الفصل الثالث

8 0 00

الفصل الثالث

في السرّ

الجميع لديهم أسرار، يتعلّق الأمر بكلّ بساطة باكتشافها.

ستيغ لارسون

داس جوناثان على دعسة الفاصل وحوّل إلى الغيار الثالث فأصدرت علبة السرعة زعيقاً حادّاً كما لو أنّ السيّارة ستنطلق من المكان. أمسك بمقود السيارة من طراز 4L : حتى وإن كان البيت قريباً، من غير الوارد أن يدع ماركوس يقود السيارة. كان صديقه مستلقياً على المقعد بجانبه، يغالبه النعاس ثملاً وهو يدندن بمقاطع ماجنة من ألبوم جورج براسينس:

عندما أفكّر بفرناند

أنتعظ، أنتعظ ...

ألقى جوناثان نظرة على المقعد الخلفي وهو يتأكّد بذلك من أنّ ابنه كان لا يزال في بلاد الأحلام، ثمّ أمر:

-اخفض صوتك! اخفض صوتك!

اعتدل ماركوس في جلسته كي يخفض زجاج باب السيارة واعتذر:

-عفواً! عفواً!

أخرج الكنديّ رأسه من نافذة السيارة، معرّضاً وجهه للرياح، كما لو أنّ هواء الليل سوف يعينه على استعادة وقاره واتّزانه.

لقد تجمّد هذا الرجل تماماً... فكّر جوناثان وهو يخفّف من سرعة السيارة حتى بلغت سرعة حلزونٍ مصابٍ بالربو.

سارت السيارة القديمة على الجزء الغربي من شارع فيلبير ستريت، أحد أكثر شوارع سان فرانسيسكو حدّة في صعودها.

في مستهلّ الطلعة، أصدرت العربة القديمة هديراً وزعيقاً وأوشكت على التوقّف ولكنّها في نهاية المطاف استعادت أنفاسها لكي تبلغ بمشقّة وعناء قمّة الهضبة، المُنارة بالضوؤ الأبيض لبرج كوايت تاول المطلّ على المدينة. قام جوناثان بمناورة محفوفة بالخطر لكي يركن السيارة على نحوٍ مائل، مديراً عجلاتها نحو داخل الرصيف. بعد أن أرتاح جوناثان لوصوله إلى شاطئ الأمان، أخذ ابنه بين ذراعيه واندسّ في ممرٍّ بين أشجار الأوكالبتوس والنخيل والجَهَنمية.

لحق به ماركوس مترنّحاً. كان قد عاد إلى أغانيه الفاجرة التي كان يصدح بها بأعلى صوته.

اسكتى أحد الجيران قائلاً:

-نحاول أن ننام!

أمسك جوناثان بصديقه من كتفه لكي يحثّه على تسريع خطاه.

غمغم السكّير وهو يتشبّث بعنقه:

-أنت صديقي الحقيقي الوحيد، أنت سندي الحقيقي الوحيد...

عانى جوناثان كثيراً لكي يبقيه واقفاً على قدميه، بخطى وئيدة وقصيرة نزل "الرجلان والنصف" دورة السلالم الخشبية التي كانت تنحدر نحو نزلة تيليغراف هيل. كان الدرج يتعرّج وسط نباتات شبه استوائية لكي يبلغ البيوت الصغيرة الملوّنة. كانت هذه البيوتات المشيّدة من ألواحٍ بين أنقاض زلزال عام 1906 والتي بُنيت في الأصل للبحارة والعاملين في أحواض السفن مقدّرة الآن من قبل زبائن من الفنانين والمثقفين الأثرياء.

وصلوا أخيراً إلى أمام بوابة حديقة مهجورة وكثيفة حيث كانت الأعشاب الضارّة قد تغلّبت تماماً على شجيرات الفوشية والوردية.

قال جوناثان بسلطة ربّ الأسرة:

-حسناً، كلٌّ إلى غرفته!

جرّد شارلي من لباسه، وأنامه في سريره ثمّ قبّله بعد أن احتضنه. ثمّ فعل الأمر نفسه مع ماركوس، قبّله على الأقلّ. كان عليه ألاّ يبالغ في نهاية المطاف...

*

أخيراً خيّم الهدوء على جوناثان، فانتقل إلى المطبخ وأخذ قارورة ماء وخرج إلى الشرفة مع حاسوبه المحمول تحت ذراعه. تحت تأثير فارق التوقيت، تثاءب وهو يفرك أجفانه وتهاوى في كرسيٍّ مصنوعٍ من خشب الدلب.

-إذاً يا غلام، ألم تنم بعد؟

رفع جوناثان رأسه نحو الصوت الذي سأله: صوت بوريس، الببغاء الاستوائي في البيت.

كنتُ قد نسيتُ هذا!

كانت ملكية الحيوان تعود إلى المالك القديم للمنزل، وهو رجل غريب الأطوار كان قد ضمّن وصيته أن يتكفّل كل مشترٍ للفيلا بالاعتناء إلى الأبد بطائره المفضّل. كان عمر بوريس يناهر الستين عاماً. وخلال عقودٍ من الزمن، كان صاحبه قد خصّه بساعةٍ من التدريب اليومي على النطق السليم وبذلك لقّنه الآلاف من الكلمات والمئات من العبارات التي ينطقها بوضوحٍ يثير الدهشة. وقد اندمج تماماً مع أسرته الجديدة وأفرح شارلي. كان يتفاهم خاصّة على نحوٍ مذهل مع ماركوس الذي لقّنه كامل مجموعة الشتائم للكابتن هادّوك، لكنّ الحيوان كان مهرّجاً مقدّساً ولم يكن جوناثان يستسيغ مزاجه القذر ولسانه السليط جداً

ردّد الطائر:

-ألست نعساااااان؟

-بلى، تخيّل، ولكنني متعب جداً لدرجة أنني لا أستطيع أن أنام.

أهانه بوريس:

-يا لك من رخو!

اقترت جوناثان من الطائر الذي كان، بمنقاره المعقوف الضخم وقوائمه ذات البراثن القويّة يعتلي مجثمه. رغم كبر سنّه، كان ريشه نصف الذهبي ونصف الفيروزي يحافظ على بريقه ولمعانه، والزغب الأسود الذي يخطّط محيط عينيه يُضفي عليه مسحة من الفخار والغطرسة.

هزّ الطائرُ ذيله الطويل وفَرَدَ جناحيه وهو يُطالب:

-أريد تفاحاً وخوخاً وموزاً ...

تمعّن جوناثان بالطائر.

-لم تأكل الخيار واللُعاع خاصّتك.

-اللعاع كريه! أريد صنوبراً، أريد جوزاً، أريد فستق عبيييييييد.

-لك هذا، وأنا أريد ملكة جمال العالم في سريري.

هز جوناثان رأسه وفتح حاسوبه المحمول. تفحّص بريده الإلكتروني، ردّ على مورّدين للبضائع وثبّت بعض الحجوزات وأشعل سيجارةً وهو ينظر إلى آلاف الأضواء المتلألئة على المحيط. كانت الإطلالة من مكانه على الخليج الصغير رائعة. كانت ناطحات السحاب في حي الأعمال تبرز بوضوح أمام شبح جسر باي بريدج العملاق الذي يمتدّ نحو أوكلاند. تعكّرت لحظة الهدوء تلك برنين غير معتاد لجهاز هاتف: مقطوعة من العزف على الكمان، مقدّمة من معزوفة كابريس لباغانيني حسب معارفه الموسيقية القديمة.

هاتف مادلين غرين.

إذا أراد أن ينام، عليه ألا ينسى أن يُطفئ الجهاز، لأنّه مع فارق التوقيت، سيكون هناك احتمال أن تتعدّد المكالمات. مع ذلك قرّر أن يتلقّى هذه المكالمة الأخيرة.

-مَنْ؟

-أهذه أنتِ، يا جميلتي؟

-اوه...

ألستِ متعبة كثيراً؟ أتمنى أنّ سفرتكِ كانت مريحة.

-ممتازة. هذا لطفٌ منك أن تهتمّ بذلك.

-ولكن ألست مادلين؟

-مقبول!

-أهذا أنت، يا رافائيل؟

-كلا، أنا جوناثان، من سان فرانسيسكو.

-أنا جوليان وود، سعدت بك. هل يمكننا أن نعرف لماذا تردّ على هاتف صديقتي الأوفى؟

-لأننا استبدلنا هواتفنا المحمولة خطأً.

-في سان فرانسيسكو؟

-في نيويورك، في المطار. باختصار، هذا أمرٌ يطول شرحه.

-آه حقّاً؟ هذا أمرٌ مضحك...

-نعم، لا سيما حينما يحدث هذا مع الآخرين. إذاً أنتِ ...

-وكيف حصل ذلك؟

-حسناً، اسمعي، الوقت متأخر وهذا ليس مهماً جدّاً.

-آه أجل! على العكس، اروِ لي!

-أنتِ تتصلين من أوروبا؟

-أنا أتّصل من لندن. سوف أطلب من مادلين أن تروي لي. ما هو رقمك؟

-عفواً؟

-رقم هاتفك.

-.....

-لكي أتّصل بمادلين ...

-ولكنّني سوف لن أعطيكِ رقم هاتفي أنا لا أعرفكِ!

-ولكن بما أنّ مادلين هي التي تملك رقم هاتفك!

-اوه، اللعنة! لديك بالتأكيد وسيلة أخرى للتواصل معها! ليس لكِ سوى أن تتصلي برافائيل، تفضّلي!

يا لها من ثرثارة! فكّر وهو يستعجل وضع حدٍّ للمحادثة.

كرّرت جوليان في نهاية المكالمة:

-ألو، ألو.

أوه، الوغد! استشاطت غضباً عندما أدركت بأنّه قد أغلق الهاتف في وجهها.

*

كان جوناثان قد عزم على إطفاء الجهاز حينما حرّضه فضولٌ شديد على أن يشاهد من جديد الصور المخزّنة في الهاتف المحمول. عدا لقطتين أو ثلاث في وضعيات مثيرة، كان القسم الأكبر من اللقطات مكوّنة من صور سياحية، ألبوم حقيقي لذكريات المغامرات الرومانسية لزوجين. كان رافائيل ومادلين يستذكران هكذا حبّهما على ساحة نافون في روما، في زورقٍ في مدينة البندقية، أمام عمارات غودي في برشلونة، متشبثان بالقطارات الكهربائية اللشبونية أو ينتعلان زلاجات التزلّج على الجليد في جبال الألب. الكثير من الأماكن التي كان جوناثان بنفسه قد زارها مع فرانسيسكا أيام حبّهما. ولكن لأنّ سعادة الآخرين كانت لا تزال تؤلمه، لم يفعل سوى التحليق فوق هذا المعرض.

بيد أنّه واصل اكتشافاته في الهاتف وهو يستعرض المكتبة الموسيقية لمادلين باهتمام وفضول.

بينما كان يتهيّأ ويتوقّع الأسوأ – مختارات من أغاني هابطة، مقطوعات من موسيقى البوب آر أند بي -، قطّب جبينه وركّز أنظاره وهو يكتشف ... كلّ الموسيقى التي يحبّها ويفضّلها: توم وايتز، لو ريد، دافيد بواي، بوب ديلان، نيل يونغ....

مقطوعات حزينة وكئيبة وبوهيمية كانت تغني الخسارة والضياع، موسيقى البلوز الزنجية الأميركية للصباحات الشاحبة والمصائر المحطّمة.

كان الأمر مفاجئاً له. بالتأكيد لا يصنع ثوب الراهب ناسكاً، ولكن صعب عليه أن يتخيّل المرأة الشابة المتكلّفة والمتصنّعة، صاحبة حقيبة لويس فويتون التي صادفها في المطار وهي تنغمس في هذه العوالم الأليمة والمعذّبة.

دفع جوناثان اكتشافاته إلى ما هو أبعد من المقطوعات الموسيقية، فاطّلع على عناوين الأفلام التي كانت مادلين قد حمّلتها في ذاكرة هاتفها المحمول. فوقع على مفاجآت جديدة: لم تكن هناك أفلام كوميدية رومانسية من قبيل حلقات مسلسل الجنس والمدينة أو حلقات المسلسل الأميركي الكوميدي ربّات بيوت يائسات، وإنّما أفلام طويلة أقلّ شهرةً وأكثر إثارةً للجدل: الفيلم الفرنسي – الإيطالي، التانغو الأخير في باريس، الفيلم الأميركي التصادم، فيلم عازفة البيانو، فيلم راعي البقر منتصف الليل، وفيلم مغادرة لاس فيغاس.

ضغط جوناثان على العنوان الأخير: كانت قصّة الحبّ المستحيلة هذه بين مدمن على الكحول انتحاريّ وغانية بائسة فيلمه المفضّل. حينما اكتشف هذا الفيم كان في ذروة نجاحه المهني والعائلي. ومع ذلك بدا له الانحراف الكحولي المتمادي لنيكولاس كيج، الغارق في الكحول والفشل في حياته شبه مألوفٍ. كان فيلماً من النوع الذي يحيي فيكم الجراح ويوقظ فيكم العفاريت القديمة وغرائزكم في تدمير الذات. من نوع القصص التي تُحيلكم إلى مخاوفكم الأكثر سرّية، إلى عزلتكم، وتذكّركم بأن لا أحد في منأى عن السقوط في مهاوي الجحيم. وحسب حالتك الذهنية في لحظتها، قد يُثير هذا العمل فيك الشعور بالغثيان أو يجعلك ترى نفسك أكثر وضوحاً. وفي كلّ الأحوال، يؤثّر فيك تأثيراً صحيحاً.

مما لا شكّ فيه أنّ مادلين غرين كانت تمتلك أذواقاً غير متوقّعة. ازداد جوناثان حيرةً وارتباكاً، فاستسلم للبحث في رسائلها الإلكترونية وفي رسائلها القصيرة. عدا عن رسائلها المهنية، كان معظم مراسلاتها عبارة عن رسائل متبادلة مع رافائيل – صديقها، الذي بدا واضحاً أنّه مغرمٌ للغاية وودودٌ جدّاً – وكذلك مع صديقتها المقرّبة – جوليان الشهيرة، السليطة والمهذارة والثرثارة ولكنّها الصديقة الوفية والمرحة. دعت العشرات من الرسائل الإلكترونية المرسلة من مقاولٍ باريسي جوناثان يتوقّع انتقالاً وشيكاً إلى منزلٍ في سان – جيرمان – آن – لاي كان مادلين ورافائيل قد أعدّاه بعناية وحماسة لكي يكون العشّ الأوّل لحبّهما.

على ما يبدو، كان الثنائي غارقاً في التأمّلات، إلاّ إذا ...

.... وهو يتابع ما ينبغي أن يُسمّى "نبشاً"، وقع جوناثان على المفكّرة الإلكترونية لمادلين ووجد مواعيد منتظمة مع شخصٍ يُدعى إيستيبان. تخيّل مباشرةً بلاي – بوي أرجنتيني محبوباً من الفتاة الإنجليزية. مرتان في الأسبوع، يومي الاثنين والخميس، بين الساعة السادسة والسابعة مساءً، كانت مادلين تذهب للقاء كازانوفا خاصّتها الأميركي الجنوبي! ترى هل كان رافائيل اللطيف على علمٍ بنزوات خطيبته الحسناء؟ كلا، بالطبع. كان جوناثان بنفسه قد تعرّض للحظّ العاثر نفسه ولم يكن قد لاحظ أيّ شيء يحدث حينما اكتشف خيانة فرانسيسكا له، بينما كان يعتقد بأنّ حياته الزوجية بمنأى عن العواصف.

كلّ النساء سواء ... فكّر وهو متقزّز تماماً.

في الصور، بدا له رافائيل تافهاً بعض الشيء ببلوزته المطروحة على كتفيه وقميصه الأزرق الخشن المثالي. ولكن أمام ناسف

السعادة الزوجية الذي كان بلا شكّ إيستيبان، لم يستطع جوناثان أن يمنع نفسه عن الشعور حياله بالشفقة والتضامن الخاصّين بالأزواج المخدوعين.

*

من بين المواعيد الأخرى، كانت عبارة "جينيكو" ترد على نحوٍ منتظم: الدكتور سيلفي آندريو الذي راجعته مادلين على ما يبدو قبل ستّة أشهر بسبب مشكلة تتعلّق بالعقم. على الأقلّ، هذا ما كان تفترضه رسائل إلكترونية مرسلة من مختبرٍ للتحاليل الطبية التي كانت مادلين قد احتفظت بها. أمام شاشة هاتفه المحمول، شعر جوناثان بأنّه متلصّص ومنحرف المزاج، لكنّ شيئاً ما عند هذه المرأة بدأ يأسره.

في الأسابيع الأخيرة هذه، كانت مادلين قد اجتازت الاختبارات الأكثر شيوعاً لكشف عقمٍ محتَمَلٍ: منحنيات درجة الحرارة، أخذ عينات للتحليل، صور إيكوغرافية، صور شعاعية. كان جوناثان هنا في ميدانٍ معروفٍ بالنسبة إليه: فقد كان وفرانسيسكا قد تعرّضا لمشاكل مماثلة وخضعا لهذه الإجراءات والاختبارات نفسها قبل أن ينجبا شارلي.

استغرق الوقت الكافي لقراءة النتائج بانتباهٍ وتركيز. حسب ما فهم منها، كانت النتائج إيجابية. كانت مطَمْئنة ولم تكن عملية الإباضة عندها بحاجة إلى التنشيط. حتى عزيزها الحنون قد ارتضى أن يخضع لتحليل نِطافه وكان على رفائيل أن يتأكّد بارتياح من أنّ حيواناته المنوية كانت بالعدد والنشاط الكافيين بما يسمح له بالإنجاب.

لم يكن ينقص سوى اختبار وحيد، يُدعى "فحص هوهنر"، لكي تكتمل لوحة التحاليل. لدى تفحّص الملاحظات المخزّنة في المفكّرة الإلكترونية، تبيّن لجوناثان أنّ التاريخ، منذ ثلاثة اشهر، كان قد أُجّل في كلّ مرّة.

أمرٌ غريب...

كان يتذكّر تماماً حالته النفسية في تلك الفترة، حينما قام هو نفسه بهذا الاختبار مع فرانسيسكا. لا شكّ أن للاختبار المكرّس للتحقّق من التوافق والانسجام بين الزوجين ضغوطات وقواعد إلزامية – يجب أن يُجرى التحليل في اليومين السابقين على موعد الإباضة وعلى الأقلّ بعد اثنتي عشرة ساعة من علاقة جنسية مباشرة غير محمية – ولكن ما أن تتّخذ القرار الحاسم بالخضوع لهذه السلسلة من التحاليل، لا تعود لديك سوى رغبة وحيدة ألا وهي أن تنتهي من إجرائها بأسرع ما يمكن من الوقت حتى تطمئنّ ويرتاح بالك.

تُرى لماذا أجّلت مادلين موعد الاختبار لثلاث مرّات؟

انهمك في التفكير العميق في هذا السؤال وهو يعرف تمام المعرفة بأنّه سوف لن يعثر على جوابٍ لهذا السؤال المؤرق والمحيرّ. في نهاية المطاف، ربّما يكون تأجيل هذه المواعيد الملغاة بقرارٍ من الدكتور جينيكو أو برغبةٍ من رافائيل.

قاطع بوريس تفكيره، زاعقاً:

-هيّا، اذهب إلى النوم، يا هذا!

لمرّة واحدة، كان الطائر على حقّ. بماذا يلعب وقد ظلّ ساهراً حتى الساعة الثانية فجراً وهو يتفحّص بإمعانٍ شاشة هاتف امرأةٍ لم يلتقِ بها في حياته سوى لدقيقتين لا أكثر؟

*

نهض جوناثان من كرسيّه وهو عاقدٌ العزم على أن يذهب إلى النوم، لكنّ الهاتف المحمول ظلّ يمارس عليه سلطته في الجذب. وإذا عجز عن تركه جانباً، أوصل الهاتف المحمول على شبكة الواي – فاي للإنترنت في المنزل قبل أن يعود ويتفحّص من جديد مجموعة الصوّر المخزّنة في ذاكرة الهاتف. استعرض الوضعيات المختلفة للقطات مادلين إلى أن وجد من جديد الوضعية التي كان يبحث عنها. شغّل الطابعة لكي يطبع تلك الصورة وهو يدخل إلى الصالون.

أصدرت الآلة الطابعة وميضاً وصريراً قبل أن تلفظ صورة شخصية بتصميم أميركيّ تجسّد المرأة الشابّة وهي تقف أمام القناة الكبيرة في مدينة البندقية. أمسك جوناثان بالصورة وركّز نظرته على نظرة مادلين.

كان ثمّة لغز في ذاك الوجه. وراء الإشراقة والابتسامة المرتسمة على الشفتين، شعر بأنّ هناك صدعٌ ما، شيءٌ ما انكسر مرّة واحدة وإلى الأبد، وكأنّ الصورة كانت تحمل رسالة مضمرة لم يكن قادراً على أن يفكّك رموزها الخفيّة.

عاد جوناثان من جديد إلى الشرفة. منبهراً بذلك الهاتف المحمول، كان يحصي الآن مختلف التطبيقات المحمّلة من قبل مادلين – صحف الأخبار، خط مسار قطار الأنفاق الباريسي، النشرة الجوية وأحوال الطقس ...

همس وهو يلمس شاشة الهاتف لمساً خفيفاً:

-تُرى ما هو سرّكِ، يا مادلين غرين؟

ردّد الببغاء بصوتٍ زاعق:

-مادلين غرييييييييييييييييييين.

أنير الضوء في البيت المقابل لبيت جوناثان، وصرخ أحد الجيران، شاكياً:

-نريد أن ننام!

فتح جوناثان فمه لكي يوبّخ بوريس حينما لفت برنامجٌ انتباهه: كانت "مفكّرة نسوية" أودعت فيها مادلين جزءاً كبيراً من حياتها الحميمية. كانت المفكّرة منظمّة بطريقة خاصّة بحيث يحفظ التطبيق في الذاكرة مواعيد الدورة الشهرية المنتظمة ويوضّح أيام الإباضة وتواريخ الخصوبة ويحسب معدّل دورات الطمث الشهرية. كان "سجلاً يومياً" يتابع تطوّر الوزن ودرجة الحرارة والأمزجة والنزوات بينما كانت أيقونات رزينة على شكل قلب تتيح لمن تستعمل هذا التطبيق أن تحدّد الأيام التي أقامت فيها علاقة جنسية.

ومن خلال النظر إلى حالة القلوب على المفكّرة، قفزت الحقيقة البديهية إلى عيني جوناثان: كانت مادلين تدّعي بأنّها ترغب في إنجاب طفل ولكنها كانت تحرص على أن لا تمارس الجنس إلا خارج فترات الخصوبة هذه ...