(2)

9 0 00

(2)

تنفس الصبح بنسائم ندية، وأفاقت الشمس الجريحة تلملم ما تناثر من عقدها، وتعكس أطيافاً سحرية..

التلال معطرة بالندى، وثمة غيوم تمد أذرعها في كل اتجاه.. حملق ضاري فيها بدهشة ما لبث أن قال:

ـ ريمة.. انظري جيداً!!

ـ منظر بديع يا أخي..

ـ بمَ تشبهين تلك الغيوم؟

ـ أرى يا أخي قطيعاً من الأغنام ترعى في حقول الأفق.. هكذا يخيل إلي.. وأنت ماذا ترى؟

ـ إني ألمح فيها فرساً مطهّمة تسابق الريح..

ـ كلانا على حق يا أخي.

ـ ما بكِ حزينة يا أختاه؟!

ـ لا شيء.. ربما من كثرة ما بكيت البارحة.

ـ ولم بكيت؟

ـ عليك يا أخي. لم أكن أصدق أنك ستستعيد عافيتك بهذه السرعة

ـ إنها بفضل عنايتك ورعايتك يا أغلى أخت في الدنيا..

ـ وأنت والله أخي وأبي وأمي.. روحي فداك يا ضاري.

أدارت ريمة ظهرها، وسارت خطوات، وتوقفت وهي تحدث نفسها:

أَهَلْ أخبره بحديث والدي، أم أترك والدي يفاتحه بالموضوع؟

شعرت بأن أخاها قد لحق بها، وأحسّت بيده تلامس كتفها، فاستدارت، وقرأت في عينيه عتاباً رقيقاً، أشاحت بوجهها، وهمّت بالابتعاد عنه، لكنه أمسك بها قائلاً:

ـ ريمة.. ما بك أيتها الغالية؟!

ـ لا شيء يا أخي.

ـ لا يا ريمة.. متى كنت تخبئين عني همومك؟!

ـ اسمع يا أخي.. لقد خطب لك أبوك نوار بنت مناور.

أطلق ضاري قهقهة عالية دمعت عيناه من جرائها، فذهلت ريمة، واستبد بها الخوف وقالت غاضبة: أتسخر مني يا ضاري؟

ـ ماذا تقولين يا أختاه؟!

ـ أقول الحقيقة.

ـ نوار يا ريمة؟! نوار؟!

ـ نعم نوار وليس غيرها..

ـ ومتى تم له ذلك؟

ـ البارحة عند عودته من الصوالحة، تناول عشاءه عند مناور، وكان ما كان..

ـ ومن قال له إنني أرغب في الزواج الآن؟

ـ لست أردي.. ربما أقنعه ذلك اللئيم الماكر مناور، والآن ما رأيك؟

ـ صدقت يا أخي، لكن هل سيسكت أبي على رفضك؟

ـ سيرضخ يا ريمة.

ـ لكنه سيغضب عليك، فأنت لا تعرف أبي في مثل هذه الأمور.

ـ لا عليك، سأجبره على فسخ الخطوبة. ثقي بي.

ـ أتمنى ذلك يا أخي.. والآن هيّا إني أسمع صوته.

كان الشيخ حجلان يبحث عن ولديه ولما لم يجدهما في فراشيهما بدأ ينادي: ريمة.. ضاري.. أين أنتما؟

بصوت واهن قالت ريمة: نحن هنا يا أبي.

تقدم الشيخ حجلان من ابنه، فاحتضنه قائلاً:

ـ الحمد لله على سلامتك يا ولدي. كيف ترى نفسك الآن؟

ـ بخير يا أبي، وبفضل الله وعناية ريمة ورعايتها لن يصيبني مكروه.

ـ بارك الله فيكما.. لكن ماذا تفعلان هنا؟

ـ نتأمل الغيوم.. انظر إليها يا أبي..

ـ تأمل الشيخ حجلان الغيوم السوداء بعينين دامعتين وقال:

يا ولديّ الله كريم ، والآت تعالا لنشرب القهوة معاً.

جلس الشيخ حجلان، وجلس أمامه ضاري وريمة، وجاء جزاع بالقهوة المرّة متغزلاً بها كعادته، وبعد لأي نظر الشيخ حجلان في عيني ابنه، فنكسّ ضاري طرفه.

تنحنح الشيخ بقوة قائلاً: ولدي ضاري: هل حدثتك أختك بشيء؟

ـ نعم يا والدي:

ـ لم يا ولدي؟ إنها فتاة جميلة، وأبوها رجل طيب..

ـ لا أحبها يا أبي، ولا أتمناها زوجة لي. أقبّل يديك ورجليك اعفني من الزواج بها.

ـ وما العيب فيها؟ قل لي يا ولدي.

ـ قل ما محاسنها غير جمالها؟

ـ إلى هذا الحد أنت تكرهها؟

ـ أنا لا أحبها، ولا أكرهها.. إنها ماجنة متكبرة متعجرفة حاقدة. البارحة أثناء السباق كانت تقول لزميلاتها: والله لأركعن ضارياً..

ـ كلام الناس ليس مقياساً، ولا أسمح لأحد أن يقول لك مثل هذا الكلام، وأعتقد أن ناقل الحديث ربما كان له مأرب يا ولدي. استعذ بالله من الشيطان ودعني أقم لك فرحاً ما عرفته البادية برغم ما نحن فيه.

ـ لا يا والدي.. أنا على ثقة مما أقوله، وما قلته قليل من كثير..

ـ يا ولدي لقد قرأت الفاتحة، وأريدك أن تتزوجها، وتجعلها خادمة لك، ولا ترحمها إن خرجت عن طاعتك ومشورتك.

ـ والله لن يضمني معها فراش ما حييت..

ـ وأنت يا ريمة.. ألا تقولين شيئاً؟

ـ ضاري على حق يا أبي.. دعه يعش حياته كما يريد، ولا تكرهه على ما يكره .

ـ كلاكما جاهل.. واأسفاه على شبابي الذي أضعته لأجلكما انصرفا عني..

اعتصر الشيخ حجلان صدغيه بقوة، وداعب معزقة لحيته ونجمتها برفق، وأخذ يحدق في عيني خلوج وقفت أمامه، وأخذت تئن أنيناً يقطع الأكباد، فصاح الشيخ:

ـ من أطلق الخلوج من عقالها يا جزاع؟

ـ والله يا عماه كلما عقلناها تحتال على العقال، وتتخلص منه.. إنها تبحث عن وليدها في كل مكان..

ـ خذها.. لا أريد أن أراها..

اقتاد جزاع الناقة بضعة أمتار، لكنها ضربته بمنسمها، وكادت تقضي عليه لولا تدخل ضاري.

نهض جزاع لاعناً الخلوج واليوم الذي ذبح فيه وليدها.

صاح الشيخ حجلان بأعلى صوت، وقد هبَّ واقفاً:

ـ جزاع.. يا جزاع..

ـ حاضر يا عماه.

ـ هيئ لي البلقاء بسرعة.

ـ إلى أين يا عماه.

ـ إلى مكان قريب إن شاء الله.

***