ الشيخ سطام والشيخ مناور..
ـ اذهب من هنا الآن.
ـ ألا تريدين مني شيئاً يا عمتي؟
ـ ليس الآن.. هيا..
ـ سأذهب لأطعم الأدهم، فإن أردت مني شيئاً ناديني بصوت عال لأسمعك. أدارت ريمة ظهرها، ودخلت الخيمة بهدوء. تأملت وجه أخيها.. إنه يحلم، ولكن أنيناً خافتاً ينبعث رتيباً من جوفه..
لامست يدها وجهه، فشعرت بارتياح. لم تعد حرارته كاوية.. إنه أفضل من ذي قبل.. تسللت من الخيمة، وجلست عند أكمة قريبة تتأمل السماء، فثمة غيوم بيضاء، وأخرى سوداء تتعانق بهمجية، وأخذت تفتش عن القمر.. لقد كان في عراك مع الغيوم الهاربة، وظهر بعد لأي منهكاً، وآثار السياط على أديمه، يشكو همومه ومتاعبه إلى نجمة لامعة قريبة منه..
هو القمر ما ينفك يعيش في خيالاتنا ورؤانا، مزروعاً في أعصابنا، وساكناً في هواجسنا وتأملاتنا وغيبوبتنا..
نهضت ريمة عندما سمعت وقع حوافر البلقاء وصوت والدها، فهرولت مسرعة:
ـ ريمة ماذا تفعلين هنا؟
ـ أبي.. الحمد لله على السلامة..
ـ سلمك الله يا بنتي.. أين ضاري؟
ـ إنه نائم.. لقد أثقلت عليه كوابيس الحمى.
ـ ماذا ألم به يا بنتي؟
ـ لست أدري.. بعد فوزه بالسباق عاد إلى الخيمة، وسقط متهالكاً، وأخذ يئن أنين الخلوج.. لقد بكيت عليه كثيراً.
ـ لا تخافي يا بنتي عليه إنه أقوى من المرض، وتعالي معي لأحدثك.
ـ خيراً يا أبي؟!
ـ كل الخير إن شاء الله.. تعالي معي.
دخل أبو ضاري الخيمة مع ابنته، وألقى نظرة على ضاري، فوجده نائماً. أمسك يد ابنته وجرها بعيداً وجلسا على فراش وثير، ثم قال:
ـ كنت يا بنتي في قبيلة الصوالحة.. اختلف الأخوان مصلح وصالح إلى درجة القطيعة والتناحر، فأسرعت إليهما برفقة الشيخ سطام والشيخ مناور، والحمد لله الذي كلل مساعينا بالنجاح.
ـ وهل عادا كما كانا سابقاً؟
ـ لم نغادرهما إلا بعد أن أقسما على الوفاء لبعضهما، وأقسم صالح على الولاء لأخيه الأكبر مصلح.
ـ الحمد لله يا أبي.. طول عمرك تفعل الخير..
ـ فعل الخير يا بنتي شيمة توارثناها أباً عن جد، ولا شيء في الدنيا يقلقني سوى حرب الأخوة ومحاولة القوي التهام الضعيف.
ـ لكن الشيخ مناور ليس أهلاً لمرافقتك يا أبي، كل القبيلة تتحدث عن لؤمه وحقده ومكره.
ـ يا بنتي أنت تؤذينني بكلامك هذا.. إنّ له رأياً سديداً، وقد أكرمني اليوم عندما أوصلناه إلى خيمته، لقد اقسم يميناً مكروهاً أن نتعشى عنده أنا والشيخ سطام.
ـ هل أفهم من كلامك أنك تعشيت عنده يا أبي؟
ـ وكان عشاءً موفقاً والحمد لله..
ـ ماذا تعني يا أبي؟
ـ لقد خطبت ابنته الجميلة لضاري.
ـ نوار؟!
ـ أجل نوار.. لمَ تغير وجهك؟!
ـ لا شيء يا أبي.. لا شيء.
ـ هل زرت عمتك حليمة؟
ـ إنها بخير، وقد أرسلت العنود إليها لتخدمها.
ـ بارك الله فيك يا بنتي.
ـ هل تريد مني شيئاً يا أبي!
ـ ألا تجلسين معي قليلاً؟
ـ أريد أن أرى أخي.. ربما احتاج لمساعدتي.
ـ اذهبي يا بنتي.
***