(3)

8 0 00

(3)

نام الشيخ مناور بعد خطبة ابنته نوماً هانئاً.. كان يحلم بالثروة التي يملكها الشيخ حجلان، وأكثر من ذلك مقاسمته الحكم إن لم يستطع عزله، وكان يحلم بأن تكون ابنته في قبضة فارس يقطع لسان كل من يتحدث عنها بسوء.. إنه الحلم الكبير الذي عاش لأجله طويلاً، وخطط له مراراً، وهاهو الحلم لم يكن سراباً.. لقد أصبح حقيقة وأمراً واقعاً، وسيقول لابنته:

اطلبي عرساً لم تشهده البادية من قبل.. عرساً يليق بجمالها الأخاذ وبفارس القبيلة..

أما أم نوار.. شيحة.. فقد ملأت زغاريدها مضارب الزغيب والصافي قبيلة زوجها، وقبيلة الشيخ حجلان.. كانت تحلم بوحدة القبيلتين، وهاهو الحدث السعيد سيوحدهما دون ريب، فأغاظت بزغاريدها فتيات القبيلتين اللواتي كن يحلمن بفارس القبيلة.. كانت تحلم بالخيمة الكبيرة التي يرتاح فيها الشيخ حجلان وولداه، فهي ليست كأية خيمة.. إنها ستكون لنوار ابنتها، وسيعلو شأنها، وستكون الآمرة الناهية، وستنهمر عليها الثروة انهمار المطر على الأرض الجدباء.. كانت تهمس في أذن زوجها ليلة البارحة قائلة: إنها ليلة القدر يا أبا نوار، فلنستعجل هذا الزواج، ونقطع كل الألسن التي تلوك ابنتنا بسوء..

أما نوار تلك الفاتنة الماجنة فلم تنم ليلتها.. قالت لكل من عرفتها. ومن لم تعرفها: سبق أن قلت إنَّ ضارياً سيركع، وهاهو اليوم عند قدمي.. غمرتها نشوة الفوز، فلم تفارق الابتسامة شفتيها..

كانت تردد بين الفينة والأخرى: سأكون سيدة القبيلتين الأولى، وسيكون لي الخدم والحشم، ولي الكلمة الفصل في كل القضايا، وسيقتل كل من لم يسر بركابي، وسيسمع الجميع ما أقوله، وسينفذون ما آمر به.. نام الجميع واستيقظوا والابتسامة لم تفارق شفاههم..

الشيخ مناور، بعد أن شرب قهوة الصباح تحسس تجاعيد وجهه التي تشبه الطلاسم، وهو يخط على الأرض بخنجره خطوطاً متوازية ومتعرجة أذهلت شيحة..

نادته بصوت خافت فلم ينتبه لها واستمر يخط بالخنجر إلى أن غرسه وتنهد، فصاحت به:

ـ أبا نوار.. ماذا تفعل؟

ـ أتعرفين يا أم نوار؟

ـ ماذا؟

ـ عندما كنت مع الشيخ حجلان في قبيلة الصوالحة كان هناك حديث عن تحالفات بعض القبائل ضد قبائل أخرى.. لقد أعجبني هذا الحديث، وأنا أفكر فيه كثيراً.

ـ يا أبا نوار.. قبيلتنا صغيرة جداً وفقيرة، ولولا دخولنا في حمى الشيخ حجلان لانتهى أمرنا منذ زمن.

ـ يا مجنونة.. الصغير إذا لم يكبر يموت.. زواج نوار من ضاري سيحقق لنا الكثير، وسنصبح قبيلة واحدة، وسيكون لي شأن كبير فيها، وسأفرض تحالفاً يجر لنا نفعاً لا حدود له..

ـ تتحالف. مع من؟

ـ مع قبيلة المفاليح.. قبيلة الشيخ متعب..

ـ ضد مَنْ مِنَ القبائل؟

ـ ضد الصوالحة..

ـ ماذا تقول يا رجل؟! هل فقدت عقلك؟! البارحة كنت مع الشيخ حجلان تصلح فيها، وغداً تفسدها؟ اتق الله يا أبا نوار.

ـ مجنونة أنت.. أرض الصوالحة، وأرض الفيضة، وأرض الفوارس كل القبائل تتمناها. ماؤها وفير، وحلالها كثير..

تصوري إن الشيخ مروّح شيخ قبيلة الفوارس عندما تنهب منه مائة ناقة يرسل للسارق مائة أخرى.. لكن قبيلة الفوارس بعيدة علينا، والصوالحة قريبون جداً.

ـ وإذا لم يوافقك الشيخ حجلان؟

ـ سأجبره على الموافقة.

ـ والله لن تفلح، وإذا انتزعت الموافقة سيتصدى لك الشيخ سطام فهو الرجل الثاني في القبيلة بعد الشيخ حجلان.

ـ بعد زواج نوار لن يكون للشيخ سطام أية سلطة أو رأي، وإذا تجرأ فسأعرف كيف أتخلص منه.

ـ أبا نوار.. إن الطريق الذي ستسلكه مهلك.. هذا ما يخيل إلي..

ـ لا تخافي يا أم نوار.. لقد عانينا كثيراً، وطردنا من ديارنا، وجعنا طويلاً.. لقد آن الأوان لأنتقم، واحتل المكانة التي كنت أحلم بها..

ـ ولكنك الآن والحمد لله، وبفضل الشيخ حجلان بكل خير..

ـ لن أستجدي الخير من أحد.. سأقبض عليه بيدي، وسيعرف القاضي والداني من هو الشيخ مناور..

ـ أبا نوار.. أناشدك الله أن تكف عن هذه الوساوس..

ـ ستدركين فيما بعد أنَّ ما أقوله ليس وساوس.. والآن انظري.. إني أرى غبار فارس قادم إلينا..

ـ ومن سيكون سوى ضاري؟! يا عيني عليه لم يصدّق متى يطلع الصباح حتى يرى عروسه..

اسمع يا أبا نوار.. ابق هنا لتستقبله بالترحاب، وسأذهب لأوقظ نوار من نومها، وأساعدها على استكمال زينتها بما يليق، وسنعود معاً إليك.

ـ هيا أسرعي..

وقف أبو نوار يستطلع.. إنه ما يزال بعيداً..

أخذ يتأمل العروق النافرة الزرقاء التي تمتد كالجبال فوق يديه وذراعيه، فتنهد متمتماً:

ـ لن أرتاح قبل أن أزفّ نوار إلى البيت الكبير، وسأجعل فرحها سبعة أيام بلياليها، وسأقبر الفقر والذل إلى الأبد، وأحقق كل ما أطمح إليه..

ذهل الشيخ مناور عندما تكشّف الغبار عن البلقاء وفارسها الشيخ حجلان، فهرول، وأمسك بزمام البلقاء، وعانق الشيخ حجلان بحرارة، وجلسا يحتسيان القهوة المرة..

كان الشيخ مناور ينظر بعينين كليلتين إلى عيني الشيخ المنكستين، فأوجس في نفسه خيفة من جراء صمته وحزنه المرتسم على قسمات وجهه.. أراد أن يبدد مخاوفه، فهمهم:

ـ إن شاء الله بعد زواج نوار سننقل خيامنا ورجالنا إلى خيامكم ورجالكم يا شيخ حجلان.

ـ أجل.. أجل.. وسنصبح قبيلة واحدة بإذن الله.. ولكن أين نوار وأمها؟

ـ إنهما هنا.. سأناديهما في الحال.

شيحة.. نوار.. الشيخ حجلان عندنا..

تلقف الشيخ حجلان أحلى عبارات الترحيب من نوار وأمها، ثم جلست شيحة إلى جانب زوجها، أما نوار فاقتربت من الشيخ حجلان حتى كادت تلتصق به.. قبلت يده، فقبل جبينها، وهمس في سره: يا لها من فاتنة، سامحك الله يا ضاري.. كانت نوار بعطرها وفتنتها وأنوثتها الصارخة أكبر من عمرها، وأكثر نضجاً.. وردة خزامى تشرب الريح والمطر، وتستحم بندى الفجر، تستنفر العقل، وتوقظ في النفس توقاً إنسانياً إلى الانعتاق واكتشاف المجهول خلف الأشياء المألوفة..

التفت إليها الشيخ حجلان، فالتصقت به حتى لامس نهدها مرفقه، فارتعش ارتعاشة مريعة.. وضع كفه على كتفها الغض، واعتصرها بشوق، فسرت في جسده نار ساخنة أخرجته من وقاره..

رفعت أنامله رأسها المضمخ بالعبير. فرأى سحر عينيها الرائعتين. يا الله ما أروعهما!! إنهما تحملان عاطفة مشتعلة لا تنطفئ.. حدقتاها توقظان في النفس شهية قديمة للنقاش، وتعيد إلى الحياة ذلك الجزء من عقله الذي أحاله على التقاعد..

قال الشيخ حجلان بتنهد:

ـ كيف حالك يا نوار؟

فردت عليه بغنج ودلال بعد أن أسندت رأسها على كتفه:

ـ بخير طالما أنت إلى جانبنا.

مسح الشيخ حجلان جبينه المتفصد عرقاً وقال:

ـ سأظل إلى جانبكم ما حييت.. لا تخشي أحداً أيتها الغالية.. كل ما أملك من مال وحلال وجاه بين يديك يا نوار..

تنفس الشيخ مناور الصعداء، وابتسم ابتسامة ماكرة، وقال:

ـ لِمَ لم يأت ضاري معك يا شيخ؟

ـ لا أعرف يا أبا نوار ماذا سأقول لك؟ أرى أم نوار ذهبت، ولم تعد؟

ـ إنها تهيئ لك فطوراً.

ـ نادها بسرعة.

جاءت شيحة وهي تحمل بيديها طبقاً مملوءاً بالطعام. وضعته أمام الشيخ حجلان قائلة:

ـ بيدي هاتين جهزت لك فطور الصباح. يا مرحباً بك يا أكرم إنسان في الدنيا.

ـ أدامك الله ذخراً لنا يا أم نوار. اجلسي واسمعي ما سأقوله.

ـ خيراً إن شاء الله.

ـ تنحنح الشيخ حجلان، وهمَّ بالحديث لكن الحيرة تملّكته..

ماذا سيقول لهم؟ هل يردد على مسامعهم ما قاله ضاري؟ هل ينهي الموضوع ويعود إلى ولديه؟ إن قال ذلك ماذا سيكون موقفه من وجوه القوم وعامة الناس؟ لا.. لا التصقت به نوار أكثر.. كان عطرها يتسلل كالنسيم العليل إلى رأسه.. أغمض عينيه، وهو يتنسم شذا عطرها الساحر الذي أزاح من عينيه غشاوة قديمة، وعن قلبه كل هموم السنين العجاف.. كان يسمع ضربات قلبها الصغير.. إنه يناديه بشوق ولهفة.. رباه.. رباه.. ماذا أفعل؟!

تمتم بعد لأي: اسمعوا جميعاً ما أقول:

ـ ولدي ضاري قال لي البارحة: إني أشعر شعوراً أخوياً تجاه نوار..

نكست نوار رأسها، وتضاعف خفقان قلبها، وغرست عينيها في دقائق التراب، ما لبثت قسمات وجهها أن تشنجت، فأخذت تسترجع شريط الذكرى..

كيف كان ضاري يستخف بها وبجمالها كلما اعترضته..

كل محاولاتها لاقتناصه أخفقت.. كانت رغبتها في امتلاكه تلح عليها بعد كل إخفاق ذريع تمنى به..

لجأت إلى أسلوب لم تألفه القبيلة من قبل، وهو التقرب إلى الآخرين أمامه كي يستيقظ إحساسه بها.. لقد رآها أكثر من مرة مع قاصود وزمَّار القبيلة (هواش) فصرّح باحتقارها، وكانت تزداد رغبة في اقتناصه وإركاعه بكل الوسائل..

ربما سمع ما قالته أثناء السباق من إحدى ترائبها، وربما كانت ريمة التي لا تحبها هي التي أوغرت صدره عليها؟

همست في سرها، والحقد يملأ كيانها: سأنتقم يوماً ما منك يا ضاري.. سأهدم حياتك كما هدمت كل أحلامي..

أما أنت يا ريمة، فالأيام بيني وبينك، سترين مني العجائب، وسأجعلك من حيث لا تشعرين أضحوكة أمام الآخرين..

أما الشيخ مناور، فقد آلمه وجه ابنته المتشنج، وشرودها الذي طال.. لقد خبت تلك الابتسامة الرائعة التي كانت تملأ حياته.. لقد تهاوت أحلامه.. تباً لشيحة التي تنبأت بانهيار كل خططه وطموحاته..

حوّل بصره الذي توهج إلى عيني الشيخ حجلان، فوجدهما منكستين إلى الأرض.. قال مرتجفاً:

ـ ما هذا الذي تقوله يا شيخ حجلان؟ لم أعهد فيك سوى الوفاء والكرم والشجاعة.. ماذا سيقول الناس عنك وعني وعن ابنتي؟ الرحيل من القبيلة هو خير دواء لجرحي..

ـ ماذا جرى لعقلك أيها الرجل؟ فأنا لم آت إليك على وجه السرعة إلا من أجل الخير.

ـ أي خير تعني يا أبا ضاري؟

ـ جئت الآن خاطباً نوار لنفسي، فهل تردّون طلبي؟

تنفس الجميع الصعداء، ورفعت نوار رأسها بعصبية قائلة:

ـ ولن أكون والله إلا لك يا سيد الرجال إذا وافق أبي.

تمتمت الشفاه الراجفة بأم الكتاب، وتعانق الشيخان بحرارة.

زغردت شيحة طويلاً في الخيمة وخارجها، ونهض الشيخ حجلان والفرحة تغمر وجهه اللحيم، واقترب من نوار، وهمس في أذنها:

ـ متى سيكون عرسنا أيتها الساحرة؟

ـ متى تشاء يا سيدي.

ـ سيكون عرسنا بعد سبع ليال إن شاء الله.

رد الشيخ مناور ضاحكاً: نوار تريد العرس سبعة أيام بلياليها..

ـ لها كل ما تريد يا أبا نوار، وسيكون عرساً لم تشهده البادية من قبل.

***