(4)

8 0 00

(4)

غبار البلقاء يثير الفزع وهي تسابق الريح، وتصهل صهيل غضب كلما اقترب منها سابل.. إنها تسبق دائماً الفرح والحزن، وكل افتراءات الهمس والبوح، وتحب منادمة الرؤى.. إنها تحمل على صهوتها اليوم غداً مجهولاً لم تتعود حمله على مر الأيام والشهور والسنين، فتعدو فزعة، وخطمها الوردي يئز زبداً صابونياً ينذر بالخطر..

وطئت سنابكها كل أزهار الخريف، ولوت أعناق الشيخ والقيصوم، ودكت كل مخابئ الجرذان والسحالي والأفاعي.. لم ترحم أحداً وكبت مراراً، فغضب الشيخ حجلان منها، وانهال عليها بالسوط، فانحرفت عن مسارها تعابث الريح، وتغازل أطياف الشمس المبعثرة.. صاح بها الشيخ غاضباً:

ـ أنت مجنونة مثل ولدي.. كلاكما يعرف الطريق الصحيح ويحيد عنه.. هيا..

البلقاء تعدو، والسوط ينهال عليها بين الفينة والأخرى، أرادت أن تنحرف يميناً لكن السوط فاجأها، فوقفت على قائمتيها الخلفيتين، فتدحرج الشيخ على الأرض، وصهيلها يملأ الصحراء غضباً.. حدقت في عيني الشيخ الذي كان يئن من الألم، فاقتربت منه تشمّه، وتلامسه معتذرة، فوقف الشيخ متثاقلاً، وامتطى صهوتها بصعوبة والألم يعتصره..

أدرك ضاري أن الأمر جدّ خطير، فصهيل البلقاء لم ينقطع، وهي تمشي الهوينى.. نظر إلى أبيه، فوجد ثيابه مغبرة، ورأسه منكساً حتى يكاد يلامس عرفها، فهرول إليه، لكن جزاعاً قد سبقه. أمسك جزاع لجام البلقاء بقوة، واتكأ الشيخ على كتف ضاري، وترجل عن صهوة البلقاء.

ـ ماذا بك يا أبي؟! أين كنت؟ ماذا حل بك؟

ـ لا شيء.. كبت البلقاء.. لا أعرف ماذا أصابها! للمرة الأولى ترميني أرضاً يا ولدي.

ـ وهل آلمتك يا أبي؟

ـ رضوض طفيفة لا أهمية لها.. لا تشغل بالك يا ولدي.

ـ حمداً لله على سلامتك.

ـ سلمك الله يا ولدي.

أطلقت ريمة صيحة من أعماقها عند رؤية والدها وهو يئن من الألم، فصاح بها:

ـ لا تفعلي ذلك يا ريمة.. أنا بخير.

ـ أين كنت يا أبي؟

ـ لقد ذهبت لأفسخ خطوبة ضاري من نوار، فالزواج قسمة ونصيب.

قبّل ضاري يد والده، واحتضنته ريمة قائلة:

ـ وماذا كان رد فعلهم على ذلك؟

ـ بداية أصبحت وجوههم كالأموات، لكنني لم أرتض هذه النتيجة لأنها سُبّة علي يا بنتي..

ـ وماذا فعلت يا أبي؟

ـ خطبتها لنفسي.. كان ذلك هو الحل الوحيد.

ـ لكنها لا تليق بك والله.. وامصيبتاه.

ـ ثقا بي.. أنا أحسن معالجة الأمور المستعصية..

اعتصر ضاري صدغيه بقوة خوفاً من الانفجار، ما لبث أن قال بألم:

ـ إنها حيّة رقطاء ستنفث سمومها في كل مكان يا أبي.. أنا أعرفها جيداً.. إنها لا تصلح إلا لهواش..

ـ لم يكن أمامي غير هذا الحل الذي ألجأتني إليه. سامحك الله يا ولدي.

ـ يا أبي نحن لا نخاف منهم. أتريد أن أحرق خيامهم، وأقتلهم فرداً فرداً؟ أتريد أن أطردهم الليلة؟

ـ ماذا تقول يا ضاري؟! لا تنس أنهم في حمايتي ورعايتي، ورجالهم أصبحوا رجالي، وسيحلون بيننا، وليس بعيداً عنا كما هو الآن.. كل ما أريده منكما ألا تغضباني، وأن تحسنا معاملة نوار وأهلها.

تنهد ضاري وقال بحرقة وألم شديدين:

ـ إذاً هذا هو قرارك الأخير يا أبي؟

ـ نعم "عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم.."

ـ كما تريد يا أبي.

ـ اتركاني الآن، فأنا بحاجة إلى الراحة.

اسودت الدنيا في عيني ضاري.. الأمل تلاشى كسراب.. حتى البلقاء آلمها فعل الشيخ وقراره، فاحتجت عليه بطريقتها الخاصة وتمتم: أما أنا فكيف أحتج؟ وماذا أفعل؟

كان ضاري يسير مع أخته بعيداً عن والدهما.. أمسكت ريمة يد أخيها قائلة:

ـ ماذا ستفعل يا ضاري؟ هل سنرضخ للأمر الواقع؟ لا بد من فعل شيء يمنع تحقيق حلم نوار.

ـ وماذا تريدين أن أفعل؟ وقد سمعت أبي يطلب منا عدم إغضابه؟

ـ يا ضاري يجب أن تنتهي هذه المهزلة بأي ثمن.. إن زواج أبي من نوار يسيء إلينا وإلى القبيلة بأسرها.

ـ قلت لك يا أختاه لن أغضب أبي.

ـ اذهب إلى الشيخ مناور.. هدده، أو أمسك نوار عند الغدير، واقتلها، أو أحرق خيمتهم بمن فيها قبيل الفجر وخلّصنا من شرورهم وآثامهم.

ـ يا أختاه لست عاجزاً عن فعل ما ترغبين، وأنا أعرف أن أبي لن يستطيع إرواء شبق امرأة مجنونة كنوار، ولن يستطيع كل شيوخ القبائل أن يعيشوا مراهقتها ومجونها.. لكنني لن أغضب أبي.

ـ يا ضاري إن تركت نوار حيّة فستنتقم منك ومني، وستدمر أبي.. إن انتقام الأنثى يدمّر قبيلة بأكملها.

ـ لا تخافي يا أختاه، فأنا سأكون بالمرصاد، ولن أرحمها وقتذاك، وسأرد كيدها إلى نحرها..

ـ سنرى يا ضاري.. سنرى..

الليالي السبع كوابيس مرهقة تنيخ بكلكلها على ضاري وريمة، كلما جلسا في مكان كانا يسمعان أنيناً يمزق القلوب والأكباد.. انتفض ضاري، فضحكت ريمة..

ـ لم تضحكين؟! ألم تسمعي؟

ـ اسمع جيداً.. إنها الخلوج تبحث عن وليدها الذي ذبحه جزاع ذات يوم.. إنها تبحث عنه في كل مكان..

ـ هي تبحث عن وليدها، ونحن سنبحث عن أبينا بعد أيام، فلا نجده.. سيكون أنيننا أقوى من أنينها يا أختاه..

صمت ضاري واعتصر صدغيه بقوة، وأخذ ينشج بصمت.. فزعت ريمة، وتمتمت بصوت متقطع: ما بك يا أخي؟ رفع رأسه بتثاقل قائلاً:

ـ لكنك أنت السبب يا أخي، والآن ماذا تريد أن تفعل؟

ـ لا شيء يا أختاه، سأطلب من جزاع أن ينصب خيمتنا عند هذه الأكمة، وأرى أن تقيمي عند العمة حليمة.

ـ العنود عندها يا أخي، وأفضّل البقاء إلى جانبك.

ـ ريمة.. أريد أن أسألك سؤالاً، وتجيبي عنه بصراحة.

ـ والله ما تعودت أن أكتم سراً عنك يا أخي، فسل ما شئت.

ـ ما رأيك أن نعيد المياه إلى مجاريها؟

ـ ماذا تقصد يا أخي؟

ـ ابن خالك فهيد، فأبوه الشيخ مشعان شيخ قبيلة (المرادّة) سمعت أنه سيأتي ثانية من أجلك.

ـ ابن خالي فهيد شاب طائش وشرير، وقد سمعت عنه العجائب، لا أحب رؤيته، ولا أتمنى أن يكون زوجاً لي.

ـ لكن أباه هذه المرة سيغضب إذا لم توافقي، وربما يؤدي غضبه إلى إزعاجنا، أو التحالف ضدنا.. أرجو أن تفكري بالأمر جيداً.

ـ لا تخف يا أخي، سأعرف كيف أرد على طلبه.

سمع ضاري صياح جزاع، فهبّ واقفاً، وهاله ما رأى.. كانت الخلوج تجر جزاعاً إلى الأرض، وتطؤه بمناسمها..

صاح بها ضاري، فلم تأبه له، فأطلق عليها بضع رصاصات أردتها قتيلة..

ذعرت ريمة من هول ما حدث، وتجمّع الرجال والنسوة، وانتشلوا جزاعاً من بين قوائمها، فجرّه ضاري بقوة قائلاً:

ـ ماذا جاء بك إلى هنا؟

ـ كنت أفتش عنك.. لكن الخلوج قاتلها الله كانت تتبعني أينما اتجهت.. إنها تأتيني والله حتى في أحلامي.

ضحكت ريمة قائلة:

ـ حمداً لله على سلامتك.. أرأيت يا جزاع وفاء الخلوج؟ إنها منذ ذبحت وليدها وهي تتربص بك.

رد جزاع لاهثاً:

ـ لقد صدقت والله لم أكن أدري أنها كذلك.

قال شيخ من الحاضرين:

ـ اسمع يا ولدي.. لقد رأيت بأم عيني خلوجاً لم تعرف من ذبح فصيلها.. كانت تشم الأرض طوال يومها إلى أن وجدت دماءه التي لم تجف، فبركت عليها، وأخذت تئن أنيناً يفتت الصخر إلى أن ماتت.. لم يقل لي أحد هذا.. لقد رأيته بعيني هاتين، وأشار الشيخ بإصبعين راجفتين إلى عينيه الغائرتين الدامعتين، وسار، وهو يتمتم ولله في خلقه شؤون..

قال ضاري:

ـ لم تقل لي يا جزاع لمَ تفتش عني؟

ـ الشيخ حجلان يريدك على الفور.

ـ ألا تعرف السبب؟

ـ لا ولكني رأيت عنده الشيخ مناور.

ـ اذهب إليهما وقل لأبي سأحضر في الحال.

هرول جزاع، وكان بين الفينة والفينة يلتفت وراءه مذعوراً، وكأن شبح الخلوج يطارده.

قالت ريمة لأخيها:

ـ ترى ماذا يريد منك أبي؟

ـ لست أردي، ولكن وجود مناور يثير قلقي.

ـ اذهب يا أخي.. وإن تحدث ذلك اللئيم بكلمة تسيء إليك ردّ له الصاع صاعين..

ـ يا ريمة بوجود أبي لا يمكن أن أخرج عن المألوف. ابقي هنا وسأعود إليك بعد قليل.

كان الشيخ مناور يتحدث إلى الشيخ حجلان، والشيخ حجلان يضحك ملء فيه..

هذا ما رآه وسمعه ضاري عن بعد، وعندما وصل إليهما اصطنعا الوقار.. ألقى التحية، وهو بعيد عنهما، فقال له أبوه:

ـ أما تصافح عمك الشيخ مناور؟

ـ يعذرني الشيخ مناور لأن يدي ملوثة بدماء الخلوج.

ـ إذاً أنت من قتل الخلوج؟

ـ لو لم أقتلها لقتلت جزاعاً.

ـ بارك الله فيك يا ولدي اجلس بجانبي..

ـ اعذرني يا أبي، فإن بعض الفرسان بانتظاري لأمر هام، وقد وعدتهم منذ الصباح أن ألتقيهم عند الشيخ سطام.

ـ وماذا يريدون منك؟

ـ إنهم يريدون مني أن أسمح لهم بتأديب عدد من لصوص قبيلة الشيخ مناور.

ـ لكن الشيخ مناور قد جاء إلى هنا طالباً العفو عنهم، وكما تعلم أن أبا نوار لا يُردّ له طلب، وأنا أتحمل كل ما سرق من حلال الشيخ سطام؟

ـ القرار قرارك يا أبي، وأتمنى أن يجلب الرضا للشيخ سطام.

ـ لا عليك يا ولدي، أنا أرضي الشيخ سطام، والآن عمك الشيخ مناور اقترح علي دعوة عدد من الشيوخ إلى هنا لحضور العرس، فما رأيك؟

ـ أرى أن يتم الأمر بدونهم، وأنت تعرف السبب.

تجهم وجه الشيخ مناور، وقال بعصبية:

ـ ماذا تقصد يا ضاري؟ أوضح لي كلامك..

ـ وأنت تعرف السبب أيضاً يا مناور لا داعي لأن نرجع إلى الماضي.

هاج الشيخ مناور، ووقف منتفضاً، قائلاً للشيخ حجلان:

ـ أسمعت يا شيخ حجلان ما قاله ضاري؟

وقف الشيخ حجلان، واقترب من ضاري، وعلائم الغضب مرتسمة على محياه، وقال:

ـ ماذا كنت تقصد من كلامك هذا يا ضاري؟

ـ أقصد يا أبي بأن كل العرب قد علمت بالخبر الذي نشره رجال مناور، فالذي يحبك ويحب مناور سيأتي بلا ريب، ولا أعتقد من الحكمة بمكان أن أرسل فرساني كي يزفوا هذه البشرى ثانية.

سكن غضب الشيخ مناور قليلاً، لكنه كان يدرك دخائل ضاري، وما يرمي إليه، فأضمر له كل ما قاله، وقال للشيخ حجلان:

ـ أرى أن تأخذ برأي ضاري، وأرجو أن تسمح لي بالذهاب إلى أهلي.

تشبث الشيخ حجلان بالشيخ مناور، لكن الأخير أبى، فودعه ضاري قائلاً:

ـ أرجو يا أبا نوار أن تبلغ تحياتي إلى (هواش)

لكز الشيخ مناور جواده، وهو يفكر بما قاله ضاري في البداية والنهاية، وما علاقة هواش بالأمر؟ وهل الذي يقصده ذلك الشاعر الذي يلهب كل دبكة يحضرها؟ ولمَ أسلم عليه؟ سأعرف آجلاً أم عاجلاً سرّ هواش، وسأرد لك يا ضاري كيدك في نحرك.. فأنا الشيخ مناور.. البادية تعرف دهائي، وقوة حيلتي.. صحيح لم يحالفني الحظ في المرات السابقة، لكنه الآن بيدي، ولن أدعه يفلت مني هذه المرة، وسأجعلك مثلاً وعبرة.. أمهلني يا ضاري.. غداً العرس، وسأطلق الرصاصة الأولى إيذاناً ببدء هزيمتك.

كان الشيخ مناور في حالة يرثى لها من الهم والتفكير.. كلمات ضاري ترن في أذنيه، وقد حجبت عنه رؤية زوجه وابنته، وتساؤلهما عما يشغله.. صاحت به شيحة بغضب:

ـ ماذا دهاك يا رجل؟ ألم تذهب إلى الشيخ حجلان؟

حدق في عينيها طويلاً، ورشق ابنته بسهام عينيه المتقدتين قائلاً:

ـ ما علاقتكما الحميمة بهواش؟

ارتجفت نوار، وقالت بعد لأي بعدما مطّت شفتيها القرمزيتين:

ـ بدأت المعركة إذاً..

تقدمت شيحة من زوجها قائلة:

ـ أهذا جزاء من يخدمنا ليل نهار؟ أهذا كل ما عند ضاري من اتهامات باطلة؟ اسمع يا رجل: هواش أنت تعرفه، بل أنت الذي جلبته معك.. قلبه لا يعرف الحزن أبداً.. إنه ينثر الفرح في كل مكان، ولا يمكن أن يسيء إلينا، وسيظل بيننا ما دام ضاري حياً، فلا تأخذ بك الوساوس مأخذاً.

ـ أنا يا امرأة لم أفكر بما تعنينه أبداً.. لكن ضارياً عندما قال لي (سلم على هواش) أمام أبيه والآخرين اعتقدت أنه قد اكتشف سراً خطيراً قد أودعته أنت وابنتك إياه..

ـ لا تخف يا أبا نوار.. لم يحدث مثل هذا قطّ.

ـ إذاً ماذا كان يقصد؟

ـ كان يقصد إهانتنا بأننا من مستوى وضيع.

ـ هكذا إذاً؟! الأيام بيننا يابن حجلان..

ـ وهل قلت للشيخ حجلان ما اتفقنا عليه؟

ـ لقد أفسد ضاري كل مخططاتنا يا شيحة.

ـ كيف؟ ولمَ لمْ تتشبث برأيك؟

صاحت نوار غاضبة:

لا يا أمي.. لا تقلقي، فأنا أيضاً لست مع رأيكما بدعوة شيوخ القبائل إلى العرس منذ البداية. إنني أريده أن يصغر في عيونهم جميعاً، وسيحتقرونه لأنه لم يوجه الدعوة إليهم، وهذا ما يسعدني، ويسهّل لي ولكم ما عزمنا عليه.

غداً العرس، وسيعزف هواش كل ألحان العتابا والعشق البدوي، وسأغيظ ضارياً، ولن أدع النوم يتسلل إلى عينيه.. ***